المثال الأول: الموقف من رسالة عمَّان الداعية إلى إخوة ووحدة الأديان
أما موقف علي الحلبي من الرسالة فلم يتبدَّل إلى يومنا هذا!!، ولا زالت رسالة عمان في نظره ونظر أنصاره لها تقدير واهتمام وثناء، ولها حق الدفاع والنصرة.
بل كلنا تصوَّرنا أنَّ الحلبي بعد إطلاعه على موقف الشيخ العباد حفظه الله تعالى من فقرة من فقرات الرسالة!، أنه سيعرض عن ذكرها، ويتراجع عن الثناء عليها، وأنه سيحذف المقالات التي نشرت وأثنت وباركت ودافعت وشرحت الرسالة في موقعه.
لكن حدث ما ليس بالحسبان!.
أكَّد الحلبي في مقال [جواب الشيخ المحدث علي الحلبي على رسالة الشيخ الدكتور صادق البيضاني حول (قضايا منهجية)] على ما سبق منه من مناصرة لرسالة عمان ومراوغة وإصرار في الثناء!.
وأعجب ما قرأته في هذا المقال: أنَّ الحلبي جاء إلى العبارة التي انتقدها الشيخان العباد والفوزان حفظهما الله تعالى – وهي أصرح عبارة تدعو إلى وحدة الأديان! – فقال بجرأة عجيبة: ((ما ادُّعِيَ على رسالة عمّان مِن أنَّها تدعُو إلى عقيدة (وحدة الأديان) – الكفرية -، أو.. أو.. - كُلُّه - ليسَ صريحاً!، ولا ظاهراً ألبتَّة!، وإنَّما هو ألفاظٌ يَسيرةٌ مُحتملَةٌ - ليس إلا، بل إنَّ فيها (نصّاً) (ظاهراً) (جليّاً) يُخالفُ ذلك، ويُناقضُهُ؛ وذلك (نصُّ) ما جاءَ فيها: "أصلُ الدِّياناتِ الإلهيَّةِ واحدٌ، والمُسلمُ يُؤمنُ بجَمِيعِ الرُّسُلِ، ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ أحدٍ منهُم، وإنَّ إنكارَ رسالةِ أيِّ واحدٍ منهُم خُروجٌ عن الإسلامِ؛ ممَّا يؤسِّسُ إيجادَ قاعدةٍ واسعةٍ للالتِقاءِ مع المُؤمنِينَ بالدِّياناتِ الأُخرَى على صُعُدٍ مُشترَكَةٍ في خِدمةِ المُجتمعِ الإنسانيِّ، دونَ مَساسٍ بالتميُّزِ العَقَدِيِّ، والاستِقلالِ الفِكريِّ؛ مُستندِينَ في هذا كُلِّهِ إلى قولِهِ تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير)".
فأيُّ ادِّعاءٍ (باطلٍ) ذاك في موضوعِ (وحدةِ الأديانِ) هذا؛ مع هذا (التنصيصِ الواضحِ الجليِّ) على نَفْيِ ذلك وعَدَمِهِ، وبألفاظٍ مُتعدِّدةٍ شتَّى، لعلَّ أظهرَها ما جاءَ في الرسالةِ كما تقدَّم: «دونَ مَساسٍ بالتَّمَيُّزِ العَقَدِيِّ والاستقلالِ الفِكريِّ» عند ذِكرِ الدِّياناتِ.
وعليه؛ فمِن المُمْكِنِ – جدًّا - حملُ ما (قد) يُوجد فيها مِن ألفاظٍ مُحتملةٍ - بحُسنِ الظَّنِّ وحُسن النَّظَرِ في السياقِ من جهةٍ؛ وفي إدراكِ المآلاتِ ومعرفة النتائج من جهةٍ أخرى، إلى ما لا يُخالفُ الشريعة، وما لا يُناقض شيئًا مِن قواعدِ المِلَّةِ البديعة)) انتهى كلام الحلبي.
أقول: فتصوَّر أيها القارئ جرأة الحلبي وعناده!، كيف يأتي إلى نفس النص المنتقَد عند العلماء الأكابر فيجعله نصاً ظاهراً واضحاً جلياً على سلامة رسالة عمان من فكرة وحدة الأديان؟!.
فماذا يعني؟!
يعني أنَّ العلماء الأكابر لا يعرفون النص الظاهر الجلي من النص المحتمل الخفي!.
بل يعني؛ أنَّ العلماء الأكابر يجعلون النص الظاهر الجلي على سلامة الرسالة من فكرة وحدة الأديان، من أبطل ما يكون!، ومن أقبح ما يكون!.
على وزن "أفعل"؛ كما يدندن نحويو منتديات كل السلفيين!!!
وأما موقف الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله تعالى فهو مسجل بصوته:
س/ يقول وجدتُ هذه العبارة تقول: ((أصل الديانات الإلهيّة واحد، والمسلم يؤمن بجميع الرسل، ولا يفرّق بين أحد منهم، وإنَّ إنكار رسالة أي واحد منهم خروج عن الإسلام؛ مما يؤسس إيجاد قاعدة واسعة للالتقاء مع المؤمنين بالديانات الأخرى على صعد مشتركة في خدمة المجتمع الإنساني؛ دون مساس بالتميّز العقدي والاستقــلال الفكري))؟.
فكان جواب الشيخ العباد حفظه الله تعالى: ((الكلام الأول جميل، والكلام الأخير خبيث, أوله حسن وآخره سيء، يعني كون الرسل ديانتهم واحدة وأنهم يدعون إلى التوحيد وأنه يجب الإيمان بكل واحد منهم وأنَّ من كفر بواحد فهو كافر بالجميع هذا كله حق.
وأما هذا الكلام الذي يقول فيه بالتقاء الديانات...!!؛ بعد بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليس في دين حق إلا دين الإسلام، ولا يجوز أن يعتقد بأن هناك دين موجود الآن يعني يتبعه غير المسلمين هو حق، بل الشرائع كلها نسخت ببعثته صلى الله عليه وسلم؛ كما قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "والذي نَفْسي بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأُمّة يهوديٌّ أو نصرانيٌّ ثم يموت ولا يُؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النَّار"، وقال: "ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي"، وعيسى إذا نزل في آخر الزمان يحكم بشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يحكم بالإنجيل, الشرائع انتهت بعد بعثته صلى الله عليه وسلم ليس لها وجود الآن، لكن يعني جاء بما يتعلق بأهل الكتاب أنهم يعاملون معاملة خاصة؛ لأنَّ لهم أصل دين، فإذا أعطوا الجزية فإنهم يبقون تحت ولاية المسلمين، لأنَّ ذلك من أسباب دخولهم في الإسلام. أما كونه يقال: إنَّ الديانات بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم كلها حق وأنها معتبرة وأنه لا فرق بينها؛ فهذا الكلام من أبطل ما يكون, ومن أقبح ما يكون)).
وهذا في مسألة (وحدة الأديان) التي هي من أعظم المسائل التي من أجلها بدَّع الشيخ ربيع حفظه الله تعالى الحلبي.
فهل بين الشيخ العباد والشيخ ربيع اختلاف في هذه المسألة؟!
وهل الشيخ العباد يوافق الحلبي في هذه المسألة؟!
والعجيب أنَّ بعض متعصبة رسالة عمان وهو الكاتب ياسين نزال يقول في مقاله [القول العدل الشيخ الحلبي ومقاصد (رسالة عمان) الهاشمية]: ((وقد شبّهتُ هذه الرّسالةَ الهاشمية من حيثُ مقاصدها برسالة العلاّمة العباد (رفقًا أهل السنة بأهل السنة)؛ فالأولى كانتْ لمحاربة فتنةِ التّكفير والتّفجير، والثانية لمواجهة فتنة التبديع المنفلت المتفلّت؛ فمن وقع في الثانية – بشدّةٍ - غالبًا ما سيقعَ في الأولى؛ إذ الثانية بوّابة الأولى!)).
أقول: أتمنى – والله - أن يُعرَض هذا التشبيه على الشيخ العباد أو أحد طلابه لنعرف مصداقيته؟!