أمثلة من مخالفات الحلبي للشيخ العباد حفظه الله تعالى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَنْ سار على نهجه إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فلا زال علي الحلبي وأنصاره يُلبِّسون على الناس ويدَّعون أنهم على نهج الشيخ عبدالمحسن العباد حفظه الله تعالى!، كما يزعمون أنَّ الشيخ العباد معهم في تأصيلاتهم وردودهم ضد مَنْ يصفونهم بغلاة التجريح!!، وهذا من أعظم التلبيس الذي يقوم به هؤلاء، وقد انخدع بهم مع - الأسف الشديد - فئام من الناس لجهلهم وحسن الظن بهم.
بل نرى الحلبي وأنصاره يسارعون في التعليق على كل كلمة تصدر من الشيخ العباد - أو من بعض طلابه الذين حوله - بما يُفهم القارئ أنَّ هذه الكلمات إنما صدرت لتأييد منهجهم والرد على منهج مَنْ يخالفونهم!!؛ كما فعل الحلبي في التعليق على كلمة الشيخ العباد الجديدة، وكما صنع أخيراً أحدهم - وهو أبو الأشبال الجنيدي - بكلمة الشيخ صالح السحيمي حفظه الله تعالى!، في مقاله [الشّيخ صالح السّحيمي ينتقد منهج التّبديع , ويُصرِّح بمخالفته للشّيخ ربيع!]، الذي قال في أوله: ((ففي كلِّ مرَّة نُنـزِّل أقْوالَ أهل العلم المُعتبَرين - في الظّاهر! - عند غُلاة التّجريح؛ فيهَا نقْضٌ لقواعِد منْهج الغلوّ الأفِين، وتأييدٌ لما نحنُ عليه منَ الحقِّ المُبِين, ومع ذلك تجدُ القومَ في غيِّهم وظُلمِهم سادِرين, ولأقوالِ – هؤلاءِ - العلماء مُتجاهلِين!.
واليوم نُقدِّم صَاعقةً جديدةً على رؤُوسِهم لعلَّها تُوقِظهم ممّا هم فيه, أو تُظهرُ للنّاس عدم اعْتدادِهم بأقوال العلماء إلاَّ أقْوال الشَّيخ ربيع!!، ويظهرُ منْها مفارقةُ العلماء لمنْهج الشَّيخ ربيع التَّجريحِي)).
والقارئ يعرف أنَّ هذا من التلبيس القبيح؛ بل من الكذب الصريح، ولكن "إنْ لم تستح فاصنع ما شئت"!.
وهؤلاء يظنون أنهم بهذه الطريقة يجمعون حولهم أكثر عدد من المشايخ الذين يوافقونهم على ما هم عليه من تمييع وتضييع وتهوين!، ولا يدري هؤلاء الملبِّسون أنَّ القراء لهم عقول، ويعرفون موقف الشيخ العباد وبعض المشايخ من طلابه الذين حوله في المدينة، وأنهم يعدون الخلاف القائم اليوم من الفتنة بين أهل السنة، ولهذا لا يقبلون تحذير وتجريح وردود هؤلاء في هؤلاء!، ولا هؤلاء في هؤلاء!؛ نعم، هكذا على الإجمال من دون تفصيل.
لكنَّ الحلبي وأنصاره لا تنقطع تلبيساتهم وتمويهاتهم، فيحرفون الكلم ليوافق ما هم عليه من انحراف وزيغ.
وحتى لا نطيل على القارئ؛ نبين في هذه النقاط أمثلة من التباين بين منهج علي الحلبي وأنصاره وبين منهج الشيخ العباد حفظه الله تعالى؛ لئلا يلتبس الحق بالباطل:
المثال الأول: الموقف من رسالة عمَّان الداعية إلى إخوة ووحدة الأديان
أما موقف علي الحلبي من الرسالة فلم يتبدَّل إلى يومنا هذا!!، ولا زالت رسالة عمان في نظره ونظر أنصاره لها تقدير واهتمام وثناء، ولها حق الدفاع والنصرة.
بل كلنا تصوَّرنا أنَّ الحلبي بعد إطلاعه على موقف الشيخ العباد حفظه الله تعالى من فقرة من فقرات الرسالة!، أنه سيعرض عن ذكرها، ويتراجع عن الثناء عليها، وأنه سيحذف المقالات التي نشرت وأثنت وباركت ودافعت وشرحت الرسالة في موقعه.
لكن حدث ما ليس بالحسبان!.
أكَّد الحلبي في مقال [جواب الشيخ المحدث علي الحلبي على رسالة الشيخ الدكتور صادق البيضاني حول (قضايا منهجية)] على ما سبق منه من مناصرة لرسالة عمان ومراوغة وإصرار في الثناء!.
وأعجب ما قرأته في هذا المقال: أنَّ الحلبي جاء إلى العبارة التي انتقدها الشيخان العباد والفوزان حفظهما الله تعالى – وهي أصرح عبارة تدعو إلى وحدة الأديان! – فقال بجرأة عجيبة: ((ما ادُّعِيَ على رسالة عمّان مِن أنَّها تدعُو إلى عقيدة (وحدة الأديان) – الكفرية -، أو.. أو.. - كُلُّه - ليسَ صريحاً!، ولا ظاهراً ألبتَّة!، وإنَّما هو ألفاظٌ يَسيرةٌ مُحتملَةٌ - ليس إلا، بل إنَّ فيها (نصّاً) (ظاهراً) (جليّاً) يُخالفُ ذلك، ويُناقضُهُ؛ وذلك (نصُّ) ما جاءَ فيها: "أصلُ الدِّياناتِ الإلهيَّةِ واحدٌ، والمُسلمُ يُؤمنُ بجَمِيعِ الرُّسُلِ، ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ أحدٍ منهُم، وإنَّ إنكارَ رسالةِ أيِّ واحدٍ منهُم خُروجٌ عن الإسلامِ؛ ممَّا يؤسِّسُ إيجادَ قاعدةٍ واسعةٍ للالتِقاءِ مع المُؤمنِينَ بالدِّياناتِ الأُخرَى على صُعُدٍ مُشترَكَةٍ في خِدمةِ المُجتمعِ الإنسانيِّ، دونَ مَساسٍ بالتميُّزِ العَقَدِيِّ، والاستِقلالِ الفِكريِّ؛ مُستندِينَ في هذا كُلِّهِ إلى قولِهِ تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير)".
فأيُّ ادِّعاءٍ (باطلٍ) ذاك في موضوعِ (وحدةِ الأديانِ) هذا؛ مع هذا (التنصيصِ الواضحِ الجليِّ) على نَفْيِ ذلك وعَدَمِهِ، وبألفاظٍ مُتعدِّدةٍ شتَّى، لعلَّ أظهرَها ما جاءَ في الرسالةِ كما تقدَّم: «دونَ مَساسٍ بالتَّمَيُّزِ العَقَدِيِّ والاستقلالِ الفِكريِّ» عند ذِكرِ الدِّياناتِ.
وعليه؛ فمِن المُمْكِنِ – جدًّا - حملُ ما (قد) يُوجد فيها مِن ألفاظٍ مُحتملةٍ - بحُسنِ الظَّنِّ وحُسن النَّظَرِ في السياقِ من جهةٍ؛ وفي إدراكِ المآلاتِ ومعرفة النتائج من جهةٍ أخرى، إلى ما لا يُخالفُ الشريعة، وما لا يُناقض شيئًا مِن قواعدِ المِلَّةِ البديعة)) انتهى كلام الحلبي.
أقول: فتصوَّر أيها القارئ جرأة الحلبي وعناده!، كيف يأتي إلى نفس النص المنتقَد عند العلماء الأكابر فيجعله نصاً ظاهراً واضحاً جلياً على سلامة رسالة عمان من فكرة وحدة الأديان؟!.
فماذا يعني؟!
يعني أنَّ العلماء الأكابر لا يعرفون النص الظاهر الجلي من النص المحتمل الخفي!.
بل يعني؛ أنَّ العلماء الأكابر يجعلون النص الظاهر الجلي على سلامة الرسالة من فكرة وحدة الأديان، من أبطل ما يكون!، ومن أقبح ما يكون!.
على وزن "أفعل"؛ كما يدندن نحويو منتديات كل السلفيين!!!
وأما موقف الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله تعالى فهو مسجل بصوته:
س/ يقول وجدتُ هذه العبارة تقول: ((أصل الديانات الإلهيّة واحد، والمسلم يؤمن بجميع الرسل، ولا يفرّق بين أحد منهم، وإنَّ إنكار رسالة أي واحد منهم خروج عن الإسلام؛ مما يؤسس إيجاد قاعدة واسعة للالتقاء مع المؤمنين بالديانات الأخرى على صعد مشتركة في خدمة المجتمع الإنساني؛ دون مساس بالتميّز العقدي والاستقــلال الفكري))؟.
فكان جواب الشيخ العباد حفظه الله تعالى: ((الكلام الأول جميل، والكلام الأخير خبيث, أوله حسن وآخره سيء، يعني كون الرسل ديانتهم واحدة وأنهم يدعون إلى التوحيد وأنه يجب الإيمان بكل واحد منهم وأنَّ من كفر بواحد فهو كافر بالجميع هذا كله حق.
وأما هذا الكلام الذي يقول فيه بالتقاء الديانات...!!؛ بعد بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليس في دين حق إلا دين الإسلام، ولا يجوز أن يعتقد بأن هناك دين موجود الآن يعني يتبعه غير المسلمين هو حق، بل الشرائع كلها نسخت ببعثته صلى الله عليه وسلم؛ كما قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: "والذي نَفْسي بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأُمّة يهوديٌّ أو نصرانيٌّ ثم يموت ولا يُؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النَّار"، وقال: "ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي"، وعيسى إذا نزل في آخر الزمان يحكم بشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يحكم بالإنجيل, الشرائع انتهت بعد بعثته صلى الله عليه وسلم ليس لها وجود الآن، لكن يعني جاء بما يتعلق بأهل الكتاب أنهم يعاملون معاملة خاصة؛ لأنَّ لهم أصل دين، فإذا أعطوا الجزية فإنهم يبقون تحت ولاية المسلمين، لأنَّ ذلك من أسباب دخولهم في الإسلام. أما كونه يقال: إنَّ الديانات بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم كلها حق وأنها معتبرة وأنه لا فرق بينها؛ فهذا الكلام من أبطل ما يكون, ومن أقبح ما يكون)).
وهذا في مسألة (وحدة الأديان) التي هي من أعظم المسائل التي من أجلها بدَّع الشيخ ربيع حفظه الله تعالى الحلبي.
فهل بين الشيخ العباد والشيخ ربيع اختلاف في هذه المسألة؟!
وهل الشيخ العباد يوافق الحلبي في هذه المسألة؟!
والعجيب أنَّ بعض متعصبة رسالة عمان وهو الكاتب ياسين نزال يقول في مقاله [القول العدل الشيخ الحلبي ومقاصد (رسالة عمان) الهاشمية]: ((وقد شبّهتُ هذه الرّسالةَ الهاشمية من حيثُ مقاصدها برسالة العلاّمة العباد (رفقًا أهل السنة بأهل السنة)؛ فالأولى كانتْ لمحاربة فتنةِ التّكفير والتّفجير، والثانية لمواجهة فتنة التبديع المنفلت المتفلّت؛ فمن وقع في الثانية – بشدّةٍ - غالبًا ما سيقعَ في الأولى؛ إذ الثانية بوّابة الأولى!)).
أقول: أتمنى – والله - أن يُعرَض هذا التشبيه على الشيخ العباد أو أحد طلابه لنعرف مصداقيته؟!
المثال الثاني: الاحتجاج بالخلاف في رد المخالف، وبالتالي تتبع رخص العلماء، وعدم الإنكار والإلزام والتشنيع والخصام في المسائل المتنازع فيها مطلقاً
هذا هو منهج الحلبي وأنصاره لا يخفى على كل ذي عينين، فهم يصرحون بأنَّه لا إلزام ولا إنكار ولا تشنيع ولا خصام في المسائل المختلف فيها وقضايا الأعيان المتنازع عليهم. ويحتجون على مَنْ ينتقد أقوالهم وأحكامهم بأنَّ فلاناً من أهل العلم يقول بمثل قولهم ويحكم بمثل حكمهم؛ فلماذا لا تنكرون عليه أو لا تبدعونه؟!، فلا يردون الحجة بالحجة، بل يردون الحجة بقول أحد العلماء!. وهم أيضاً يتتبعون أحكام وأقوال بعض العلماء من هنا وهناك وينتقون نتفاً منها مما يوافق ما هم عليه؛ ولو كانوا يخالفونهم من حيث المنهج العام!، لمجرد رد المخالِف والاعتراض على أدلته وبراهينه!.
هذا هو منهج الحلبي وأنصاره، وهو مدوَّن في كتبهم ومقالاتهم، ولا يُنكره إلا جاهل أو مكابر.
ومما يدل على أنَّ الحلبي لا يجيز الإنكار إلا فيما أجمع عليه من المسائل؛ ما نقله في كتابه [منهج السلف الصالح] في مسألة (الامتحان بالأشخاص) من كلام لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى وهو قوله: ((وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُنَصِّبَ لِلْأُمَّةِ شَخْصًا يَدْعُو إلَى طَرِيقَتِهِ وَيُوَالِي وَيُعَادِي عَلَيْهَا غَيْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُنَصِّبَ لَهُمْ كَلَامًا يُوَالِي عَلَيْهِ وَيُعَادِي غَيْرَ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ بَلْ هَذَا مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ يُنَصِّبُونَ لَهُمْ شَخْصًا أَوْ كَلَامًا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ يُوَالُونَ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْكَلَامِ أَوْ تِلْكَ النِّسْبَةِ وَيُعَادُونَ))
ثم في حاشية كتابه [منهج السلف الصالح] علَّق الحلبي عند كلمة شيخ الإسلام [وما اجتمعت عليه الأمة] فقال: ((وهذا قيد مهم جداً؛ لو تأمله دعاة الدعوة السلفية وحملتها وحماتها لهونوا على أنفسهم كثيراً من المضايق والمصايب، ولأغلقوا على أعدائهم كثيراً من المصايد، ومنه قول الحافظ ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم ص306: "والمنكر الذي يجب إنكاره ما كان مجمعاً عليه؛ فأما المختلف فيه: فمن أصحابنا مَنْ قال لا يجب إنكاره على مَنْ فعله مجتهداً أو مقلداً لمجتهد تقليداً سائغاً")).
قلتُ: فمراده بالقيد المهم هو "إجماع الأمة"، فالمنكر الذي يجب إنكاره ما كان مجمعاً عليه!. هكذا يريد الحلبي أن يُفهم القراء وأن يوجِّه الدعاة.
والآن؛ لنتعرف على منهج الشيخ العباد حفظه الله تعالى؛ حيث قال الشيخ حفظه الله تعالى في مقال له بعنوان [دعاة التغريب ومصطلحهم "التعددية" و"الأحادية" لانتقاء ما يوافق أهواءهم]:
((وأعود إلى الكلام مع المؤيدين لما سموه بـ [التعددية] المنكرين لما سموه بـ [الأحادية] الذين لا يعتبرون المعروف إلا ما أُجمع على أنه معروف!!، ولا المنكر إلا ما أُجمع على أنه منكر!!.
مع أنَّ تتبع رخص العلماء وانتقاء ما يوافق الأهواء والشهوات منها مما أُجمع على أنه منكر!!؛ فقد روى ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/91) عن سليمان التيمي أنه قال: "إذا أخذتَ برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله"، ثم قال ابن عبد البر: "هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً".
ومن أمثلة انتقائهم ما تشتهيه نفوسهم قول بعضهم: إنَّ كشف وجه المرأة جائز!، وإنَّ حضور صلاة الجماعة في المساجد ليس بلازم!، وإنَّ في إغلاق الحوانيت لأداء صلاة الجماعة شلاً للحركة الاقتصادية!؛ وذلك تقديم لتجارة الدنيا على تجارة الآخرة، فينتقون ما يريدون بدعوى أنَّ في ذلك خلافاً!!.
والواجب عند الخلاف: التعويل على ما يؤيده الدليل لا الأخذ بما تشتهي النفوس وتميل إليه!، وقد قال الشافعي كما في كتاب الروح (ص 395) وإعلام الموقعين (2/263) لابن القيم: "أجمع الناس على أنَّ من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد"، وقال ابن خزيمة رحمه الله كما في الفتح (3/95): "ويحرم على العالم أن يخالف السنة بعد علمه بها"، ومما جاء عن العلماء في التحذير من تتبع الرخص وذم انتقاء ما تشتهيه النفوس من الأقوال ما رواه البيهقي في [سننه الكبرى: 10/211] بإسناد حسن عن الأوزاعي رحمه الله قال: "من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام"، وروى أيضًا بإسناد صحيح عن إسماعيل القاضي أنه قال: "دخلت على المعتضد فدفع إليَّ كتاباً نظرتُ فيه، وكان قد جُمع له الرخص من زلل العلماء وما احتج به كلٌّ منهم لنفسه، فقلتُ له: يا أمير المؤمنين؛ مصنف هذا الكتاب زنديق!!، فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟! قلتُ: الأحاديث على ما رُويتْ، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلّة!، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه!!، فأمر المعتضد فأُحرق ذلك الكتاب"، وقال الخطابي رحمه الله في [شرحه صحيح البخاري: 3/2091]: "وقال قائل: إنَّ الناس لما اختلفوا في الأشربة وأجمعوا على تحريم خمر العنب واختلفوا فيما سواه، لزمنا ما أجمعوا على تحريمه وأبحنا ما سواه!!، وهذا خطأ فاحش، وقد أمر الله المتنازعين أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، فكل مختلف فيه من الأشربة مردود إلى تحريم الله وتحريم رسوله الخمر، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "كل شراب أسكر فهو حرام"، فأشار إلى الجنس بالاسم العام والنعت الخاص الذي هو علّة الحكم، فكان ذلك حجة على المختلفين" إلى أن قال: "وليس الاختلاف حجة!، وبيان السّنّة حجة على المختلفين من الأولين والآخرين"، يشير الخطابي بكلامه هذا إلى قول بعض فقهاء الكوفة: إنَّ الخمر من العنب يحرم كثيره وقليله، وإنَّ ما كان من غير العنب يحرم منه الكثير المسكر ولا يحرم منه القليل الذي لا يسكر، وهو تفريق باطل يرده عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" [رواه أبو داود: (3681)] وغيره بإسناد حسن، وقال ابن الصلاح رحمه الله في [فتاويه: ص300]: "مع أنه ليس كل خلاف يُستروح إليه ويعتمد عليه!!، ومن تتبع ما اختلف فيه العلماء وأخذ بالرخص من أقاويلهم تزندق أو كاد!"، وعزاه إليه ابن القيم في [إغاثة اللهفان: 1/228]، وقد قال الشاعر:
وليس كل خلاف جاء معتبرًا إلا خلاف له حظ من النظر
وقال الذهبي رحمه الله في [السير: 8/81]: "ومن يتبع رخص المذاهب وزلاّت المجتهدين فقد رقّ دينه"، وقال ابن القيم رحمه الله في كتابه [إعلام الموقعين: 4/211]: "وبالجملة فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهي والتخير وموافقة الغرض"، وقال أيضًا [3/300]: "وقولهم: إنَّ مسائل الخلاف لا إنكار فيها!!؛ ليس بصحيح؛ فإنَّ الإنكار إما أن يتوجَّه إلى القول والفتوى، أو العمل، أما الأول: فإذا كان القول يخالف سنّة أو إجماعًا شائعاً وجب إنكاره اتفاقاً، وإن لم يكن كذلك فإنَّ بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله، وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار، وكيف يقول فقيه: لا إنكار في المسائل المختلف فيها!!!، والفقهاء من سائر الطوائف قد صرّحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتاباً أو سنّة وإن كان قد وافق فيه بعضَ العلماء؟!، وأما إذا لم يكن في المسألة سنّة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم تنكر على مَنْ عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا"، وقال الشاطبي رحمه الله في [الموافقات: 2/386]: "فإذا صار المكلَّف في كل مسألة عنَّت له يتبع رخص المذاهب وكلَّ قول وافق فيها هواه، فقد خلع ربقة التقوى، وتمادى في متابعة الهوى، ونقض ما أبرمه الشارع، وأخَّر ما قدَّمه"، وقال أيضًا [4/141]: "وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية حتى صار الخلاف في المسائل معدودًا في حجج الإباحة!!، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد في جواز الفعل على كونه مختلفًا فيه بين أهل العلم!!!، لا بمعنى مراعاة الخلاف فإنَّ له نظرا آخر، بل في غير ذلك، فربما وقع الإفتاء في المسألة بالمنع، فيقال: لِمَ تمنع والمسألة مختلف فيها؟! فيجعل الخلاف حجة في الجواز لمجرد كونها مختلفًا فيها!!، لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهو عين الخطأ على الشريعة؛ حيث جعل ما ليس بمعتمد معتمدًا وما ليس بحجة حجة"، إلى أن قال: "والقائل بهذا راجع إلى أن يتبع ما يشتهيه، ويجعل القول الموافق حجة له ويدرأ بها عن نفسه، فهو قد أخذ القول وسيلة إلى اتباع هواه، لا وسيلة إلى تقواه، وذلك أبعد له من أن يكون ممتثلاً لأمر الشارع وأقرب إلى أن يكون ممن اتخذ إلهه هواه، ومن هذا أيضًا جعل بعض الناس الاختلاف رحمة للتوسع في الأقوال وعدم التحجير على رأي واحد!!... ويقول: إنَّ الاختلاف رحمة، وربما صرح صاحب هذا القول بالتشنيع على مَنْ لازم القول المشهور أو الموافق للدليل أو الراجح عند أهل النظر والذي عليه أكثر المسلمين، ويقول له: لقد حجَّرت واسعًا وملت بالناس إلى الحرج وما في الدين من حرج وما أشبه ذلك، وهذا القول خطأ كله وجهل بما وضعت له الشريعة، والتوفيق بيد الله"، وهذه النقول عن العلماء توضح فساد ما عليه التغريبيون المتبعون للشهوات، ومن كان على شاكلتهم!!!، ولاسيما كلام الشاطبي الذي كأنه يتحدث عن هؤلاء التغريبيين لانطباق كلامه عليهم بوضوح وجلاء، وهي نقول توضح أنَّ الحق في واد وأنَّ هؤلاء المتكلفين في واد آخر)) انتهى كلام الشيخ العباد بحروفه.
قلتُ: فأين هذا الموقف من الخلاف عند الحلبي وأنصاره الذين يهوِّنون الخلاف ويدندنون حول مسائل الإجماع فقط؟!
أقول: ولعلَّ قائلاً يقول: لكنَّ الحلبي استدل بكلام العلامة ابن رجب رحمه الله تعالى؛ فالاعتراض موجَّه عليه لا على الحلبي!.
وجوابه: أنَّ الحلبي لم يكمل كلام ابن رجب، ولو أكمله لما صحت دعواه!.
وبقية كلام العلامة ابن رجب رحمه الله تعالى هو: ((...تقليدًا سائغًا؛ واستثنى القاضي في "الأحكام السلطانية": ما ضَعُفَ فيه الخلاف، وإنْ كان ذريعة إلى محظور متفق عليه: كربا النقد؛ فالخلاف فيه ضعيف وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تحريمه، وكنكاح المتعة فإنه ذريعة إلى الزنا، وذكر عن إسحاق بن شاقلا أنه ذكر أنَّ المتعة هي الزنا صراحاً؛ عن ابن بطة قال: لا يفسخ نكاح حكم به قاض إنْ كان قد تأوَّل فيه تأويلاً إلا أن يكون قضى لرجل بعقد متعة أو طلق ثلاثاً في لفظ واحد وحكم بالمراجعة من غير زوج فحكمه مردود وعليه العقوبة والنكال.
والمنصوص عن أحمد: الإنكار على الملاعب بالشطرنج، وتأوَّله القاضي على مَنْ لعب بها بغير اجتهاد أو تقليد سائغ؛ وفيه نظر، فإنَّ المنصوص عنه أنه يحد شارب النبيذ المختلف فيه، وإقامة الحد أبلغ مراتب الإنكار مع أنه لا يفسق عنده بذلك!؛ فدلَّ على أنه ينكر كل مختلف فيه ضَعُفَ الخلاف فيه لدلالة السنة على تحريمه ولا يخرج فاعله المتأوِّل من العدالة بذلك؛ والله أعلم. وكذلك نصَّ أحمد على الإنكار على مَنْ لا يتم صلاته ولا يقيم صلبه من الركوع والسجود مع وجود الاختلاف في وجوب ذلك)).
قلتُ: ونقل هذا الكلام بحروفه العلامة ابن مفلح في الآداب الشرعية؛ فمذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه يُنكر بل ويُعاقب في المسائل المختلف فيها؛ وذلك إذا كان الخلاف فيها ضعيفاً لدلالة السنة الصريحة على رجحان أحد القولين.
فأين هذا من صنيع الحلبي ودعواه؟!
وأيضاً مما قاله الحلبي أيضاً في كتابه [منهج السلف الصالح/ مسألة الجرح المفسر/ في هامش الكتاب]: ((لا مانع من أن ينتصر لما يراه حقاً ويدافع عنه ويحشد له؛ لكن بدون إلزام!، أو خصام!)).
بينما يقول الشيخ العباد حفظه الله تعالى في كتابه [الحث على إتباع السنة والتحذير من البدع وبيان خطرها]: ((وإتباع سنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم في الأخذ بما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة كما أنَّه لازمٌ في الأمور العقدية بقوله صلى الله عليه وسلم: "فإنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء المهديين الراشدين" الحديث، فهو لازمٌ في الأمور الفرعية التي يسوغ فيها الاجتهاد عند ظهور الدليل، وقد أوصى العلماء من سلف هذه الأمة - ومنهم الأئمَّة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - بالأخذ بما دلَّ عليه الدليل، وترك أقوالهم التي قالوها إذا جاء حديثٌ صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافها)).
أقول: فلينظر القارئ إلى كلام الشيخ العباد، هل يجد فيه تفريقاً في مسألة الإلزام عند ظهور الدليل بين مسائل الاعتقاد والمسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد؟
ثم لينظر إلى منهج الحلبي وأنصاره في كتاباتهم ومقالاتهم؛ وكيف لا يلزمون في المسائل المتنازع عليها مطلقاً ولو ظهر الدليل!؛ لأنَّ شرط الإلزام عندهم هو اقتناع المخالِف لا ظهور الدليل!!.
وقد نقل الحلبي كلاماً للشيخ ربيع حفظه الله تعالى في هامش كتاب منهج السلف الصالح جاء في آخره ص259: ((عليكم أن تنظروا في الأدلة وتأخذوا بها كما فعل العلماء وطلاب الحق الصادقون، ولا يجوز لكم أن تخالفوا العلماء الذين حكموا على فلان أو فلان بالأدلة الواضحة والبراهين القاطعة؛ فهذا هو المنطق الذي قرره القرآن والسنة وعلماء الإسلام، بخلاف ما يقرره بعض الخارجين ويدعون إليه من التقليد الأعمى مخالفين في ذلك هذا المنهج العظيم)).
فعلَّق الحلبي بقوله: ((قلتُ: قوله [بالأدلة الواضحة والبراهين القاطعة] أي إذا اقتنعوا بها وظهر لهم وجه الحق فيها كما تقدَّم تقييده بذلك مرارًا منه!!. أما إذا لم يقتنعوا بها – وهذا ممكن جدًا وإلا ما حصل اختلاف قط! – فلا سبيل معهم إلا النصح والتفاهم والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وأما إلزامهم بما لم يقتنعوا به وأطرهم على أن يقولوا بما لم يؤمنوا به: فهذا وجه آخر لذلك التقليد، بل أقبح!!. ثم لو كان الجرح من حيث الواقع واضحًا قاطعاً لما اختلفوا فيه أصلاً، فتأمل)).
أقول: فالحلبي لا يلزم بالأدلة ولو كانت واضحة!، ولا بالبراهين ولو كانت قاطعة!، وإنما شرط الإلزام عنده أن يقتنع الملزَم (المخالِف)، فإنْ لم يقتنع فلا سبيل لنا عليه إلا النصح والتفاهم من غير إنكار ولا تجريح ولا تشنيع!!.