من درر كلام الحافظ الذّهبي رحمه الله :
كيف يطيرُ ولّـما يُريِّش ؟!
" من بلغَ رتبةَ الاجتهاد ، وشهد له بذلك عدّةٌ من الأئمة ، لم يَسُغْ له أن يُقلِّ ، كما أنّ الفقيه المبتدئ والعاميِّ الذي يحفظ القرآن أو كثيرًا منه لا يَسوغُ له الاجتهاد أبدًا ، فكيف يجتهدُ ؟ وما الذي يقول ؟ وعلاَمَ يبني ؟ وكيف يطيرُ ولما يُريِّش ؟
والقسم الثالث : الفقيه المنتهي ، اليقظ الفَهم المحدِّث ، الذي قد يحفظ مختصرًا في الفروع ، وكتابًا في قواعد الأصول ، وقرأ النحوَ ، وشارك في الفضائل ، مع حفظه لكتاب الله ، وتشاغله بتفسيره ، وقوة مناظرته ، فهذه رتبة من بلغ الاجتهاد المقيَّد ، وتأهل للنّظر في دلائل الأئمة ، فمتى وضح له الحقّ في مسألة ، وثبت فيها النَّص ، وعمل بها أحد الأئمة الأعلام كأبي حنيفة مثلاً ، أو كمالك ، أو الثوري ، أو الأوزاعي ، أو الشافعي ، وأبي عبيدٍ ، وأحمد ، وإسحاق ، فَليَتَّبع فيها الحقّ ، ولا يسلك الرُّخص ، وليتورَّع ، ولا يَسعُهُ فيها بعد قيام الحُجّة عليه تقليدٌ ، فإن خاف ممّن يُشَغِّب عليه من الفقهاء ، فَلْيَتكَّتمْ بها ولا يتراءى بفعلها ، فربّما أعجبتهُ نفسهُ ، وأحبّ الظّهور فيُعاقَبُ ، ويدخلُ عليه الدّاخِلُ من نفسِه ، فكم من رجُلٍ نطقَ بالحقِّ ، وأمر بالمعروف ، فيُسلِّطُ الله عليه مَنْ يُؤذيه لسُوء قصدِهن وحُبِّه للرّئاسة الدِّينيّة .
فهذا داءٌ خفيٌّ سارٍ في نفُوس الفقهاء ، كما أنَّه داءٌ سارٍ في نفوس المنفقين من الأغنياء وأرباب الوقُوف والتُّرب المزخرفة " سير أعلام النبلاء (191/18 ،192 )
نقلاً من مجموع اعتنى به الشَّيخ الدكتور جمال عزون الجزائري حفظه الله