منتديات منابر النور العلمية

منتديات منابر النور العلمية (http://m-noor.com//index.php)
-   منبر الردود السلفية والمساجلات العلمية (http://m-noor.com//forumdisplay.php?f=7)
-   -   استدراك (http://m-noor.com//showthread.php?t=5626)

أبو مصعب معاذ المغربي 11-20-2010 08:50 AM

استدراك
 
كان أن وقع في مقالي السابق خطأ في نقلين عن شيخ الاسلام فالأول :
قال شيخ الاسلام رحمه الله كما في شرح العمدة 2/ص86:
حقيقة الدين هو الطاعة و الانقياد, و ذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط؛ فمن لم يفعل لله شيئا فما دان لله دينا، و من لا دين له فهو كافر .
إلى هنا ينتهي الكلام من شرح العمدة و الكلام الآخر في كتاب الإيمان حيث قال رحمه الله :

(ولهذا كان القول :إن الإيمان قول و عمل عند أهل السنة ،و من شعائر أهل السنة و حكى غير واحد الإجماع على ذلك ،و قد ذكرنا عن الشافعي رضي الله عنه ما ذكره من الإجماع على ذلك قوله في ((الأم)) :وكان الإجماع من الصحابة، والتابعين من بعدهم, ومن أدركناهم يقولون :الإيمان : قول وعمل ونية ؛ لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر.)اهـ الإيمان الكبيرص241 ت الألباني .


حبذا لو يتداركه الإخوة المشرفون ،إذ قد أغلق الموضوع و الله الموفق

رائد آل طاهر 11-20-2010 04:58 PM

لتعرف أنَّ ((التأني من الله، والعجلة من الشيطان))، فاحذر بارك الله فيك، ووفقك لما يحب ويرضى التعجل - (نسخ لصق) بمفتاح واحد! - مرة أخرى.

أبو مصعب معاذ المغربي 11-20-2010 05:17 PM

أقول جزاك الله خيرا

رائد آل طاهر 11-20-2010 05:22 PM

بارك الله فيك

أبو مصعب معاذ المغربي 11-20-2010 08:15 PM

جزاك الله خيرا ،و ألهمك رشدك ،و غفر ذنبك .

رائد آل طاهر 11-22-2010 01:15 PM

قال الإمام ابن نصر المروزي رحمه الله تعالى في كتابه تعظيم قدر الصلاة؛ وهو يذكر ثلاث طوائف من أهل الحديث اختلفوا في مسألة الفرق بين الإسلام والإيمان:
الطائفة الأولى: تفرق بين الإسلام والإيمان وعندهم فاعل الكبيرة وتارك العمل الواجب مسلم، وهو فاسق بكبيرته.
والطائفة الثانية: أيضاً تفرق بينهما؛ ولكن فاعل الكبيرة عندهم مسلم، وهو كافر؛ أي من حيث العمل.
والطائفة الثالثة: وهم الذين لا يفرقون بين الإسلام والإيمان، وعندهم فاعل الكبيرة مسلم، وهو في نفس الوقت مؤمن؛ لكن من حيث الأصل.
وإليك تفصيل أقوالهم:
قالت الطائفة الأولى: ((فقالوا: الإيمان خاص يثبت الاسم به بالعمل بالتوحيد، والإسلام عام يثبت الاسم به بالتوحيد والخروج من ملل الكفر؛... قال الزهري: فنرى أنَّ الإسلام الكلمة والإيمان العمل...، فقال أبو جعفر: هذا الإسلام ودوَّر دارة واسعة، وقال: هذا الإيمان ودوَّر دارة صغيرة في وسط الكبيرة، قال: والإيمان مقصور في الإسلام؛ فإذا زنى أو سرق خرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الكفر بالله))
ثم ذكر المروزي حجة هذه الطائفة من أهل الحديث فقال:
((قالوا: فلنا في هؤلاء أسوة وبهم قدوة، مع ما يثبت ذلك من النظر، وذلك أنَّ الله جعل اسم المؤمن اسم ثناء وتزكية، ومدحة أوجب عليه الجنة، فقال: "وكان بالمؤمنين رحيماً تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجراً كريماً"، وقال: "وبشر الذين آمنوا أنَّ لهم قدم صدق عند ربهم"، وقال: "يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم"، وقال: "يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم"، وقال: "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور"، وقال: "وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار".
قال: ثم أوجب الله النار على الكبائر؛ فدلَّ بذلك على أنَّ اسم الإيمان زائل عن من أتى كبيرة.
قالوا: ولم نجد الله أوجب الجنة باسم الإسلام؛ فثبت أنَّ اسم الإسلام له ثابت على حاله، واسم الإيمان زائل عنه.
فإن قيل لهم في قولهم هذا: أليس الإيمان ضد الكفر؟
قالوا: الكفر ضد لأصل الإيمان؛ لأنَّ للإيمان أصلاً وفرعاً، فلا يثبت الكفر حتى يزول أصل الإيمان الذي هو ضد الكفر.
فإن قيل لهم: فالذي زعمتم أنَّ النبي صلى الله عليه و سلم أزال عنه اسم الإيمان هل فيه من الإيمان شيء؟ قالوا: نعم أصله ثابت، ولولا ذلك لكفر؛ ألم تسمع إلى ابن مسعود أنكر على الذي شهد أنه مؤمن، ثم قال: لكنا نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله؛ يخبرك أنه قد آمن من جهة أنه قد صدق، وأنه لا يستحق اسم المؤمن إذ كان يعلم أنه مقصر؛ لأنه لا يستحق هذا الاسم عنده إلا من أدَّى ما وجب وانتهى عما حرم عليه من الموجبات للنار التي هي الكبائر.
قالوا: فلما أبان الله أنَّ هذا الاسم يستحقه من قد استحق الجنة وأنَّ الله قد أوجب الجنة عليه، وعلمنا أنا قد آمنا وصدقنا؛ لأنه لا يخرج من التكذيب إلا بالتصديق ولسنا بشاكين ولا مكذبين، وعلمنا أنا له عاصون مستوجبون للعذاب وهو ضد الثواب الذي حكم الله به للمؤمنين على اسم الإيمان، علمنا أنا قد آمنا وأمسكنا عن الاسم الذي أثبت الله عليه الحكم بالجنة وهو من الله اسم ثناء وتزكية، وقد نهانا الله أن نزكي أنفسنا وأمرنا بالخوف على أنفسنا، وأوجب لنا العذاب بعصياننا، فعلمنا أنا لسنا بمستحقين بأن نتسمَّى مؤمنين إذ أوجب الله على اسم الإيمان الثناء والتزكية والرحمة والرأفة والمغفرة والجنة، وأوجب على الكبائر النار؛ وهذان حكمان يتضادان.
فإن قيل: فكيف أمسكتم عن اسم الإيمان أن تسموا به وأنتم تزعمون أنَّ أصل الإيمان في قلوبكم وهو التصديق بأن الله حق وما قاله صدق؟
قالوا: إنَّ الله ورسوله وجماعة المسلمين سموا الأشياء بما غلب عليها من الأسماء؛ فسموا الزاني فاسقاً والقاذف فاسقاً، وشارب الخمر فاسقاً، ولم يسموا واحداً من هؤلاء متقياً ولا ورعاً، وقد اجمع المسلمون أنَّ فيه أصل التقى والورع؛ وذلك أنه يتقي أن يكفر أو يشرك بالله شيئاً، وكذلك يتقي الله أن يترك الغسل من الجنابة أو الصلاة، ويتقي أن يأتي أمه، فهو في جميع ذلك متق، وقد أجمع المسلمون من المخالفين والموافقين أنهم لا يسمونه متقياً ولا ورعاً إذا كان يأتي بالفجور، فلما أجمعوا أنَّ أصل التقى والورع ثابت فيه، وأنه قد يزيد فيه فروعاً بعد الأصل كتورعه عن إتيان المحارم ثم لا يسمونه متقياً ولا ورعاً مع إتيانه بعض الكبائر، وسموه فاسقاً وفاجراً مع علمهم أنه قد أتى بعض التقى والورع، فمنعهم من ذلك أنَّ اسم التقى اسم ثناء وتزكية وأنَّ الله قد أوجب عليه المغفرة والجنة، قالوا: فكذلك لا نسميه مؤمناً، ونسميه فاسقاً زانياً؛ وإن كان أُصِّل في قلبه اسم الإيمان، لأنَّ الإيمان اسم أثنى الله به على المؤمنين وزكاهم به فأوجب عليه الجنة، فمن ثم قلنا: مسلم، ولم نقل: مؤمن، قالوا ولو كان أحد من المسلمين الموحدين يستحق أن لا يكون في قلبه إيمان ولا إسلام من الموحدين لكان أحق الناس بذلك أهل النار الذين دخلوها؛ فلما وجدنا النبي صلى الله عليه و سلم يخبر أنَّ الله يقول: "أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان" ثبت أنَّ شر المسلمين في قلبه إيمان، ولما وجدنا الأمة يحكم عليهم بالأحكام التي ألزمها الله المسلمين ولا يكفرونهم ولا يشهدون لهم بالجنة ثبت أنهم مسلمون، إذ أجمعوا أن يمضوا عليهم أحكام المسلمين، وأنهم لا يستحقون أن يسموا مؤمنين إذ كان الإسلام ثبتاً للملة التي يخرج بها المسلم من جميع الملل فتزول عنه أسماء الملل إلا اسم الإسلام، وتثبت أحكام الإسلام عليه، وتزول عنه أحكام جميع الملل.
فان قال لهم قائل: لم لم تقولوا كافرون إن شاء الله؛ تريدون به كمال الكفر، كما قلتم مؤمنين ان شاء الله تريدون به كمال الإيمان؟
قالوا: لأنَّ الكافر منكر للحق، والمؤمن أصلي الإقرار، والإنكار لا أول له ولا آخر فينتظر به الحقائق، والإيمان أصله التصديق، والإقرار ينتظر به حقائق الأداء لما أقر، والتحقيق لما صدق؛ مثل ذلك كمثل: رجلين عليهما حق لرجل فسأل أحدهما حقه، فقال: ليس لك عندي حق، فأنكر وجحد، فلم تبق له منزلة يحقق بها ما قال إذ جحد وأنكر، وسأل الآخر حقه، فقال: نعم لك عليَّ كذا وكذا، فليس إقراره بالذي يصل إليه بذلك حقه دون أن يوفيه، وهو منتظر له أن يحقق ما قال إلا بأداءه ويصدق إقراره بالوفاء، ولو أقر ثم لم يؤد حقه كان كمن جحده في المعنى إذا استويا في الترك للأداء، فتحقيق ما قال أن يؤدي إليه حقه، فإن أدى جزءاً منه حقق بعض ما قال، ووفى ببعض ما أقر به، وكلما أدى جزءاً ازداد تحقيقا لما أقر به، وعلى المؤمن الأداء أبداً لما أقر به حتى يموت، فمن ثم قلنا: مؤمن إن شاء الله ولم يقل كافر إن شاء الله))
ثم ذكر الإمام ابن نصر المروزي اعتقاد الطائفة الثانية من أهل الحديث فقال:
((وقالت طائفة أخرى أيضاً من أصحاب الحديث بمثل مقالة هؤلاء؛ إلا أنهم سموه مسلماً لخروجه من ملل الكفر ولإقراره بالله وبما قال، ولم يسموه مؤمناً، وزعموا أنه مع تسميتهم إياه بالإسلام كافر؛ لا كافر بالله، ولكن كافر من طريق العمل، وقالوا: كفر لا ينقله عن الملة، وقالوا: محال أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، والكفر ضد الإيمان فيزيل عنه اسم الإيمان إلا واسم الكفر لازم له؛ لأنَّ الكفر ضد الإيمان، إلا أنَّ الكفر كفران: كفر هو جحد بالله وبما قال؛ فذلك ضده الإقرار بالله والتصديق به وبما قال، وكفر هو عمل ضد الإيمان الذي هو عمل، ألا ترى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه"، قالوا: فإذا لم يؤمن فقد كفر، ولا يجوز غير ذلك، إلا أنه كفر من جهة العمل؛ إذ لم يؤمن من جهة العمل، لأنه لا يضيع المفترض عليه ويركب الكبائر إلا من قلة خوفه، وإنما يقل خوفه من قله تعظيمه لله ووعيده، فقد ترك من الإيمان التعظيم الذي صدر عنه الخوف والورع عن الخوف، فأقسم النبي صلى الله عليه و سلم أنه: "لا يؤمن إذا لم يأمن جاره بوائقه"، ثم قد روى جماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قتال المسلم كفر"، وأنه قال: "إذا قال المسلم لأخيه يا كافر ولم يكن كذلك فقد باء بالكفر"، فقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم بقتاله أخاه كافراً وبقوله له يا كافر كافراً، وهذه الكلمة دون الزنا والسرقة وشرب الخمر، قالوا: وأما قول من احتج علينا فزعم أنا إذا سميناه كافراً لزمنا أن نحكم عليه بحكم الكافرين بالله فنستتيبه ونبطل الحدود عنه لأنه إذا كفر فقد زالت عنه أحكام المؤمنين وحدودهم وفي ذلك إسقاط الحدود وأحكام المؤمنين عن كل من أتى كبيرة.
فإنا لم نذهب في ذلك إلى حيث ذهبوا؛ ولكنا نقول: للإيمان أصل وفرع، وضد الإيمان الكفر في كل معنى، فأصل الإيمان الإقرار والتصديق، وفرعه إكمال العمل بالقلب والبدن، فضد الإقرار والتصديق الذي هو أصل الإيمان الكفر بالله وبما قال وترك التصديق به وله، وضد الإيمان الذي هو عمل وليس هو إقرار كفر ليس بكفر بالله ينقل عن الملة ولكن كفر يضيع العمل كما كان العمل إيماناً، وليس هو الإيمان الذي هو إقرار بالله، فكما كان من ترك الايمان الذي هو إقرار بالله كافراً يستتاب، ومن ترك الإيمان الذي هو عمل مثل الزكاة والحج والصوم أو ترك الورع عن شرب الخمر والزنا فقد زال عنه بعض الإيمان ولا يجب أن يستتاب عندنا، ولا عند من خالفنا من أهل السنة وأهل البدع ممن قال إنَّ الإيمان تصديق وعمل إلا الخوارج وحدها، فكذلك لا يجب بقولنا كافر من جهة تضييع العمل أن يستتاب ولا يزول عنه الحدود، وكما لم يكن بزوال الإيمان الذي هو عمل استتابته ولا إزالة الحدود عنه إذ لم يزل أصل الإيمان عنه، فكذلك لا يجب علينا استتابته وإزالة الحدود والأحكام عنه بإثباتنا له اسم الكفر من قبل العمل إذ لم يأت بأصل الكفر الذي هو جحد بالله أو بما قال.
قالوا: ولما كان العلم بالله إيماناً والجهل به كفراً، وكان العمل بالفرائض إيماناً والجهل بها قبل نزولها ليس بكفر، وبعد نزولها من لم يعملها ليس بكفر؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أقروا بالله في أول ما بعث الله رسوله صلى الله عليه و سلم إليهم ولم يعملوا الفرائض التي افترضت عليهم بعد ذلك؛ فلم يكن جهلهم ذلك كفراً، ثم انزل الله عليهم هذه الفرائض فكان اقرارهم بها والقيام بها إيماناً، وانما يكفر من جحدها لتكذيبه خبر الله، ولو لم يأت خبر من الله ماكان بجهلها كافراً، وبعد مجيء الخبر من لم يسمع بالخبر من المسلمين لم يكن بجهلها كافراً، والجهل بالله في كل حال كفر قبل الخبر وبعد الخبر.
قالوا فمن ثم قلنا: إنَّ ترك التصديق بالله كفر به، وإنَّ ترك الفرائض مع تصديق الله أنه أوجبها كفر ليس بكفر بالله، إنما هو كفر من جهة ترك الحق؛ كما يقول القائل: كفرتني حقي ونعمتي، يريد ضيعت حقي وضيعت شكر نعمتي.
قالوا: ولنا في هذا قدوة بمن روى عنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم والتابعين إذ جعلوا للكفر فروعاً دون أصله لا تنقل صاحبه عن ملة الإسلام، كما ثبتوا للإيمان من جهة العمل فرعاً للأصل لا ينقل تركه عن ملة الإسلام...))
قال الإمام ابن نصر المروزي في هاتين الطائفتين:
((فهذان مذهبان، هما في الجملة محكيان عن أحمد بن حنبل في موافقيه من أصحاب الحديث)).
ثم قال ابن نصر المروزي في بيان اعتقاد الطائفة الثالثة من أهل الحديث:
((وقالت طائفة ثالثة، وهم الجمهور الأعظم من أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث: الإيمان الذي دعا الله العباد إليه وافترضه عليهم هو الإسلام الذي جعله ديناً وارتضاه لعباده ودعاهم إليه، وهو ضد الكفر الذي سخطه؛ فقال: "ولا يرضى لعباده الكفر"، وقال: "ورضيت لكم الاسلام ديناً"، وقال: "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام"، وقال: "أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه"، فمدح الله الإسلام بمثل ما مدح به الإيمان وجعله اسم ثناء وتزكية....
ثم قال: وقد جامعتنا هذه الطائفة التي فرَّقت بين الإيمان والإسلام على أنَّ الإيمان قول وعمل، وأنَّ الصلاة والزكاة من الإيمان، وقد سماهما الله ديناً، وأخبر أنَّ الدين عند الله الإسلام، فقد سمى الله الإسلام بما سمى به الإيمان، وسمى الإيمان بما سمى به الاسلام، وبمثل ذلك جاءت الاخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن زعم أنَّ الإسلام هو الإقرار وأنَّ العمل ليس منه فقد خالف الكتاب والسنة، ولا فرق بينه وبين المرجئة إذ زعمت أنَّ الإيمان إقرار بما عمل.
فقد بين الله في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أنَّ الإسلام والإيمان لا يفترقان، فمن صدَّق الله فقد آمن به، ومن آمن بالله فقد خضع لله، وقد أسلم لله، ومن صام وصلى وقام بفرائض الله وانتهى عما نهى الله عنه فقد استكمل الايمان، والاسلام المفترض عليه، ومن ترك من ذلك شيئاً فلن يزول عنه اسم الإيمان ولا الإسلام؛ إلا أنه أنقص من غيره في الإسلام والإيمان من غير نقصان من الإقرار بأنَّ الله وما قال حق لا باطل وصدق لا كذب، ولكن ينقص من الإيمان الذي هو تعظيم للقدر خضوع للهيبة والجلال والطاعة للمصدق به وهو الله عز وجل، فمن ذلك يكون النقصان، لا من إقراراهم بأنَّ الله حق وما قاله صدق)).
أقول: فتأمل يا رعاك الله؛ مذاهب هذه الطوائف الثلاث، وكيف جعلوا العمل –وهو ما زاد عن أصل الإيمان القلبي والإقرار باللسان- من كمال الإيمان وفرعه، والذي لا يخرج الرجل عن ملة الإسلام بزواله، وجعلوا ترك الفرائض مع تصديق الله أنه أوجبها كفراً، لكن ليس بكفر بالله، إنما هو كفر من جهة تضييع العمل.
ثم جمع الإمام ابن نصر المروزي رحمه الله تعالى بين معتقد هذه الطوائف السنية فقال:
((قالوا: ومما يدلك على تحقيق قولنا؛ أنَّ مَنْ فرق بين الإيمان والإسلام قد جامعنا أنَّ من أتى الكبائر التي استوجب النار بركوبها لن يزول عنه اسم الإسلام، وشر من الكبائر وأعظمهم ركوباً لها من أدخله الله النار، فهم يروون الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ويثبتونه أنَّ الله يقول: "أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان، ومثقال برة، ومثقال شعيرة".
فقد أخبر الله تبارك وتعالى أنَّ في قلوبهم إيماناً أخرجوا به من النار، وهم أشر أهل التوحيد الذين لا يزول في قولنا وفي قول من خالفنا عنهم اسم الإسلام، ولا جائز أن يكون من في قلبه إيمان يستوجب به الخروج من النار ودخول الجنة ليس بمؤمن بالله، إذ لا جائز أن يفعل الإيمان الذي يثاب عليه بقلبه من ليس بمؤمن كما لا جائز أن يفعل الكفر بقلبه من ليس بكافر؛ عن ابن عباس أنه قال: ينزع منه نور الإيمان، ونور الإيمان ليس هو كل الإيمان، فإنما أراد بقوله: ينزع منه الإيمان بعض الإيمان لا كل الإيمان حتى لا يبقى فيه شيء من الإيمان، فلو كان كذلك لكان كافراً إذ زال عنه اسم الإيمان بأسره، فلما قال النبي صلى الله عليه و سلم عن الله عز و جل: "أخرجوا من النار من كان في قلبه مثال خردلة من إيمان" لأنَّ من دخل النار فقد لقي الله بالكبائر، وقد أخبر النبي صلى الله عليه و سلم أنَّ في قلوبهم أجزاء من الإيمان استحقوا بذلك اسم الإيمان، ووجب لهم عليه الثواب؛ لولا ذلك ما دخلوا الجنة، لأنه لا يدخل الجنة من البالغين العاقلين من ليس بمؤمن، لأنَّ الله عز وجل قال في كتابه: "وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله"، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة"، وفي بعض الحديث: "لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة"، وليس ذلك بمتناقض ولا مختلف؛ لأنَّ معناهما واحد. ولما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أنَّ الله يخرج من النار من كان في قلبه مثال خردلة من إيمان فيدخله الجنة؛ علمنا أنه لم يدخله الجنة الا وهو مسلم مؤمن)).
أقول: فهذه الطوائف الثلاثة السنية كلهم يمروون على أحاديث الشفاعة والتي فيها أنَّ الخروج من النار يكون بما في القلب من إيمان، ويثبتون ذلك من غير تأويل لها.
فكيف يسوغ لأحد أن يمر على هذه الأحاديث ويتوقف فيها أو يتأولها بما يخرج عن ظاهرها المتبادر إلى الذهن، والذي مرَّ عليه علماؤنا الأوائل ولم يتأولوه ولا توقفوا في قبوله؟!


الساعة الآن 11:41 AM.

powered by vbulletin