عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 08-29-2010, 08:05 PM
أم أفنان السلفية أم أفنان السلفية غير متواجد حالياً
العضو المشاركة - وفقهـا الله -
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 52
شكراً: 0
تم شكره 19 مرة في 13 مشاركة
افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


(الدرس الثاني )


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد ؛




فنكمل ما كنا بدأنا به من شرح كتاب الصيام من بلوغ المرام .




قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في أول كتاب الصيام : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - : " لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه " متفق عليه .




بداية وقبل كل شيءنحتاج عندما يمر بنا حديث نبوي إلى معرفة من خرَّجه وما هو حاله ، أي من ذكر هذاالحديث بإسناده في كتابه ، وما هو حال هذا الحديث من حيث الصحة والضعف .




الحافظ ابن حجر رحمه الله في كل حديث يذكره في بلوغ المرام يذكر من خرجه .




فقال في هذا الحديث :متفق عليه ، هذا تخريج الحديث ، لا يحتاج هنا أن يذكر ما حال الحديث ؛ لأن معنى المتفق عليه ؛ الذي أخرجه البخاري و مسلم ، الحديث الذي أخرجه البخاري وأخرجه مسلم في صحيحيهما وعن صحابي واحد يقال له حديث متفق عليه كهذا الذي بين أيدينا.




والحديث إذا أخرجه البخاري أو مسلم يكون صحيحاً تلقائياً ؛ لأن البخاري ومسلماًاشترطا الصحة في كتابيهما ، أي أن البخاري اشترط أن لا يضع في كتابه الصحيح إلا ما صح من الحديث ، وكذلك مسلم اشترط أن لا يضع في كتابه من الحديث إلا ما صح ، فيكون الحديث الذي أخرجه البخاري أو أخرجه مسلم صحيحاً .




فبمجرد أن يقول لك الحديث متفق عليه؛ تلقائياً تعلم أن الحديث صحيح ، وأحاديث الصحيحين اتفق علماء الأمة على صحة مافيهما ؛ إلا القليل النادر الذي انتقده بعض أهل العلم وتم فيه الانتقاد وهو قليل جداً ، وإلا فالأصل في الحديث الذي يخرجه البخاري أو مسلم أنه صحيح .





فهنا قال الحافظ ابن حجر : متفق عليه أي أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه فأغنانا ذلك عن الكلام في صحته .




ولا يجوز لأحد أن يتجاوز الحد وينتقد أحاديث أخرجها البخاري أو مسلم ولم ينتقدها أحد من قبله ، لماذا ؟ لأنه مسبوق بالإجماع ؛ فقد نقل أهل العلم اتفاق العلماء على صحة ما في الكتابين إلا بعض الأحاديث التي انتقدت .




وفَتْح هذا الباب يؤدي إلى مفسدة ، وهي : تطاول أهل البدع على الصحيحين فينبغي إغلاق هذا الباب ودرء هذه المفسدة .




أما الحديث فهو من رواية أبي هريرة ، وأبو هريرة - على أصح الأقوال - اسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، روى الكثير من الأحاديث ، وروى عنه خلائق من الصحابة والتابعين وكان إسلامه رحمه الله عام خيبر مات سنة سبعٍ وخمسين .




وقال الشافعي رحمهالله : أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره - رحم الله الجميع - أما بالنسبة للحديث : فقوله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تقدموا " ، ( لا ) هنا ناهية أي هذا نهي من النبي - صلى الله عليه وسلم - " وتقدموا " أصلها تتقدموا ، حذفت منها التاء ، أي لا تتقدموا " رمضان بصوم يوم أو يومين " ومعنى الحديث : أن الشارع الحكيم أراد منا أن نتقيد بما شرعه ، وأن لا نتجاوز ذلك .




فما و قت الله له وقتاً من العبادات ، وما قيّده بعدد ؛ وجب علينا أن نفعله في الوقت الذي شرعه ، فلا يحق لنا أن نتجاوز ذلك لا بتقديم ولا بتأخير، ولابزيادة ولا بنقصان .




فشرع الشارع وجوب الصيام بدخول شهر رمضان وذلك برؤية الهلال ، قال عليه الصلاة والسلام :" صوموالرؤيته وأفطروا لرؤيته "، دخول شهر رمضان يكون برؤية الهلال ؛ برؤية هلال رمضان .


فلا يجوز لأحد أن يتجاوز ذلك ويصوم قبل رؤية هلال رمضان أو إتمام شعبان ثلاثين يوماً.



ويصوم يوماً أو يومين بنية الاحتياط لرمضان ، لا يجوز له ذلك لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك .




علّمنا النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف يبدأ رمضان إما برؤية الهلال ( هلال رمضان)أو بإكمال شعبان ثلاثين يوماً . انتهى




إذاً نقف عند ذلك ولا يجوز لنا أن نحتاط من عندنا ، لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك .



وأما من اعتاد صياماً ووافقت عادته آخر يومين من شعبان فيجوز له صيامهما لموافقة عادته لذلك ، لا احتياطاً لرمضان ولكن لأنه اعتاد الصيام على صورة معينة فله أن يكمل وأن يصوم آخر يومين من شعبان قبل رمضان موافقة لعادته لا بنية الاحتياط لرمضان ؛ كمن اعتاد أن يصوم الاثنين والخميس مثلاً ، أو اعتاد صيام ثلاثة أيام من كل شهر ولم يكن قد صامها ، أو اعتاد صيام يوم وترك يوم ؛ ووافقت عادته آخر يومين من شعبان جاز له أن يصومهما لماذا؟ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه " .




إذاً دلنا هذا الحديث على عدم جواز صيام يوم أو يومين قبل رمضان احتياطاً لرمضان ، وأماالصيام من أجل عادة اعتادها كالذي اعتاد أن يصوم الاثنين والخميس وجاء اليوم الذي قبل رمضان يوم اثنين أو يوم خميس ، جاز له أن يصومه بنية صيام يوم الاثنين ، أو بنية صيام يوم الخميس .



أما بنية الاحتياط لرمضان فلا يجوز له أن يصومه لذلك ، وكما ذكرنا صيام يوم أو يومين قبل رمضان بنية الاحتياط لرمضان محرّم على الصحيح .




وقلنا من قبل إذا قلنا محرم على الصحيح ؛ فمعنى ذلك أن في


المسألة خلافاً .


لماذا قلنا بالتحريم؟


لأن الصيغة التي معنا في الحديث وهي قوله - صلى الله عليه وسلم - :" لا تقدموا "صيغة نهي ، وصيغة النهي عند الأصوليين تقتضي تحريم المنهي عنه كما هو مقرر في كتب الأصول ، فبناءً على ذلك يكون صيام يوم أو يومين قبل رمضان بنية الاحتياط لرمضان محرم، وللعلماء أقوال في ذلك .



قال الترمذي رحمه الله بعد أن أخرج هذا الحديث : والعمل على هذا عند أهل العلم ، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول شهر رمضان لمعنى رمضان ( أي بنية الاحتياط لرمضان ) ، وإن كان رجل يصوم صوماًفوافق صيامه ذلك فلا بأس به عندهم .انتهى




والمراد بالكراهة عند السلف التحريم .



وصح عن ابن عباس أنه كان يأمر بفصل بينهما أي بين شعبان ورمضان ، كان ابن عباس يأمر بفصل بينهما ، وكان يأمر من صام بالإفطار . وهذاأخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عباس وهو صحيح عنه .


وقد نص على تحريم صيام هذين اليومين أكثر من واحدمن علماء المسلمين.




ومقتضى هذا الحديث أنه لو تقدم صيام شهر رمضان بصوم ثلاثة أيام أو أربعة أو أكثر ؛ جاز .



بمعنى أنه لايصوم اليوم الذي قبل رمضان مباشرة أو الذي قبله ولكن أكثر من ذلك . هذا مفهوم هذاالحديث أنه يجوز مثل هذا ، ويدعم هذا المفهوم قول عائشة رضي الله عنها لم أره ( أي النبي - صلى الله عليه وسلم - ) صائماً من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان ، كان يصوم شعبان كله ، كان يصوم شعبان إلا قليلا فدلّ ذلك على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم بعد أن ينتصف الشهر ، فهذا يدل على أن الصيام في شعبان جائز إلا أن تصوم آخر يوم أو يومين بنية الاحتياط لرمضان .



وهذا الحديث الذي ذكرناه عن عائشة أخرجه مسلم بهذا اللفظ وأصله في الصحيحين .



وقد خالف هذين الحديثين حديث أبي هريرة مرفوعاً " إذا انتصف شعبان فلا تصوموا " هذا الحديث الآن يخالف مادل عليه الحديثان المتقدمان ، فإنهما يدلان على أنه يجوز الصيام بعد منتصف شعبان ، وهذا الحديث يدل على عدم جواز الصيام بعد منتصف شعبان .




ننظر إلى صحة الحديث وضعفه هذابداية ، من أخرج هذا الحديث ؟ أخرجه أصحاب السنن ، ماذا نعني بأصحاب السنن ؟ إذاقلنا أخرجه أصحاب السنن فنعني بذلك أبا داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة هؤلاء هم أصحاب السنن .




هذا الحديث يرويه العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ، تفردبه من ؟



العلاء وعدّه العلماء من مناكيره .




هذه كلها فوائد حديثية كما ذكرنا في شرحنا للمصطلح أن الشخص إذا لم يتعلم علم المصطلح ولم يتقنه سيبقى مقلداً حتى لو وصل إلى أن يكون فقيهاً إذا لم يتقن علم الحديث سيبقى مقلدا ؛ً لأن المسألة إذا توقفت على صحة الحديث وضعفه لن يستطيع أن يرجح القول الصحيح إلا برجوعه إلى أحدعلماء الحديث ، فلذلك من المهم جداً على طالب العلم أن يكون متقناً لعلم الحديث كي يستطيع أن يصل إلى الصواب باجتهاده .



الآن ذكرنا أن هذا الحديث من رواية العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة تفرد به العلاء بن عبد الرحمن ،و العلاء بن عبدالرحمن في أصله محتج به ، لكن عَدوا هذا الحديث من مناكيره .




قال أحمد بن حنبل : والعلاء ثقة لا يُنكَر من حديثه إلا هذا ، وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث به ، أي هذا الحديث .



وقال ابن معين : منكر ( أي هذا الحديث ) .



قال أبو داود في سننه : وكان عبد الرحمن لا يحدث به ( عبد الرحمن بن مهدي إمام من أئمة الحديث وناقد من نقاده ) قلت لأحمد - الآن أبو داود السجستاني تلميذ أحمد وهو صاحب السنن ينقل عن عبد الرحمن بن مهدي أنه لا يحدث بهذا الحديث - فقال أبو داود : قلت لأحمد : لما؟ ( لماذا لم يكن يحدث بهذا الحديث ؟) قال ( أي أحمد ): لأنه كان عنده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصل شعبان برمضان كما جاء في حديث عائشة ، وقال ( أي العلاء)عن النبي - صلى الله عليه وسلم – خلافه . أي روى حديثا يخالف الحديث الذي أخرجه الشيخان ، الحديث متفق على صحته ؛ أي أنه في القوة قوي صلب .




هذا الحديث رواه العلاء وخالف ذاك الحديث مع مخالفته لمفهوم حديث أبي هريرة ؛ لذلك حكموا على حديثه هذا بماذا ؟ بالنَّكَارة ، هذا يفيدنا أن السلف كانوا يحكمون على الحديث بالنكارة حتى وإن كان المخالف ثقة وهذا يقوي ما ذهب إليه ابن الصلاح من أن المنكر يطلق على معنى الشاذ عند السلف ، هذا صحيح ، ولكن ليس هذا وقفاً على هذه الصورة ، المنكر عند السلف يطلقونه على مخالفة الثقة وعلى مخالفة الضعيف ويطلقونه على كل حديث لا يمكن تصحيحه كما قال المعلمي .




قال أبو داود الآن هناك اختلاف في الاجتهادات : " وليس هذا عندي خلافه " ، أبو داود لم يسلم بأن هذا يخالف ذاك .


ولكن الصواب مع عبد الرحمن بن مهدي ولم يأت به غير العلاء عن أبيه.


والذين صححوه من السلف اختلفوا في فهمه وبكيفية الجمع بينه وبين الأحاديث التي خالفها .



والصحيح أنه منكر كما قال غير واحد من السلف وذهب إليه عبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وابن معين وغيرهم رحم الله الجميع .





قال الحافظ ابن حجر : وقال جمهور العلماء يجوز الصوم تطوعاً بعد النصف من شعبان وضعّفوا الحديث الوارد فيه ( أي في النهي عن الصوم بعد منتصف شعبان ؛ الحديث الذي تقدم ) والله أعلم .



إذاً جمهور أهل العلم يجوِّزون الصيام بعد منتصف شعبان بناءعلى ضعف الحديث الوارد في ذلك وبناء على ما دل عليه حديث أبي هريرة وحديث عائشة رضي الله عنهما.




*فائدة أخيرة في هذا الحديث وهي جوازقول (رمضان ) كلمة (رمضان ) دون إضافة شهر إليها .




قال بعض أهل العلم: لا يجوز لك أن تقول رمضان دون أن تقول : شهر رمضان ، أي من غير إضافة شهر إليها .


واستدلوا لذلك بحديث أخرجه ابن عدي في الكامل بإسناده عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم الله ولكن قولوا شهر رمضان "هذا الحديث استدلوا به على عدم جواز قول ( رمضان ) دون إضافته إلى ( شهر ) وبعدأن أخرجه ابن عدي في الكامل ضعفه بأبي معشر نجيح السِّندي ، أي في سنده راوٍ اسمهنجيح السندي وكنيته أبو معشر وهو ضعيف .



وقال ابن معين : إسناده ليس بشيء .



وقال أبوحاتم الرازي : هذا خطأ ، إنما هو قول أبي هريرة . وقال البيهقي : وقد رُوي عن أبي معشرعن محمد بن كعب وهو أشبه ( أي هذا الحديث روي عن أبي معشر عن محمد بن كعب من قوله.


قال البيهقي : وهو أشبه أي أشبه بالصواب وأقرب إلى الصواب من رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .




وقال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه : باب هل يقال(رمضان ) أو (شهر رمضان ) ؟ ومن رأى كله واسعاً.




يعني أن بعض أهل العلم ذهب إلى أن الأمر واسع ، لك أن تقول رمضان ولك أن تقول شهر رمضان وهذا هو الصحيح ، بما أنه لم يثبت النهي في ذلك إذاً يبقى الأمر على الجواز .



بل ساق البخاري رحمه الله بعد أن ذكر ذلك ثلاثة أحاديث جاءت بلفظ (رمضان ) ، وبلفظ ( شهر رمضان ) ؛ بالإضافة وبدون إضافة .


مما دل على جواز الجميع .


وقال بعد ذلك : ولا تقدموا رمضان .


وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :" من صام رمضان " وقال : "لا تقدموا رمضان " هذا كله من كلام البخاري في بداية كلامه بعدما قال : ومن رأى كله واسعاً ؛ وقال : النبي - صلى الله عليه وسلم - :" من صام رمضان " وقال :" لا تقدموا رمضان " .


هذا يسمى معلقاً قد مر بنا .


البخاري إذا حَذف الإسناد وقال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :" من صام رمضان " أو وقال : لا تقدموا رمضان ، هذا يسمى معلقا .



ولا يلزم أن يكون صحيحا ؛ لأن المعلقات ليست من شرط الصحيح ممكن أن تكون صحيحة وممكن أن تكون ضعيفة .



هذا ما يتعلق بالحديث الأول من كتاب الصيام .




وأما الحديث الثاني فهو حديث عمار بن ياسر قال : من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم .




قال ابن حجر في تخريجه : ذكره البخاري تعليقا .


أي أن البخاري ذكره في صحيحه وحذف منه الإسناد بالكامل أو حذف بعضه ؛ لأنه ليس من أصل الكتاب .


ووصله الخمسة .


إذا الحديث يوجد مذكورا بالإسناد كاملا عند أحمد في مسنده ، و أبي داود في سننه ، والترمذي في جامعه ، والنسائي في سننه الصغرى ، وابن ماجه في سننه .



هؤلاء هم الخمسة الذين عناهم الحافظ ابن حجر في تخريجه .


ثم قال : وصححه ابن خزيمة وابن حبان .



احتاج هنا أن يقول : صححه ابن خزيمة وابن حبان ، لماذا ؟ لأن البخاري لم يشترط الصحة في المعلقات ، الأحاديث التي يذكرها معلقة .



فإذاً تخريج هذاالحديث كما ذكر الحافظ أخرجه البخاري في صحيحه ولكن معلقاً ، فلا يلزم أن يكون صحيحاً.



ووصله من ؟ أصحاب الكتب الخمسة ، فتحتاج أن ترجع إلى أسانيده في الكتب الخمسة وغيرها كي تحكم عليه بمايستحقه .



قال الدارقطني بعد أن أخرجه في سننه : إسناده حسن صحيح ، ورجاله كلهم ثقات.




وجمعَ طرقَه الحافظ ابن حجر في الفتح فأحسن رحمه الله ، وانظر أيضاً - إذا أردت المزيد- ؛ إرواء الغليل للشيخ الألبانيرحمه الله .



وبالجملة الحديث حسن .


ما المقصود بيوم الشك ؟



يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان ، إذا لم يُرَ الهلال في ليلته بسبب غيم أو نحوه .



فيجوز أن يكون من رمضان وأن يكون من شعبان ، هذا يسمى يوم الشك .



إذا وُجد في السماء غيم أو تراب أو غير ذلك حجب الرؤية في ليلة الثلاثين وأنت تراقب ولم تتمكن من معرفة ظهور الهلال أو عدم ظهوره ؟ هذا يسمى يوم الشك .



صيام هذا اليوم محرّم ؛ لقول عمار بن ياسر هنا : من صام اليوم الذي يُشَك فيه فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم - ، أبو القاسم من هو ؟


هو النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كنيته أبو القاسم .



طيب حكم صيام يوم الشك ؟



في ذلك خلاف بين أهل العلم كثير ، فمن أهل العلم من قال بالتحريم ، ومنهم من قال بالكراهة ، ومنهم من قال بالاستحباب .. الأقوال كثيرة .



ولكن الراجح منها أنه لا يجوز صوم يوم الشك لا فرضاً ولا نفلاً مطلقاً ، ولكن يجوز قضاءًوكفارة ونذراً ونفلاً يوافق عادة .



نفلاً يوافق عادة كالذي يصوم يوم الاثنين والخميس .


والدليل على ذلك حديث أبي هريرة : " إلا أن يكون رجل كان يصوم صوماً فليصمه" .



إذاً جاز له أن يصوم إذا وافقت ذاك اليوم عادة من عاداته ؛ كصيام يوم الاثنين والخميس مثلاً .



وهذا القول هو قول الإمام الشافعي ، وهو قول للإمام أحمد رحمه الله .



وأماالإمام مالك فذهب إلى أنه لا يجوز عن فرض رمضان ويجوز عما سوى ذلك . وهو قول للإمام أحمد .


يعني لا يجوز لك أن تصوم يوم الشك بنية رمضان أو احتياطاً لرمضان ، أما غير هذه النية فجائز عند مالك وفي قول للإمام أحمد.


ونقل ابن حزم عن جمع من الصحابة أنهم كانوا ينهون عن صيامه ، أي عن صيام يوم الشك .


هذا ما يتعلق بالحديث الثاني .




وأما الحديث الثالث ؛ فقال الحافظ ابن حجر وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا رأيتموه فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ،


فإن غم عليكم فاقدروا له " . متفق عليه .


ولمسلم – أي في رواية لمسلم - : " فإن أغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين " .


وللبخاري : " فأكملوا العدة ثلاثين " .


لا نحتاج في هذا الحديث أن تكلم على تخريجه وحاله ؛ فقد كفانا ذلك الحافظ ابن حجر بقوله : متفق عليه .


أي أخرجه البخاري ومسلم ، وإذا أخرجه البخاري أو مسلم فهو صحيح إذا لم يكن منتقدا .


قوله : " إذا رأيتموه فصوموا"الخطاب لمن ؟


لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - والضمير في قوله " إذا رأيتموه "؛ يعود على الهلال ، أي إذا رأيتم هلال رمضان فصوموا ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت دخول شهر رمضان رؤية الهلال ، هذا توقيت نبوي .


وقوله " وإذا رأيتموه فأفطروا " ، أي وإذا رأيتم هلال شوال فأفطروا ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم وقت خروج شهر رمضان رؤية هلال شوال .


ثم قال : " فإن غم عليكم " ، أي إنْ حال بينكم وبينه غيم أو نحوه ، أي شيء منع رؤية الهلال .


يقال : غمَمَتُ الشيء إذاغطَّيته .


وفي رواية مسلم " أغمي " بنفس المعنى المتقدم . قال في لسان العرب : أغمي يومنا : دام غيمه ، يقال : أغمي علينا الهلال ؛ إذا حال دون رؤيته غيم أو قتر ، يعني غبار . هذا معنى أغمي عليه.



وفي رواية : " غَبِيَ " ، بفتح الغين وتخفيف الباء ، مأخوذة من ماذا ؟ من الغباوة ، وهي عدم الفطنة .


والمعنى الإجمالي واحد، أي إن لم تروا الهلال بسبب حائل حال دون رؤيته ؛ فاقدُروا له .


إذاً الواجب علينا أن نصوم برؤية هلال رمضان ، إذا ما تمكّنا من رؤيته وحال دون رؤيته حائل قال : "فاقدروا له " ماذا يعني بقوله : فاقدروا له ؟


قيل معناه : ضيِّقوا عليه ، وكيف يكون هذا التضييق ؟ قالوا يكون بأن تجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً ،تأخذ بالأقل ؛ لأن الشهر إما أن يكون تسعة وعشرين أو أن يكون ثلاثين يوماً.


وقيل هو من التقدير ، أي ارجعوا إلى الحساب .


وقيل : أي أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً ، وهذا هو القول الصحيح الذي دلت عليه الأدلة ؛ كقوله - صلى الله عليه وسلم – في رواية عند مسلم : " فاقدروا له ثلاثين " .


ورواية البخاري : " فأكملوا العدة ثلاثين " .


وفي رواية عند أحمد : " فعدوا ثلاثين يوما " .


روايات واضحة وصريحة في أن المراد أن تكملوا شعبان ثلاثين يوما .



وهذه الرواية التي عند أحمد صححها شيخنا الوادعي رحمه الله في كتابه الجامع الصحيح .



وفي رواية عند البخاري من حديث أبي هريرة وهو الحديث الآتي : " أكملوا عدة شعبان ثلاثين " .


لذلك – والله أعلم – ذكر الحافظ ابن حجر روايات هذا الحديث الحديث .


قال الصنعاني رحمه الله : الحديث دليل على وجوب صوم رمضان لرؤية هلاله ، وإفطار أول يوم من شوال لرؤية هلاله .
وظاهره اشتراط رؤية الجميع له من المخاطبين ؛ لكن قام الإجماع على عدم وجوب ذلك ، بل المراد ما يثبت به الحكم الشرعي من إخبار الواحد العدل أو الاثنين على خلاف في ذلك .

والصحيح أنه يثبت رمضان برؤية واحد عدل كما سيأتي إن شاء الله .


قال ابن بطال : في الحديث دفع لمراعاة المنجمين ، وإنما المعول عليه رؤية الأهلة ، وقد نهينا عن التكلف . وقد قال الباجي في الرد على من قال : إنه يجوز للحاسب والمنجم وغيرهما الصوم والإفطار اعتمادا على النجوم ، قال : إن إجماع السلف حجة عليهم .



وقال ابن بزيزة : هو مذهب باطل قد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم ؛ لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع .




قال الصنعاني رحمه الله قال الشارح : قلت : والجواب الواضح عليهم ما أخرجه البخاري عن ابن عمر قال :" إنّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ،الشهر هكذا وهكذا " - يعني تسعة وعشرين مرة ، وثلاثين مرة - . والحديث متفق عليه .


هذا ما يتعلق بالحديث الثالث .




أما الحديث الرابع فقال الحافظ :


وله – أي للبخاري – في حديث أبي هريرة رضي الله عنه " فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " .


وهذه الأحاديث نصوص في وجوب الصيام إما برؤية الهلال أو بإكمال شعبان ثلاثين يوما . والله أعلم.





الحديث الخامس والأخير، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : تراءى الناس الهلال ، فأخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - أني رأيته ؛ فصام وأمر الناس بصيامه .


رواه أبو داود ، وصححه الحاكم وابن حبان .


هذا الحديث أخرجه أبو داود في سننه ، وأخرجه الدارمي وغيرهما ، قال الدارقطني : تفرّد به مروان بن محمد عن ابن وهب وهو ثقة .



وقدتابعه هارون بن سعيد الأَيْلي عن ابن وهب ، ولم يتفرد به مروان كما قال الدارقطني.



وقد صححه غير واحد من أهل العلم آخرهم الشيخ الألباني رحمه الله ، وشيخنا الوادعي في الجامع الصحيح - رحم الله الجميع - قال شيخنا رحمه الله بعد أن ذكره في الجامع الصحيح : هذا حديث حسن على شرط مسلم.



وقوله في الحديث :" تراءى الناس الهلال " أي اجتمعوا لرؤية الهلال فلم يره غير ابن عمر رضي الله عنه ، فاعتمد النبي - صلى الله عليه وسلم - رؤية ابن عمر فصام وأمر الناس بالصيام بناء عليها .



ففي هذا الحديث أنه يُكتفى برؤية عدل واحد للهلال ، إذا رأى الهلال عدل واحد نُثبت بذلك دخول شهر رمضان .


وقد اختلف أهل العلم في ذلك .


قال الإمام البغوي رحمه الله في شرح السنة : واختلف أهل العلم في وجوب الصوم بشهادة واحد .


فذهب أكثرهم إلى أنه يجب بشهادة الواحد ، وبه قال ابن المبارك وأحمد وهو أحد قولي الشافعي .


قلت : والدليل معهم ، هذا الدليل بين أيدينا أمامنا .


والذين خالفوهم اعتمدوا على القياس وأنتم تعلمون بارك الله فيكم أن القياس إذا خالف النص فهو باطل مردود ، إذا وُجد عندنا نص في المسألة فنكتفي بالنص ونترك القياس .



طيب نكتفي بهذا القدر ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم .
رد مع اقتباس