عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 08-29-2010, 08:07 PM
أم أفنان السلفية أم أفنان السلفية غير متواجد حالياً
العضو المشاركة - وفقهـا الله -
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 52
شكراً: 0
تم شكره 19 مرة في 13 مشاركة
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



( الدرس الثالث )



تقدم معنا في شرح بلوغ المرام حديث ابن عمر الذي قال فيه : تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم - أني رأيته ، فصام وأمر الناس بصيامه .


وهو حديث صحيح كما تقدم معنا وأخذنا منه جواز الصوم بشهادة الواحد العدل .




ومعنا اليوم حديث ابن عباس رضي الله عنه وعن أبيه أن أعرابياً جاءإلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إني رأيت الهلال ، فقال : أي النبي - صلى الله عليه وسلم - :" أتشهد أن لا إله إلا الله ؟ " قال : نعم ، قال :" أتشهد أنمحمداً رسول الله ؟ " ، قال : نعم ، قال :" فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غداً " .




رواهالخمسة وصححه ابن خزيمة وابن حبان ورجح النسائي إرساله .



قول الحافظ رحمه الله : رواه الخمسة ؛ أي أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة .




وصححه ابن خزيمة وابن حبان ورجح النسائي إرساله ؛ أي أن هذا الحديث روي موصولا ، وروي مرسلاً .


رواه سِماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورواه جماعة عن سِماك عن عكرمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .




المرسل ما أضافه التابعي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الحديث روي بوجهين ، روي عن سِماك عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أي متصلاً ، مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .




وروي مرسلاً ؛ أي من رواية عكرمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يُذكر فيه ابن عباس .



وهذا الخلاف مثله في أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلمكثير .



وطريقة النقاد في الحكم على حديث كهذا النظر إلى القرائن ، فنظرنا هاهنا وجدنا أن جماعة يروونه عن سماك عن عكرمة مرسلا ، فالجماعة الأكثر والأحفظ هم الذين يروونه مرسلا ، والأقل حفظاً وعدداً يروونه ماذا ؟ متصلاً ؛ لذلك وجدنا أن النسائي رحمه الله قال فيه : إنه مرسل ، فصوَّب رحمه الله المرسل ؛ لأن الذين رووه مرسلاً أكثر عدداً وأقوى حفظاً .




فإذاً الصحيح في هذا الحديث أنه مرسل وليس متصلاً هذه العلة الأولى .



والعلة الثانية : أننا لو نظرنا إلى رواية سِماك عن عكرمة لوجدناهارواية ضعيفة لماذا ؟



لاضطرابها ، أي أن سِماك عندما يروي عن عكرمة يضطرب في الأحاديث التي يرويها ، يرويها على أوجه مختلفة مما يدل على أنه لا يحفظ الأحاديث التي يرويها عن عكرمة حفظاً جيداً .




قال يعقوب ابن شيبة رحمه الله : قلت لعلي بن المديني : رواية سِماك عن عكرمة ؟ فقال : مضطربة .


وقال يعقوب ابن شيبة : روايته عن عكرمة خاصة مضطربة ، وهو في غير عكرمة صالح وليس من المتثبتين . والتحقيق في رواية سِماك عن عكرمة أنها مضطربة وضعيفة مطلقاً كما نص على ذلك غير واحد من الحُفاظ النقاد المتقدمين .



فهذا الحديث له علتان :



الأولى : اضطراب رواية سِماك عن عكرمة.


والثانية : أنه رُوِيَ متصلاً وروي مرسلاً والصواب فيه الإرسال .


فالحديث ضعيف .


أما من الناحية الفقهية فقد استدل به أهل العلم على مسألتين :


الأولى : ما تقدم في حديث ابن عمر أن شهادة العدل الواحد على رؤية الهلال يثبت بها دخول شهر رمضان .


وهذه المسألةصحيحة ، ولكننا لسنا بحاجة إلى الاستدلال بهذا الحديث لأنه حديث ضعيف ، ويكفينا في هذاحديث ابن عمر .




والمسألة الثانية التي استدلوا بهذا الحديث عليها : أن الأصل في المسلم العدالة لماذا ؟ قالوا : لأن هذا الأعرابي جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام عن الشهادتين فأقر بهما فقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - خبره قالوا : إذاً الأصل في المسلم العدالة .


فرد عليهم أهل العلم قالوا : على التسليم بصحة هذا الحديث فهذا الحديث يحتمل أن يكون خبر ذلك الأعرابي قد وقع قرب إسلامه وهو في ذلك الوقت طاهر من كل ذنب ؛ لأن الإسلام يجب ماقبله ، فكان عدلاً ، لا بناء على أن أصل المسلم العدالة .





وقال الخطيب البغدادي رحمه الله : ولا نعلم الصحابة قبلوا خبر أحد إلا بعد اختبار حاله والعلم بسداده واستقامة مذهبه وصلاح طرائقه ؛ وهذه صفة جميع أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهن من النسوة اللاتي روينَ عنه ( أي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ) وكل مُتَحَمِّل للحديث عنه صبياً ثم رواه كبيرا ، وكل عبد قُبِلَ خبره في أحكام الدين .


( أي كل هؤلاءعُلِمَتْ عدالتهم لذلك قُبِلَتْ أخبارهم عند صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) إذاً لا يصح أن يقال : إن الأصل في المسلم العدالة ؛ بل الأصل فيه أنه مجهول الحال حتى نعلم حاله .




هذا ما يتعلق بهذا الحديث ، وعلى كل المسألة المرادة منه هاهناأن خبر العدل الواحد مقبول في إثبات دخول شهر رمضان ، وهذا مستفاد من حديث ابن عمرالمتقدم وهذا الحديث ضعيف . والله أعلم




الحديث الذي بعده حديث حفصة أم المؤمنين ، قالت : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من لم يُبَيِّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له "أي من لم ينوِ الصيام قبل الفجر فصيامه غير صحيح .



رواه الخمسة ، ومال الترمذي والنسائي إلى ترجيح وقفه ، وصححه مرفوعاً ابن خزيمة وابن حبان .



وللدارقطني ( أي في رواية الدارقطني التي رواها في سننه ) " لا صيام لمن لم يفرضه من الليل " .



الحافظ ابن حجر رحمه الله يقول في تخريج هذا الحديث : رواه الخمسة ، أي أحمد وأبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجة ، قال : ومال الترمذي والنسائي إلى ترجيح وقفه ،ماذا نفهم من هذا ؟ نفهم من هذا أن الحديث روي موقوفاً وروي مرفوعاً ، قلنا ما معنى الموقوف ؟ الذي هو من كلام الصحابي من قول الصحابي ، وليس من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وروي مرفوعاً أي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أي روي على صورتين
على صورة ؛ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلاصيام له " ، وروي أن حفصة هي التي قالت :" من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له "فما الصواب في هذا الحديث ؟


روي هكذا وروي هكذا ، الترمذي رحمه الله والنسائي مالا إلى ترجيح الوقف ، أي أنه عندهما موقوف وليس مرفوعا ، والرفع خطأ .


وابن خزيمة وابن حبان صححا المرفوع .


رواه عن الزهري جماعة ووقفوه ، رواه الجماعة عن الزهري عن سالم عن حفصة من قولها .



ورواه راوٍ عن الزهري مرفوعاً ، طيب حصل فيه خلاف وروي عن الزهري بأوجهٍ أخرى ( خرَّجها النسائي في الكبرى) ورجح الحفّاظ النقّاد وقفه ، قال الإمام البخاري رحمه الله فيه : هو خطأ ، وهو حديث فيه اضطراب ، والصحيح أنه موقوف على ابن عمر .


وقال الإمام أحمد: ماله عندي ذلك الإسناد.


ورجح الوقف أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم .


قال أبو داود أوقفه معمر والزَّبيدي وابن عيينة ويونس الأَيلي على حفصة .



فبما أن الذين رووه موقوفاً جماعة عن الزهري فالراجح هو قول الجماعة هؤلاء ، وهم أئمة جهابذة كما ترى فإذاً الصحيح أن هذاالحديث ليس حديثاً نبوياً ، وأن هذا الكلام من كلام حفصة .



وقد صح عن حفصة وصح عن ابن عمر أنهما قالا " من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له " .



قال شيخنا الوادعي رحمه الله : هذا حديث ضعيف مضطرب أي المرفوع .



هذا ما يتعلق بتخريج هذا الحديث والحكم عليه .



وسيأتي الكلام على فقهه بعد أن نذكر حديث عائشة لأن بينهما ارتباط فيهذه المسألة وهي مسألة النية في الصيام .




قال الحافظ : وعن عائشة رضي الله عنها ، قالت : دخل علي النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم ( يوم من الأيام ) فقال : هل عندكم شيء ؟ قلنا : لا ( أي عندكم شيء يؤكل ؟ فقالت عائشة : لا ) قال : فإني إذاً صائم". ( بعض الأيام كانت تمر على بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس فيه طعام ، فمرة سأل عن طعام ، فقيل له لا يوجد في البيت طعام ، فقال : فإني إذاً صائم، أي أنه لم يعقد النية على الصيام من الليل ، نوى الصيام في هذه اللحضة ) .


ثم أتانا يوماً آخر ( تقول عائشة : ثم أتانا النبي - صلى الله عليه وسلم - في يوم آخر) فقلنا : أُهدي لنا حَيس ( طعام من تمر وأقِط وسمن ، جاءهم هدية ) فقال (أي النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة ) :" أرنيه فلقد أصبحت صائماً "، فأكل .


( كان قدعقد العزم وعقد النية على الصيام فأكل ) . رواه مسلم في صحيحه .




حديث حفصة وحديث عائشة ذكرهما الحافظ ابن حجر رحمه الله هنا لتقرير مسألة النية في الصيام .



واعلم أن الصيام لا يصح إلا بالنية ، اتفق أهل العلم على ذلك ؛ إلا من شذّ وجميع الأعمال الشرعية التعبدية لا تصح إلا بالنية ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " إنماالأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " الحديث .

واختلف أهل العلم في تبييت النية- أي عقد النية على الصيام من الليل قبل طلوع الفجر - هل هو شرط في صحة الصيام أم يجوز لك أن تعقد النية في أثناء النهار ؟



في المسألة أقوال : منها: أنه يجزئ كل صوم فرضاً كان نفلا بنية قبل الزوال ، قبل زوال الشمس ،يعني قبل وقت الظهر كما دل عليه حديث عاشوراء وحديث عائشة ، الذين قالوا بهذا القول استدلوا بحديث عائشة ؛ النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل فلم يجد طعاماً فقال : إني إذاً صائم ، أي عقد النية في أثناء النهار .




واستدلوا أيضاً بحديث عاشوراء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عقد النية في النهار وأمر بصيامه في النهار ، فقالوا : هذا يدل على أن عقد النية في أثناء النهار صحيح ولا يُشترط عقدها قبل الفجر .



وقالت طائفةأخرى ، ومنهم الإمام مالك رحمه الله : لا يُجزئ الصوم إلا مبيتاً من الليل فرضاً كان أو نفلا ، على ظاهر حديث حفصة الذي تقدم معنا فأخذوا بظاهر حديث حفصة وتركوا دلالة حديث عائشة .




والقول الثالث وهو قول الشافعي وأحمد: التفريق بين الفرض والنفل ، قالوا : الفرض لا يُجزئ إلا بتبييت النية ، أي يجب أن تعقد النية على الصيام قبل فجر اليوم الذي تريد أن تصومه ، هذا في الفريضة ، أما في النافلة فقالوا : يُجزئ.



فجمعوا بين حديث حفصة وحديث عائشة فحملوا حديث عائشة على النفل كما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .


وحديث حفصة على الفريضة ، واستدلوا أيضاً بأن جميع الزمان ( أيمن أول اليوم إلى آخره ) يجب فيه الصوم.




والنية يجب أن تكون قبل البدء بالعمل كما في جميع العبادات ، قالوا : والنية لا تنعطف على الماضي .


فإذا صمت من أثناء النهار لم تنوِ من الليل ؛ ما تكون قد صمت هذه الفترة الزمنية التي لم تعقد النية فيها ، قالوا : لذلك لا يصح صيام الفريضة ؛ إلا إذا عقدت النية من الليل كي تكون صمت اليوم كاملاً.



هذه أدلة هذا الفريق قالوا : وأما النفل فيجزئ بنية النهار ويكون أجرك وثوابك من الفترة التي نويت فيها الصيام .


والبعض قال : لا ، يأخذالأجر كاملا .



واستدلوا بحديث عائشة على أنه تصح في النفل عقد النية في أثناءالنهار.



قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وهذا أوسط الأقوال ،أوسط الأقوال وأعدلها وفيه الجمع بين جميع الأحاديث وعدم إهمال أي حديث منها .




وكمايقول أهل العلم عندما تريد أن تنظر في مسألة ينبغي أن تُعمل جميع الأدلة وأن لا تُهمل منها شيئاً .



وبهذا القول نكون قد عملنا بجميع الأدلة العامة والخاصة ، وهو كماتقدم قول الشافعي و أحمد رحمهما الله .



واختلف قولهما هل يجزئ التطوع بنية بعد الزوال؟ أي أنهما اتفقا على جواز عقد نية صيام النفل قبل الزوال ؛ لكن إن نويت الصيام بعد الزوال ( بعد دخول وقت الظهر ) قال أي شيخ الإسلام : والأظهر صحته كما نُقل عن الصحابة .



بما أنه نقل عن الصحابة أنهم أفتوا بذلك فهم أعلم بهذا ، فيجوز حتى ولو عقد النية بعد الزوال لكن بشرط أن لا يكون قد أكل أو شرب في أثناءالنهار .




قال الترمذي رحمه الله بعد أن ذكر حديث حفصة قال : وإنما معنى هذا عند أهل العلم لا صيام لمن لم يُجمِع الصيام قبل طلوع الفجر - أي لمن لم ينوِ الصيام قبل طلوع الفجر - في رمضان أو في قضاء رمضان أو في صيام نذر- أي في صيام واجب -إذا لم ينوه من الليل لم يجزه .


وأما صيام التطوع فمباح له أن ينويه بعدما أصبح وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق .



هذا كلام الترمذي رحمه الله - هذا ما يتعلق بمسألة النية .

إذاً الخلاصة أنه يجب عليك أن تنوي الصيام قبل طلوع الفجر ، تنوي صيام ماذا؟ صيام رمضان قبل طلوع الفجر من غير كثرة وسوسة ، الإنسان بطبيعة حاله عندما يستيقظ كي يتسحر مثلاً أو عندما يعلم أن غداً رمضان يكون قد انعقد في نفسه أنه يريد أن يصوم ، فالمسألة لا تحتاج إلى وسوسة وإلى تصرفات غير مشروعة ، لا، مجرد أنه انعقد قلبك على أن تصوم غداً انتهى الأمر هذا المقصود بالنية .




ومحل النية هو القلب ولايُشترط نطق اللسان بلا خلاف كما قال النووي رحمه الله ، قال : لا يُشترط نطق اللسان بلاخلاف .



قلت : بل لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل عليه ، إذاً فهو غير مشروع أصلاً أن تنوي بلسانك ، نيتك في قلبك كافية وهو المطلوب .



وهل يجب لكل يوم من أيام رمضان نية مستقلة أم يكفي الشخص أن ينوي نية واحدة لصيام الشهر بالكامل ؟ اختلف أهل العلم فيذلك فمنهم من قال : يجب لكل يوم نية مستقلة ، قالوا: لأن أيام رمضان عبادات مستقلة وليست كلها عبادة واحدة ، لا كل يوم عبادة مستقلة ، والدليل على ذلك أن فساد أحد هذه الأيام لا يفسد اليوم الآخر ؛ دل ذلك على أن كل يوم عبادة مستقلة بحاجة إلى نية مستقلة .


وقالت الطائفة الثانية : النية من أول الشهر تكفي للشهر كله ، إذا عقد الشخص النية من أول الشهرعلى أن يصوم الشهر بالكامل كفته هذه النية ولا يلزمه أن ينوي لكل يوم نية ما لم يفطر في يوم من الأيام عندئذ يحتاج أن يجدد النية .



أما إذا لم يفطر في أي يوم من الأيام فيكفيه أن ينوي أول الشهر ولا يحتاج أن يجدد لكل يوم نية .


واحتجوا بماذا ؟ قالوا : الحجة في ذلك أن الشهر كله عبادة واحدة فيكفي لها نية واحدة ؛ لقول الله تبارك وتعالى (( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ )) قالوا : والشهر هنا اسم زمان واحد ، فكان الصوم من أوله إلى آخره عبادة واحدة كالصلاة والحج ،وهذا القول هو الصواب .



ويظهر أثر الخلاف أين ؟





في رجل نام بعدصلاة عصر يوم من أيام رمضان ، ولم يستيقظ إلا في اليوم الثاني في نهاره ( الليل كله ذهب وهو نائم ) فلم يعقد النية على صيام اليوم الثاني واستيقظ في أثناء النهار، هل صيامه صحيح أم لا ؟


الذين يقولون : يجب أن ينوي لكل يوم نية مستقلة يقولون : صيامه غير صحيح ؛ لأنه لم يعقد النية .



والذين يقولون لا يجب أن ينوي لكل يوم نية مستقلة ، وأن نيته من أول الشهر تكفي؛ يقولون صيامه صحيح ، وهذا هو الصحيح .



وحديث عائشة يدل أيضاً على أن الصائم المتطوع أمير نفسه ،إن شاء أكمل صيامه وإن شاء أفطر ولا قضاء عليه .



ودليل ذلك في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما أتى في اليوم الآخر ووجد عندهم طعاماً ؛ قال " فلقد أصبحت صائما " ثم أكل ، دل ذلك على ماذا ؟ على أنه يجوز له أن يفطر فهو أميرنفسه، الأمر إليه إن شاء أكمل وإن شاء قطعه ، وبهذا القول قال سفيان الثوري وأحمدبن حنبل وإسحاق بن راهويه والإمام الشافعي رحم الله الجميع .


هذا ما يتعلق بحديث حفصة وحديث عائشة .




الحديث التاسع : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : وعن سهل ابن سعد رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يزال الناس بخيرما عجلوا الفطر " متفق عليه .


وللترمذي ( أي في رواية للترمذي أو في رواية الترمذي)من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : قال الله عزوجل : أحب عبادي إلي أعجلهم فطراً " وهذا الحديث العاشر ، هذان الحديثان ساقهما الحافظ ابن حجر رحمه الله كي يدلنا على سُنّيةِ تعجيل الفطر ففي هذين الحديثين أن تعجيل الفطر سنة مستحبة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" لا يزال الناس بخيرما عجلوا الفطر " الحديث الأول حديث سهل بن سعد متفق عليه .




الحديث الثاني حديث الترمذي حديث أبي هريرة الذي قال الله عز وجل فيه " أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا " حديث قدسي لكن ما حاله ؟ أخرجه الترمذي من حديث قرة ابن عبدالرحمن المعاشري عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرة هذا الذي يرويه عن الزهري ضعيف لسوء حفظه، ومع ضعفه أسقطه بعضهم من الإسنادأصلاً ؛ لكن الصحيح أنه مثبت في الإسناد، وهو ضعيف لسوء حفظه .


فعلّة الحديث هي ضعف قرة بن عبد الرحمن هذا الذي يرويه عن الزهري .



ووجدنا له متابعاً عند الطبراني ، فرواه الطبراني عن مسلمة ابن علي عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري .



ولكن مسلمة بن علي هذا متروك الحديث ، أي أنه شديد الضعف، لا يصلح في المتابعات .



فالحديث ضعيف ، بما أن الشخص الذي تابع الضعيف متروك أي شديد الضعف فلا ينجبر الإسناد الأول به فيبقى الحديث على ضعفه فالحديث ضعيف .



ضعفه ابن القطان الفاسي والعلامة الألباني رحمهم الله .


لكن حديث سهل بن سعد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :" لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر " يكفينا ، وهو حديث متفق عليه.


ويدل الحديث على استحباب تعجيل الفطر بعد غروب الشمس .


قال الترمذي رحمه الله بعد أن أخرج الحديث : وهو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم استحبوا تعجيل الفطر ، وباستحباب تعجيل الفطر يقول الشافعي وأحمدوإسحاق .


إسحاق هو ابن راهويه .


وأحمدهو الإمام ابن حنبل .


والشافعي الإمام محمد بن إدريس .


وقوله في الحديث " لا يزال الناس بخير " أي بخير في دينهم لتمسكهم بالسنة ما عجلوا الفطر، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: أي مدة فعلهم ذلك ، امتثالاً للسنة ، واقفين عند حدها،غير متنطعين بعقولهم ما يغير قواعدهم .



أي أنهم يتمسكون بالسنة ويعملون بالسنة لايعملون بما دلتهم عليه عقولهم وآراؤهم .



واتفق العلماء على أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس .




يعني لا يعجل الفطر قبل أن تغرب الشمس ، لا ، المقصود من هذاالحديث إذا تحقق من غروب الشمس يبادر ويعجل إلى الفطر .



وفي هذا الحديث رد على الشيعة الذين يؤخرون الفطر إلى ظهور النجوم .



قال الحافظ : وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" تسحروا فإن في السَّحور بركة " متفق عليه ، السَّحور : بفتح السين ( السَّحور)ما يُتسحر به وقت السَّحر من طعام أو شراب .


وقت السحر الذي هو آخر الليل قبيل الصبح .


الطعام الذي يأكله الشخص في ذاك الوقت يسمى سَحوراً .


والبركة كثرة الخير ، أي أن الله سبحانه وتعالى يجعل خيراًكثيراً في الأكل الذي يؤكل في ذاك الوقت.


والبركة تحصل بأشياء كثيرة .



منها : اتباع السنة . ومنها : التقوي بالسحور على العبادة والزيادة في النشاط وغير ذلك .


وهل الأمر هنا بالتسحر للوجوب أم للاستحباب ؟



الأمر هاهنا للاستحباب وليس للوجوب ، من المقررفي أصول الفقه أن الأصل في الأمر لماذا ؟ للوجوب وهذا صحيح ، ما الذي صرف الأمرهنا عن الوجوب إلى الاستحباب ؟ استدل الإمام البخاري رحمه الله على عدم الوجوب بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه واصلوا ولم يُذكر أنهم تسحروا ، جاء في الحديث الذي سيأتي إن شاء الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه واصلوا في الصيام.




أي صاموا يوماً وبعده يوم آخر من غير أن يفطروا ، هذا هو الوصال فكونهم واصلوا إذاً ماذا ؟ لم يتسحروا فكونهم تركوا السحور فمعنى ذلك أن السحور ليس بواجب.



وهذا الاستدلال صحيح ، وهو في محله .


ونقل ابن المنذر الإجماع على نُدبية السحور ، أي على استحبابه .


وقال ابن قدامة في المغني : ولا نعلم فيه خلافاً ، أي على استحباب السحور وعدم وجوبه .


تقول السَّحور بفتح السين لِما يؤكل في وقت السحر .


والسُّحور بضم السين تطلقه على الفعل ( على فعلك أنت ) ، هذا الفرق بين السَّحور والسُّحور.


ويحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكل أو مشرب ؛ إذ لم يشترط في كميته أو قدره أي شيء.


ووقته ( أي وقت السّحور ) آخر الليل ، وذلك لأنه مشتق من السَّحر ، والسَّحَر هو آخر الليل ، وجمعه أسحار ، قال الله تعالى (( وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ )) .


ويبقى وقته إلى طلوع الفجر ، وقت الإمساك إلى طلوع الفجر فإذا طلع الفجر انتهى وقت السحور .



ويستحب تأخيره لماذا ؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يؤخره كما جاء في الصحيحين عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : تسحرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قام إلى الصلاة ، قلت : ( أي القائل أنس الذي يروي عن زيد بن ثابت ) كم كان بين الآذان والسحور ؟ قال : قدر خمسين آية .



قال الشيخ ابن باز رحمه الله خمسون آية بتلاوة متأنية مرتلة ؛ نحو خمس أو سبع دقائق إلى عشر دقائق بتوقيتنا الزمني اليوم .


من خمس إلى عشر دقائق كان بين سحور النبي - صلى الله عليه وسلم – وصلاته ،إذاً يُستحب تأخير السحور .


وعن سلمان بن عامر الظبي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :" إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر ، فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور " رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم .



الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة هؤلاء الخمسة من حديث حفصة بنت سيرين عن الرباب بنت صُلَيع عن عمها سلمان به .


والرباب هذه مجهولة الحال ؛ فالحديث ضعيف .


وقد ورد بنحوه من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أنس بن مالك .



في حديث سليمان بن عامر أمرٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - " إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر ، فإن لم يجد فليفطر على ماء " .



وهذا الحديث كما ذكرنا ضعيف في سنده الرباب بنت صليع وهي مجهولة الحال .


وورد من حديث أنس من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كان رسولالله - صلى الله عليه وسلم - يفطر على رطبات قبل أن يصلي ، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات ، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء " أخرجه أبو داوود وغيره .


نسمع كلام النقاد فيه ، قال فيه أبو حاتم الرازي وأبوزرعة الرازي : لم يرفع إلا من حديث عبد الرزاق ، ولا ندري من أين جاء به .


يعني من أين جاء به مرفوعاً، ما يدلك على أنهم قد وقفوا عليه غير مرفوع .


وقال النسائي رحمه الله : هو خطأ ، والصواب حديث سلمان .




أي أن بعض الرواة وهم فيه ، فغير إسناده وغير لفظه .


قلت : الحديث يرويه عبد الرزاق الصنعاني ، عن جعفر بن سليمان الضبعي ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك .


وجعفر بن سليمان هذا كان يتشيع ، وهو وإن كان صدوقا إلا أن له مناكير ، وتكلم فيه ، وخاصة في روايته عن ثابت ، وهذه منها .



وبما أن علماء العلل انتقدوا حديثه هذا ، وهو من روايته عن ثابت التي هي في أصلها منتقدة ؛ فيكون هذا الحديث من مناكيره التي لا تقبل ، فالحديث ضعيف .



واستطرادا أذكر لكم هذه القصة .


هذه القصة يرويها ابن معين .


قال يحيى بن معين رحمه الله : سمعت من عبد الرزاق كلاما يوما ، فاستدللت به على ما ذكر عنه من المذهب – أي التشيع - ، فقلت له : إن أستاذيك الذين أخذت عنهم ثقات ، كلهم أصحاب سنة ؛ معمر ومالك بن أنس وابن جريج وسفيان والأوزاعي .


فعمن أخذت هذا المذهب ؟


فقال : قدم علينا جعفر بن سليمان الضبعي فرأيته فاضلا حسن الهدي فأخذت هذا عنه .


أعجب كل العجب من شخص يقول لك : اترك بدعة المبتدع ، وخذ منه الشيء الآخر .


انظر إلى هذا ، أعجب بحسن هديه فاخذ عنه .


أمر معروف التلميذ يتأثر بشيخه ، يعجب بهديه وسمته وأخلاقه .


فإذا رأى منه ذلك مال إليه ، فصدقه وأخذ عنه ، وترك ما يعرف لاغتراره به .


فيقول رأيت فيه صلاحا وخيرا فكيف يكون ضالا ؟ !!


هذا القول خطير جدا ، وخطأ لا يجوز أن يعول عليه ، المبتدع مبتدع ، لا يأخذ عنه شيء .


عندنا علماء وطلبة علم من أهل السنة نأخذ عنهم ونكتفي بهم ، ونحفظ ديننا . والله أعلم
رد مع اقتباس