![]() |
فائدة مستنبطة من سورة يوسف للشيخ السعدي / العدل بين الابناء
ومن فوائد هذه القصة أنه يتعين على الإنسان أن يعدل بين أولاده . وينبغي له إذا كان يحب أحدهم أكثر من غيره أن يخفي ذلك ما أمكنه , وأن لا يفضله بما يقتضيه الحب من إيثار بشيء من الأشياء , فإنه أقرب إلى صلاح الأولاد وبرهم به واتفاقهم فيما بينهم ; ولهذا لما ظهر لإخوة يوسف من محبة يعقوب الشديدة ليوسف وعدم صبره عنه وانشغاله به عنهم سعوا في أمر وخيم , وهو التفريق بينه وبين أبيه . فقالوا : { ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين } [ سورة يوسف : الآيتان 8 , 9 ] وهذا صريح جدا أن السبب الذي حملهم على ما فعلوا بيوسف من التفريق بينه وبين أبيه هو تميزه بالمحبة , خلاف ما ذكر كثير من المفسرين أن يوسف أخبرهم برؤياه - فحسدوه لذلك فإنه مناف للآية الكريمة , وسوء ظن بيوسف حيث استكتمه أبوه فقال : { يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا } [ سورة يوسف : الآية 5 ] فيوسف أبر وأعقل من أن يخبرهم بها , ولكن كثير من الإسرائيليات تروج على كثير من الناس , مع أن أقل تأمل في النصوص الشرعية يعلمهم ببطلانها . والمقصود : أن الذي حمل إخوة يوسف على ما فعلوا هو تمييز يعقوب ليوسف , ومع هذا فلا يحل هذا الأمر الشنيع . وهم يعلمون أنه لا يحل لهم , ولكنهم قالوا : افعلوا هذا الجرم العظيم وتوبوا إلى الله بعده . فلهذا قالوا : { وتكونوا من بعده قوما صالحين } [ سورة يوسف : الآية 9 ] وهذا لا يحل أن يواقع العبد الذنب بأي حالة يكون , ولو أضمر أنه سيتوب منه , فالذنب يجب اجتنابه فإذا وقع وجبت التوبة منه . ولعل من حكمة الله ورحمته بيعقوب ما قدره عليه من الفرقة التي أحدثت له من الحزن والمصيبة ما أحدثت رفعة لمقاماته في الدنيا والآخرة , ولتكون النعمة عند حصول الاجتماع لها الموقع الأكبر والشكر الكثير والثناء على الله بها , وليصل ولده يوسف إلى ما وصل إليه من المقامات الجليلة , وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم , والله يعلم وأنتم لا تعلمون .
كتاب : فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام تأليف العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى |
| الساعة الآن 10:45 AM. |
powered by vbulletin