بداية نقل الفوائد من المجموع المبارك
قال إمام الجرح والتعديل – حفظه الله تعالى - :
وأنا بجهدي الضعيف كتبت كتابًا اسمه (( منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل )) فإن شئتم فارجعوا إليه لتستفيدوا منه ، بَيَّنْتُ فيه دعوةَ الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – وأنه طريقٌ رسمهُ الله لا يجوز الحيدةُ عنه يمينًا ولا شمالًا ، فإنَّ الحيدةَ عن منهج ِالأنبياء في الدعوة ِإلى الله حيدةٌ وانحرافٌ إلى الضلال والهلاك ؛ لأنَّ هذا المنهج وضعه الله – تبارك وتعالى – ورَسَمَهُ للأنبياء جميعًا من أوَّل رسول ٍ نوح إلى خاتَمِهم محمَّد – عليهم الصلاة والسلام - .
قال الله سبحانه وتعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ }[الأنبياء25] ، هذه الآية تقصُّ علينا كيف كان بدء دعوة الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – وما هي خلاصةُ دعوتهم – عليهم الصلاة والسلام - ، وقد أَثْبَتُّ في هذا الكتاب وجوبَ التزام هذا المنهج بالأدلة من القرآن والسُّنَّة والفطرة والعقل ، وأنَّ الدَّعوات التي لا تبدأ بالتوحيد ولا تنطلق من التوحيد قد حادت عن منهج الله ، واختارت طرقَ الضلال والهوى ، وانحرفت بالمدعوّين عن صراط الله المستقيم .
كلُّ الدَّعوات الموجودة الآن على وجه الأرض إذا رَسَمت لنفسها طريقًا للدعوة إلى اللهِ غير الطريقة التي رسمها الله لأنبيائِه ورسله و التزموها ونفّذوها فقد ضلّوا ؛ كما قال سبحانه وتعالى : {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ }[البقرة130]، ما هي ملة إبراهيم ؟ هي التوحيد والدعوة إليه ، فإبراهيم عليه السلام بدأ بالدعوة إلى التوحيد وناضلَ في هذا الميدان وحارب القريبَ والبعيد وناظرهم وأقام الحجَّةَ عليهم ، ثم بعد ذلك لما يَئِسَ من استجابتهم ذهب إلى أصنامهم وحطَّمَها ، فاغتاظوا لأجل هذه الأصنام وغَضِبُوا من أجلِها ، ولم يروا شيئًا يشفي غيظَهم إلَّا أن يقذفوه في النَّار ، فنجَّاه الله منها فصارت عليه بردًا وسلامًا ، وجعلهم الله الأسفلين .
وكذلك نوحٌ عليه السلام قبله لبث ألفًا إلَّا خمسين عامًا يدعو إلى توحيد الله – تبارك وتعالى - .
عندما تأتي إلى بلدٍ عندهم خرافات وبدع وشرك وضلالات ، هل نقول لهم : تعالوا نقيم دولة أو نبدأ بتصحيح عقائدهم حكامًا ومحكومين ؟! فأمَّا الطريق التي رسمها الله فتبدأ بتصحيح عقيدة الحاكم ، بأن تخبره أنَّ الله هو ربُّه ، وان يُعْبَدَ الله ، وأن يُخْلَصَ له الدِّين ، فإذا صلح وأصلح رعيته واستجابوا دخلوا في الإسلام تمامًا وسيكونون على أتمِّ الاستعداد لتنفيذ حاكمية الله ، وإذا رفضوا هذا فسوف يرفضون الحاكمية أيضًا ولن يستجيبوا لك ، ومن السّفه ومن مخافة الأنبياء ومنهجهم أن تقصد إلى الحاكمية وتَسْلُك مثل هذه الأشياء ؛ كما تفعل كثيرُ من الدعوات ، أمَّا أن تذهب إلى جانب التصوُّف ،وأمَا أن تذهب إلى جانب السِّياسة وتترك دعوةَ الأنبياء – عليهم الصَّلاة والسَّلام - ، فتكون النتيجةُ هي الضياع والخسران في الدنيا و الآخرة ؛ لأنها قامت على غير منهجِ الأنبياء وقامت على أسس فاسدة وقامت على الأهواء ؛ لأنهم إذا لو لم يكن عندهم أهواء وأغراض شخصية ومصالح لما قفزوا عن دعوة الأنبياء التي التزموها وطبَّقوُها . (1/26-28) .
يتبع ......