جواب العلامة الألباني عن شبهة وقوع السَّلفيين في التَّعصب له ، رغم نهيهم غيرهم عن التَّعصب لرجل بعينه
جواب العلامة الألباني عن شبهة وقوع السَّلفيين في التَّعصب له ، رغم نهيهم غيرهم عن التَّعصب لرجل بعينه
قال المصنِّف كتاب :
التَّعصب للشّيوخ عواطف مشوبة بالأهواء
[ فالاتباع للعلماء إنما هو اتباع ما معهم من أدلة الكتاب والسنة ليس اتباعًا لذواتهم وأشخاصهم ]
وقد وُجه السؤال لإمام السنة في زماننا : العلامة المحدِّث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله
السؤال : يقول بعضُ النَّاس " إنَّ السلفيين ينهون الناس عن التقليد والتَّعصب لرجل بعينه وهم بأنفسهم قد وقعوا في تقليد الألباني ، فتجد أنهم يتبنون كل ما يتبناه الشيخ الألباني من آراء الفقهية ، ولا يخرجون عن أقواله وآرائه إلا نادرًا ، وكأنهم وضعوا كلِّ علماء الأمة على جنب ، وأخذوا فقط عن الشيخ الألباني ، وإذا ما خالف أحد الألباني في بعض المسائل أو أخطأ رأيًا من آرائه ، اعتبروه خارجًا من المنهج السَّلفي ، أو على الأقل يطعن في الدعوة السلفية أو يتهمونه بأنه لا يحب الشيخ أو يحترمه ، إلى غير ذلك من الاتهامات... ، وفي الحديث أيضًا لا يأخذون إلا بأقواله تصحيحًا وتضعيفًا ، فإذا قال صحيح ، قالوا : صحيح ، وإذا قال ضعيف ، قالوا : ضعيف ، وإذا تراجع عن حكم أصدره على حديث تراجعوا .
فما هي نصيحتكم لطلبة العلم المنتسبين إليكم ، إن كان بعضهم يتصف بهذا الوصف ، لا سيما وأن هذه المواقف من بعض المنتسبين لكم قد أدى إلى خلق بعض الخصومات والمشاحنات ، وأدى في بعض الأحيان إلى التحامل عليكم شخصيًا من قبل المشايخ وطلاب العلم بسبب تصرفات ومواقف بعض المنتسبين إليكم ؟
فأجاب الشَّيخ رحمه الله قائلاً :
جوابًا عن هذا السؤال في اعتقادى لا يمكن إلا بعد أن نفهم مَن هؤلاء النقاد أو المعترضين ؟ ما هو السبيل ؟ أفهم أنا من السؤال أن السبيل ألاَّ يتعصبوا للشَّيخ الألباني لا فيما يتعلق بالحديث ، ولا يتعلق بالفقه ، وهذا الذي نحن ندعوا الناس إليه ، لكن في تداعى هذا السؤال ما فيه ردُّ عليهم ، ولعلَّ هذا من إنصافهم - إلا أن تكون رمية من غير رامٍ - حيث جاء في السؤال إلا نادرًا ، فلماذا يخالفونه نادرًا ؟
الجواب هنا : يخالفونه نادرًا ، وهذا موجود ، وإن كان هذا النادر يعني تارة يكون صوابًا ، وتارة يكون خطأ ، لكن هذا النادر هو ردٌّ لصميم هذا السؤال ، فما دام أن فيه هناك مِن الذين ينتسبون إلى الدعوة السلفية مَن يخالف الألباني تارةً في التصحيح والتضعيف ، وتارةً في بعض الأحكام الفقهية ، فمعنى ذلك أنهم لم يقعوا في التقليد ، فكيف التوفيق بين هذا وبين هذا ، أنا أعتقد أن كلاَّ من الفريقين مُتجن على الآخر وغير معتدل في منهجه ومشربه ، أنا أشعر بأن الناقدين يريدون من كل مَن يتبنى المنهج السلفي ألاَّ يقبل رأى الألباني في التصحيح والتضعيف ، لأن هذا تقليد ، وكذلك يقال في الأحكام الفقهية ، وهذا بلا شك يعنى غلوٌ في العلم لا يقول به عالم ، وعندنا من يدعى مثل هذا الكلام ، فقلنا له : هل تُكلف كل إنسان من هؤلاء المسلمين حتى من كان منهم من العوام ... أن يكون هدفه أن يخالف الشيخ الألباني في التصحيح والتضعيف ، وفي الأحكام الشرعية .
ولماذا ؟ أليس من واجبهم كما قال تعالى : " فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " [ الأنبياء :7] .
طبعًا لا يسعه إلا أن يقول : هذا هو الجواب ، فإذا كان يتيسر له سؤال الألباني ، ولا يتيسر له سؤال ألباني آخر ، فماذا ينقم على هؤلاء أنهم يُسير مَن يستفيدون من علمه فاتبعوه وقلَّدوه ، لأنهم لا يستطيعون إلا هذا التقليد ، لكن الخطأ أن يدع الإنسان رأيه الذي وصل إليه بعلمه ...
لأن الشيخ لا يقول بهذا الرأي ، هذا ما أظن يجد هؤلاء الناقدون مثلاً يضربونه لإثبات دعواهم ، ولذلك فأنا أقول إن الخلاف الذي أشير إليه في السؤال ، هو والله أعلم ناشئ من سوء الفهم ، وليس لكون كل سلفي يتعصَّب للألباني ، ولو كان يعلم أن الألباني أخطأ ، نحن على العكس من ذلك ، كل يوم تقريبًا تجئ إلينا اعتراضات من إخواننا فيما يتعلق بالحديث ، وأحيانًا في بعض الأحكام ، وأحيانًا كتابةً ، وأحيانًا هاتفيًا ، وأحيانًا يتيسر لنا الرد عليهم ، وتخطئتهم وبيان وجه الخطأ ، وأحيانًا نقرهم على صوابهم ونعلن ذلك في بعض ما يتيسر لنا من كتابات ، فالأمر كما هو معروف عن الإمام مالك : ما منا من أحد إلا يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر
لكن السائل مع دعواه : ماذا يجيب على العامة أن يفعلوه ؟
هل يجب عليهم أن يجتهدوا الجواب ؟
فيما أعتقد عن هذا الناقد وأمثاله : لا يجب ، لأنهم لا يستطيعون .
ننزل مرتبة ثانيةً وهي التي نحن ندعو الناس إليها ، كلهم لا يستطيعون الاجتهاد فعليهم الاتباع ، أى : أن يعرفوا دليل المسألة التى يقول بها فلان ، لكن هذا الاتباع أيضًا ليس يتيسر لكل عامة الناس ، لأنه يحتاج إلى شئ من الوعى والثقافة والفهم ، وبخاصةٍ فيما يتعلق بعلم الحديث بالتصحيح والتضعيف ، ولا مجال هنا إلا للتقليد ، فماذا يسميه الإمام الصنعانى في رسالته في الاجتهاد والتقليد ... " إرشاد النقَّاد " ؟ يسميه اتباعًا ، ولا يسميه تقليدًا .
أما النوع الثاني من العلم وهو الأحكام ، فإذا استطاع فرد من أفراد العوام أن يستوعب وجهة نظر المتبني للمسألة فبها ونعمت ، وإلاَّ فلا يسعه إلا التقليد
بعض المغالين في هذا يقولون إن التقليد حرامٌ ، ومَنْ يقول هذا الكلام لا يمكنه أن يكون مقلدًا ، ولذلك القضية تحتاج إلى شئ من الاعتدال ... لاشك نحن لا نرضى أن يقلد من هو أعلم منَّا وأتقى منَّا تقليدًا أعمى فضلاً عن أن نرضى على أن نُقلَّدَ نحن ، ونحن دونهم بمراحل في كل تلك الأوصاف التى ذكرنا ، ولكن هذا لا يعنى أن نفتح باب الاجتهاد وباب الاتباع لكل ناعقٍ ، لكل جاهلٍ ، فيركب رأسه ويصحح ويضعف ، وقد تغلب عليه شهوة مخالفة الألبانى - مخالفة رأيه - ، لأن الألبانى ليس معصوم ، هذا صحيح ، لكن لكونه غير معصوم لا في الحديث ولا في الفقه ، لا يسول لمن لم يكن من أهل العلم أن يجتهد في التصحيح والتضعيف ، أو التحريم والتحليل ، وغيرهما من الأحكام الشرعية فإذن المسأله تحتاج الى اعتدال ، من كان يستطيع أن يكون تابعًا عارفًا أدلة الشيخ الألبانى أو غيره ، فترجح عنده ما عليه الألبانى ، فلا يُعاب عليه ، ولا يسمى مقلدًا للألبانى ، وإن كان لا يستطيع هذا ، ليس مكلفًا إلا بالتقليد ، ثمَّ هو مُخير كل التخيير أن يقلد من تطمئن له نفسه وينشرح له صدره ، ولا نستطيع نحن أن نكلف كل إنسان بأن يقلد أى إنسان ، وإنما يقلد من تيسر له الاتصال به وسؤاله أو .. أو .. الى آخره
وأنا أشعر بشئ ربما لا يشعر به الآخرون ، أنا مثلاً أسأل من منبع العلم السلفى - فيما نظن إن شاء الله - وهي بلاد السعودية ، فنُسأل هناك من مختلف البلاد وليس فقط من الشباب ، بل حتى من النساء ، ماذا نقول لهؤلاء السائلين من النوعين ، عندهم شيوخ بلا شك ، وبإمكانهم أن يسألوهم ، ولاشك أنهم يسألونهم ، لكن يجدون مسئولا آخر يظنون بحق أو بخطأ أنه على شئ من العلم ، فيتصلون مع بُعد المسافة يأخذون رأيه ، ثم بعد ذلك هم مأمورون بأن يأخذوا بالرأى الذى انشرح صدرهم له أو اطمأنت نفوسهم له .
فنحن إذن إن وجد شخصٌ يتعصب لنا تعصبًا أعمى خلاف هذا البيان الذى ذكرناه نحن الآن - وندعوا إليه من قديم الزمان - لسنا مسئولين عن أخطائه ، كما أن الأئمة الأربعة أنفسهم ليسوا مسئولين عن تعصب أتباعهم لهم ، لأنهم قد قالو : خذوا من حيث أخذنا ، وهذا الكلام كما قلنا آنفا ، إنما هو موجه لمن يستطيع أن يأخذ من حيث أخذوا ، أما العامة فلابد لهم من التقليد شاؤوا أم أبوا ، لأن هذا من باب " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " [ البقرة:287] ، هذا ما عندى من جواب على ذاك السؤال " إ.هـ
قلت ( الشَّيخ أبو عبد الأعلى خالد بن محمد بن عثمان حفظه الله ) :
ومن قبلها قالوها لمن سار على منهج إمام السنة أحمد بن حنبل رحمه الله في الانتصار لاعتقاد أهل السنة ، أو في الأخذ ببعض أقواله المؤيدة بالدليل في مسائل الفقه ، فقالوا : أنتم تتعصبون للمذهب الحنبلي !!
ثم قالو : بل و تتعصبون لشيخ الإسلام ابن تيمية ولتلميذه ابن قيم الجوزية رحمهما الله تعالى !!
ثم قالو : بل تتعصبون أيضًا للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، فأنتم وهابية !!
وأخيرًا قالو : بل أنتم تتعصبون للألبانى فأنتم ألبانيون ؟
ومن بعد قالو : أنتم تتعصبون مقبل بن هادى الوادعى ، فأنتم وادعيون !!
وتتعصبون لربيع بن هادى المدخلى ، فأنتم مداخلة ، أو ربيعيون !! ... الخ
هو هو الاتهام نفسه ، لكل مَن سار على نهج أئمة السنة من السابقين أو اللاحقين قاصدًا اتباع السنة لا قاصدًا اتباع لأشخاصهم ، أو التَّعصب لأقوالهم بغير برهان .
والردُّ هو ما قرره العلامة الألبانى رحمه الله في الإجابة السابقة .
نقلاً من كتاب : التَّعصب للشّيوخ عواطف مشوبة بالأهواء
لمؤلفه : الشَّيخ الفاضل أبو عبد الأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري حفظه الله
التعديل الأخير تم بواسطة سفيان الجزائري ; 02-04-2012 الساعة 11:10 AM
|