تتمة المقال الذي كتبه الأخ الفاضل رائد آل طاهر
المثال الثالث: مرجعية اللجنة الدائمة في الحكم على الأعيان
الشيخ العباد حفظه الله تعالى وجَّه طلبة العلم عند السؤال على حال شخص معيَّن إلى اللجنة الدائمة فقال: ((عند سؤال طلبة العلم عن حال أشخاص من المشتغلين بالعلم، ينبغي رجوعهم إلى رئاسة الإفتاء بالرياض للسؤال عنهم، وهل يُرجع إليهم في الفتوى وأخذ العلم عنهم أو لا؟.
ومَنْ كان عنده علم بأحوال أشخاص معيَّنين يُمكنه أن يكتب إلى رئاسة الإفتاء ببيان ما يعلمه عنهم للنظر في ذلك، وليكون صدور التجريح والتحذير إذا صدر يكون من جهة يُعتمد عليها في الفتوى وفي بيان مَن يؤخذ عنه العلم ويُرجع إليه في الفتوى، ولا شكَّ أنَّ الجهة التي يُرجع إليها للإفتاء في المسائل هي التي ينبغي الرجوع إليها في معرفة مَن يُستفتى ويُؤخذ عنه العلم، وألاَّ يجعل أحدٌ نفسه مرجعاً في مثل هذه المهمَّات؛ فإنَّ من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)).
وقال: ((إذا كان الخطأ الذي رد عليه فيه غير واضح، بل هو من الأمور التي يحتمل أن يكون الرادُّ فيها مصيباً أو مخطئاً، فينبغي الرجوع إلى رئاسة الإفتاء للفصل في ذلك، وأمَّا إذا كان الخطأ واضحاً، فعلى المردود عليه أن يرجع عنه؛ فإنَّ الرجوعَ إلى الحقِّ خيرٌ من التمادي في الباطل)).
بينما الحلبي رفض حكم اللجنة الدائمة في التحذير منه ومن كتبه في مسائل الإيمان!، وكتب في ذلك عدة مؤلفات يرد بها على اللجنة الدائمة، ولا زال الحلبي وأنصاره يرون غلط اللجنة في إصدار ذلك الحكم، ويرفضونه.
أليس هذا تباين بين منهج الشيخ العباد وبين منهج الحلبي وأنصاره؟!
المثال الرابع: ترك الانشغال بالردود والتحذير والتجريح في أهل السنة
أقول: هذه هي فحوى نصيحة الشيخ العباد حفظه الله تعالى في رسالته [رفقاً أهل السنة بأهل السنة].
بينما نلاحظ الحلبي وأنصاره في أغلب كتاباتهم يردون على منهج الشيخ ربيع حفظه الله تعالى ومَنْ وافقه من العلماء والمشايخ وطلبة العلم، ويجرحونهم بأقبح الأوصاف وأسوء العبارات التي تدل على سفاهتهم وسفالتهم، ويحذِّرون منهم، ويؤلبون عوام الناس وسفلة القوم عليهم، ونظرة سطحية لمنتدياتهم تكفي كبرهان على هذا الكلام.
أليس في هذه مخالفة صريحة لنصيحة الشيخ العباد حفظه الله تعالى في رسالتيه الأولى والثانية؟!
قد يقول قائل: وأنتم كذلك؟
أقول: ليس الأمر كذلك!
لأنَّ الشيخ ربيعاً حفظه الله تعالى ومَنْ وافقه لا يعدونكم ومشايخكم من أهل السنة، ولهذا فهم بجرحهم وتحذيرهم منكم لا يخالفون نصيحة رفقاً أهل السنة بأهل السنة.
كما أنَّ الشيخ العباد لما جرح عدنان العرور وحذَّر منه، وكذلك فعل الشيخ عبدالمالك رمضاني، لم يخالفوا رسالة رفقاً أهل السنة بأهل السنة!.
وكذلك لما بدَّع الشيخ صالح السحيمي المأربي وحذَّر منه لم يخالف رسالة رفقاً أهل السنة بأهل السنة!.
وكذلك لما جرح الشيخ عبد المالك رمضاني الحويني لم يخالف الرسالة؟!
وهكذا...
بينما أنتم مع تجريحاتكم الغليظة وطعوناتكم الشديدة وتحذيراتكم المتواصلة من منهج الشيخ ربيع والشيخ عبيد الجابري وغيرهما، تعدونهم من علماء أهل السنة!.
فأنتم مخالفون لرسالة رفقاً أهل السنة بأهل السنة!!
فإنْ قلتم: هذه مجرد ردود وانتقادات وليست طعناً أو تجريحاً أو تحذيراً بالشيخ ربيع!!
قلنا: اضحكوا على أنفسكم يا قوم، وعلى عقول العميان أمثالكم، أما نحن فالحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة البصر فضلاً عن نعمة العقل!.
ثم لنفترض معكم أنها انتقادات وردود؛ فهلا أريتم السلفيين ربع هذه الردود والنقد في الحويني ومحمد حسان أمثالهم، وأنتم تقرون أنَّ عندهم انحرافات وأخطاء؟!!.
لكن ((إنْ لم تستح فاصنع ما شئت)).
المثال الخامس: الاستدلال بحديث ((ولكنكم غثاء)) في عدم اعتبار كلمة ((غثاء)) في حق الصحابة سباً
كان علي الحلبي – ولا زال – يراوغ ويتقلب في مسألة "وصف الصحابة بالغثاء"، حتى بلغ به الأمر أن يعدها من قبيل الغلط اللفظي وليس فيها سب للصحابة، بل واستدل على ذلك بحديث تلبيساً وتحريفاً!!.
فقد سُئل الحلبي في مكالمة هاتفية: ((هل أنَّ القول بأنَّ الصحابة غثائية تعتبر سباً لهم أم لا؟ فأجاب بقوله: "لا ما تعتبر سبّ، هذه خطأٌ لفظي, وأما السب فهو الشتم والتحقير!!". ثم قال السائل: إيش معناها, يعني إيش معنى كلمة غثاء؟ فقال الحلبي: "ألا ترى أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: أنتم غثاء, ولكن كغثاء السيل"، السائل: طيب؛ والدليل شيخنا؟، فقال الحلبي: "هل سمعتَ الحديث؟"، قال السائل: إيه سمعناه، فقال الحلبي: "هو هذا!!!, لكن هذا لا نستعمله نحن!، هذا لا نستعمله لأنه جناب الصحابة عظيم، لكن لو ورد على لسان واحد متأولاً فلا نقول له: أنت تسب الصحابة, هذه يعني معزوفة باردة ووافدة وبعيدة عن الحق والصواب")).
قلتُ: ففي نظر الحلبي أنَّ إطلاق كلمة "غثاء" على الصحابة من أحد متأولاً ليست سباً بدليل أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم استعملها!!.
وهذا من أبطل ما يكون.
وقد سُئل الشيخ العباد حفظه الله تعالى في 3 محرم سنة 1431ﻫ في درس له عن فضل الصحابة السؤال الآتي: هل يجوز أن يقال في الصحابة فيهم غثائية؛ استدلالاً بقوله صلى الله عليه وسلم: (( لكنكم غثاء كغثاء السيل))؟
فكان جواب الشيخ: ((الصحابة رضي الله عنهم كلهم لباب وخيار ولا يقال فيهم إلا كل خير, ولا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل!!؛ ولكنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عن أمر مستقبل!!!, الصحابة رضي الله عنهم كان زمانهم كان زمان الفتوح وزمان الخيرات وزمان العز وزمان ظهور الإسلام؛ لأنه ما حصل ظهور الإسلام مثل ما حصل في زمن الصحابة والأزمان التي جاءت بعد زمن الصحابة في القرون الثلاثة المفضلة)).
فنقول: للحلبي هل وصف "غثاء" من قبل النبي صلى الله عليه وسلم كانت في حق الصحابة؟
فإن قال: نعم، لكن لا يجوز نحن أن نستعمله.
قلنا: هذا هو عين الباطل الذي رده الشيخ العباد حفظه الله تعالى.
وإن قال: ليس هو في حق الصحابة.
قلنا له: بطل الاستدلال من أصله، لأنَّ الخلاف معك في إطلاق وصف "غثاء" في حق الصحابة لا في غيرهم.
المثال السادس: الموقف من المخالفين لأهل السنة في مسائل الاعتقاد
قال الحلبي في مقال [السلفية هي الوسط الشرعي المضاد للتطرف] لدفع تهمة التطرف: ((وقَبْلَ الردّ على تِلْكُمُ الدَّعْوَى الباطلةِ - ودَفْعًا لاختلاطِ المفاهيمِ - أُقَرِّرُ: أنَّ المسائلَ الفقهيَّة، أو العقائديَّةَ التي يَدُورُ الخلافُ فيها بين السلفيَّةِ ومُخالِفِيها - بل بين عُمومِ المُسلمين بعضهم بعضاً؛ لا يجوزُ أن تُسحبَ - أو تُوَظَّفَ - بأيِّ شِكْلٍ مِن الأشكالِ ولا بأيِّ حالٍ مِن الأحوال للادِّعاءِ على جهةٍ ما بالتطرُّفِ، أو رَمْيِها بالإرهاب؛ إذْ هي مسائلُ علميَّةٌ مَحْضَةٌ خالِصَةٌ؛ كمثل: مسائل إثباتِ أسماءِ الله الحُسنَى وصفاتِهِ العُلَى على الوجه اللائق بجلالِ الله تعالى!، وقضايا الاستغاثةِ والتوسُّلِ بغيرِ الله سبحانه مُضادَّةً لألوهيَّتِهِ ووحدانيَّتِهِ عزَّ وجلَّ!، والغُلُوِّ في جَنابِ سيِّدِنا المُصطَفَى رسول الله صلى الله عليه وسلم!؛ فهذه مسائل كانت وما تزالُ موضعَ أخْذٍ ورَدٍّ بين عامَّة عُلماءِ أهل القِبلةِ - على اختلافِ فِرَقِها ومذاهبِها -، وبألفاظٍ دقيقة، وأحكامٍ وثيقة)).
أقول: هل هذه المسائل التي ذكرها الحلبي هي مجرد موضع أخذ ورد بين علماء أهل القبلة؟!!
أم هي مسائل ينعقد عليها الولاء والبراء؟!
لقد هوَّن علي الحلبي في هذه الكلمة من مسائل عظيمة لا ينبغي له أن يمرَّ عليه كمرور الإخوان المسلمين!!؛ لكن هذا هو منهج التمييع، فلا غرابة.
بل انظر إليه كيف ألمح في هذا المقال إلى أنَّ الخلاف بين السلفية ومناوئيهم - من حيث العموم، ومن حيث الخصوص ويريد بهم خوارج العصر - هو خلاف اجتهادي فقهي صرف!!؛ حيث قال من أجل براءة السلفية من تهمة التزلف للحكَّام: ((ومِن أعجبِ العَجَبِ واللـهِ- ما يَلقاهُ دُعاةُ السلفيَّةِ وعُلماؤُهم -بالمُقابِلِ!- مِن مُناوِئِيهِم عامَّة!، وخُصومِهِم المتطرِّفِين حقّاً -خاصَّةً-!، مِن رَمْيِهِم بالعمالةِ لبعضِ الجهات!، والتملُّق للحُكومات!، ونَبْزِهِم بأذنابِ السُّلُطات!!، إلى غيرِ ذلك مِن تُهَم وطُعونٍ جائرة وغير جائزة -أكثرُها كذبٌ وافتراءات-؛ لمْ يَخَفْ أصحابُها فيهم ربَّهُم تعالى؛ إذ لمْ يُفَرِّقُوا -وللأسفِ الشديد- بين المواقف السلفيَّة الشرعيَّة التي قد لا يوافقونَها أو لا تُوافقهم - اجتهاداً علميّاً فقهيّاً صِرْفاً!-، والمواقف المخالفةِ للشَّرْعِ -أصلًا-، والمبنيَّة على التزلُّف والهَوَى؛ رغبةً بأغراضٍ دنيويَّة، أو طمعًا بفوائدَ ماديَّة –فَرْعًا-)).
قلتُ: فهل الخلاف بين السلفية ومناوئيهم عامة من جهة، وبينهم وبين خوارج العصر من جهة أخرى؛ من قبيل الاجتهاد العلمي الفقهي الصرف؟!!!
بل وأشد من ذلك؛ حيث أثنى الحلبي على أساس فكرة كتاب [إجماع المسلمين على احترام مذاهب الدين] للأمير غازي بن محمد بن طلال وهو من العائلة المالكة في الأردن وصاحب رسالة (محاور رسالة عمان)، فقال الحلبي في حاشية رسالته [الدعوة السلفية بين الطرق الصوفية و الدعاوى الصحفية ص54]: ((وهذا الكتاب بفكرته الأساس يدلُّ على سلامة صدور أولياء أمورنا!، و عِظَمِ رغباتهم بالخير!، ونقاء قلوبهم؛ ولا نزكيهم على الله، زادهم الله توفيقًا!!)).
وأساس فكرة هذا الكتاب – يعرفها كل من طالعه - هي الدعوة إلى التعايش السلمي بين الأديان والتسامح والمساواة بينها وحرية العبادة وتطبيق الديمقراطية، وأيضاً التقريب بين المذاهب الإسلامية والطوائف ومنها الشيعة الإمامية والإباضية!!.
بل وأخطر من ذلك؛ ثناؤه على رسالة عمان ودفاعه هو وأنصاره عنها، والتبرير لها، والترغيب بها، والقيام بشرحها ونشرها، وهي رسالة داعية إلى وحدة الأديان.
فماذا ترك الحلبي من منهج الإخوان المسلمين؟!
وأما تزكياته لأهل الأهواء والمخالفين لأهل السنة في مسائل الاعتقاد وتطبيق منهج الموازنات معهم فحدِّث ولا حرج.
مثل ثنائه على محمد راتب النابلسي خطيب جامع عبد الغني النابلسي في سوريا حيث قال فيه لما سُئل عنه: ((وجود مثله في سوريا - والحال فيها ما تعلم! - جيد، ونفعه للعوام أكثر)).
قلتُ: مع كون النابلسي هذا من المفوضة في الصفات!، وأيضاً يثني على المؤولة أهل التحريف ويتبنى مذهبهم أحياناً!، وينكر على أهل الإثبات ويصفهم بأنهم مجسمة!، ومسجده الذي يخطب فيه يضم قبر جده!، ويدعو إلى إحياء الذكرى بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وينكر على مَنْ يحكم على هذا الفعل بأنه بدعة!، ويصرح في عدم قبول أحاديث الآحاد في العقائد!. ومع هذا فهو ينفع العوام في نظر الحلبي!. ورحم الله تعالى إِمامَ أَهل السُّنَة أَحمد بن حنبل القائل: ((إِن أَهلَ البدَعِ والأَهْواءِ لاَ يَنْبَغي أَنْ يُسْتَعانَ بِهِم في شَيء مِنْ أمورِ المُسْلميَنَ؛ فإنَّ في ذَلِكَ أَعْظَمَ الضرر علَى الدِّين)).
بينما لما سُئل الشيخ العباد حفظه الله تعالى عن حضور دروس عدنان عرور قال: ((والله ما ينبغي أن تحضروا دروسه))، فلم يقل: نفعه للعوام أكثر!، ومعلوم أنَّ مخالفات العرور أخف من مخالفات النابلسي!.
وسُئل الشيخ العباد: هل تفسير الشيخ الشعراوي من تفسير أهل السنة والجماعة؟ فقال الشيخ: الشعراوي؟! فقال السائل: نعم، فقال الشيخ: الشعراوي الموجود المتأخر؟! فقال السائل: نعم، فقال الشيخ: ((لا؛ ليس من أهل السنة والجماعة، هو من أهل التأويل)) [الشريط رقم (319) من شرح سنن الترمذي].
أقول: ولم يقل ينفع العوام!، مع إنه لا فرق بينه وبين النابلسي!.
وأيضاً لما سُئل علي الحلبي عن إسامة بن لادن رأس خوارج العصر؛ قال: ((أسامة بن لادن رجل صاحب مال، وعنده غيرة دينية، وإلا ليس هو طالب علم، فما وجد نفسه إلا في وسائل الإعلام وعلى ألسنة الناس ويحاط بمجموعة من الحزبيين والتكفيريين وما أشبه هؤلاء، وكما قيل: لم يبق شيء يخاف عليه ولا منه فهو المطلوب رقم واحد لأمريكا، وبالتالي يفعل ما هو باستطاعته أن يفعله. ولكن ظننا به أنه مخلص إن شاء الله؛ ولا نزكيه على الله، وإنْ كانت هذه الأمور التي يفعلها أو تنقل عنه نحن لا نوافق عليها ولا نرتضيها كما هو معروف في منهجنا ومنهج علماءنا)).
قلتُ: بينما أنكر الشيخ العباد في مقدمة مدارك النظر على دعاة التهييج ضد الحكام وهم (سلمان العودة وسفر الحوالي وعائض القرني وناصر العمر ومحمد المسعري) ولم يشيد بشيء من حسناتهم ولا بذكر شيء مما عندهم من صفات حسنة!!، وابن لادن أسوأ حالاً من هؤلاء!.
وأقول: عبارة "ولا نزكيه على الله" هل تقال في حال المدح أم الذم؟!
الجواب: قال صلى الله عليه وسلم: ((إنْ كان أحدكم مادحاً أخاه فليقل: أحسبه ولا أزكي على الله أحداً)).
نعم سُئل الحلبي بعد ذلك!؛ فأخبر أنه يبدِّع ابن لادن وذلك في جواب مجمل له، لكن انظر إلى جوابه الأول وما فيه من تهوين وموازنة.
فلا أدري ماذا يقصد فيه بقوله: ((ويحاط بمجموعة من الحزبيين والتكفيريين وما أشبه هؤلاء))؟
هل يقصد أنه ليس منهم، وإنما يحاط بهم فحسب؟!
فهذا تجريح للبطانة لا للشخص نفسه!
ومعلوم أنَّ ابن لادن هو رأس هؤلاء!!.
أما وصفه بالإخلاص والغيرة الدينية؛ فلا أدري ما دليل ذلك وعلامته؟!
فليوضح لنا ذلك؟!
وأما قوله: ((وإنْ كانت هذه الأمور التي يفعلها أو تنقل عنه نحن لا نوافق عليها ولا نرتضيها))، ففيه تهوين لضلالات بن لادن وفتنته، فالأمر ليس مجرد عدم موافقة وعدم رضا، بل الأمر تبديع وتضليل، ولا أدري لعلَّ الحلبي لا يريد الإنكار والتشنيع كما هو أصل منهجه الجديد الذي يدعو إليه، فمال إلى تصحيح الأخطاء والموازنة في النقد دون نقد الذات، ومن غير تجريح ولا تشنيع!!.
وهذا هو منهج قاعدة ((نصحّح ولا نجرِّح)).
ولعلَّ الجرح الوحيد الذي ذكره الحلبي في جوابه هذا هو قوله في ابن لادن ((ليس هو طالب علم))!!!.
وجوابه هذا يذكرني بجواب محمد حسان لما سُئل عن سيد قطب فكان جوابه: ((كتبي التي سطرتها أخيراً لا أستدل بفضل الله إلا بأقوال السلف، وأنصح إخواني بأن لايقرؤوا كتب سيد قطب؛ لأنها كتب فكرية، وليست كتب منهجية)).
وكذلك يذكرني بقول الحويني في سيد قطب حين قال: ((تفسير الشيخ سيد قطب لا شك فيه فوائد، وفيه أيضاً أخطاء؛ لأنَّ الشيخ سيد قطب لم يكن من العلماء!، هذا كان رجلاً أديباً في بداية حياته، ولأنه صعيدي فالأصل عنده الديانة)).
ومن ذلك أيضاً: ثناء الحلبي المتواصل على مختار الطيباوي والنصح بقراءة مقالاته والاستفادة منها، وتثبيت مقالاته في منتديات كل السلفيين إلى يومنا هذا!.
مع أنَّ الطيباوي هذا يُدخل الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ وأهل التصوف البدعي العملي ومرجئة الفقهاء وغلاة التكفير وغلاة التبديع في إطار أهل السنة، كما صرَّح بذلك في مقاله [الاعتراض الرفيع على الشيخ ربيع]، ويفرِّق هذا الرجل بين السلفيين وأهل السنة والجماعة، فأهل السنة جماعة أشمل؛ ليُدخل في ذلك كل الأحزاب والطوائف التي تنسب نفسها لأهل السنة أو للمذاهب الأربعة!.
وأيضاً يثني الطيباوي على سلمان العودة وسفر الحوالي كما في جواب سؤال موجود في موقعه، ويصفهم بالعلماء، وأنهم انطلقوا من أصول سنية ومواقف علمية، ويعد الخلاف معهم من قبيل الاجتهاد السائغ، ويقارنه باختلاف الصحابة فيما بينهم في الفتنة، ويوجب علينا الإقرار بفضلهم، ولا يجيز نسبتهم إلى غير أهل السنة، بل يعد ذمهم وتضليلهم وتبديعهم من البغي.
ثم يأتي الحلبي فيثني على الطيباوي وعلى مقالاته السفسطائية أكثر من مرة، فيقول في أحد التعليقات: ((جزاكم الله خيراً - أبا هارون - على هذا المقال العلمي التأصيلي الجريء – بحق وبالحق))، ثم ينصح القراء فيقول: ((ولقد استغربت (!) قلة عدد القراء – نسبياً - لهذا المقال البديع، والذي من فوّته فقد فوّت على نفسه خيراً كثيراً. وهذه دعوة مني لأبنائي وإخواني وأصحابي أن يبادروا بقراءة هذا المقال الرائع، وأن ينهلوا من فوائده الكثار))، ثم يطالب الطيباوي بالمزيد فيقول: ((نحن بانتظار المزيد والجديد - فضيلة الشيخ أبي هارون - بارك الله فيك، ونفع بك، وأكرمك في الدارين)).
والعجيب أنَّ الطيباوي وهو يبحث في آخر مقاله عن السبل في جمع الجماعات والأحزاب الدعوية المنتسبة لأهل السنة قال: ((فنحن مطالبون بوقف النزيف بين أهل السنة على اختلاف طبقاتهم، وذلك من خلال إبراز المشترك، والتفاعل حوله، والتركيز عليه، بدلاً من البحث عن الشواذ. وإيجاد مساحات للحوار العلمي الواعي المقصود منه: احتواء المخالف))، ثم قال: ((إننا يجب أن نبحث عن علاقة تكاملية؛ إذا لم نقدر على علاقة تعاونية!!، فهذا الحد الأدنى من الوعي الفطري الذي تمارسه كل الجماعات البشرية التي لها مصالح وأصول مشتركة!، ويربطها مصير واحد)).
قلتُ: احتواء المخالف أولاً... ثم علاقة تعاونية!، فماذا ترك الطيباوي من قاعدة: ((نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه))؟!.
وإذا بالحلبي يشيد بهذا المقطع بالخصوص في تعليقه!!، وانظر تعليق الحلبي بتمامه على مقال الطيباوي [محاكمة الشيخ ربيع إلى شروطه في التّبديع].
أقول: هذا هو منهج علي الحلبي في رجل يدخل الإخوان المسلمين في إطار أهل السنة، ويثني على سلمان العودة وسفر الحوالي.
فما هو منهج الشيخ العباد؟
يقول الشيخ عبدالمحسن العباد حفظه الله تعالى: ((الكتاب الذي كتبته أخيراً وهو "رفقاً أهل السنَّة بأهل السنَّة" لا علاقة للذين ذكرتهم في (مدارك النظر) بهذا الكتاب!، لا يعني الإخوان المسلمين!، ولا يعني المفتونين بسيّد قطب وغيره من الحركيين!، ولا يعني أيضاً المفتونين بفقه الواقع والنيل من الحكام!، وكذلك التزهيد في العلماء!، لا يعني هؤلاء لا من قريب ولا من بعيد!، وإنما يعني: أهل السنَّة فقط، لا يعني هذه الطوائف!!، وهذه الفرق المنحرفة عن منهج أهل السنَّة والجماعة!، وعن طريقة أهل السنَّة والجـماعة)).
قلتُ: وسلمان العودة وسفر الحوالي ممن ذكرهم الشيخ العباد في مقدمة مدارك النظر وتكلَّم فيهم، وهما أيضاً من المفتونين بسيّد قطب وغيره من الحركيين مثل محمد قطب، ومن المفتونين بفقه الواقع والنيل من الحكام وكذلك التزهيد في العلماء، وهذا أمر معلوم عنهما.
فليسوا هما في نظر الشيخ العباد من أهل السنة حتماً، بل من الفرق المنحرفة.
وكذلك الإخوان المسلمون من الفرق المنحرفة وليسوا من أهل السنة؛ كما تقدَّم في كلام الشيخ العباد.
فهل ثناء الحلبي على الطيباوي ومقالاته ونصيحة الشباب به يوافق منهج الشيخ العباد في التحذير من استغلال رسالته في الإخوان والقطبيين والحركيين؟!
أم يوفق كلام الشيخ العباد في التحذير من سلمان العودة وسفر الحوالي وغيرهما من دعاة فقه الواقع؟!
ثم الحويني ومحمد حسان وعدنان عرور والمأربي – الذين ينافح عنهم الحلبي ويخاصم العلماء السلفيين من أجلهم - أليسوا من المفتونين بسيد قطب؟!
نترك الجواب للقارئ الفطن اللبيب لا للمتعصب البليد.
أقول:
وهذه بعض الأمثلة في ذاكرتي الآن، ولعل الإخوة عندهم أمثلة يضيفونها، ليعلم السلفيون أنَّ الحلبي على خلاف منهج الشيخ العباد، فلا يلبِّس عليكم، ولا تغتروا بتعليقاته.
والله الموفق.
|