الموضوع: [نصيحة] منهج الحدادية
عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 10-05-2010, 05:48 PM
رائد آل طاهر رائد آل طاهر غير متواجد حالياً
طالب علم - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركات: 32
شكراً: 0
تم شكره 8 مرة في 3 مشاركة
افتراضي

وقد يعترض معترض فيقول: هل العلماء المعاصرون الذي يصفون مَنْ لا يكفِّر تارك العمل بالكلية بالإرجاء؛ هل هؤلاء حدادية؟!!

وجوابه من وجهين:
الأول: أنَّ الحدادية يصفون مَنْ لا يكفر تارك المباني الأربعة (الصلاة والصيام والزكاة والحج) وما دونها من الأعمال الصالحة بالإرجاء!!، بينما العلماء المشار إليهم يعدون مَنْ لا يكفِّر تارك المباني الأربعة من أهل السنة، والخلاف في تكفير المباني الأربعة خلاف سائغ، وليس ما وراء الأركان الخمسة من الأعمال ما يكفر به كما تقدَّم.

وإنما مراد العلماء المشار إليهم آنفاً في وصفهم بالإرجاء مَنْ لا يكفر تارك العمل بالكلية:
أي الذي يقول لا إله إلا الله ثم لا يعمل بما تقتضيه هذه الكلمة مما لا يصح التوحيد إلا به، أو يقول لا إله إلا الله مع بقائه على أعمال من الشرك الأكبر والكفر المخرج من الملة، أو مع زوال العمل (عمل القلب وعمل الجوارح) بالكلية، فيكون الإيمان عنده مجرد قول بدون عمل، وتصديق مجرد عن العمل، والكفر عنده لا يكون بالعمل!، لا يكون إلا بالقول، وأنَّ الإيمان والتوحيد لا تضره المعاصي كما لا ينفع مع الشرك طاعة، ولا شك أنَّ تارك العمل على هذه الصورة كافر باتفاق أهل السنة، ولم يخالف في ذلك إلا المرجئة.
لكن الحدادية يلبسون على العوام ويغررون الجهال بأنهم موافقون للعلماء المعاصرين!، وهذا كذب وتزوير للحقائق لا ينبغي السكوت عنه فضلاً عن قبوله.

الثاني: على فرض أنَّ العلماء المشار إليهم آنفاً مرادهم كما يزعم الحدادية اليوم، فكلامهم من قبيل الاجتهاد الخطأ، ولهم مكانتهم الرفيعة وجهودهم الكبيرة في بيان عقيدة السلف ونصرة منهجهم والرد على المخالفين، فلا يذمون، ولا يقدح بيان خطئهم في مكانتهم ومنزلتهم، لأنهم غير معصومين، لكن مَنْ قلَّدهم وتبع أقولهم المخالفة مع قدرتهم على معرفة الحق أو مع معرفته بالحق فهؤلاء يذمون ويوصفون بالبدعة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في [مجموع 10\383]: ((كل واحد من الناس قد يؤخذ من قوله وأفعاله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وما من الأئمة إلا مَنْ له أقوال وأفعال لا يتبع عليها؛ مع أنه لا يذم عليها)).
وقال رحمه الله تعالى في [المجموع 6/71]: ((إذا رأيتَ المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم فاغتُفرت لعدم بلوغ الحجة له، فلا يُغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للأول؛ فلهذا يُبدَّع مَنْ بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها إذا أنكر ذلك!!، ولا تبدَّع عائشة ونحوها ممن لم يعرف بأنَّ الموتى يسمعون في قبورهم؛ فهذا أصل عظيم فتدبره فإنه نافع)).
وقال رحمه الله تعالى في [المجموع 26/202-203]: ((وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع!!، وإنما الحجة: النص، والإجماع، ودليل مستنبط من ذلك تقرر مقدماته بالأدلة الشرعية؛ لا بأقوال بعض العلماء!!!؛ فإنَّ أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية لا يحتج بها على الأدلة الشرعية. ومَنْ تربى على مذهب قد تعوَّده واعتقد ما فيه وهو لا يحسن الأدلة الشرعية وتنازع العلماء؛ لا يفرق بين ما جاء عن الرسول وتلقته الأمة بالقبول بحيث يجب الإيمان به، وبين ما قاله بعض العلماء ويتعسَّر أو يتعذَّر إقامة الحجة عليه!!، ومَنْ كان لا يفرق بين هذا وهذا: لم يحسن أن يتكلم في العلم بكلام العلماء، وإنما هو من المقلدة الناقلين لأقوال غيرهم!!)).

قلتُ: وليس في هذا الوجه طعنٌ بالعلماء المعاصرين، بل لقد وصف إمام من أئمة أهل السنة وهو إسحاق بن راهويه مَنْ لا يكفر تارك أحد الأركان الأربعة بالإرجاء!!، ولم يقبل أهل العلم قوله وعدَّوه من قبيل الاجتهاد الخطأ.
قال العلامة ابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه [فتح الباري 1/21]: ((وكثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعاً منهم، حتى إنه جعل قول مَنْ قال لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها من أقوال المرجئة)).
بينما قال الإمام المروزي رحمه الله تعالى وهو تلميذ إسحاق في كتابه [تعظيم قدر الصلاة 2/936]: ((قد حكينا مقالة هؤلاء الذين أكفروا تارك الصلاة متعمداً، وحكينا جملة ما احتجوا به، وهذا مذهب جمهور أصحاب الحديث. وقد خالفتهم جماعة أخرى عن أصحاب الحديث، فأبوا أن يكفروا تارك الصلاة إلا إن يتركها جحوداً أو إباء واستكباراً واستنكافاً ومعاندة فحينئذ يكفر، وقال بعضهم: تارك الصلاة كتارك سائر الفرائض من الزكاة وصيام رمضان والحج، وقالوا: الأخبار التى جاءت في الإكفار بترك الصلاة نظير الأخبار التي جاءت في الإكفار بسائر الذنوب)).
وقال بعد أن ذكر أدلتهم واحتجاجهم في عدم التكفير بترك الصلاة [المصدر السابق 2/956]: ((وكان ممن ذهب هذا المذهب من علماء أصحاب الحديث: الشافعي رضي الله عنه وأصحابه أبو ثور وغيره وأبو عبيد في موافقيهم)).

قلتُ:
فلو جاء رجل – مثل سفر الحوالي اليوم! – وقال: مَنْ لا يكفِّر تارك الصلاة وقع في الإرجاء شعر أو لم يشعر، فنرد عليه وننكر قوله، ونصفه بأنه طاعن بالعلماء وضال على نهج الخوارج، ولو اعتذر له معتذر بأنه موافق لقول إسحاق بن راهويه لما شفع له ذلك ولما قبل منه!.

وأخيراً أقول:
هل لنا أن نعترض على المعترض فنقول: لماذا لا نرى مثل هذا الاعتراض على مَنْ يصف مَنْ لا يكفِّر تارك العمل بالإرجاء، مع علمه بأنَّ علماء معاصرين ذهبوا إلى عدم تكفير تارك العمل؟!!
لماذا؟!
ما لكم لا تنطقون