عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 08-29-2010, 08:08 PM
أم أفنان السلفية أم أفنان السلفية غير متواجد حالياً
العضو المشاركة - وفقهـا الله -
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 52
شكراً: 0
تم شكره 19 مرة في 13 مشاركة
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


( الدرس الرابع )



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد :




فنكمل إن شاء الله تبارك وتعالى في درسنا هذا شرح كتاب الصيام من بلوغ المرام وهو الدرس الرابع من دروس هذا الشرح .




قال المؤلف رحمه الله : وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال،فقال رجل من المسلمين : فإنك تواصل يا رسول الله ؟ فقال : وأيكم مثلي ؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني .



فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماًثم يوماً ثم رؤوا الهلال ، فقال : لو تأخر الهلال لزدتكم كالمُنَكِّل لهم حين أبوا أن ينتهوا " متفق عليه




هذا الحديث متفق عليه كما قال المؤلف رحمه الله أي أخرجه البخاري و مسلم من حديث أبي هريرة




والوصال هو صوم يومين فصاعداً من غير أكل وشرب بينهما .



أي عندما تغرب الشمس لا تفطر تبقى صائما إلى اليوم الثاني هذايسمى وصالاً .



هذا الوصال نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه أصحابه ، فقال رجل من المسلمين : فإنك تواصل يا رسول الله ؟ وأفعاله عليه الصلاة والسلام كانوا يتأسون بها فقال عليه الصلاة والسلام : " وأيكم مثلي ؟ أي هذا الوصال خاص بي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني " دل بهذا على أن هذا الفعل خاص به - صلى الله عليه وسلم –




عندنا قاعدة أصولية أن الأصل في أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها للتأسي أي يشرع لنا أن نتأسى به بها لقول الله تبارك وتعالى { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }.




دل ذلك على أن التأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مطلوب ومرغب به لكن هناك أفعال خاصة به - صلى الله عليه وسلم - هذه الأفعال تبيَّن في أدلة خاصة ، فإن جاء دليل يدل على أن الفعل خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فيجب أن يُستثنى من التأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فيه ، كما في هذا الحديث الذي معنا ، كان عليه الصلاة والسلام يواصل في الصيام أي يصوم يوماً ثم يتبعه بيوم آخردون أن يفطر ففعل ذلك الصحابة فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا الفعل.




وقال لهم : " أيكم مثلي ؟ " أي لا أحد مثلي ، في ماذا ؟ في كون الله تبارك وتعالى يطعمه ويسقيه .




ما معنى الإطعام والسقيا هنا ؟



معناه أن الله يجعل له قوة الطاعِم الشارب وليس معناه أنه يطعَم ويسقى حقيقة لأننا إذا قلنا إنه يطعم ويسقى حقيقة لايكون مواصلاً .





ففي هذا الحديث نهي من النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه وهو يتعدى لأمته عن الوصال فأبى الصحابة قطع الوصال فواصل بهم - صلى الله عليه وسلم - يوماً ثم يوماً وكان هذا في آخر الشهر فلما انتهى الشهر توقف عن الوصال .




وهذا فعله كالمنكل لهم أي عقاباً لهم على عدم استجابتهم لنهيهم عن هذا الفعل عاقبهم وأراد أن يواصل أكثر من يومين ، فلولا أنهم رؤوا الهلال لواصل بهم أكثر عقاباً لهم على فعلهم هذا .




فدل هذا الحديث على عدم جواز الوصال .




وقد اختلف أهل العلم في حكم الوصال ؛ فقال جمهور العلماء : إنه حرام ، الوصال حرام ، واستدلوا بهذا الحديث ( بهذاالنهي ) وكذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم - :" إذا أقبل الليل من هاهنا - وأشارعليه الصلاة والسلام قِبَل المشرق - وأدبر الليل من هاهنا - أي من جهة المغرب - وغربت الشمس فقد أفطر الصائم " .



قالوا : فقد أفطر الصائم أي يجب عليه أن يفطر ، ولا يجوز أن يواصل .




القول الثاني لأهل العلم : أنه جائز ( أن الوصال جائز)، واستدلوا بمواصلة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه قالوا : لو كان حراماً لماواصل بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فكونه واصل بهم بعد النهي دل ذلك على أنه جائز وليس محرماً ، وإنما النهي كان رفقاً بأمته ورحمة بهم فقط .




القول الثالث في المسألة : أنه جائز إلى السَّحر فقط ، علمنا أن وقت السحر آخر الليل .



فقالوا يجوز الوصال إلى وقت السحر.



قالوا : مع أن الأولى ترك ذلك أصلاً واستدلوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - :" لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر " وهذا حديث أخرجه البخاري في صحيحه وهو صحيح .




هذا القول الثالث وهو الأخير أنه يجوز الوصال إلى السحر فقط هو قول أحمد وإسحاق وابن المنذر ( أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي بكر بن المنذر وابن خزيمة ) يعني بعض أهل الحديث ، هؤلاء كلهم من أهل الحديث ، وجماعة من المالكية وهذا القول أصح الأقوال لماذا ؟




لأن به نجمَع بين جميع الأحاديث ، ولا نهمل شيئا منها ، والعمل بجميع الأحاديث أولى من ترك بعضها .




قالوا : وأما إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه على الوصال بعدالنهي ( الوصال أصبح عندنا الآن كم معنى له ؟ له معنيان : الوصال : بمعنى أن تربط صيام اليوم الأول باليوم الثاني وأكثر .




والوصال : بمعنى أن تبقى صائماً إلى السحر .



الوصال بالمعنى الأول منهي عنه فهو محرم .



والوصال بالمعنى الثاني جائز وتركه أفضل .



وقالوا : وأما إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه على الوصال بعد النهي فأراد به التنكيل أي العقاب ولم يرد به التقرير حتى نقول إنه جائز ؛ لأن الصحابة واصلوا معالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأقرهم عليه ، هو لم يقرهم على ذلك ولكن تابع معهم هذا الفعل كي يعاقبهم على عدم الالتزام بالنهي لذلك واصل بهم ، فهذا الفعل منه - صلى الله عليه وسلم - ليس إقراراً لهم كي نقول هو جائز بل هو عقاب لهم .




وبما أنه عقاب إذاً يدل على عدم الجواز لا يدل على الجواز ، وهذا المعنى مبين في نفس الحديث .




وكونه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الوصال إلى اليوم التالي رحمة بهم لا يمنع أن يكون النهي للتحريم ، بل يؤكده ؛ فإن من رحمته بهم أن حرمه عليهم فكونه نهاهم رحمة بهم لايدل على أن ذلك جائزاً بل يدل على أنه محرم لا يجوز حتى وإن كان النهي رحمة بهم ورأفة بل من كمال رحمته بهم أن نهاهم عن هذا الفعل نهائياً .




ومن واصل إلى السحر لايكون مواصلاً بالمعنى المنهي عنه وهو متابعة الصيام إلى اليوم التالي .





هذا خلاصة القول في هذا الموضوع ( أي موضوع الوصال ) ؛ أنه لا يجوز - يَحرم - الوصال الذي بمعنى متابعة الصيام من اليوم الأول إلى اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع هذا يحرم ، أماالوصال بأن تتابع الصيام إلى السحر فهذا جائز وإن كان تركه هو الأفضل والأحسن والمستحب أن تعجل في الفطر .





وعنه رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " رواه البخاري وأبو داود واللفظ له ( أي لأبي داود ) .





هذه المسألة الأولى من المسائل التي اختلف أهل العلم في كونها تبطل الصيام أم لا تبطله ، وهي قول الزور والعمل به والجهل والغيبة وما شابه ذلك ، هل هذه الأشياء تبطل الصيام أم لا تبطله ؟




قال هنا عليه الصلاة والسلام " من لم يدع قول الزور " قول الزور هو الكذب ، وقال بعض أهل العلم : هو كل قول محرم ؛ تدخل فيه الغيبة ، والنميمة ، والبهتان ، ويدخل فيهالكذب إلى آخر هذه الأقوال المحرمة .



والجهل الذي هو السفه بمعنى رفع الأصوات في الأسواق وسب الناس وشتمهم وما شابه ذلك ؛ فهذه محرمة في الصيام وفي غير الصيام لكن تحريمها في الصيام أشد تأكيدا .



قال " من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " أي أن المقصود الأعظم من الصيام هو ماذا ؟ هو تقوى الله سبحانه وتعالى وصلاح النفس وليس هو مجرد التجويع والتعطيش ، يؤكد هذاالمعنى قول الله تبارك وتعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ}ماذا ؟ {لعلكم تتقون } هذه هي الحكمة من شرعية الصيام .




والذي مارس الصيام وتعود عليه يعلم من نفسه كم يجلب له الصيام من تقوى ؟ وكم يجلب له من زيادة في الإيمان ؟ هذا هو المقصود من الصيام .




فالصيام سبب من أسباب زيادة الإيمان في القلب .




قال : " فليس لله حاجة " الله سبحانه وتعالى لا يحتاج لأحد لكمال ملكه وكمال قدرته سبحانه وتعالى ، وكمال قوته ؛ فهو لا يحتاج لأحد .



والمقصود بقوله " فليس لله حاجة " أي لا يريد الله تبارك وتعالى منكم صياماً فيه جهل وقول زور ، بل يريد منكم صياماً يؤدي بكم إلى التقوى وإلى الصلاح وإلى ترك كل ما نهاكم عنه .




في هذا الحديث تأكيد تحريم قول الزور على الصائم وأنه ينقص أجره بفعل الزور والجهل ، وهل يفطر الصائم إن وقع منه ذلك ؟




اختلف أهل العلم في هذه المسألة ؛ والصحيح أنه لا يفسد الصوم ، ولكنه ينقص الأجر ؛ لأن النهي عن قول الزوروالجهل ليس خاصاً بالصيام بل هو عام ويتأكد في الصيام . والله أعلم .



فلو كان خاصاًبالصيام لقلنا إنه يبطل الصيام ، ولكن بما أنه حكم عام محرم في الصيام وفي غير الصيام فلا يبطل الصيام . والله أعلم .





ثم قال المؤلف رحمه الله : وعن عائشة رضي الله عنهاقالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبِّل وهو صائم ويباشر وهو صائم ، ولكنه كان أملككم لأَرَبه " متفق عليه واللفظ لمسلم وزاد في رواية له " في رمضان "





أي كان يقبل وهو صائم ويباشر وهو صائم في رمضان ، القُبلة معروفة .



والمباشرة : مباشرة الرجل أهله أن يُلصق بشرته ببشرتها ، أي يلمسها ويقبلها ونحو ذلك دون جماع ،هذا المراد هنا بالمباشرة .




وتطلق أحياناً المباشرة ويراد بها الجماع كما في قول الله تبارك وتعالى { فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ}.



لكن المباشرة هنا المراد بها ما ذكرنا ، غير الجماع ، لا يقصد بها المجامعة في هذا الموضع ؛ لذلك قالت عائشة رضي الله عنها : "ولكنه كان أملككم لِأَرَبِه " هذه الرواية رويت " الإِرْب " ورويت " الأَرَب " .



رويت الإِربُ بكسر الهمزة وسكون الراء ،ورويت بفتح الهمزة وفتح الراء .



روايتان في هذا الحديث .



الأَرَب تعني أنه كان قادراً على منع نفسه من الجماع ، الأَرَب : بمعنى الحاجة ، وتعني عائشة رضي الله عنها أنه كان قادراًعلى منع نفسه من الجماع .



والرواية الثانية : الإِرْبُ بكسر الهمزة وسكون الراء ، لهامعنيان :



الأول : بنفس معنى الرواية الأولى ( الحاجة ) .



والمعنى الثاني : العضو ، والمقصود هنا الذكر خاصة .



وبالجملة المعنى واحد أي أنه كان قادراً على ضبط نفسه عند المباشرة ،كان قادراً على منع نفسه من الجماع ، وعن الإنزال .



فهذا الحديث يدل على جواز التقبيل والمباشرة في الصيام ( جواز التقبيل والمباشرة بالعضو التناسلي وغيره).



ولا حرج في ذلك لمن كان قادراً على أن يملك نفسه .



وأما من لم يكن قادراً على ذلك فلا يجوز له أن يباشر سداً للذريعة .



وكذلك من كان يعلم من نفسه أنه يُنزِل المني لأن إنزال المني يفطر على الصحيح ، وإن كان في المسألة خلاف لكن على الصحيح أنه يفطر .




فمن كان قادراً على أن يضبط نفسه عن الجماع وعن الإنزال فيجوز له أن يقبل وأن يباشر وهوصائم ، ومن لم يكن قادراً على ضبط نفسه فلا يجوز له أن يفعل ذلك خشية أن يقع في المحظور .




وفي الرواية التي ذكرها مسلم في قوله : " في رمضان " دليل على أنه لا فرقبين صيام الفرض وصيام النفل في المباشرة والتقبيل .



وقد اختُلِف في القبلة والمباشرة للصائم اختلف العلماء في حكم هذه المسألة ؛ فكرهها قوم مطلقاً في الصيام ، وهو مشهور عند المالكية .



وقال آخرون بالتحريم واحتجوا بقوله تعالى { فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْحَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرَ } فقالوا هنا أَذِن بالمباشرة فقط قبل طلوع الفجر الصادق ، أما إذا طلُع الفجر فلا تجوز المباشرة .




لكن الصحيح أن المباشرة المراد هنا في الآية الجماع، وليست المباشرة التي فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو صائم .



وبعض أهل العلم أباح القبلة مطلقاً ، وبالغ البعض فاستحبها بناء على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلها ، لكن الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلها لبيان الجواز .




وفرّق آخرون بين الشاب والشيخ فكرهوها للشاب وأباحوها للشيخ .



وجاء في هذا حديث عند أبي داود عن أبي هريرة أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المباشرة للصائم فرخص له،وأتاه آخر فسأله فنهاه .



فإذا الذي رخص له شيخ ، والذي نهاه شاب .



شيخ أي رجل كبير .



والرجل عندما يكبر تضعف شهوته ، أما الشاب فشهوته تبقى قوية ؛ لذلك فرقوا بين الشيخ والشاب ، قالوا : الشيخ يستطيع أن يضبط نفسه كون شهوته ضعيفة ، بخلاف الشاب شهوته قوية فلا يستطيع أن يضبط نفسه .



لكن هذا الحديث ضعيف لا يصح ، هذا الحديث في سنده راوٍمجهول الحال .



والذي يدل على أنه لا فرق بين الشيخ والشاب أنه جاء في صحيح مسلم من طريق عمر بن أبي سلمة وهو ربيب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيقبل الصائم ؟ فقال - عليه الصلاة والسلام – "سَل هذه " لأم سلمة ، فأخبرته أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع ذلك أي يقبل وهو صائم فقال : يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : " أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له " .




فالنبي - صلى الله عليه وسلم - بيّن له أن أفعاله يُتأسّى بها ، وإذا كان هو أتقانا لله وأخشانا له وكان يقبل ويباشر وهو صائم إذاً فيجوزلنا أن نقبل ونباشر ونحن صيام والشاهد هنا - رداً على الذين قالوا بالتفريق بين الشيخ والشاب - أن عمر بن أبي سلمة حينئذ كان شاباً وكان صغيراً فهذا دليل على أن الشاب داخل في هذا الحكم ( أي في جواز التقبيل ) والمباشرة .




وقال الترمذي رحمه الله : ورأى بعض أهل العلم أن للصائم إذا ملك نفسه أن يقبل وإلاّ فلا ليسلم له صومه ، وهو قول سفيان والشافعي .



وهذا هو الصحيح في هذه المسألة أنه يجوز للشاب وللشيخ أن يقبل وأن يباشر إذا استطاع أن يملك نفسه أو إذا علم من نفسه أنه قادر على أن يملك نفسه عن الجماع وعن الإنزال .





وقال المؤلف رحمه الله : وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم " رواه البخاري





الحجامة هل تفطر أم لا تفطر ؟ هل تفسد الصيام أم لا تفسدالصيام ؟



ذكر المؤلف الحديث الأول عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهوصائم وهو محرم واحتجم وهو صائم . رواه البخاري





والحديث الثاني




وعن شداد بن أوس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم في رمضان فقال : أفطرالحاجم والمحجوم " رواه الخمسة إلا الترمذي وصححه أحمد وابن خزيمة وابن حبان




والحديث الثالث



وعن أنس بن مالك قال : أول ما كُرِهَت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهوصائم فمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " أفطر هذان " أي الحاجم والمحجوم ثم رخّص النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد في الحجامة للصائم وكان أنس يحتجم وهوصائم . رواه الدارقطني وقواه .





هذه ثلاثة أحاديث ، الحديث الأول والحديث الأخير يدلان على أن الحجامة لا تفسد الصيام ، والحديث الثاني يدل على أن الحجامة تفسد الصيام.



أولاً نبدأ بحال هذه الأحاديث .




أما الحديث الأول فأخرجه البخاري فهو صحيح ، وإن كان منتقداً فبعض أهل العلم ضعفه لكن الصحيح أنه صحيح كما على ما ذهب إليه الإمام البخاري رحمه الله .



والحديث الثاني حديث شداد بن أوس أن النبي - صلى الله عليه وسلم – قال" : أفطر الحاجم والمحجوم " هذا الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة .




وجاءعن جماعة من الصحابة ، وليس فقط عن شداد ابن أوس ؛ لكن أصح ما ورد فيه حديث شداد وحديث ثوبان .



وصحح حديث " أفطر الحاجم والمحجوم " الإمام أحمد وعلي بن المديني وغيرهماوأدخله شيخنا الوادعي رحمه الله في الجامع الصحيح من حديث شداد ومن حديث ثوبان وقوّى أحدهما بالآخر .



الحديث صحيح بمجموع طرقه .




وأما حديث أنس بن مالك الأخيرالذي أخرجه الدارقطني فهو من حديث خالد بن مخلد عن عبد الله بن المثنى .



وخالد بن مَخلد وإن كان محتجاً به إلا أن له مناكير ، وعبد الله بن المثنى ضعيف لا يُحتج به .



قال ابن عبد الهادي في كتابه التنقيح بعد أن حكم على هذا الحديث بالنكارة قال : هذاحديث منكر لا يصح الاحتجاج به لأنه شاذ الإسناد والمتن .



وكيف يكون هذا الحديث صحيحاًسالماً من الشذوذ والعلة ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة ، ولا هو في المصنفات المشهورة ، ولا في السنن المأثورة ، ولا في المسانيد المعروفة ، وهم يحتاجون إليه أشداحتياج ولا نعرف أحداً رواه في الدنيا إلا الدارقطني ، رواه عن البغوي عن عثمان بن أبي شيبة حدثنا خالد بن مخلد به ، قال : وكل من رواه بعد الدارقطني إنما رواه من طريقه قال : ولو كان معروفاً لرواه الناس في كتبهم وخصوصاً الأمهات كمسند أحمدومصنف ابن أبي شيبة ومعجم الطبراني وغيرهم إلى آخر كلامه رحمه الله .



مرادي من ذكركلام ابن عبد الهادي التنبيه على قاعدة يذكرها أهل العلم أشار إليها ابن عبدالهادي هاهنا : أن الحديث إذا لم يكن في الصحاح ولا في السنن المشهورة المعروفة ولافي المسانيد المعتبرة وجاء في كتاب عرف برواية الغرائب والمناكير أو في جزء من الأجزاء أو في كتاب من الفوائد ؛ فلا يعني ذلك أن تعول على هذا الحديث فما أعرض عنه هؤلاء الأئمة الكبار أصحاب الصحاح وأصحاح السنن وأصحاب المسانيد ما أعرضوا عنه إلا لأنه من المنكرات الواهيات لذلك تركوه .




ومن عجيب ما نرى من بعض طلبة العلم أنه يأتي بحديث وجده في جزء فلان في جزء هلال الحفار أو في جزء ابن عرفة أو في فوائدفلان أو في الكامل لابن عدي الذي عُرف بتخريج مناكير الرواة ، ويقول لك : هذا حديث صحيح !!



يا أخي لو كان الحديث صحيحاً لما أعرض عنه أئمة هذا الفن ولما جعلوهمن مناكير فلان ، كونهم جعلوه من مناكير فلان إذاً فهو منكر ، حديث واهٍ ،لذلك أعرضوا عنه وتركوه وجعلوه من مناكير فلان وأنكروه على فلان ، فلا يصح مثل هذاالتصرف .



فمثل هذا الحديث الذي بين أيدينا تفرد بتخريجه الدارقطني ، والدارقطني في سننه معروف بأنه يخرج الأحاديث الغرائب والمنكرة فعندما يتفرد الدارقطني بتخريج حديث كهذا مع وجود راويين من الرواة الذين عرفوا برواية المناكير والأحاديث الضعيفة .



فنعلم من ذلك أن هذا الحديث منكر لا يعول عليه ولا يُنظر إليه .



فهذا الحديث حديث ضعيف وهو منكر كما قال ابن عبد الهادي رحمه الله .



أما معنى الحجامة فالحجامة هي مص الدم من الجرح بعد الشرط .



هذا تعريفها بعد شرط الجلد ومص الدم منه هذا يسمى حجامة إما أن يكون المص بالفم أو بآلة كالكأس .





واحتجم أي طلب الحجامة .



والحجّام من احترف هذه المهنة .



والبقيع مكان في المدينة .




وأما حكم الحجامة فقد اختلف العلماء فيها بناء على اختلاف الروايات التي وردت في هذه المسألة .



فالحديث الأول الذي معنا يدل على أن الحجامة لا تفطر الصائم .



والحديث الثاني وهو " أفطر الحاجم والمحجوم " يدل على أن الحجامة تفطر .



فقال بعض أهل العلم : الحجامة تفطر واستدلوا بحديث شداد وضعفوا حديث ابن عباس ، الحديث الأول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صائم ( ضعّفوه ) وبهذا القول قال عبد الله ابن المبارك والإمام أحمد وغيرهم .




وقال بعضهم : الحجامة لا تفطر ومنهم الإمام الشافعي واستدلوا بحديث ابن عباس أي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صائم ، وذكروا أنه ناسخ لحديث أفطرالحاجة والمحجوم وبهذا القول قال مالك ابن أنس والثوري وجمهور أهل العلم .




والصحيح في هذه المسألة أن الحجامة لا تفطر لحديث ابن عباس احتجم وهو صائم وورد عن جماعة من الصحابة أنهم احتجموا وهم صيام أو رخصوا في ذلك .



جماعة من الصحابة أفتوا بذلك وأخرج البخاري في صحيحه أن أنس بن مالك سئل أكنتم تكرهون الحجامة للصائم ؟ قال : لا إلا من أجل الضعف ، وفي رواية " أكنتم تكرهون الحجامة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - " .




إذا قلنا بأن الحجامة لا تفطر فمامعنى أفطر الحاجم والمحجوم ؟




قال البغوي رحمه الله : أي تعرضا للإفطار ، أما الحاجم فلأنه لا يأمن وصول شيء من الدم إلى جوفه ؛ لأنه عندما يحجم يمص بفمه ، فإذا مص بفمه لايأمن أن ينزل الدم إلى جوفه فيفطر في هذه الحالة .



وأما المحجوم فلأنه لا يأمن ضعف قوته بخروج الدم فيؤول أمره إلى أن يفطر .




وهذا أصح ما قيل في هذه المسألة وحديث أنس يدل على ذلك ( حديث أنس الذي أخرجه البخاري ) يدل على ذلك دلالة واضحة .





وقال الإمام الشافعي رحمه الله فإن توقى أحد الحجامة كان أحب إلي احتياطاً ، قال : والذي أحفظ عن الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم أنه لا يفطر أحد بالحجامة والله أعلم.




وبناء على مسألة الحجامة تنبني عندنا مسألة التبرع بالدم هل التبرع بالدم يفطر أملا يفطر ؟ الصحيح أنه لا يفطر حملاً له على مسألة الحجامة فإذا قلنا بأن الحجامة تفطر قلنا بأن التبرع بالدم يفطر ، وإذا قلنا بأن الحجامة لا تفطر وهو الصحيح قلنابأن التبرع بالدم لا يفطر .




ومع ذلك نقول : الأحوط توقي ذلك فهو أفضل لكن بالنسبة للتبرع بالدم أحياناً الإنسان يضطر إلى ذلك .




المسألة الأخيرة في يومنا هذا مسألة الكحل




قال المؤلف رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اكتحل في رمضان وهو صائم " رواه ابن ماجة بإسناد ضعيف





وقال الترمذي لا يصح في هذا الباب شيء .



في مسألة الاكتحال ، هل الكحل يفطر أو لا يفطر ؟ لا يصح فيه شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال الترمذي رحمه الله .



فقد ضعّف أهل الحديث الأحاديث الواردة في ذلك ، واختلف أهل العلم في الكحل ؛



فقال الحنفية والشافعية لا يفطر ولو وجدطعمه في الحلق ، فإن العبرة ليست بوجود طعم الشيء في الحلق ولكن العبرة بوصول الشيء إلى الجوف ، فإذا وصل الشيء إلى الجوف فطّر ، أما مجرد أن يجد طعمه في الحلق الصحيح أن هذاغير معتبر كما قالت الشافعية والحنفية .



واحتجوا بالأحاديث الضعيفة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكتحل في رمضان .




وقال مالك وهو قول الحنابلة أيضاً : إن اكتحل وتحقق من وصول الكحل إلى الحلق فعليه القضاء يعني إذا وجد طعم الكحل في حلقه فعليه القضاء وإن تحقق عدم وصوله للحلق لا شيء عليه واستدلوا بالقياس على الاستنشاق .



قالشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد أن ذكر الكحل والتقطير وغيرها ( تقطير القطرةفي العين ) : والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك ؛ فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام ، فلو كانت هذه الأمور من ما حرمه الله ورسوله في الصيام ويفسد الصيام بها ؛ لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه ، ولو ذكر ذلك لَعَلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه ، فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك لا حديثاً صحيحاً ولا ضعيفاً ولا مسنداً ولا مرسلا عُلِم أنه لم يذكر شيئاً من ذلك - أي النبي - صلى الله عليه وسلم - .



ثم أخذ يبين ضعف الأحاديث الواردة في ذلك .



وقال رداً على الذين يحتجون بالقياس : إن الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبينها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بياناً عاماً ولا بد أن تنقلها الأمة فإذا انتفى هذا عُلِم أن هذا ليس من دينه وهذا كما يُعلم أنه لم يُفرَض صيام شهر غير رمضان ولا حج بيت غير البيت الحرام .



والخلاصة أننا لسنا بحاجة إلى القياس في مثل هذه المسائل والقياس لا يُصار إليه إلا عندالضرورة والله أعلم .



هذا ونكتفي بهذا القدر وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلاأنت أستغفرك وأتوب إليك.
رد مع اقتباس