إجابات شيخنا عبيد الجابري على أسئلة الشباب من المغرب العربي اللقاء الثاني
ضوابط التعامل مع أهل السنة وأهل الباطل
(عبيد الجابري)
(اللقاء الثاني)
بسم الله الرحمن الرحيم
حيّاكم الله أيها الاخوة وأهلا وسهلا بكم في هذا اللقاء الذي ينعقد مع فضيلة الشيخ عبيد بن عبد الله بن سليمان الجابري المدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية سابقا، ينعقد هذا اللقاء بحول الله ومشيئته في هذا اليوم الأحد ليلة الإثنين السابع من رمضان لعام أربعة وعشرين وأربعمائة وألف. نسأل الله تعالى أن يجعل هذا اللقاء لقاءً نافعا وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.
هذا اللقاء يلتقي فيه فضيلته مع بعض طلبة العلم من المغرب العربي وهو اللقاء الثاني الذي ينعقد مع فضيلته وفيه نطرح بعض الأسئلة الموجهة لفضيلته والتي نرجو أن يجيب عليها مشكورا مأجورا.
شيخنا الفاضل أحسن الله إليكم وبارك فيكم يقول هذا السائل: متى ينسب الشخص إلى طائفة معينة كالإخوان والتبليغ وغيرهما؟
الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
]يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا[.
]يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما[.
أما بعد فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ثم أما بعد: فاعلموا يا بَنِيَّ أنتم ومن تصل إليه هذه الرسالة الصوتية التي نبُثها من خلال بعض أبنائنا من دول المغرب العربي، حرس الله المغرب العربي وسائر بلاد الإسلام من كل مكروه وجمع حكّامها ومحكوميها على الحق والهدى والإسلام والسنة، آمين.
أقول: الساحة اليوم فيها الإحتدام القوي الذي يُكشِّر فيه أهل البدع عن العداوة السافرة لأهل السنة والجماعة، وليس هذا وليد الساعة كما يقولون بل لكل قوم وارث، فما خلا زمان ولا مكان من قوم يناصبون أهل السنة العداء ويملؤون صدورهم عليهم كمدا وبغضاء، وإن كان ذلك يختلف قوةً وضعفًاو كثرةً وقلةً، فإذا قويت شوكة أهل السنة ورجحت كفتهم وكان السلطان لهم ولأئمتهم ضعف المبتدعة. وانْـشَمَرُوا وربما اختَفَوْا أو أَخفوْا أنفسهم خشية من سلطان السنة الذي من عَرَضَ له ووقف في وجهه معاديا فضحه الله سبحانه وتعالى، وسواء كان بوقوفه في وجه السنة سافرا كاشرا ظاهرا أو متستّرا ملبِّسًا، هذا الذي عرفه الناس في عصرنا وقبلنا، فالعاقبة الحميدة لأهل السنة، وما أظنه يخفى على طالب العلم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يظهرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله تعالى». فإذا نظرتَ في هذا الحديث وما في معناه من المبشِّرات التي تتضمن الوعد الصادق من الصادق المصدوق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو لا يقول إلا بوحي الله إليه كما قال جل وعلا: ]وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحَى[ ازددتَ ثقة أيها السني من المسلمين والمسلمات بنصر الله لأهل السنة، وأن العاقبة الحميدة لهم، ويزيد هذا توكيدا ووضوحا قوله جل وعلا: ]ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عباديَ الصالحون [ من هم الصالحون؟ هم من جرَّدوا في عباداتهم الإخلاص لله وحده، وجرّدوا كذلك في عباداتهم المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يحيدوا عن ذلك ذات اليمين وذات الشمال ولو قيد أُنْمُلَة.
كما أنك إذا نظرت في مثل ما أخبر به عن الخوارج وغيرهم من أهل البدع أنهم كلما قُطِع منهم قرن خَرج آخر حتى يخرج في عِراضِهم الدجال ازددت يقينا أيها المنصف الناصح لنفسك، الحازم في أمرك أن الحرب الضروس بين أهل السنة والمبتدعة لن تنتهي إلا عند ما حدَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا يفيدك من ناحية: الحذر وإعداد العدة، نشاط في نشر السنة والتفقه فيها وطلب أهلها الذين عرف الناس منهم السابقة في الخُلُق، وجلالة في القدر والإمامة في الدين، فبِهم تُؤْنَسُ الغربة وبهم تقوى العزيمة، وبهم يشتد الأزر، وهم خير عُدة وخير معتمدٍ عليه بعد الله تعالى .
كما أن هذا يفيدك أيضا أنه حينما تظهر شوكة للمبتدعة وترجح لهم كفة لا يكون ذلك غريبا عليك، وهذا يزيدك قوة في الثقة بنصر الله تعالى ونصر أهل السنة، وأن المبتدعة نهايتهم الدمار والهلاك بما يهيّئه الله تعالى من أسباب ومنها: ظهور سلطان وإن كان فاجرا يقمع الله به أهل البدع ويكسر به شوكتهم.
فإذا تقرر هذا فإن النظر في سؤالكم من جهتين أو ثلاث:
الجهة الأولى: أن هاتين الجماعتين ضمن الجماعات الدعوية الحديثة التي نُشهد الله ومن حضر من ملائكته الكرام ونشهدكم ونشهد كل من يسمع صوتنا من خلال هذه الرسالة المسجلة أنها ضالة مُضِلة دون استثناء، وأنا دائما أقرر في مجالسي هكذا، الجماعات ماذا؟ الدعوية ماذا ؟الحديثة، حتى تخرج ماذا؟ السلفية لأنها ليست حديثة.
وقد حدثني الأخ الشيخ الدكتور أبو معاذ عبد الله بن زيد المسلَّم من أهالي عنيزة عن الشيخ محمد بن العثيمين رحمه الله أنه قال في سيد قطب: «لولا الورع لقلنا بكفره»، وأنا أقول الشيخ محمد رحمه الله ما تكلّم من فراغ فسيد قطب، -وسوف تعرفون الرافضة بعد قليل- سيد قطب في كلامه ما هو مجاوز لِما هو معلوم تحريمه من الدين بالضرورة، وإن شئت فقل وقَع فيما هو ناقض من نواقض الإيمان: تطاول على أنبياء الله، على موسى وعلى آدم ، ودعا إلى وحدة الأديان، وعطّل الصفات وقال بوحدة الوجود وقال بالجبر، يعرِف هذا من خَبَر كتابه التفسير المسمى: في "ظلال القرآن" وهو في الحقيقة ليس في ظلال القرآن أقولها ولا أجد… هو في ظلال الشيطان، القرآن منه بريء، خذوها عني ولا تتورعوا في التحديث بها.
ولو قال قائل: ما دَخْل سيد قطب في هذا السؤال؟ أقول سيد قطب هو إمام القطبية، والقطبية هي أحد جناحي الإخوان المسلمين التي قال فيها رئيس تنظيمهم السري علي عشماوي: «إنه ما خرجت جماعة إلا من تحت عباءة الإخوان المسلمين» فسيد قطب هو ابن الإخوان المسلمين، ابنٌ بَارّ، وما أصيب مجتمعاتنا اليوم بحوادث مروِّعة من تفجيرات واغتيالات وتكفير بلا هوادة إلا وكان جلُّ حَمَلَة هذه الأفكار المنحرفة الفاسدة هم عالةٌ على سيد قطب فهو حامل لواء التكفير في هذا العصر شاء القوم أم أبَوْا. ونحن ولله الحمد لا نتكلم فيه ولا في غيره إلا عن بيِّنه وبرهان، ونحن نعلم أيضاً أن كلامنا هذا لا يُرضِي كثيراً من الناس إن لم يُغضب أكثر الناس، لكن نقول الحق ولا نخشى في الله لومة لائم بالدليل الساطع القاطع الذي إذا سَمعه المُنْصف يقبله، كما حدثنا أخونا أبو عمر الشيخ عبد العزيز الخليفة من أهالي الرس، مدرّس في وزارة التربية أن الشيخ محمدا بن عثيمين رحمه الله بَدَّع جماعة الإخوان وجماعة التبليغ، حدِّثوا كم عددكم؟ قولوا: حدثنا عبيد الجابري قال حدثنا أبو عمر الشيخ عبد العزيز الخليفة، وذكر معه رجلين آخرين يشهدان على هذا، حدِّثوا بهذا بارك الله فيكم، لا تخشوا ، لكن بالحكمة، وهذا نقرره ونكرره عليكم وعلى أمثالكم ممن يستطلعون نصائحنا ويستطلعون ما عندنا، هذا هو الوجه الأول.
الوجه الثاني: أن القاعدة العامة عند أهل السنة في الإلحاق بالمبتدعة تنحصر فيمن يدافع عن أهل البدع ويُسوّغ لهم ويعتبر لهم مع علمه بأنهم على ضَلال، هذه الخلاصة، فلا يصدر هذا إلا من صاحب هوى في الغالب، وإن أظهر التستر بالسنة لأنه يخشى سطوة أهل السنة لكنه هو صاحب هوى، وقد يكون جاهل من الجُهّال يحب الخير وليس عنده فرقان فيظن أن سيد قطب وحسن البنا والمودودي والندوي وفتحي يكن ويوسف بن عبد الله القرضاوي المصري المقيم حاليا في قطر نسأل الله أن يطهِّر قطر منه ومن كل ذلول مبتدع ذوي بدعة، قد يظنه العلماء ولكن هذا إن كان صادقا جادًَّا فيما يدَّعيه أنّ طُلْبَتَه الحق سيرفع يده عن هؤلاء ويتبرّأ منهم إذا بُيِّن له، وإن كان كاذبا فسيبقى على ما هو عليه نحوهم من الدفاع عنهم والاعتذار لهم وتبرير أخطائهم وتسويغها وحينئذ يلحق بهم ولا كرامة عين.
ووجه ثالث: كثير ممن يدّعون السنة وهم ملبِّسة يقلبون لأهل السنة المِجَنّ وكيف ذلك؟ بأن يكون عمدتهم وشواهدهم فيما يقررونه كتب القوم، وقد –من باب تَحلَّة القسم- يذكرون شواهد لأهل السنة فهؤلاء القوم يُخشى منهم، لأنهم سلكوا مسلكا ليس عليه أهل السنة: إذا عرفوا كتاب بدعة تبرؤوا منه وحذّروا منه.
وعلاجنا لهؤلاء نَخْبُرُ حالهم فإن كانوا جهّالا ناصحناهم، وإن كانوا يكتبون ما يكتبون عن علم ويعلمون أن هذه الكتب فيها ضلال فنحن نحذّر منهم ونحْذرهم ونُلحقهم بمعتمَدهم من أهل الانحراف والزيغ والضلال ولا كرامة عين، لأنه لو كان صادقا في دعواه السنة، لوجد في كتب السلف غُنية عما ينشره للقوم، نعم قد يكون المنشور لسيد قطب أو غيره نَزْرًا يسيرا في أمور بسيطة، وهؤلاء قد يكونون من رجال فضلاء صلحاء نشطين في السنة، في نشرها وتعليمها والدعوة إليها والذب عنها وعن أهلها لكن يرون أن هناك عبارات هي ضربة للقطبيين وهي في مصلحة أهل السنة، فهؤلاء أراهم إخواني :لهم ما لي وعليهم ما عليّ، أُوَاليهم في ذات الله، وأعادي من يعاديهم في ذات الله، لكن ألومهم على هذا الصنيع، وأنصح لهم، وفيما بيني وبينهم أغلظ عليهم القول وأشدّد عليهم النكير، أقول فيما بيني وبينهم وتعرفون هذا، ليس تشهيرا، أنا معاذ الله لا أشهر بهم ولا أشدد النكير عليهم في الملأ لأنهم سند لي فيما أنا عليه من منهج الحق .ولعلي بهذا التفصيل المسهب والذي قد يكون فيه استطراد أمْلَتْه الضرورة علي، أو دَعَتْ إليه الضرورة والحاجة فأجبت على سؤالك، والله أعلم.
الطالب: أحسن الله إليكم وبارك فيكم، شيخنا سؤال ثان يقول السائل: كيف يتم التفريق بين الغلو في الجرح والحزم والشدة على أهل البدع التي تُعتبَر مَنْقَبَة؟
الشيخ: أقول بالنسبة، أقول ولعلنا نبدأ بشطر سؤالكم الثاني، بالشطر الثاني من سؤالكم، وهو أن أهل السنة، الأصل عندهم الشدة على البدع وأهلها وقوة النكير والغلظة وذلك حينما تقوى شوكتهم وترجح كفتهم فإنهم في هذه الحال لا يرْعَوْن حرمةً لمبتدع بل يهينونهم ويحتقرونهم ويهوّنون من شأنهم، والأصل في هذا النص وسيرة السلف الصالح وهي الإجماع، فالنص منه قوله صلى الله عليه وسلم : «سيكون في آخر أمتي أناس يحدّثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم» رواه مسلم في مقدمة صحيحه من حديث أبو هريرة رضي الله عليه وكذلك رواه البغوي في شرح السنة.
وفي الحديث الصحيح الآخر، وهو حديث الافتراق الذي يهوِّن من شأنه بعض المتخلِّفين من قادة أساطين، من قادة الثورة الفكرية التي هي حرب على الدعوة السلفية وأهلها، فيضعِّف هذا الحديث ويتلمَّس في التهوين من شأنه وعدم استعماله، وهو حديث صحيح مشهور، تلقاه أهل السنة بالقبول واستعملوه، ومن ألفاظه: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: الجماعة». فسَّرها ابن مسعود رضي الله عليه بقوله: «الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك» وفي رواية أخرى يُحسِّنها بعض أهل العلم بشواهدها:« قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي».
وأخرج الشيخان من حديث حذيفة رضي الله عليه قال:«كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه عن الخير وأسأله عن الشر مخافة أن يُدرِكني فقلت: يا رسول الله كنا في جاهلية وشر، فجاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دَخَن، قلت: وما دخَنُه؟، قال: قوم يَهدُون بغير هديي ويستنُّون بغير سنتي، قال: تعرف منهم وتنكر، قلت: فهل بعد هذا الخير –يعني الذي فيه دخن- من شر؟ قال: دعاة ٌعلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: فصِفْهُم لنا يا رسول الله، قال: هم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟، قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: تعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعضَّ على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك».
فبضميمةِ هذه الأحاديث وما في معناها وهو متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم تواترا معنويا يوجب العلم والعمل يستخلص طالب الحق والسنة ما يأتي:
-أولا: وجوب الحذر من البدع وأهلها مع شدة النكير والنفرة.
-ثانيا: ليست الكثرة دليلا على الحق، كما أن القلة ليست دليلا على عدم الحق، بل العبرة بإصابة الحق.
-ثالثا: الحكم على أكثر الأمة بأنه هالك، ولهذا حكم النبي صلي الله عليه وسلم على الثِّنتين وسبعين فرقة أنها هالكة، قال: "في النار"، هذا في حديث الافتراق وقوله: في النار هو من أحاديث الوعيد، وقوله: «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، ثم قال: "إلا واحدة" هذا دليل على الحذر من أهل البدع، لعله هو الأصل.
-رابعا: أن جماعة الحق واحدة وليست متعددة، هي واحدة، وهي التي فسرها النبي صلى الله عليه وسلم وفسرها ابن مسعود رضي الله عليه .
-خامسا: لزوم هذه الجماعة وإمامهم إذا وجدت، وهي موجودة ما تخلو الأرض منها، لكن أحيانا ليس لها إمام، هذا في عصر من العصور… في الفتن، وأحيانا لها إمام.
-سادسا: إذا لم يوجد جماعة ولا إمام –أنا طامع في أن يكون هذا نسبي-، أطمع أن يكون نسبيا ولا أحكم على الله ولا على رسوله لكني أطمع، ويحفزني على هذا الطمع قوله صلى الله عليه وسلم : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة»، فأهل الحق لا تخلو الأرض منهم أبدا، هذا وعد الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لكن قد لا يكون لها إمام، فالعلاج ما هو؟ العزلة؟ اعتزال جميع الأمواج المتلاطمة، جميع الفرق الضالة المتلاطمة والنجاة بنفسك "تعتزل تلك الفرق كلها" وقد يكون مع بعضها شيء من الحق، لكن ما دامت القضية قضية تلاطم وتناحر وتصادم وتشاجر وتخاصم وحرب وليس هناك إمام ينحاز إليه فإنه ينجو بنفسه. هذا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم والأحاديث في هذا كثيرة، وأما من سيرة السلف الصالح القولية فإن النقل عنهم –رضي الله عنهم ورحمهم- متواتر ، من ذلكم قول الفاروق رضي الله عليه: «إياكم وأهل الرأي أعداء السنن، أعْيَتْهُم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلّوا وأضلوا». وروى اللألكائي عن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال:« والله ما أظن أن أحدا أحب إلى الشيطان هلاكا مني اليوم، فقيل: وكيف؟ قال: تَحدُثُ البدعة في المشرق أو المغرب، فيَحملها الرجل إليّ، فإذا انتهت إليّ قمَعْتُها بالسنة، فتُردّ عليه» وروي عنه رضى الله عليه: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر» ومَن ذانكم الرجلان: صدّيق الأمة وإمامها بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، والآخر كذلك الإمام الثاني من البشر بعد رسول الله وهما على رأس من شهد لهم رسول الله صلي الله عليه وسلم بالجنة، وعلى رأس من مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، وقال الشعبي رحمه الله: «إياكم والمقايسة، فوالذي نفسي بيده لئن أخذتم بالقياس لتُحِلُّن الحرام ولتحرّمن الحلال، فما بلغكم عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فخذوه أو قال: فخذوا به».
وقال أيوب السختياني –رحمه الله- قال لي أبو قلابة: «يا أيوب احفظ عني أربعا :لا تقل في القرآن برأيك، وإياك والقَدَر، وإذا ذكر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فأمسك، ولا تُمكِّن أهل الأهواء من سمعك فينبذوا فيه ما شاؤوا، أو قال: يُقرّوا فيه ما شاؤوا».
وروي عن الإمام مالك بن أنس –رحمه الله- أنه كان رجل من أهل الأهواء يسير خلفه ويقول: يا أبا عبد الله ناظرني، يا أبا عبد الله ناظري، كلمة يا أبا عبد الله ،اسمع مني كلمة ! وهو يشير بيده ويقول: لا ولا نصف كلمة، «قال: يا أبا عبد الله ناظرني، فإن غلبتَني تبعتُك، وإن غلبتُكَ تبعتني –وكان الإمام رحمة الله عليه مُحنّكا فَطِنًا مُلْهَمًا- فالْفتَ إليه وقال: فإن جاء ثالث فغلبَنَا؟ قال: نتبعه، قال: اذهب فأنت تتـَنَقَّل». بِيَدِ كل واحد، كما يقول العوام عندنا: "من يد نشيط في يد نشيط"، هذه عندكم يا أهل المغرب ولاّ لا؟ عندنا مَثَل يقول: من يد نشيط في يد نشيط لا يستقر، مع كل واحد يمشي: من يد نشيط في يد نشيط.
وقال: أو مفضّل بن مهلل رحمه الله: «لو كان صاحب البدعة يُحدِّثك في أول مجلسه (أو قال في أول أمره) ببدعته لحذرتَه ونفرت منه، ولكن يحدثك في بدوِّ مجلسه بالسنة ثم يدخل عليك من بدعته، فلعلها تلزم قلبك فمتى تفارق قلبك»، سمعتم: أهل البدع مَكَرَة، عفاريت… يعرفون كيف يتصيَّدون من قلّ فقْهه من الأغرار الذين لم يكن عندهم فقه يحصِّنهم من أهل البدع المحدثات.
وقال مصعب بن سعد رحمه الله: «لا تجالس مفتونا فإنه لن يخطئك منه إحدى اثنتين: إما أن يفتنك فتتبعه، أو يؤذيك قبل أن تفارقه».
فبان بهذا النقل والتقرير الذي بدأناه بنصوص نبينا صلى الله عليه وسلم ، وثنَّيْنا فيه بأقوال أئمة من أهل الدين أن الأصل في المبتدعة هو المفاصلة؛ مفاصلة أهل السنة لهم وحذَرُهم منهم.
(الشطر الأول ما هو نسيته؟ الشطر الأول؟)
(قال الطالب: كيف يتم التفريق بين الغلو في الجرح)؟
الشيخ: نعم، الغلو في الجرح- والشدة انتهينا منها- لكن الغلو في الجرح؛ أقول: لا يغلو سني في الجرح أبدا لأن هذا دين يدين الله به، ولكن نحن نسمع ما بين الفينة والفينة، هذه الكلمة تردَّد، فالسني يدين الله سبحانه وتعالى بالجرح، إذ هو عنده دين يدين الله به فيذب به عن السنة وأهلها، كما أن التعديل كذلك دين ولهذا فإن أهل السنة أعني الأئمة الحريصون على ألا يجرحوا أحدا ببدعة فضلا عن كفر، إلا وعندهم من البيّنات ما يشهد لهم، ولكن أهل الأهواء يفسرون هذا غلُوًّا، فمادام الدليل قد قام واضحا على أن فلانا من الناس مبتدع ضال منحرف، فكيف يفسر هذا غلوا؟ وأهل السنة متقرِّر عندهم أنهم لا يبدِّعون أحدا فضلا عن تكفيره حتى تقوم عليه الحجة الرسالية، وهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: «أهل السنة أعرف الناس بالحق وأرحمهم بالخلق». لكن أهل الأهواء لا يقِرُّ لهم قرار ولا تنام لهم جفون، ولا تنشرح لهم صدور ولا تطمئن لهم قلوب بالجرح، لأن أئمة السنة وعلماء السنة وأهل السنة يبغضون أهل البدع، فإذا كُشف لهم عن رجل بأنه مبتدع قَوِيَ البغض في نفوسهم، وقويَ الحذر، فحذروه، وإن كانوا من قبل يحسنون به الظن وهذا لا يرضي أهل الأهواء، نعم قد يكون من بعض أهل السنة شيء من القسوة لِما رأى هو أن الأمر يستدعي القسوة، والآخر وإن كان لا يخالفه في أصل المسألة ولكنه يستعمل أحيانا عبارات لينة، وهذا ليس محل خلاف.
وإذا سلمنا على ما ورد في السؤال من حكاية لِقول بعض أهل الأهواء أن بعض أهل السنة يغلو في الجرح، أقول: مِن قديم وُجد من أهل السنة من هو قوي، من هو قوي وليس غاليًا، هو قوي، حرصا على حماية السنة وشدة في الذبِّ عنها وعن أهلها، وما لامه الآخرون، وما قالوا إنه متبَرِّق وعلى سبيل المثال يقولون: «من وثَّقه شعبة فحسبُك به ومن جرحه… بجرحه»، ولم يتهم شعبة رحمه الله بأنه غالٍ متشدد شدة في غير محلها، ولم أعلم أحدا حتى الساعة، رجلا متمكنا في السنة، خالطت بشاشتها قلبه حذر من شعبة ووشى به عند غيره من أهل السنة نعم.
الطالب: أحسن الله إليكم وبارك فيكم، وهذا سائل يسأل يقول: في كل زمان يفارق أهل الحق عن غيرهم ويتميزون بأمور، فكيف نـفرّق اليوم بين أهل الحق وغيرهم؟
الشيخ: يا بُنيّ، في الحقيقة ما أظنني آتٍ إياك بجديد، أهل السنة هم الذين على السنة ومُستندُهم في ذلك ومحل فقههم في ذلك هو الكتاب والسنة على وفق سيرة السلف الصالح وإن شئت فقل: فقه الكتاب والسنة على وفق سيرة السلف الصالح، هذا أولا، وليس عند أهل السنة إلا قال الله وقال رسوله، وقال الصحابة وأئمة الهدى من بعدهم ليس عندهم شيء يتحِفون به الناس تطويرا، مسايرة للعصور، لا، لماذا؟ لأن السنة هي السلفية، والسلفية لم يؤسمها أحد من البشر، هي من عند الله سبحانه وتعالى، جاءت بها النبيون والمرسلون بدءً من نوح عليه السلام وانتهاءً بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وصلى الله وسلم على الجميع، وآدم من قبل نوح كان نبيا مكلَّما u ، لكن أهل العلم يقولون أول الرسل نوح لأنه أول نبي أرسله الله إلى أهل الأرض. ولهذا فإن السلفيين أهل السنة والجماعة، أهل الحديث، أهل الأثر، الفرقة الناجية، الطائفة المنصورة يزِنُون أقوال الناس وأعمالهم بميزانين، وذلكم الميزانان هما النص والإجماع، فمن وافق نصا أو إجماعا قُبل منه، ومن خالف نصا أو إجماعا رُدَّ عليه كائنا من كان.
*ثم هذا الموافق لنص أو إجماع قد يكون من أهل السنة وقد يكون من غيرهم فإن كان منهم فإنه يكبر في أعينهم ويعظم في قلوبهم، لأن هذا هو الرابطة بينهم وبين الناس، فكلما كان الرجل مَكِينًا في السنة قويا في الذب عنها وعن أهلها والنصرة لها ولأهلها كلما كان في أعينهم عظيما كبيرا.
*وإن كان من غير أهل السنة، فيقبلون ما جاء به من الحق، لكن لا يركنون إليه ولا يطمئنون إليه لأنه غريب عنهم، لكن وافق في قوله أو فعله ما عندهم، فهم لا يقبلون منه الحق لذاته، لا، بل لموافقته السنة .
*وثمة أمر ثالث وهو أن السني، حتى وإن جفاه بعض أهل السنة هو مُحِبٌّ لهم منافح عنهم يدعو لهم ويدعو إليهم، ويربط الناس بهم ولا يفاصلهم وإن كان بينه وبين أهل السنة شيء من الجفوة وشيء من النفرة، لأن الذي جمع بينهم هو دين الإسلام الخالص، اجتمعوا في الله ويحبون أنهم كما اجتمعوا في الله أن يتفرقوا عليه.
أما المبتدع فليس مثال ذلك ،هو يناصب أهل السنة ومن يواليهم العداوة، ويُظهر بغضهم والنفرة منهم، ويحقر شأنهم، ويسعى جاهدا لفصل الناس عنهم، هذا ما يمكن قولي هذه اللحظة جوابا على سؤالك، نعم.
الطالب: جزاك الله خيرا واحسن الله إليكم، وهنا سائل آخر يقول عندكم هنا في السعودية بعض المؤسسات الخيرية يقوم الأخوة عندنا بمراسلتهم قصد الحصول على الكتب الدينية مع جهلهم بمناهج هذه، أو علمهم بفساد مناهجهم، فما حكم مراسلتهم لهذه المؤسسات الخيرية؟
الشيخ: أولا: الحق حق، ولا يؤثر فيه زمان ولا مكان ما دام أنه يستند على الكتاب والسنة، فهو حق، وإن كان الحق أقوى نصرة واتباعا في بعض الأمكنة وبعض الأزمنة، هذا لا شك عندنا، لكنه حق وإن لم يكن عليه إلا رجل واحد أو امرأة واحدة، هو حق، ومصداق هذا ما أخرجه الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في عرض الأمم، قال: «فرأيت النبي ومعه الرهط، ورأيت النبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد»، الحديث.
ولا يشك مؤمن ولا مؤمنة أن النبي الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم وحده في أنه مبعوث إلى أمة، أليس كذلك؟ هل هذا النبي الذي رآه أخوه محمد عليه السلام وحده، هل بُعِثَ إلى نفسه أو إلى أمة؟ إلى أمة، لكن ما أجابتْه، ولهذا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله :«إنّ من لم يُجِبْه أحد من الأنبياء يبعث وحده أو قال: يُحشر وحده». وقال رحمه الله في استنباطه مسائل: «عمق هذا العلم فإنه لا يجوز الزهد في القلة ولا الاغترار بالكثرة». وما أحسن ما قاله الفضيل بن عياض رحمه الله: «عليك بطرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين».
فإذا تقرر هذا ووعيتموه بارك الله فيكم، فاعلموا أن الباطل باقٍ فلا يرفعه الزمان ولا المكان سواء كان في المدينة أو في مكة أو في أي مكان أو في أي زمان هو باقٍ، وسواء كان متَّبِعوه ملايين أو آحاد من الناس هو باق. فليس الكثرة مسوِّغة لاتباع ما هو باطل معلوم بطلانه، كما أن القلة ليست مسوِّغة لمجانبة ما هو معروف أنه حق، فإذا تقرر هذا فإن سؤالكم يحتوي:
*أولا على مراسلة مؤسسة: أقول الاسترسال بمؤسسات أو جماعات أو أفراد بحجة أنها دَعَوية لا يكفي دعواها أنها دعوية، بل لابد من الخِبرة التي تكشف حال ما عليه هذه المؤسسة أو الجماعة أو ذلكم الفرد حتى يمكن الحكم بأنه على هدى أو على ضلال، فمجرد الإسترسال والاستشارة بالشهرة والذُّيُوعة هذا ليس كافيا لا سيما في هذا العصر الذي أصبحت الساحة فيه تعج بالخُبث الذي لا ينجو منه إلا من نجّاهُ الله وعصمه بسنة محمد صلى الله عليه وسلم هذا أولا.
*وثانيا: تضمن سؤالكم أن الناس المسترشدين بهذه المؤسسة، أو المؤسسات أو كذلك غيرها هم صنفان:
-صنف يعلمون فساد منهج تلك المؤسسة أو ذلك المسترشَد به وأن منهجه منحرف، فلا أدري ما يبغي هؤلاء من أهل الانحراف الذين تقرر عندهم بالدليل أن تلك المسترشَد بها أو ذلك المسترشد به محكوم عليه بالضلال منهجا، فهذا إن كان من أهل الأهواء فلا غرابة، فالطيور على أشكالها تقع كما يقول المَثَل.
- وإن كان جاهلا وهو الصنف الثاني فيجب عليكم تبصيره ومناصحته، كما يجب عليكم دلالته على أهل السنة الخالين من الشَّوْب شوب البدعة في العقيدة والمنهج.
نعم هناك أمور واضحة، فلو أن صاحب بدعة أهدى إليك مصحفا لا مانع أو قال لك على سبيل المثال: إن جبريل أفضل الملائكة، فلا مانع، أو أهدى إليك تفسير معتمد عند أهل السنة مثل تفسير ابن كثير، فلا مانع من قبوله، فإن كان محقَّقا فانظر هل دسّ فيه شيء من بدعه أو لا، فإن دس فيه شيء فاحذرهُ ولا تنشر هذا الكتاب، وإن كان خاليا من الدس( نَشَرَهُ على حاله، على ما فيه ولم يغير فيه شيء ولم يدس فيه شيء)، فلا مانع من نشره، لكن الذي ننصح به ونشدد فيه وندين الله بأنه حق :عدم التعاون مع أهل الضلال والبدع سواء كانوا جماعات أو مؤسسات أو أفراد، ونعني به النشاط الدعوي، فلا يستعان بهم في طبع كتب ولا منشورات لأهل السنة، كذلك لا يعانون فيما هو دعم لنشاطهم الهدّام ومناهجهم الفاسدة حتى وإن كان مسجدا، وإن كان مسجدا يختص بهم وينشرون منه أفكارهم الضالة ومناهجهم الفاسدة، فإن التعاون معهم في بنائه أو في دعمٍ بأي شكل من الأشكال عَوْنٌ على هدم السنة ومضارتها، هي لن تُهدم لكن قد يتضرر أهلها أو جل أهلها في مكان ما، أما هي فلا تهدم ستبقى ولن تهدم ولله الحمد، لكن يتضرر أناس لقوة شوكة المبتدعة، وهذا الصنيع يقوي شوكتهم ويبسط سلطانهم ويرجح كفتهم من حيث تشعرون أهل السنة أو من حيث لا تشعرون.
نعم لا أرى مانعا في إسعاف مريضهم وعلاجه كأن يكون سني طبيب وأتاه إخواني أو تبليغي أو أي مبتدع من المبتدعة، فرآى أن يعالجه في المستشفى لا مانع من ذلك. كذلك إذا عرفت أن هذا فقير وأنه محتاج إلى قوت فلا مانع أن تعطيه لأننا نحن لم نسلب هؤلاء الإيمان بالكلية أبدا، ولكن نَصِفُهم بأنهم مبتدعة ضلال، نعم.
الطالب: جزاكم الله خيرا وأحسن الله إليكم، فضيلة الشيخ هذا سائل يسأل ويقول: كيف يتم الجمع بين الاعتذار للمخطئ والتحذير من الخطأ، وهل هذا لا يعتبر من منهج الموازنة؟
الشيخ: سؤالكم هذا يتضمن ثلاثة مباحث، لأنه يتألف من ثلاث فقرات:
-المبحث الأول في الخطأ: فإن الخطأ الذي قام الدليل على أنه خطأ، وسواء كان الدليل آية من تنزيل ربنا أو حديثا صحيحا عن نبينا صلى الله عليه وسلم ، فهو مردود عند أهل السنة وليس مقبولا عندهم، يردونه على قائله بالدليل وبالأسلوب العلمي الذي يستكشف به السامع أو القارئ أن ذلك الذي انتشر وذاع وشاع خطأ، مخالفة، مخالفة للصواب، كما أن الدليل يجب، كما أن الرد أقول، كما أن الرد يجب أن يشتمل على تجْلِيَة الحق وكيف خالفتْ تلك المخالفة الصواب، فالراد السني يردّ بعلمٍ وبفقهٍ، فردُّه مدعَّم بالأدلة التي تكشف عن الحق وتدعو إليه وتكشف عن الباطل وتحذّر منه وهذا هو الذي تواتر به النقل عن السلف الصالح الذين استنُّوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهدي خلفائه الراشدين من بعده، فالنقل عنهم في ذلك متواتر، وعلى سبيل المثال اذكر أثرا واحدا في أمر يراه بعض الناس صغيرا: أخرج البخاري عن عبد الله بن مغفل رضي الله عليه أنه رأى غلاما له يَخْذِفُ بالحصى، فقال: لا تفعل، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الخَذْف ويقول: «إنها لا تنكأ عدوا ولا تقتل صيدا ولكن تفقأ العين وتكسر السن»، فأعاد الغلام، فأعاد له، فأعاد، فأعاد له ثم قال له في الثالثةو الرابعة: لا أكلمك أبدا، أقول لك قال رسول الله وتفعل !» واليوم قومنا يريدون تعمُّ بدعاً أمثال الجبال، هذا إلى جنبها صغيرة، صغيرة لا شيء، خذف بالحصى ! خلّيه يخذف، بعضهم يقول خليه يحذف، [يُلَطِّفُون] لأئمة في البدع، لأئمة في المبتدعة وطوامّ في البدع، هذا هو المبحث الأول.
-المبحث الثاني في المخطئ من هو؟ نحن موقنون أن من خالف سنة مخطئ موقنون هذا، فلان أخطأ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال للرجل المسيء صلاتَه أو المسئ صلاتِه: ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ»، ألم ينبّهه إلى أنه أخطأ في صلاته؟ فما قولكم؟ أجيبوا يا حاضرين، ألم ينبّهه على خطأ في صلاته؟ ثلاث مرات وهو يقول له: «ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ والرجل يفعل ثم قال بعد ذلك: والذي بعثك بالحق نبيًّا لا أُحسن غيرها فعلِّمني، فعلَّمه»، الحديث معروف مشهور، حتى أطفالنا في الصفوف الابتدائية الأولى يعرفونه ولله الحمد.
هنا نقول كيف نتعامل مع المخطئ؟ فتنبهوا هذا هو محل التفصيل في هذا المبحث، أقول :المخطئ على ضربين وإن شئت فقل لا يخلو من حالين:
* أولا: يُردُّ الخطأ لما تقرر آنفا ووعيتموه أن الخطأ لا يُقبل عند أهل السنة، وأزيد هنا: لأن المقصود تصفية التديُّن وتخليصه من شوائب البدع وشوائب الخطيئات وإن كانت صغائر.
* ثانيا: لا يتابَع على زلته بحجة أنه عالم كان مجتهدا طالبا للحق، فلا يبرر له اجتهاده وسبقه في الفضل وجلالة قدره وإمامته في الدين أنه مجتهد قال الحق، أنت تتابعه، ما دمت عرفت أنه أخطأ فإنك أنت حال معرفتك خطأه ومخالفته للحق آثم إذا تابعته، أما هو ما دام مجتهدا طالبا للحق فإن خطأه مغفور وهو مأجور على اجتهاده، قال صلى الله عليه وسلم : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر واحد».
أنت متعبَّد بما قام عليه الدليل من الكتاب والسنة، متعبَّد به وأنه حق، أو نقول لأنه حق، ولست متعبَّدا باجتهاد أحد، فاجتهادات أهل العلم والأئمة ليست بمعصومة ولهذا لا يجوز أن تُتخذ منهجا وهذا هو الذي يعتذر له.
*وهذا هو الثالث، نقول ثالثا: يُعتذر له، ولا يشنّع عليه، ولا يثرّب عليه ولا يُنفَّر منه لما هو متقرر عند أهل السنة من جلالة قدره وسابقه في الفضل والإمامة في الدين.
ولهذا يقرر الأئمة فيما يقررون أنه لو كل مخطئ شُنِّع عليه ما بقي أحد ،ويعنون بهذا من عُرِفوا بأنهم أهل سنة وأصولهم على السنة، وكم من عالم يخطئ خطأ فاحشا في الاعتقاد، في العبادات العملية في المعاملات ومع هذا عرفنا المنْصفين والأئمة يردون خطأهم مع حفظ كرامتهم وصيانة أعراضهم، وعلى سبيل المثال: ابن قدامة المقدسي صاحب "لمعة الاعتقاد" قال في مواطن بالتفويض في نصوص الصفات فردّ عليه سماحة الإمام الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله ردا قويا جَلَّ فيه الحق مع حفظه كرامة ابن قدامة ،رحم الله الجميع.
-المبحث الثالث: هل هذا من الموازنات؟ او التفريق بينهم من الموازنات.؟
أولا: اعلموا أن لفظ الموازنة مُحدَث وأنا والله حتى الساعة لا أعلم إماما قال به، بل الأمر عندهم كما حكيْت لكم إن شاء الله وأرجو أني وفِّقت يردّون الخطأ على قائله ويفرقون بين –نعم- بينه وبين المبتدعة فهو مُحْدَث.
وثانيا: الموازنات من أحدثَها؟ أحدثها الحركيُّون وهي عندهم: أنه لا يُردُّ على مبتدع بدعته حتى تُذكَر حسناته إلى جانب سيئاته المردودة ومرادهم من ذلك: التشويش، من جهة على الناس فإن أكثر الناس لا يدركون، ومن جهة أخرى يريدون توثيق حال هذا الإنسان الذي شهرت بدعته واشتهر بها.
-وثمة أمر رابع وكان من المفترض أن يكون في المبحث الثاني: أقول عرفنا آنفا أن أهل السنة يوقرون المخطئ من أهل السنة ولا يتابعونه على زلته، ويجب أن تعلموا أنهم يفرّقون بين المخطئة، عرفتم معاملتهم لمخطئة أهل السنة، فما تعاملهم أو ما معاملتهم لمن كان على بدعة وهو الصنف الثاني من المخطئة؟ وهذا هو الذي عَرَفَ الحق وبان له ثم خالفه عنادا وغباءً واستكبارا عنه، فهذا لا كرامة له عندهم، مبتدع ضال يحْذرونه، ويحذّرون منه ويهجرونه، لكن متى يهجرونه؟ ومتى يحذّرون منه؟ إذا قوي سلطانهم ورجحت كفتهم وكانت شوكتهم قوية على أهل البدع، أما في حال ضعفهم وقوة شوكة المبتدعة ورجحان كفتهم وبسط سلطانهم فإنهم يكتفون بردّ الخطأ، ولهذا يجب أن تعلموا أن أهل السنة وسط:
-فهُم أولا: لا يقبلون الخطأ.
-وثانيا: يفرّقون بين المخطئة.
-وثالثا: أنهم يستعملون الشدة حيث تكون الشدة نافعة ومنها الهجر والتحذير من الرجل، ويستعملون الرفق حيث لا ينفع إلا الرفق، فهم ليسوا على الرفق مطلقا في كل زمان ومكان في غير مراعاة للحال، وليسوا على الشدة مطلقا في كل زمان ومكان من غير مراعاة للحال، هم أهل حكمة وأهل بصيرة، الشدة عندهم في موضعها والرفق عندهم في موضعه، نعم.
إنتظروني قريبا إن شاء الله مع اللقاء الثالث و الأخير
__________________
قال الألباني رحمه الله: طالب الحق يكفيه دليل ، و صاحب الهوى لا يكفيه ألف دليل ، الجاهل يُعلّم و صاحب الهوى ليس لنا عليه سبيل
رقم القيد 160
التعديل الأخير تم بواسطة أبو عبد الرحمان فراس التونسي ; 10-26-2010 الساعة 11:03 AM
|