![]() |
الوصيـة بالنسـاء للشيخ العثيمين رحمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركته
الوصيـة بالنسـاء للشيخ العثيمين رحمه الله ـ بـاب الوصيـة بالنسـاء قال الله تعالى : ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) [النساء:19] ، وقال تعالى : ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً )[النساء:129] . الـشـرح قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ : باب الوصية بالنساء ، يعني الوصية على أن يرفق بهن الإنسان وأن يتقي الله فيهن ؛ لأنهن قاصرات يحتجن إلى من يجبرهن ويكلمهن ، كما قال الله تعالى : (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) [النساء: 34] . ثم استدل المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ بقول الله تعالى : ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) يعني : عاشروا النساء بالمعروف . والمعاشرة : معناها المصاحبة والمعاملة ؛ فيعاملها الإنسان بالمعروف ويصاحبها كذلك . والمعروف: ما عرفه الشرع وأقره واطرد به العرف ، والعبرة بما أقره الشرع ، فإذا أقر الشرع شيئاً فهو المعروف ، وإذا أنكر شيئاً فهو المنكر ولو عرفه الناس . وقال تعالى : ( وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُم )[النساء: 129] ، وهذا الخطاب لمن كان عنده زوجتان فاكثر ، يبين الله عز وجل أن الإنسان لا يستطيع أن يعدل بين النساء ولو حرص ؛ لأن هناك أشياء تكون بغير اختيار الإنسان ؛ كالمودة والميل وما أشبه ذلك ، مما يكون في القلب . أما ما يكون بالبدن فإنه يمكن العدل فيه ؛ كالعدل في النفقة ، والعدل في المعاملة بأن يقسم لهذه ليلتها وهذه ليلتها، والكسوة ، وغير ذلك فهذا ممكن ، لكن ما في القلب لا يمكن أن يعدل الإنسان فيه ؛ لأنه بغير اختياره. ولهذا قال الله تعالى : ( فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا ) أي تذروا المرأة إذا التي ملتم عنها ( كَالْمُعَلَّقَةِ ) بين السماء والأرض، ليس لها قرار ؛ لأن المرأة إذا رأت أن زوجها مال مع ضرتها تعبت تعباً عظيماً، واشتغل قلبها ، فصارت كالمعلقة بين السماء والأرض ليس لها قرار . ثم قال : ( فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً ) يعني إن تسلكوا سبيل الإصلاح وتقوى الله عز وجل ؛ فإن الله كان غفوراً رحيماً : يعني يغفر لكم ما لا تستطيعونه، ولكنه يؤاخذكم بما تستطيعون. وهاتان الآيتان وغيرهما من نصوص الكتاب والسنة كلها تدل على الرفق بالمرأة وملاحظتها ومعاشرتها بالتي هي أحسن ، وأن الإنسان لا يطلب منها حقه كاملاً ؛ لأنها لا يمكن أن تأتي به على وجه الكمال فليعف وليصفح . ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( استوصوا بالنساء خيراً ؛ فإن المرأة خلقت من ضلع ، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه كسرته ، وإن تركته لم يزل أعوج ، فاستوصوا بالنساء )) متفق عليه (72) . وفي رواية في (( الصحيحين ))( المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها ، وإن استمتعت بها ، استمتعت وفيها عوج )) (73) . وفي رواية لمسلم : (( إن المرأة خلقت من ضلع ، لن تستقيم لك على طريقة ، فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج ، وإن ذهبت تقيمها كسرتها ، وكسرها طلاقها )) (74) . قوله : (( عوج )) هو بفتح العين والواو . الـشـرح ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه في معاشرة النساء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( استوصوا بالنساء خيراً )) يعني : اقبلوا هذه الوصية التي أوصيكم بها ، وذلك أن تفعلوا خيراً مع النساء ؛ لأن النساء قاصرات في العقول ، وقاصرات في الدين ، وقاصرات في التفكير ، وقاصرات في جميع شئونهن ، فإنهن خلقن من ضلع . وذلك أن آدم عليه الصلاة والسلام خلقه الله من غير أب ولا أم ، بل خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ، ولما أراد الله تعالى أن يبث من هذه الخليقة ، خلق منه زوجه ، فخلقها من ضلعه الأعوج ، فخلقت من الضلع الأعوج ، والضلع الأعوج إن استمتعت به استمتعت به وفيه العوج ، وإن ذهبت تقيمه انكسر . فهذه المرأة أيضاً إن استمتع بها الإنسان استمتع بها على عوج ، فيرضى بما تيسر ، وإن أراد أن تستقيم فإنها لن تستقيم ، ولن يتمكن من ذلك ، فهي وإن استقامت في دينها فلن تستقيم فيما تقتضيه طبيعتها ، ولا تكون لزوجها على ما يريد في كل شيء ، بل لابد من مخالفة ، ولابد من تقصير ، مع القصور الذي فيها . فهي قاصرة بمقتضى جبلتها وطبيعتها ، ومقصرة أيضاً ، فإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها ، يعني معناه أنك إن حاولت أن تستقيم لك على ما تريد فلا يمكن ذلك ، وحينئذ تسأم منها وتطلقها ، فكسرها طلاقها . وفي هذا توجيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاشرة الإنسان لأهله ، وأنه ينبغي أن يأخذ منهم العفو ما تيسر ، كما قال تعالى : ( خُذِ الْعَفْوَ ) يعني ما عفى وسهل من أخلاق الناس ( وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)[الأعراف: 199] . ولا يمكن أن تجد امرأة مهما كان الأمر سالمة من العيب مائة بالمائة ، أو مواتية للزوج مائة بالمائة ، ولكن كما أرشد النبي عليه الصلاة والسلام استمتع بها على ما فيها من العوج . وأيضاً إن كرهت منها خلقاً رضيت منها خلقاً آخر ، فقابل هذا بهذا مع الصبر ، وقد قال الله تعالى : ( فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً)[النساء: 19] . ـ وعن عبد الله بن زمعة رضي الله عنه ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، وذكر الناقة والذي عقرها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا) انبعث لها رجل عزير ، عارم منيع في رهطه)) ثم ذكر النساء ، فوعظ فيهن ، فقال : (( يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد فلعله يضاجعها من أخر يومه )) ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة وقال : (( لم يضحك أحدكم مما يفعل ؟ )) متفق عليه (75) . (( والعارم )) بالعين المهملة والراء : هو الشرير المفسد . وقوله : (( انبعث )) أي : قام بسرعة . الـشـرح ذكر المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ فيما نقله عن عبد الله بن زمعة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على ناقته ، وكان عليه الصلاة والسلام خطبه على نوعين : نوع راتب ، ونوع عارض ؛ فالخطب الراتبة كخطب يوم الجمعة ، وخطب العيدين ، والاستسقاء ،والكسوف وما أشبه ذلك ، والخطب العارضة هي التي يكون لها سبب ، فيقوم النبي صلى الله عليه وسلم فيخطب الناس ويعظمهم ويبين لهم؛ وأحياناً يخطب على المنبر ، وأحياناً يخطب قائماً على الأرض ، وأحياناً يخطب على ناقته ، وأحياناً يخطب معتمداً على بعض أصحابه ، حسب ما تقتضيه الحال في وقتها ؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام من هديه أنه لا يتكلف ؛ فلا يطلب المعدوم ، ولا يرد الموجود إذا لم يكن في ذلك تقصير في الشرع ، أو تجاوز فيه .فكان صلى الله عليه وسلم يخطب ، وسمعه عبد الله بن زمعة ، ومن جملة ما خطب أنه قال : (( يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد )) يعني يجلدها جلد شخص كأنه لا علاقة بينه وبينها ، وكأنها عنده عبد أسير عانٍ ، وهذا لا يليق ؛ لأن علاقة الرجل مع أهله علاقة خاصة ينبغي أن تكون مبنية على المحبة والألفة والبعد عن الفحشاء : القولية أو الفعلية . أما أن يجلدها كما يجلد العبد ثم في آخر اليوم يضاجعها . كيف تضاجعها في آخر اليوم وتستمتع بها محبة وتلذذاً وشهوة وأنت قد جلدتها جلد العبد ؟ ! فهذا تناقض ، ولهذا عتب النبي عليه الصلاة السلام على هذا العمل ، فإنه لا ينبغي أن يقع هذا الشيء من الإنسان ، وصدق النبي عليه الصلاة والسلام ، فإن هذا لا يليق بالعاقل فضلاً عن المؤمن .ثم تحدث أيضاً عن شيء آخر وهو الضحك من الضرطة ، يعني إذا ضرط الإنسان وخرجت الريح من دبره ولها صوت ضحكوا ، فقال صلى الله عليه وسلم واعظاً لهم في ذلك : (( لم يضحك أحدكم مما يفعل ؟ )) . ألست أنت تضرط كما يضرط هذا الرجل ؟ بلى ، إذا كان كذلك فلماذا تضحك ؟ فالإنسان إنما يضحك ويتعجب من شيء لا يقع منه ، أما ما يقع منه ؛ فإنه لا ينبغي أن يضحك منه ، ولهذا عاتب النبي صلى الله عليه وسلم من يضحكون من الضرطة ؛ لأن هذا شيء يخرج منهم ، وهو عادة عند كثير من الناس . كثير من الناس في بعض الأعراف لا يبالون إذا ضرط أحدهم وإلى جنبه إخوانه ولا يحتشمون من ذلك أبداً ، ويرون أنها من جنس العطاس أو السعال أو ما أشبه ذلك . لكن في بعض االأعراف ينتقدون هذا . لكن كونك تضحك وتخجل صاحبك ، فهذا مما لا ينبغي . وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان لا ينبغي له أن يعيب غيره فيما يفعله هو بنفسه ، إذا كنت لا تعيبه بنفسك فكيف تعيبه بإخوانك ؟ ! وبهذه المناسبة أود أن أنبه على مسألة شائعة عند العامة ، فإنه من المعلوم أن لحم الإبل إذا أكل منه الإنسان وهو متوضئ انتقض وضوءه ، ووجب عليه أن يتوضأ إذا أراد الصلاة ، سواء أكله نيئاً أو مطبوخاً ، وسواء كان هبراً ، أو كبداً أو مصراناً ، أو كرشاً ، أو قلباً ، أو رئة ، كل ما حملت البعير فإن أكله ناقض للوضوء ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستثن شيئاً وإنما قال : (( توضئوا من لحوم الإبل )) (76) ، وسئل أنتوضأ من لحوم الإبل فقال : (( نعم )) ، قال : من لحوم الغم فقال : (( إن شئت )) (77) ؛ لحم الغنم لا ينقض الوضوء لحم البقر لا ينقض الوضوء ، لحم الخيل لا ينقض الوضوء ، لكن لحم الإبل ينقض الوضوء ؛ إذا أكلته نيئاً أو مطبوخاً هبراً أو غير هبر ؛ وجب عليك أن تتوضأ . فأما شرب لبنها ، فإن الصحيح أنه ليس بناقض للوضوء ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر العرنيين أن يخرجوا إلى إبل الصدقة ، ويشربوا من أبوالها وألبانها لم يأمرهم بالوضوء ، ولو كان واجباً لأمرهم به ، فإن توضأ فهو أحسن ، أما الوجوب فلا . وكذلك المرق لا يجب الوضوء منه وإن توضأت فهو أحسن ، أما اللحم فلابد ، وكذلك الشحم فلابد من الوضوء منه . يقول بعض الناس : إن السبب أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في وليمة وكان لحمها لحم إبل ، وأنه خرجت ريح من بعض الحاضرين ولا يدري من ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( من أكل لحم إبل فليتوضأ )) فقام جميعهم يتوضئون . وجعلوا هذا السبب في أن الإنسان يتوضأ من لحم الإبل ، وهذا حديث باطل لا أصل له ، وإنما الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء من لحم الإبل لحكمة الله يعلمها ، قد نعلمها نحن وقد لا نعلمها ، المهم نحن علينا أن نقول : سمعنا وأطعنا ، أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نتوضأ من لحوم الإبل إذا أكلنا منها فسمعاً وطاعة. ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر )) أو قال : (( غيره )) رواه مسلم (78) . وقوله (( يفرك )) هو بفتح الياء وإسكان الفاء وفتح الراء معناه : يبغض ، يقال : فركت المرأة زوجها ، وفركها زوجها ، بكسر الراء ، يفركها بفتحها : أي أبغضها ، والله أعلم . الـشـرح ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ فيما نقله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر )) . الفرك : يعني البغضاء والعداوة ، يعني لا يعادي المؤمن المؤمنة كزوجته مثلاً لا يعاديها ويبغضها إذا رأى منها ما يكرهه من الأخلاق ، وذلك لأن الإنسان يجب عليه القيام بالعدل ، وأن يراعي المعامل له بما تقتضيه حاله ، والعدل أن يوازن بين السيئات والحسنات ، وينظر أيهما أكثر وأيهما أعظم وقعاً ، فيغلب ما كان أكثر وما كان أشد تأثيراً ؛ هذا هو العدل . ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا )[المائدة:8]، يعني لا يحملكم بغضهم على عدم العدل اعدلوا ولو كنتم تبغضونه ، ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر ليخرص عليهم ثمر النخل ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عامل أهل خيبر حين فتحها على أن يكفوه المئونة ، ويقوموا بإصلاح النخيل والزرع ولهم النصف .فكان يبعث عليهم من يخرص عليهم الثمرة ، فبعث إليهم عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم ، ثم قال لهم : يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إلى ، قتلتم أنبياء الله عز وجل ، وكذبتم على الله ، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم ، قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر ، فإن شئتم فلكم ، وإن أبيتم فلي ، فقالوا : بهذا قامت السَّمَوَاتِ والأرض ))(79) . فالشاهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أن يكون الإنسان حاكماً بالعدل والقسط ، فقال : (( لا يفرك مؤمن مؤمنة )) يعني لا يبغضها لأخلاقها ، إن كره منها خلقاً رضي منه خلقاً آخر .إذا أساءت مثلاً في ردها عليك مرة ، لكنها أحسنت إليك مرات ، أساءت ليلة لكنها أحسنت ليالي ، أساءت في معاملة الأولاد مرة ، لكن أحسنت كثيراً . . وهكذا . فأنت إذا أساءت إليك زوجتك لا تنظر إلى الإساءة في الوقت الحاضر ، ولكن انظر إلى الماضي وانظر للمستقبل واحكم بالعدل . وهذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في المرأة يكون في غيرها أيضاً ممن يكون بينك وبينه معاملة أو صداقة أو ما أشبه ذلك ، إذا أساء إليك يوماً من الدهر فلا تنس إحسانه إليك مرة أخرى وقارن بين هذا وهذا ، وإذا غلب الإحسان على الإساءة ؛ فالحكم للإحسان ، وإن غلبت الإساءة على الإحسان فأنظر إن كان أهلاً للعفو فاعف عنه،وإن عفا وأصلح فأجره على الله ، وإن لم يكن أهلاً للعفو ؛ فخذ بحقك وأنت غير ملوم إذا أخذت بحقك ، لكن انظر للمصلحة . فالحاصل أن الإنسان ينبغي له أن يعامل من بينه وبينهم صلة من زوجته أو صداقة أو معاملة ، في بيع أو شراء أو غيره ، أن يعامله بالعدل إذا كره منه خلقاً أو أساء إليه في معاملة ، أن ينظر للجوانب الأخرى الحسنة حتى يقارن بين هذا وهذا ، فإن هذا هو العدل الذي أمر الله به ورسوله كما قال الله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل:90] . * * * ـ وعن عمرو بن الأحوص الجشمي رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول بعد أن حمد الله تعالى ، وأثني عليه وذكر ووعظ ، ثم قال : (( ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا . ألا إن لكم على نسائكم حقاً ، ولنسائكم عليكم حقاً ؛ فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون ، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن )) رواه الترمذي (80) وقال حديث حسن صحيح . . قوله صلى الله عليه وسلم : (( عوان )) أي : أسيرات جمع عانية ، بالعين المهملة ، وهي الأسيرة ، والعاني : الأسير شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة في دخولها تحت حكم الزوج بالأسير . (( والضرب المبرح )) : هو الشاق الشديد . وقوله صلى الله عليه وسلم : (( فلا تبغوا عليهن سبيلا )) أي : لا تطلبوا طريقاً تحتجون به عليهن وتؤذونهن به . والله أعلم . الـشـرح ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ فيما نقله عن عمرو بن الأحوص الجشمي رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع يخطب وكان ذلك في عرفة ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قدم مكة يوم الأحد الرابع من ذي الحجة ، وبقي فيها إلى يوم الخميس الثامن من ذي الحجة .وخرج ضحى يوم الخميس إلى منى ، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، فلما طلعت الشمس ،صار إلى عرفة ،فنزل بنمرة وهي مكان معروف قبل عرفة وليست من عرفة ، ثم زالت الشمس وحلت صلاة الظهر ، فأمر أن تُرَحّل له ناقته فرحلت له وركب ، حتى أتى بطن الوادي ـ بطن عرنة ـ وهو شعيب عظيم يحد عرفة من الناحية الغربية إلى الناحية الشمالية ، فنزل ثم خطب الناس صلى الله عليه وسلم خطبة عظيمة بليغة . ثم قال فيها من جملة ما قال ما أوصي به أمته بالنسبة للنساء : ((استوصوا بالنساء خيراً ، فإنما هن عوان عندكم )) العواني جمع عانية وهي الأسيرة ، يعني أن الزوجة عند زوجها بمنزلة الأسير عند من أسره ؛ لأنه يملكها ، وإذا كان يملكها فهي كالأسير عنده ، ثم بين صلى الله عليه وسلم أنه لا حق لنا أن نضربهم إلا إذا أتين بفاحشة مبينة ، والفاحشة هنا عصيان الزوج ، بدليل قوله : ( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً )[ النساء: 34] ، يعني إن قصرت الزوجة في حق زوجها عليها ؛ فإنه يعظها أولاً ثم يهجرها في المضجع فلا ينام معها ، ثم يضربها ضرباً غير مبرح إن هي استمرت على العصيان .هذه مراتب تأديب المرأة إذا أتت بفاحشة مبينة ، وهي عصيان الزوج فيما يجب له : ( فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) يعني لا تضربوهن ولا تقصروا في حقهن ؛ لأنهن قمن بالواجب .ثم بين صلى الله عليه وسلم الحق الذي لهن والذي عليهن ، فقال (( لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه )) يعني لا يجعلن يدخل عليهن على فراش النوم أو غيره وأنت تكره أن يجلس على فراش بيتك ، وكأن هذا ـ والعلم عند الله ـ ضرب مثل ، والمعنى : أن لا يكرمن أحداً تكرهونه ؛ هذا من المضادة لكم أن يكرمن من تكرهونه بإجلاسه على الفرش أو تقديم الطعام له ، أو ما أشبه ذلك . وأن لا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ، يعني لا يدخلن أحداً البيت وأنت تكره أن يدخل ، حتى لو كانت أمها أو أباها ، فلا يحل لها أن تدخل أمها أو أباها ، أو أختها أو أخاها ، أو عمها أو خالها أو عمتها أو خالتها إلى بيت زوجها إذا كان يكره ذلك . وإنما نبهت على هذا ؛ لأن بعض النساء والعياذ بالله شر ، شر حتى على بنتها ، إذا رأت أن زوجها يحبها أصابتها الغيرة والعياذ بالله ـ وهي الأم ـ ثم حاولت أن تفسد بين البنت وزجها ، فهذه الأم للزوج أن يقول لزوجته لا تدخل بيتي ، له أن يمنعها شرعاً ، وله أن يمنع زوجته من الذهاب إليها ؛ لأنها نمامة تفسد ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا يدخل الجنة قتات )) (81) أي نمام . ثم قال صلى الله عليه وسلم : (( ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف )). فالزوج هو الذي ينفق على زوجته حتى لو كانت غنية ، ولو كانت موظفة ، فليس له حق في وظيفتها ولا في راتبها ، ليس له قرش واحد . كله لها ، وتلزمه بأن ينفق عليها ؛ فإذا قال : كيف أنفق عليك وأنت غنية ، وأنت لك راتب كراتبي ؟ نقول : يلزمك نقول : يلزمك الإنفاق عليها وإن كانت كذلك ، فإن أبيت فللحاكم القاضي أن يفسخ النكاح غصباً من الزوج ، وذلك لأنه ملتزم بنفقتها . والحاصل أن خطبة حجة الوداع خطبة عظيمة قرر فيها النبي صلى اله عليه وسلم شيئاً كثيراً من أصول الدين ومن الحقوق ، حتى قال صلى الله عليه وسلم من جملة ما قال:(( ألا وإن ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي)) كانوا في الجاهلية ـ نسأل الله العافية ـ إذا حل الدين على الفقير قالوا له : إما أن تربي وإما أن تقضي : ((تقضي)) يعني توفينا ، ((تربي)) يعني نزيد عليك الدين حتى يصبح أضعافاً مضاعفة .فقال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حاكماً ومشرعاً : (( إن ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين))يعني تحت رجلي ليس له قائمة ، ثم قال : ((وأول ربا ً أضع ربا العباس بن عبد المطلب ))(82) . الله أكبر ، صراحة عظيمة وعدل قائم في تنفيذ أحكام الله ، (( أول رباً أضع ربا العباس )) ، العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم . لو كان النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من أهل الدنيا لجحد ، ولا أخبر الناس أن عمه يرابي ، وأبقى رباه على ما هو عليه ، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو غاية الخلق في العدل يقول (( أول رباً أضع ربا العباس بن عبد المطلب )) ، فإنه موضوع كله ، فليس لأحد ممن عليه الربا أن يوفيه ، فهو ساقط كأن لم يكن ؛ ليس للعباس إلا رأس ماله فقط . وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم حينما جاء الناس يشفعون في امرأة من بني مخزوم كانت تستعير المتاع وتجحده ، تستعير المتاع ؛ كالقدر والفرش وغيره ، ثم إنها بعد أن تأخذ هذا المتاع كانت تنكر أنها أخذت شيئاً ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تقطع يدها لأنها سارقة .فأهم قريش شأنها ؛ امرأة من بني مخزوم ـ إحدى قبائل قريش الكبرى ـ فقاموا ليشفعوا لها وقدموا أسامة بن زيد يشفع عند النبي صلى الله عليه وسلم .وأسامة هو ابن عتيق الرسول صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ؛ عبد أهدته خديجة للرسول صلى الله.. |
| الساعة الآن 07:28 AM. |
powered by vbulletin