الطيباوي يهدم قواعد المحدثين ويطعن في علماء المسلمين خدمة لأعداء الدين
الطيباوي
يهدم قواعد المحدثين
ويطعن في علماء المسلمين
خدمة لأعداء الدين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين:
وبعد:
فإن من أعظم البلاء والمحن أن يبتلى الرجل في دينه وينحرف عن منهجه, فيكون المعروف عنده منكرا والمنكر معروفا, لأنه انقلبت عنده الموازين, وتغيرت عنده الثوابت, وهدمت عنده القواعد, وضاعت عنده الحرمات, فيصير خادما لأعداء الدين من حيث لا يشعر, وهذا ضلال ما بعده ضلال.
أخرج الإمام مسلم وغيره من حديث حذيفة رضي الله عنه أنه قال:(( كنا عند عمر فقال أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يذكر الفتن ؟ فقال قوم نحن سمعناه فقال لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره ؟ قالوا أجل قال : تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة, ولكن أيكم سمع النبي صلى الله عليه و سلم يذكر الفتن التي تموج موج البحر, قال حذيفة فأسكت القوم فقلت أنا قال أنت لله أبوك قال حذيفة سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول :
تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه.
قال حذيفة وحدثته أن بينك وبينها بابا مغلقا يوشك أن يكسر قال عمر أكسرا لا أبا لك فلو أنه فتح لعله كان يعاد قلت لا بل يكسر وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت حديثا ليس بالأغاليط.
قال أبو خالد فقلت لسعد يا أبا مالك ما أسود مربادا ؟ قال شدة البياض في سواد قال قلت فما الكوز مجخيا ؟ قال منكوسا )) (231- (141) ).
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن قتادة قال معمر وكتب به إلي أيوب السختياني أن أبا مسعود الأنصاري قال: (( دخل على حذيفة فقال أوصنا يا ابا عبد الله فقال حذيفة أما جاءك اليقين قال بلى وربي قال فإن الضلالة حق الضلالة أن تعرف اليوم ما كنت تنكر قبل اليوم وأن تنكر اليوم ما كنت تعرف قبل اليوم وإياك والتلون فإن دين الله واحد ))( 20454).
وهذا حال أهل البدع من أهل التمييع وغيرهم, فُتنوا في دينهم فضلوا عن صراط ربهم, ومنهج نبيهم صلى الله عليه وسلم, وسبيل السلف رضي الله عنهم, فتغيرت عندهم المفاهيم, فما كان معروفا بالأمس من الإنكار على أهل البدع والضلال والتحذير منهم صار اليوم منكرا وغلوا وتشددا, وما كان بالأمس منكرا من الطعن في أهل العلم السلفيين والتجرأ عليهم صار اليوم معروفا ودفاعا عن السنة والمنهج ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
ومن هذا القبيل ما سطره ويسطره الطيباوي من التجرأ على قواعد المحدثين والطعن في علماء المسلمين, فهو يشن هجمة على القواعد الحديثية يريد هدمها وصرف الناس عنها, ومن ذلك ما ادعاه من اضطراب في قاعدة الجرح المفسر, وقاعدة قبول خبر الثقة, وقاعدة امتحان الناس وغيرها من القواعد الثابتة عند أهل الحديث والسنة.
وفي الوقت نفسه يشن هجمة على العلماء الربانيين فيطعن فيهم وفي دينهم ومنهجهم ومن ذلك طعنه المتكرر بالشيخ ربيع الذي أطبقت الأمه على علمه وفضله وسلامة منهجه.
وهذا الصنيع من الطيباوي وأمثاله يعد خدمة لأعداء الدين, لأن هدم القواعد والثوابت والطعن في العلماء السلفيين من أعظم مقاصد أعداء هذا الدين, فهم يسخرون كل الوسائل لصرف الناس عن الاسلام الحق, والصراط المستقيم, لأنهم يعلمون أن الخطر كل الخطر في هذا الدين العظيم, ولذلك تراهم يدعمون كل الجماعات المنحرفة والأحزاب الضالة والعقائد المخالفة, وهذا هو الواقع المشاهد والله المستعان.
وبعد اطلاعي على مقالات الطيباوي رأيت أن مقالاته اشتملت على أنواع من الجهل والكذب والضلال, حيث أنه أساء الفهم لمنهج السلف وقواعد المحدثين, مما يدل على جهله بأصول منهج السلف وتأصيلات المحدثين واستعمالات الأئمة, ولذلك احببت أن أبين خطأه وجهله نصرة لمنهج أهل الحديث ودفاعا عن الأئمة وردا على شبهات المنحرفين الذين يبتغون صرف الناس عن المنهج الحق فأقول وبالله التوفيق:
إن الطيباوي قرر قواعد فاسدة يريد من خلالها الوصول إلى نسف وهدم قواعد السلف ومناهج المحدثين, وهو يسير على خطى المليباريين ويحذو حذوهم ويقلد أفكارهم, إن لم يكن منهم, ومن أهم تلك القواعد الباطلة والتقريرات الفاسدة هي:
أولا: هدم القواعد الحديثية الكلية ونسفها, لمعارضتها بعض أجزائها على حد زعمه, ومن تلك القواعد التي يريد التوصل إلى هدمها ونسفها ، قاعدة ( تقديم الجرح المفسر على التعديل ) وهي قاعدة متفق عليها بين أهل السنة لا يختلفون فيها, بل هذه القاعدة أصل من أصول أهل السنة والجماعة, وقاعدة من قواعد المحدثين, لا ينكرها إلا أهل البدع أو من سار على سيرهم وتأثر بشبهاتهم.
فيريد الطيباوي أن يقول: أن هذه القاعدة لا يمكن العمل بها ولا يمكن اعتبارها لأن هناك بعض الاستثناءات التي تخالفها وتصادمها, فعليه لا يمكن القول باطلاق قبولها, ولذلك صرح بأنه لا يمكن أن نفهم كلام السلف ومقاصد كلامهم إلا من خلال هذه الاستثناءات, وهو في هذا التقرير يخالف منهج العلماء وقواعد المحدثين وهو بعيد كل البعد عن فهم كلامهم ومعرفة مقاصد عباراتهم, ولا أظنه يريد الفهم بل يريد التشكيك والتشغيب على قواعد أهل السنة والجماعة وحملها على قواعده الفاسدة وتأصيلاته الباطلة وتقريراته المبتدعة, لتتوافق مع منهجه المنحرف, ولبيان جهله وضلاله في هذه المسألة أقول:
أ- أن المقرر عند علماء السلف ومحققي أهل السنة أن القواعد الكلية هي قواعد عامة أغلبية, تشمل ما يدخل تحتها من أفراد ومسائل.
قال الشاطبي -رحمه الله-: ((ومنها: أن الشارع وضع الشريعة على اعتبار المصالح باتفاق, وتقرر في هذه المسائل أن المصالح المعتبرة هي الكليات دون الجزئيات؛ إذ مجاري العادات كذلك جرت الأحكام فيها، ولولا أن الجزئيات أضعف شأنا في الاعتبار لما صح ذلك بل لولا ذلك لم تجر الكليات على حكم الاطراد، كالحكم بالشهادة, وقبول خبر الواحد، مع وقوع الغلط والنسيان في الآحاد، لكن الغالب الصدق؛ فأجريت الأحكام الكلية على ما هو الغالب حفظا على الكليات، ولو اعتبرت الجزئيات لم يكن بينهما فرق, ولامتنع الحكم إلا بما هو معلوم، ولا طرح الظن بإطلاق، وليس كذلك, بل حكم بمقتضى ظن الصدق، وإن برز بعد في بعض الوقائع الغلط في ذلك الظن، وما ذاك إلا اطراح لحكم الجزئية في حكم الكلية، وهو دليل على صحة اختلاف الفعل الواحد بحسب الكلية والجزئية، وأن شأن الجزئية أخف )) ( الموافقات 1/ 221).
وقال أيضا: ((فكل هذا غير قادح في أصل المشروعية؛ لأن الأمر الكلي إذا ثبت كليا، فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يخرجه عن كونه كليا، وأيضاً فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي؛ لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت.
هذا شأن الكليات الاستقرائية واعتبر ذلك بالكليات العربية فإنها أقرب شيء إلى ما نحن فيه لكون كل واحد من القبيلين أمرا وضعيا لا عقليا، وإنما يتصور أن يكون تخلف بعض الجزئيات قادحا في الكليات العقلية، كما نقول: "ما ثبت للشيء ثبت لمثله عقلاً "، فهذا لا يمكن فيه التخلف ألبته، إذ لو تخلف لم يصح الحكم بالقضية القائلة: "ما ثبت للشيء ثبت لمثله".
فإذا كان كذلك، فالكلية في الاستقرائيات صحيحة، وإن تخلف عن مقتضاها بعض الجزئيات.
وأيضا، فالجزئيات المتخلفة قد يكون تخلفها لحكم خارجة عن مقتضى الكلي، فلا يكون داخلة تحته أصلا، أو تكون داخلة لكن لم يظهر لنا دخولها، أو داخلة عندنا، لكن عارضها على الخصوص ما هي به أولى )) ( الموافقات 1/ 83 – 85 )).
ويستفاد من كلام الشاطبي رحمه الله تعالى عدة أمور من أهمها:
الأمر الأول: أن المصالح الشرعية التي اعتبرها الشارع وأمر بها إنما في الكليات لا الجزئيات, وذلك لأن الكليات تضبط الجزئيات وكذلك فإن الجزئيات ترجع الى الكليات ولا تخرج عنها.
الأمر الثاني: أن الكليات تجري أحكامها على الاطراد فلا تتخلف عنها الجزئيات على خلاف الجزئيات فإن أحكامه ليست مطردة.
الأمر الثالث: أن تخلف بعض الجزئيات عن الكليات لا يضعف حكم الكليات, بل تبقى الكليات أغلبية ومطردة, ويحمل الجزء المخالف على حسبه .
الأمر الرابع: أن الكليات قطعية بخلاف الجزئيات التي لا يمكن وصفها بهذا الوصف العام القطعي .
الأمر الخامس: أن من تلك القواعد الكلية القواعد التي تكون مبنية على الاستقراء ولذلك فإن هذه القواعد قواعد صحيحة وإن تخلف عنها بعض أجزائها.
وهذا ينقض كلام الطيباوي من أصله, ويظهر مدى جهله بتأصيلات العلماء وتقريراتهم, ويبين ضلاله وبعده عن منهج السلف الصالح.
ب- أن من هذه القواعد الكلية القطعية قاعدة ( تقديم الجرح المفسر على التعديل), فهي قاعدة كلية أغلبية قطعية تشمل جزئياتها.
ومما يدل على ذلك أقوال أئمة أهل الحديث واستعمالاتهم كما بين ذلك علماء المصطلح كالخطيب البغدادي وغيره وتفصيل ذلك من خلال الأمور الآتية :
1- تجد أن هذه القاعدة اتفق عليها أهل المصطلح فهم يذكرونها على أنها قاعدة مسلمة بين أهل الحديث, وهو قول أئمة الحديث وحفاظه, ومن تتبع كلام الأئمة والنقاد علم ذلك يقينا دون أدنى شك أو ريب, وممن فصل ذلك الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية, فبعد أن ذكر تقديم الجرح على التعديل سواء زاد عدد المعدلين أم لم يزد فقال - رحمه الله -:
((اتفق أهل العلم على ان من جرحه الواحد والاثنان وعد له مثل عدد من جرحه فإن الجرح به أولى والعلة في ذلك ان الجارح يخبر عن أمر باطن قد علمه ويصدق المعدل ويقول له قد علمت من حاله الظاهرة ما علمتها وتفردت بعلم لم تعلمه من اختبار امره وأخبار المعدل عن العدالة الظاهرة لا ينفى صدق قول الجارح فيما أخبر به فوجب لذلك ان يكون الجرح أولى من التعديل )) ( صفحة 105 – 106).
وقال أيضا: (( ( فصل إذا عدل جماعة رجلا وجرحه أقل عددا من المعدلين )
فإن الذي عليه جمهور العلماء أن الحكم للجرح والعمل به أولى وقالت طائفة بل الحكم للعدالة وهذا خطأ لأجل ما ذكرناه من أن الجارحين يصدقون المعدلين في العلم بالظاهر ويقولون عندنا زيادة علم لم تعلموه من باطن امره وقد اعتلت هذه الطائفة بأن كثرة المعدلين تقوى حالهم وتوجب العمل بخبرهم وقلة الجارحين تضعف خبرهم وهذا يعد ممن توهمه لأن المعدلين وان كثروا ليسوا يخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون ولو اخبروا بذلك وقالوا نشهد أن هذا لم يقع منه لخرجوا بذلك من أن يكونوا أهل تعديل أو جرح لأنها شهادة باطلة على نفى ما يصح ويجوز وقوعه وان لم يعلموه فثبت ما ذكرناه )) ( صفحة 107).
ثم ذكر أن الصحيح أن الجرح لا يقبل إلا أن يكون مفسرا ورجحه فقال: ((قلت وهذا القول هو الصواب عندنا واليه ذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده مثل محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري وغيرهما فان البخاري قد احتج بجماعة سبق من غيره الطعن فيهم والجرح لهم كعكرمة مولى بن عباس في التابعين وكاسمعيل بن أبى أويس وعاصم بن على وعمرو بن مرزوق في المتأخرين وهكذا فعل مسلم بن الحجاج فإنه احتج بسويد بن سيد وجماعة غيره واشتهر عمن ينظر في حال الرواة الطعن عليهم وسلك وأبو داود السجستاني هذه الطريق وغير واحد ممن بعده فدل ذلك على انهم ذهبوا الى ان الجرح لا يثبت الا إذا فسر سببه )) ( صفحة 108 – 109 ).
فمن خلال كلام الخطيب يفهم أن هذه القاعدة اتفق عليها أهل الحديث, وعمل بها نقاده كالبخاري ومسلم وغيرهما, ولم يذكر الخطيب من لم يقبل الجرح المفسر من أهل الحديث فدل على أنهم متفقون على ذلك والله اعلم.
2- أن تطبيقات الأئمة تدل على أنهم متفقون على هذه القاعدة يعملون بموجبها من نقد الرواة وتضعيف الأحاديث, وسأذكر تطبيقات الشيخ الألباني لهذه القاعدة لكونه من أئمة أهل الحديث في هذا العصر وإليك كلامه:
أ-قال الشيخ الألباني - رحمه الله -: ((و قد اتفق العلماء جميعا على تضعيف العطار هذا سوى العجلي فإنه قال في كتاب " الثقات " : " لا بأس به " : فلا ينبغي الالتفات إليه خلافا لصنيع السيوطي في " التعقبات " ( ص 38 ).
وإن تبعه ابن عراق في " تنزيه الشريعة " ( 265 / 2 ) لأنه شاذ عن الجماعة ، لاسيما و هو مخالف لقاعدتهم " الجرح مقدم على التعديل" ، و قد قال ابن أبي حاتم ( 2 / 255 ) عن أبيه : " حديث منكر لا يعرف له أصل " )) ( السلسلة الصحيحة 4/ 27).
ب- وقال: (( ثم وقفت على ترجمة الوليد بن الوليد العنسي في " الميزان " و " اللسان " ، فوجدت فيه جرحا شديدا من غير واحد من الحفاظ ، فقال الدارقطني و غيره : " متروك " ، و قال ابن حبان في "الضعفاء " ( 3 / 81 ) : " يروي عن ابن ثوبان و ثابت بن يزيد العجائب " . ثم ساق له حديث " مكارم الأخلاق عشرة ... " ، و قال عقبه : " و هذا ما لا أصل له من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم " . و جرح هؤلاء مقدم على تعديل أبي حاتم إياه ، لأنه جرح مفسر كما هو ظاهر ، و يستغرب خفاء ذلك على أبي حاتم الإمام الحافظ النقاد المعروف بأنه من المتشددين في الجرح ، و المعصوم من عصمه الله )) ( السلسلة الصحيحة 6/ 421).
ج- وقال: ((وابن أبي حبيبة- واسمه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة-؛ ضعيف؛ كما في "التقريب ". وأما قول الهيثمي (10/36):
"رواه الطبراني، وزيد بن سعد بن زيد الأشهلي لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات "!
فالظاهر أنه تبنى قول أحمد في ( ابن أبي حبيبة) أنه ثقة! لكن الاعتماد على قول من ضعفه- وهو الجمهور- أولى، ولا سيما وهو المطابق لقاعدة: (الجرح مقدم على التعديل)، وبخاصة أن بعضهم قد ضعفه جدا، ومنهم الدارقطني الذي قال فيه:" متروك ".
وهو الذي تبناه الذهبي في "الكاشف ")) ( السلسلة الصحيحة 15/ 6).
د- وقال :(( قلت :وهذا إسناد ضعيف؛ لحال رشدين المعروف بالضعف؛ ومثله زبان وهو ابن فائد. وقال المنذري في "الترغيب " (2/178/32):"رواه أحمد من رواية رشدين بن سعد- وهو ثقة عنده-، ولا بأس بحديثه في المتابعات والرقائق "!
كذا قال! وذهل عن إعلاله بـ(زبان). وتبعه على ذلك الهيثمي؛ فقال (5/274): "رواه أحمد، والطبراني، وفيه رشدين بن سعد، وثقه أحمد، وضعفه جماعة"!
قلت: والتضعيف هو المعتمد؛ لقاعدة: (الجرح مقدم على التعديل)؛ ولا سيما وهو قول الجمهور! على أن عزوهما لأحمد أنه وثقه هكذا مطلقا؛ يوهم أنه لم يضعفه أيضا، وليس كذلك، فالروايات عنه مختلفة)) ( السلسة الصحيحة 15/ 269).
هـ- وقال: ((قلت: فاصرار ابن معين على قوله: "ليس به بأس "، وامتناعه من القول بأنه يحتج به، أقرب إلى أنه ضعيف لا يحتج به عنده، من كونه ثقة لديه, وعلى فرض أنه يعنىِ أنه ثقة. كما زعم الأنصاري، فهو معارض بتضعيف أحمد وغيره من الأئمة الذين تقدمت أسماؤهم، كما أنه يعارض الحقيقة التالية التي خالفها الأنصاري، وهي:
الحقيقة الأخرى: أنه من الثابت في علم الحديث أن الجرح - وبخاصة إذا كان مفسراً- مقدم على التعديل، وجرح عطية هنا مفسَّر بشيئين:
الأول: سوء الحفظ والآخر: التدليس )) ( السلسلة الضعيفة 1/ 13 ).
و- وقال : ((ولا تغتر بتوثيق بعض المتعصبين له ممن قدم لبعض كتبه ، وغيره من الحنفية ، فإنه على خلاف القاعدة المعروفة عند المحدثين : الجرح المبين مقدم على التعديل ولذا حكم الكوثري بوضعه كما سيأتي تحت الحديث ( 25) )) ( السلسلة الضعيفة 1/ 69).
ز- وقال : ((وقد ذهب إلى توثيق الإفريقى المذكور بعض الفضلاء المعاصرين وبناء عليه ذهب إلى أن حديثه هذا صحيح ! وذلك ذهول منه عن قاعدة الجرح مقدم على التعديل إذا تبين سبب الجرح ، وهو بين هنا وهو سوء الحفظ ، وقد أنكر عليه هذا الحديث وغيره سفيان الثوري )) ( السلسلة الضعيفة 1/ 109).
ح- وقال: ((وقد تعصب مغلطاي للواقدي ، فنقل كلام من قواه ووثقه ، وسكت عن ذكر من وهاه واتهمه ، وهم أكثر عددا وأشد إتقانا ، وأقوى معرفة من الأولين ... وقد أسند البيهقي عن الشافعي أنه كذبه " .
فرده التهانوي بقوله : " ولم يتعصب مغلطاي للواقدي ، بل استعمل الإنصاف ، فإن الصحيح في الواقدي التوثيق " ! أقول : فلا تغتر بهؤلاء الذين مالوا إلى توثيقه ، فإنهم خالفوا القاعدة المتفق عليها عند المحدثين أن الجرح المفسر مقدم على التعديل ، ولعل الحنفية يقولون هنا كما قالوا فيما جرح به أبو حنيفة رحمه الله : إن مصدر ذلك التعصب ! وبذلك طعنوا في أئمة المسلمين بغير حق ، في سبيل تخليص رجل منهم مما قيل فيه بحق . فاعتبروا يا أولي الأبصار )) ( السلسلة الضعيفة 2/146).
ط- وقال: (( قال ابن التركماني : فعلى هذا ؛ أقل الأحوال أن تكون روايته هذه متابعة لرواية صدقة ، فتبين أن سند هذا الحديث جيد ، فلا نسلم قول البيهقي : لم تصح أسانيده إلى عمرو" .
فأقول له : سلمت أو لم تسلم ، فلا قيمة لكلامك ؛ لأنك لا تتجرد للحق ، وإنما لتقوية المذهب ، ولو بما هو أو هى من بيت العنكبوت ؛ فإنك عمدت في تقوية الرجلين - عثمان بن عطاء وأبيه - إلى أحسن ما قيل من التعديل ، وأعرضت عن كل ما قيل فيهما من التجريح ، وليس هذا سبيل الباحثين الذين يقيم العلماء لكلامهم وزناً ، وذلك لأنه بهذا الأسلوب المنحرف يستطيع أهل الأهواء أن يصححوا أو يضعفوا ما شاؤوا من الأحاديث بالإعراض عن قواعد هذا العلم الشريف ومنها قاعدة : الجرح مقدم على التعديل ؛ بشرطها المعروف عند العلماء )) ( السلسلة الضعيفة 9/ 129).
إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي كان يصرح فيها الشيخ الألباني رحمه الله تعالى, ومن خلال هذه الأمثلة يتضح بوضوح أن قاعدة تقديم الجرح المفسر على التعديل قاعدة متفق عليها بين أهل الحديث بشرطها عندهم ألا وهو بيان السبب من قبل الجارح.
وهذا التقرير من الإمام الألباني -رحمه الله - ينقض تقرير وتقعيد الطيباوي مما يدل على جهل الطيباوي وبعده عن لغة أهل الحديث واستعمالات أهلها.
فأين الإستثناءات التي يدندن عليها الطيباوي ويزعم أنه من خلالها يفهم مقاصد المحدثين, هل غفل عنها الشيخ الألباني أم جهلها حاشاه, لكن التلبيس والتدليس والتشغيب على القواعد السلفية للدفاع عن أهل البدع والجماعات المبتدعة.
ثانيا:أن الطيباوي يقرر أنه لا يمكن لأي احد أن يفهم كلام المحدثين وقواعدهم إلا من خلال الاستثناءات التي تخالف القواعد المقررة, وهو يريد من ذلك تضعيف أقوال الأئمة المجرحين وإمكانية رد جرحهم ونقدهم للرواة لاحتمال أن يكون هذا الجرح مما يستثنى من هذه القاعدة, وهذا من تلبيسه وتدليسه لأن هذه الاستثناءات التي يدندن حولها قد ذكرها الأئمة وبينوها بيانا شافيا مما لا يدع مجالا للتلاعب على هذه القواعد المحكمة, ويغلق الباب على أهل البدع الذين يحاوولون نسف هذه القواعد وهدمها لينجو من كلام الأئمة ومن نقدهم.
ولا بد أن يعلم أن الاستثناءات التي يدندن حولها الطيباوي ويريد أن يرد القاعدة من خلالها أو يضعفها, إنما هي أمثلة قليلة لا تمثل شيئا مقابل الكم الهائل من تطبيقات الأئمة ونقدهم للرواة, فهي عبارة عن أمثلة متناثرة في استعمالات الأئمة لا يمكن معها أن ترد القاعدة, والمتتبع لاستعمالات الأئمة سيجد أن هنالك مثالا في قول الإمام مالك في نقده لمحمد بن إسحاق, ومثالا لشعبة بن الحجاج في نقده لمن رآه يركب برذونا, ومثالا للنسائي في نقده لأحمد بن صالح المصري وهكذا, وهذه الأمثلة لا يمكن تطبيقها إلا من خلال الأمور الآتية:
أ- أن هذه الأمور محصورة في بعض المسائل وهي كما ذكرها الخطيب في الكفاية ولخصها ابن دقيق العيد إلى خمسة وجوه وهي:
أحدها : وهو شرُّها ، الكلام بسبب الهوى والغَرَض والتحامل ، وهذا مجانب لأهل الدين وطرائقهم .
وثانيها :المخالفة في العقائد ، فإنَّها أوجبت تكفير الناس بعضها لبعض، أو تبديعهم، وأوجبت عصبية ( اعتقدوها ) ديناً يتديَّنون به ويتقربون إلى الله تعالى ، ونشأ من ذلك الطعن بالتكفير أو التبديع .
وثالثها : الاختلافُ الواقع بين المتصوِّفة وأصحاب العلوم الظاهرة .
ورابعها : الكلام بسبب الجهل بالعلوم ومراتبها ، والحق والباطل .
وخامسها : الخلل الواقع بسبب عدم الورع والأخذ بالتوهم والقرائن التي قد تختلف.( ينظر الاقتراح صفحة 31 وما بعدها ).
وفي الغالب أن الأئمة بعيدون كل البعد عن هذه المسائل, بل هم على خلاف ذلك حيث أنهم لا يحابون أحدا ولا يحملون على أحد إلا بالحق, وربما وقع منهم بعض الشيء من باب الفلتات حيث أنهم غير معصومين, ولذلك كان أهل الحديث أكثر الناس إنصافا وأتبعهم للدليل وأبعدهم عن الهوى والتعصب ومن أكثر الناس ورعا وزهدا.
ب- أنها على خلاف الأصل فليست هي الأصل, وإنما الأصل عدمهاوذلك لأن أئمة أهل الحديث عندهم من الورع التام والبعد عن الهوى مع خبرتهم الكاملة بالحديث وعلله ورجاله, فلا يكون منهم إلا على سبيل فلتات اللسان التي لا يسلم منه البشر, لأنهم غير معصومين فلا بد أن يقع منهم على سبيل الخطأ والغلط, لكن لا يكون هو الأصل, وإنما الأصل أنهم لا يتكلمون إلا بعلم وورع تام ولذلك كانت أحكامهم مطابقة للواقع غالبا,على خلاف تقريرات أهل البدع ومن سار على منهجهم.
قال ابن دقيق العيد بعد أن ذكر الوجه الأول وهو الكلام في الرواة بسبب الهوى والتعصب والتحامل فقال : ((وهذا وإن كان نُزِّهَ عنه المتقدمون ، لتوفر أديانهم ، فقد تأخَّر أقوام ووضعوا تواريخ، رُبّما وقع فيها شيء من ذلك ، على أن الفَلتَات من الأنفس لا تُدَّعى العصمة منها ، فإنه ربما حَدَث غضب لمن هو من أهل التقوى فبدرت منه بادرةُ لفظ .
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البَرِّ الحافظ أُمُوراً كثيرة عن أَقوام من المتقدمين وغيرهم ، حكم بأنه لا يلتفت إليها ، وحمل بعضها على أنَّها خرجت عن غَضَبٍ وحَرَجٍ من قائلها ، هذا أو قريب منه .
ومن رأيه أَنَّ من اشتُهر بحمل العلم فلا يقبل فيه جرح / إلاَّ ببيان هذا أو معناه )) ( الاقتراح 31- 32).
وعلى هذا لا يمكن اتهام إمام من أئمة الحديث بأنه كان متحاملا في أحكامه أو أنه بنى حكمه على الهوى والتعصب بدعوى أنه وجد امثال ذلك, لأن هذا إن وجد من أحادهم فهو على خلاف الأصل فلا يحكم له بحكم معين, وأنه من قبيل الخطأ الذي لا يسلم منه أحد, وكذلك لا يرد جرحه ونقده بالظن بدعوى أنه كان متحاملا, وإنما يحتاج إلى إثبات ذلك بالأدلة الصحيحة البينة التي ليس فيها أدنى مجالا للشك أو الريب, لأنه لو جعلت هذه ذريعة لكلام أهل الحديث ونقاده, لترك كل كلامهم ولاستغل ذلك أهل البدع في السلامة من نقد الأئمة لهم, وهذا هو المحصلة من رد كلام الأئمة وقواعدهم, ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
ج-وإن مما ينقض هذا كله ويرده من أصله أن الأئمة لم يتركوا مجالا للمتلاعبين من أهل الأهواء والبدع, بل أحكموا هذه المسائل أحكاما بديعا وهذا من توفيق الله تعالى لأهل الحديث وتسديده لهم, ليحفظ الله بهم دينه وينصر بهم أولياءه, ومن هذا الإحكام ما يلي:
1- أن الأئمة بينوا أسباب الجرح التي يجرح بها الرواة وحددوها بضوابط دقيقة, حتى لا يترك المجال لكل متكلم أو متفلسف يتهم الأئمة من أهل الحديث, وهذه الأسباب قد ذكرها الحافظ ابن حجر ولخصها كما في نزهة النظر فجعلها عشرة أسباب فقال:
((ثم الطعن يكون بعشرة أشياء، بعضها (( يكون )) أشد في القدح من بعض، خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة تتعلق بالضبط.
ولم يحصل الاعتناء بتمييز أحد القسمين من الآخر لمصلحة اقتضت ذلك، وهي ترتيبها على الأشد فالأشد في موجب الرد على سبيل التدلي؛ لأن الطعن إما أن يكون:
لكذب الراوي في الحديث النبوي بأن يروي عنه صلى الله عليه وسلم ما لم يقله متعمدا لذلك.
أو تهمته بذلك؛ بأن لا يروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة، وكذا من عرف بالكذب في كلامه، و [ إن ] لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي، وهذا دون الأول.
أو فحش غلطه ؛ أي : كثرته .
أو غفلته عن الإتقان .
أو فسقه ؛ أي : بالفعل والقول مما لا يبلغ الكفر .
[ و ] بينه وبين الأول عموم (( وخصوص مطلق )) ، وإنما أفرد الأول لكون القدح به أشد في هذا الفن .
وأما الفسق بالمعتقد ؛ فسيأتي بيانه .
أو وهمه بأن يروي على سبيل التوهم .
أو مخالفته ؛ أي : للثقات .
أو جهالته ؛ (( أي )) بأن لا يعرف فيه تعديل و [ لا ] تجريح [ معين ] .
أو بدعته ، وهي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لا بمعاندة ، بل بنوع شبهة.
أو سوء حفظه ، وهي عبارة عن أن لا يكون غلطه أقل من إصابته )) ( نزهة النظر مع تعليقات الشيخ ابن باز صفحة 47- 48 ).
2- أنهم اشترطوا في الجرح المعارض بتعديل أن يكون مبين السبب حتى يعرف هل يكون هذا السبب من الأسباب التي يجرح بها الراوي أم لا, فإن كانت مما يجرح بها الراوي فلا يمكن رده لأن برده تكذيب للناقد وهو ثقة عدل فوجب قبول كلامه.
ولذلك كان لجرح الأئمة هيبته عند أهل السنة والجماعة وما ذلك إلا لمنزلتهم العظيمة ومكانتهم الرفيعة التي رفعهم الله بها وأعزهم لدفاعهم عن دينه ونصرهم لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم, فقد أفنوا أعمارهم من أجل هذه الغاية حتى حفظ الله بهم دينه, ولذلك لا يتكلم فيهم ولا ينتقص منهم إلا مبتدع حاقد على منهج أهل السنة والجماعة.
قال ابن أبي حاتم - رحمه الله - :(( فإن قيل كيف السبيل إلى معرفة ما ذكرت من معاني كتاب الله عزوجل ومعالم دينه ؟ قيل: بالآثار الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن اصحابه النجباء الالباء الذين شهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، رضى الله تعالى عنهم.
فان قيل فبماذا تعرف الآثار الصحيحة والسقيمة ؟ قيل: بنقد العلماء الجهابذة الذين خصهم الله عزوجل بهذه الفضيلة، ورزقهم هذه المعرفة، في كل دهر وزمان.
حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن ادريس بن المنذر الحنظلي نا ابى قال اخبرني عبدة بن سليمان المروزى قال قيل لابن المبارك: هذه الاحاديث المصنوعة ؟ قال: يعيش لها الجهابذة.
فان قيل فما الدليل على صحة ذلك ؟ قيل له اتفاق اهل العلم على الشهادة لهم بذلك.
ولم ينزلهم الله عزوجل هذه المنزلة إذ أنطق ألسنة اهل العلم لهم بذلك الا وقد جعلهم اعلاما لدينه، [ ومنارا ] لاستقامة طريقه، وألبسهم لباس اعمالهم )) (مقدمة الجرح والتعديل صفحة 3).
وبعد هذا فالواجب على كل من أراد أن يسير على منهج السلف أن يعظم قواعد أهل السنة والجماعة وتأصيلات أهل الحديث, وأن يحترم علماء هذا المنهج العظيم, ولا يطعن فيهم, ويصفهم مما هم بريئون منه.
لأن العلماء هم القائمون بواجب الدفاع عن هذا الدين العظيم, فبينوا دين الله للناس, وردوا كيد المنحرفين والضالين عن السنة, فبينوا ضلالهم وبدعهم.
ولا زال العلماء يقومون بهذا الواجب في كل زمان ومكان, ولا ينكر فضلهم وحقهم إلا كل مبتدع ضال عن صراط الله المستقيم, وهذا ما يقوم به أهل البدع في هذا الزمن من التشهير بالعلماء والطعن فيهم وتحذير الناس منهم, بشبهات باطلة ودعاوى تافهة.
أسأل الله أن يثبتنا على الإسلام والسنة, وأن يحفظ علماؤنا ويجزيهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء إنه نعم المولى ونعم النصير.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
كتبه
أبو عمر عبد الباسط المشهداني
|