![]() |
داء ٌ.... ودواء ٌ . لمن أصيب به
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
داء ٌ.... ودواء ٌ . لمن أصيب به { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد } قال الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ (في مدارج السالكين) (1/102) : فصل في بيان اشتمال الفاتحة على الشفاءين : شفاء القلوب ، وشفاء الأبدان ( فأما اشتمالها على شفاء القلوب : فإنها اشتملت عليه أتم اشتمال ، فإن مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين : فساد العلم ، وفساد القصد . ويترتب عليهما داءان قاتلان ، وهما الضلال والغضب ، فالضلال نتيجة فساد العلم ، والغضب نتيجة فساد القصد ، وهذان المرضان هما ملاك امراض القلوب جميعها . فهداية الصراط المستقيم : تتضمن الشفاء من مرض الضلال ، ولذلك كان سؤال الهداية أفرض دعاء على كل عبد . وأوجبه عليه كل يوم وليلة . في كل صلاة ، لشدة ضرورته وفاقته إلى الهداية المطلوبة . ولا يقوم غير هذا السؤال مقامه . والتحقيق بـ { إياك نعبد وإياك نستعين } علماً ومعرفة ، وعملاً وحالاً : يتضمن الشفاء من مرض فساد القلب والقصد ، فإن فساد القصد يتعلق بالغايات والوسائل ، فمن طلب غاية منطقة مضمحلة فانية ، وتوسل إليها بأنواع الوسائل الموصلة إليها كان كلا نوعي قصده فاسداً ، وهو شأن كل من كان غاية مطلوبه غير الله وعبوديته : من المشركين ومتبعي الشهوات ، الذين لا غاية لهم وراءها ، وأصحاب الرياسات المتبعين لإقامة رياستهم بأي طريق كان من حق أو باطل ، فإذا جاء الحق معارضاً في طريق رياستهم طحنوه وداسوه بأرجلهم ، فإن عجزوا عن ذلك دفعوه دفع الصائل ، فإن عجزوا عن ذلك حبسوه في الطريق ، وحادوا عنه إلى طريق أخرى ، وهم مستعدون لدفعه بحسب الإمكان ، فإذا لم يجدوا منه بدّاً أعطوه السكة والخطبة وعزلوه عن التصرف والحكم والتنفيذ ، وإن جاء الحق ناصراً لهم وكان لهم صالوا به وجالوا ، وأتوا إليه مذعنين ، لا لأنه حق ، بل لموافقته غرضهم وأهوائهم ، وانتصارهم به { وإذا دُعُوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريقٌ منهم معرضون * وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين * أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون } . والمقصود : أن قصد هؤلاء فاسد في غاياتهم ووسائلهم ، وهؤلاء إذا بطلت الغايات التي طلبوها ، واضمحلت وفنيت ، وحصلوا على أعظم الخسران والحسرات ، وهم أعظم الناس ندامة وتحسراً ، إذا حق الحق وبطل الباطل ، وتقطعت بهم أسباب الوصل التي بينهم ، وتيقنوا انقطاعهم عن ركب الفلاح والسعادة ، وهذا يظهر كثيراً في الدنيا ، ويظهر أقوى من ذلك عند الرحيل منها والقدوم على الله ، ويشتد ظهوره وتحققه في البرزخ ، وينكشف كل الانكشاف يوم اللقاء ، إذا حقّت الحقائق وفاز المحقون وخسر المبطلون وعلموا أنهم كانوا كاذبين ، وكانوا مخدوعين مغرورين ، فيا له هناك من علم لا ينفع عالمه ، ويقين لا ينجي مستيقنه . وكذلك من طلب الغاية العليا والمطلب الأسمى ، ولكن لم يتوسل إليه بالوسيلة الموصلة له وإليه ، بل توسل إليه بوسيلة ظنها موصلة إليه ، وهي من أعظم القواطع عنه ، فحاله أيضاً كحال هذا ، وكلاهما فاسد القصد ، ولا شفاء من هذا المرض إلا بدواء { إياك نعبد وإياك نستعين }. فإن هذا الدواء مركب من ستة أجزاء : 1 ـ عبودية الله لا غيره . 2 ـ بأمره وشرعه . 3 ـ لا هوى . 4 ـ ولا بآراء الرجال وأوضاعهم ، ورسومهم ، وأفكارهم . 5 ـ بالاستعانة على عبودية به . 6 ـ لا بنفس العبد وقوته وحوله ولا بغيره . فهذه هي أجزاء { إياك نعبد وإياك نستعين } فإذا ركبها الطبيب اللطيف ، العالم بالمرض ، واستعمالها المريض ، حصل بها الشفاء التام ، وما نقص من الشفاء فهو لفوات جزء من أجزائها ، أو اثنين أو أكثرها. ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان ، أن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولابد . وهما : الرياء ، والكبر ؛ فدواء الريا بـ { أياك نعبد } ودواء الكبر بـ { إياك نستعين } . وكثيراً ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدس الله روحه ـ يقول : { إياك نعبد } تدفع الرياء و { وإياك نستعين } تدفع الكبرياء . فإذا عوفي من مرض الرياء بـ { إياك نعبد } ومن مرض الكبرياء والعجب بـ { إياك نستعين } ومن مرض الضلال والجهل بـ { اهدنا الصراط المستقيم } عوفي من أمراضه وأسقامه ، ورفل في ثواب العافية ، وتمت عليه النعمة ، وكان من المنعم عليهم { غير المغضوب عليهم } وهم أهل فساد القصد ، الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه والضالين وهم أهل فساد العلم ، الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه . وحق لسورة تشتمل على هذين الشفاءين : أن يستشفى بها من كل مرض ، ولهذا لما اشتملت على هذا الشفاء الذي هو أعظم الشفاءين ، كان حصول الشفاء الأدنى بها ، كما سنبينه . فلا شيء أشفى للقلوب التي عقلت عن الله وكلامه ، وفهمت عنه فهماً خاصاً ، اختصها به ، من معاني هذه السورة). انتهى كلامه رحمه الله وغفر الله له وقد قيل : أسباب الضلالة : قلة البضاعة ، وسوء الفهم ، وفساد القصد فاللهم إنا نسألك علماً نافعاً ، وعملاً خالصاً آمين. |
| الساعة الآن 03:00 PM. |
powered by vbulletin