كيف يزاحم العبد ربوبية الله تعالى وألوهيته وهو لا يدري؟!
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله-:"واعلم أن حب الشرف بالحرص على نفوذ الأمر والنهي، وتدبير أمر الناس إذا كان الأصل بذلك مجرد علو المنزلة على الخلق والتعاظُم عليهم، وإظهار صاحب هذا الشرف حاجة الناس إليه وافتقارهم إليه، وذله لهم في طلب حوائجهم منه، فهذا نفسه مُزاحمةٍ لربوبية الله تعالى وألوهيته.
وربما تسبب بعض هؤلاء إلى إيقاع الناس في أمر يحتاجون فيه إليه، ليضطرهم بذلك إلى رفع حاجاتهم إليه، وظهور افتقارهم واحتياجهم إليه، ويتعاظم بذلك ويتكبر به، وهذا لا يصلح إلا لله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: 42].
وفي بعض الآثار:(إن الله تعالى ليبتلي عبده بالبلاء؛ ليسمع تضرعه),وفي الآثار أيضًا(إن العبد إذا دعا الله تعالى وهو يحبه، قال الله تعالى: يا جبريل لا تعجل في قضاء حاجته، فإني أحب أن أسمع تضرعه) فهذه الأمور أصعب وأخطر من مجرد الظلم، وأدهى من الشرك، والشرك أعظم الظلم عند الله تعالى.
قال الشيخ محمد بن هادي حفظه الله معلقا: " وذلك أن الناس يجب أن يذلوا لله تبارك وتعالى؛ لأن الناس واجب عليهم أن يذلوا وأن يُعبدُّوا لله تبارك وتعالىوأن يكون إظهار الافتقار إنما هو إلى الله تبارك وتعالىوأن يكون التعظيم في قلوبهم إنما هو لله تبارك وتعالى-فإذا أحب هذا أن تكون هذه المنزله له على الناس، فهذا مُزاحم لله في ربوبيته،ولاشك , نسأل الله العافية فيه من صفات فرعون ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:51]
فهذه الصفات صفات فرعونية، وفرعون هو الذي ادعى الربوبية، فهي مزاحمة لله -جل وعلا- في ربوبيته.
وعباد الله المؤمنين لا يبغون علوًا في الأرض ولا فسادًا ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83]."