![]() |
التبيين و التفصيل في مسألتي التقنين و التبديل للشيخ أبي عمر أسامة العتيبي -حفظه الله-
التبيين و التفصيل في مسألتي التقنين و التبديل إنَّ الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .للشيخ أبي عمر أسامة العتيبي الـمُقَدِّمَة {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}. {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً}. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً}. أما بعد : فإنَّ خير الكلام كلام الله ، وخير الهدي ؛ هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار. فقد كثر خوض الكثير في مسألتي التقنين والتبديل ، حتى صارت هاتان المسألتان عند كثير من الناس مما لا يقبل النِّزاع والخلاف وأن من صدر منه تقنين أو تبديل فهو خارج من الإسلام !! بل كثير منهم يسوي بين التقنين والتبديل ! حتى وصل الأمر ببعضهم إلى إنكار التقنين مطلقاً أو صار بعضهم يظن أن كلمة التقنين تساوي الكفر مطلقاً . وهذا من الجهل البالغ الذي اعترى كثيراً من عوام الطلبة ومبتدئيهم حتى وبعض طلاب العلم . وهذا الظن ذاته خطر جسيم ، وجرم عظيم ، بل قد يصل بصاحبه إلى الكفر والردة !. فإن من التقنين ما هو جائز بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة !. فأحببت في هذا المقال تجلية هذا الأمر وبيان أقسام التقنين وحكم كل قسم. والله أسأل التوفيق والسداد والهدى والرشاد. أولاً: مسألة التقنين تعريف القانون : قال الجوهري : " و القَوانِينُ الأصول الواحد قَانونُ وليس بعربي"(1) وقال الفيروزآبادي: "والقانون: مقياس كل شيء جمعه قوانين". وقال شارحه: " قيل: رومية ، وقيل : فارسية "(2) وقال ابن منظور: "وقانون كل شيء: طريقُه ومقـياسه. قال ابن سيده؛ وأُراها دَخِيلَة"(3) فالتقنين هو طريق كل شيء ومقياسه . ومجرد التقنين ليس كفراً بل هو راجع إلى الأمر المقنَّن وقصد المقنِّن. وهو على ثلاث أحوال : الحال الأول: من قنن أنظمة دنيوية معاشية لا تتعارض مع الشرع ولم ينص عليها الشرع بخصوصها فهذا مباح لا شيء فيه. وهذه قد تكون وسائل إلى غايات مشروعة ومطلوبة . مثل: تقنين أنظمة المرور وتقنين أنظمة الدراسة في الجامعات وتقنين أنظمة الكتابة في المنتديات الحوارية على الإنترنت ونحوها من التنظيمات التي لا يكون فيها ما يعارض الشرع . ومثل: تقنين قواعد اللغة العربية ومصطلح الحديث وأصول الفقه ونحوها مما لا يتعارض مع الشرع . فهذا التقنين مباح ولا شيء فيه أصلاً . وهو ما يسمى بالمصالح المرسلة وهو أحد أنواعها على التحقيق . وهذا لا أعرف خلافاً بين العلماء في جوازه . الحال الثاني: تقنين الأمر المحرم الممنوع شرعاً فهذا حرام . مثل الزنا وشرب الخمور . فإذا كان عند رجل محل لبيع الخمور -وهو معتقد حرمتها- فقنن عمله لها وجعل قوانين لصناعتها وتعليبها وتغليفها وبيعها ؛ فهذا عاص وآثم ، وليس بكافر إذا لم يصدر منه ما يدل على استحلالها . وكذلك تقنين الربا وجعل الضوابط المقيدة له فهذا فسق وفجور وليس بكفر . ولقد كانت قوانين الربا معروفة في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى يومنا هذا وجدد تنظيمها في عصرنا الحاضر بما لا يخرج في جوهرة على ما كان في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- والقرون السابقة . فمعلوم أن كل مرابٍ يحرس ماله أو يجعل له من يحرسه ، ومعلوم أن كل مرابٍ يحفظ ماله ويقيده وله من الدفاتر والسجلات ما يحفظ به ماله الحرام . وكذلك السراق لهم قواعد ونظم وقوانين في كيفية السرقة بل ألف بعضهم كتاباً في "حيل اللصوص" علمهم فيه كيف يسرقون !!. فهذا التقنين محرم وفسق وفجور وليس بكفر مخرج من الملة إلا إذا كان قصد مقننه الاستحلال فهذا يخرج من الملة بسبب الاستحلال . والنبي -صلى الله عليه وسلم-لم يكفر كاتب الربا وشاهديه مع أنهما من أطراف القانون !. وعلى هذا قول الصحابة والتابعين وسلف الأمة حيث لم يكفروا المرابي وشارب الخمر وبائعها وصانعها مع أنهم مستحقون للعن . ومن زعم أن الربا لم يكن مقننا وكذا الخمر فهو من أجهل الناس بمعنى التقنين وبحال الناس قديماً وحديثاً. وهذا الحال سيأتي له مزيد بيان في مسألة التبديل -إنْ شَاءَ اللهُ تَعالَى-. الحال الثالث: تقنين الأمر الكفري كفر مخرج من الملة ولا يحتاج إلى استحلال أصلاً. وذلك مثل: تقنين الطواف حول القبور والاستغاثات الشركية والقيام بشؤون تلك الظواهر الشركية . ومثل: تقنين السجود لغير الله وإهانة المصاحف والشعائر الدينية وقتل الموحدين لتوحيدهم. ومثل: النص على التحليل الشرعي لأمور محرمة أو التحريم الشرعي لأمور حلال. ومثل: تقنين القوانين لتعطيل أسماء الله وصفاته أو تعطيل الشرع وهذا وقع فيه كثير من أهل البدع والتعصب المذهبي. مثل: قوانين الأشاعرة والمعتزلة والجهمية والخوارج ونحوهم . كقول صاحب الجوهرة: وكل نص أوهم التشبيه أوله أو فوض ورم تنْزيها فهذه قاعدة كفرية . وكقول الصاوي في حاشيته على الجلالين: الأخذ بظواهر النصوص الشرعية شرك!. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- : "وأما هذا القانون الذي وضعوه فقد سبقهم إليه طائفة منهم أبو حامد "يعني: الغزالي" وجعله قانوناً في جواب المسائل التي سئل عنها في نصوص أشكلت على السائل ، كالمسائل التي سأله عنها القاضي أبو بكر بن العربي . وخالفه القاضي أبو بكر في كثير من تلك الأجوبة ، وكان يقول: شيخنا أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر . وحكى هو عن أبي حامد نفسه أنه كان يقول: أنا مزجى البضاعة في الحديث . ووضع أبو بكر بن العربي هذا قانونا آخر مبنيا على طريقة أبي المعالي ومن قبله كالقاضي أبي بكر الباقلاني . ومثل هذا القانون الذي وضعه هؤلاء يضع كل فريق لأنفسهم قانونا فيما جاءت به الأنبياء عن الله ، فيجعلون الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه هو ما ظنوا أن عقولهم عرفته ، ويجعلون ما جاءت به الأنبياء تبعاً له فما وافق قانونهم قبلوه وما خالفه لم يتبعوه . وهذا يشبه ما وضعته النصارى من أمانتهم التي جعلوها عقيدة إيمانهم ، وردوا نصوص التوراة والإنجيل إليها ، لكن تلك الأمانة اعتمدوا فيها على ما فهموه من نصوص الأنبياء أو ما بلغهم عنهم وغلطوا في الفهم أو في تصديق الناقل ، كسائر الغالطين ممن يحتج بالسمعيات فإن غلطه إما في الإسناد ، وإما في المتن . وأما هؤلاء فوضعوا قوانينهم على ما رأوه بعقولهم وقد غلطوا في الرأي والعقل . فالنصارى أقرب إلى تعظيم الأنبياء والرسل من هؤلاء لكن النصارى يشبههم من ابتدع بدعة بفهمه الفاسد من النصوص أو بتصديقه النقل الكاذب عن الرسول كالخوارج والوعيدية والمرجئة والإمامية وغيرهم بخلاف بدعة الجهمية والفلاسة فإنها مبنية على ما يقرون هم بأنه مخالف للمعروف من كلام الأنبياء وأولئك يظنون أن ما ابتدعوه هو المعروف من كلام الأنبياء وأنه صحيح عندهم".(4) وسيأتي نقل كلام شيخ الإسلام بأطول من هذا في الكلام على مسألة التبديل -إنْ شَاءَ اللهُ تَعالَى-. وهذه الحال الثالث يكفر صاحبه إذا علم حكم الله وشرعه ثم عاند وأصر . وهذا سيوضحه ما يأتي في معنى التبديل . فهذه ثلاث حالات للتقنين مع توضيح حكمها . قال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في مقال:"السمع والطاعة": "نرى بعض القوانين تأذن بالعمل الحرام الذي لا شك في حرمته ، كالزنا وبيع الخمر ونحو ذلك ، وتشترط للإذن بذلك رخصة تصدر من جهة مختصة معينة في القوانين . فهذا الموظف الذي أمرته القوانين أن يعطي الرخصة بهذا العمل إذا تحققت الشروط المطلوبة فيمن طلب الرخصة لا يجوز له أن يطيع ما أمر به ، وإعطاؤه الرخصة المطلوبة حرام قطعاً ، وإن أمره بها القانون ، فقد أمر بمعصية ، فلا سمع ولا طاعة . أما إذا رأى أن إعطاء الرخصة في ذلك حلال ، فقد كفر وخرج عن الإسلام ، لأنه أحل الحرام القطعي المعلوم حرمته من الدين بالضرورة"(5) وأنصح بالرجوع إلى ذلك المقال بكامله فإنه نفيس جداً . والمصيبة أن خوارج العصر يجعلون الحالات الثلاث حالة واحدة وهذا جرم عظيم وهو حكم بغير ما أنزل الله . ثانياً: مسألة التبديل التبديل في اللغة: إن كلمة التبديل في لغة العرب بمعنى العوض من شيء أو تغييره . فمن استبدل شيئاً بغيره فقد بدل ، وكذا من غير الشيء ولو لم يأت ببديل فقد بدل . قال ابن فارس: "الباء والدال واللام أصل واحد ، وهو قيام الشيء مقام الشيء الذاهب . يقال: هذا بدل الشيء وبديله ، ويقولون: بدلت الشيء إذا غيرته وإن لم تأت له ببدل ، قال تعالى: {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي}(6) . وأبدلته إذا أتيت له ببدل ، قال الشاعر: عزْل الأمير للأمير المبْدل " (7). وهذا اللفظ يشمل كل تعطيل لشريعة الله ، ويشمل كل تغيير للشرع بغيره من الأمور المخالفة له . وقد ورد ذكر التبديل في القرآن في مواضع عديدة منها قوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين * فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم}(8) ووردت كلمة التبديل في السنة المطهرة في أحاديث عديدة منها قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((من بدل دينه فاقتلوه)) . (9) والتبديل صوره كثيرة جداً . فكل تغيير في الحق فهو يسمى تبديلاً وهو محرم . فمن غير الوصية الشرعية وبدلها وهي مما يحرم تغييره وتبديله فقد وقع في التبديل المحرم . لأن الله فرض تنفيذ الوصية وحرم تغييرها وتبديلها . فمن بدل الوصية وغيرها فقد بدل شرع الله وغيره وهو آثم بذلك فإن استحل هذا التبديل فقد كفر وارتد . وقال القرطبي -رحمَهُ اللهُ- في تفسير قوله تعالى: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون}(10) : "في هذه الآية والتي قبلها التحذير من التبديل والتغيير والزيادة في الشرع ، فكل من بدَّل وغيَّرَ ، أو ابتدع في دين الله ما ليس منه ولا يجوز فيه : داخل تحت هذا الوعيد الشديد ، والعذاب الأليم ، وقد حذر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمته لما قد علم ما يكون في آخر الزمان فقال: ((ألا إنَّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة ، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة…)) الحديث ، فحذرهم أن يحدثوا من تلقاء أنفسهم في الدين خلاف كتاب الله أو سنته أو سنة أصحابه فيضلوا به الناس ، وقد وقع ما حذره وشاع ، وكثر وذاع ؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون"(11). وتبديل الشرع ينقسم إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول: من بدَّل الشرع ونسبه إلى الشرع مجتهداً أومتأولاً وهو يريد حكم الله لكنه غلط وجهل ؛ فهذا معذور ، وليس بآثم إذا كان من أهل الاجتهاد ، وهذا يسميه شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم : "الشرع المؤول". القسم الثاني: من بدَّل الشرع عمداً ، ولكنه لم ينسبه إلى الشرع ، ولم يكن تبديله استكباراً ولا معاندة للشرع بل يعتقد حرمة فعله ، ولكن لحاجة في نفسه كرشوة ، أو منصب ، أو معاداة لشخص ، أو نحو ذلك؛ فهذا مجرم آثم ، وهو حاكم بغير ما أنزل الله ، ولا يكفر إلا بقرينة تدل على استحلاله أو استكباره أو معاندته للشرع . القسم الثالث: من بَدَّلَ الشرع عمداً لا عن خطأ وتأويل ونسبه إلى الشرع ؛ فهذا كافر مرتد بإجماع المسلمين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمَهُ اللهُ- : "والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه ، أو حرم الحلال المجمع عليه ، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء ، وفي مثل هذا نزل قوله على أحد القولين: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله . ولفظ "الشرع" يقال في عرف الناس على ثلاثة معان : "الشرع المنَزَّل" : وهو ما جاء به الرسول ، وهذا يجب اتباعه ومن خالفه وجبت عقوبته. والثاني: "الشرع المؤَوَّل" : وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه ، فهذا يسوغ اتباعه ، ولا يجب ، ولا يحرم .وليس لأحد أن يلزم عموم الناس به ، ولا يمنع عموم الناس منه. والثالث: "الشرع المُبَدَّل" : وهو الكذب على الله ورسوله ، أو على الناس بشهادات الزور ونحوها ، والظلم البين ؛ فمن قال: إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع ، كمن قال: إن الدم والميتة حلال ولو قال: هذا مذهبي ونحو ذلك." ا.هـ . فبين شيخ الإسلام -رحمه الله- أن التبديل الذي يخرج من الملة ما كان عن استحلال . فإنه عقب على قوله: "والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه ، أو حرم الحلال المجمع عليه ، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء" بآية الحكم وقيد الكفر فيها بالاستحلال فقال: "وفي مثل هذا نزل قوله على أحد القولين: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} أي: هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله .". وهذا يوافق ما بَيَّنَه أبو بكر بن العربي من معنى التبديل حيث قال -رحمهُ اللهُ- : "إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين"( ) وفي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إشارة واضحة أن الآية فيها قولان: القول الأول : أنها على ظاهرها وأنها في المستحل للحكم بغير ما أنزل الله. القول الثاني: أنها على غير ظاهرها وأن المراد بالكفر هنا : كفر دون كفر كما ورد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- وعن غيره من التابعين. فجعل شيخ الإسلام -رحمه الله- مرد التبديل الذي يخرج من الملة إلى الحكم بغير ما أنزل الله ، وهو لا يخرج من الملة إلا بالاستحلال كما أجمع عليه السلف . قال حافظ المغرب الإمام ابن عبد البر -رحمه الله-: "وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالما به رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف ، وقال الله عز وجل: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} وَ {الظالمون} وَ {الفاسقون} نزلت في أهل الكتاب. قال حذيفة وابن عباس: وهي عامة فينا. قالوا: ليس بكفر ينقل عن الملة إذا فعل ذلك رجل من أهل هذه الأمة حتى يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. روي هذا المعنى عن جماعة من العلماء بتأويل القرآن منهم ابن عباس وطاوس وعطاء وقال الله عز وجل: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً} والقاسط: الظالم الجائر"(13) فآية الحكم عامة في المبدل وغيره ، عامة في الحاكم وفي المحكوم ، عامة في الفرد والطائفة . والتفصيل عند أهل السنة لا يخرج عن قولين أشار إليهما شيخ الإسلام ، وحكاهما غيره من أهل العلم في تفاسيرهم وهما: القول الأول: أنها في المستحل للحكم بغير ما أنزل الله . واختلفت تعبيرات السلف في حكاية هذا القول: فمنهم من قال: نزلت في أهل الكتاب أو الكفار وهذا مبناه على الاستحلال ، أو الجحود لأنه واقع الكفار ومن ذكر من أهل الكتاب في الآيات قبلها . وممن قال بِنُزُولها في الكفار البراء بن عازب كما في صحيح مسلم(14) وقتادة والضحاك وغيرهما وهذا ترجيح الطبري . ومنهم من قال: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله أي معتقداً ذلك ومستحلاً له كما بينه القرطبي وعزا القول بالعموم لابن مسعود والحسن وهو مروي عن السدي وإبراهيم النخعي. ونحوه رواية عن ابن عباس وهو قول عكرمة وغيره والقول الثاني: كفر دون كفر ، أو ليس بكفر ينقل عن الملة كما يقوله ابن عباس وغيره من التابعين . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : "وأما "الشرع المبدَّل" فمثل الأحاديث الموضوعة والتأويلات الفاسدة والأقيسة الباطلة والتقليد المحرم فهذا يحرم أيضا ، وهذا من مثار النِّزاع فإن كثيراً من المتفقهة والمتكلمة قد يوجب على كثير من المتصوفة والمتفقرة اتباع مذهبه المعين ، وتقليد متبوعه ، والتزام حكم حاكمه باطناً وظاهراً ، ويرى خروجه عن ذلك خروجاً عن الشريعة المحمدية ، وهذا جهل منه وظلم ، بل دعوى ذلك على الإطلاق كفر ونفاق . كما أن كثيراً من المتصوفة والمتفقرة يرى مثل ذلك فى شيخه ومتبوعه، وهو فى هذا نظير ذلك. وكل من هؤلاء قد يسوغ الخروج عما جاء به الكتاب والسنة لما يظنه معارضاً لهما؛ إما لما يسميه هذا ذوقاً ووجداً ومكاشفات ومخاطبات، وإما لما يسميه هذا قياساً ورأياً وعقليات وقواطع . وكل ذلك من شعب النفاق ، بل يجب على كل أحد تصديق الرسول فى جميع ما أخبر به ، وطاعته فى جميع ما أمر به ، وليس لأحد أن يعارضه بضرب الأمثال ، ولا بآراء الرجال ، وكل ما عارضه فهو خطأ وضلال". وينبغي التنبه إلى هذا الكلام من شيخ الإسلام -رحمه الله- وأن لا يغيب عن أذهاننا أنه عايش التتار وعرفهم ، وبَيَّن في غيرما موضع أنهم يحكمون بالياسق ، فهو يتحدث عن واقع موجود مشاهد حاله كالحال في زماننا هذا ليس غير . فشيخ الإسلام -رحمه الله- ذكر "الشرع المبدَّل" وهو يعني ما يقول فيشمل القوانين الوضعية"الشرع المبدل" التي كان يحكم بها التتر ، ويشمل "الشرع المبدَّل" الذي يوجد عند طوائف من المتصوفة وقد يكون أشد كفراً مما هو في الياسق . وتنبه إلى أن شيخ الإسلام -رحمه الله- أدخل في "الشرع المبدل" الأحاديث المكذوبة ، والتأويلات الفاسدة ، والأقيسة الباطلة ، والتقليد المحرم ؛ كلها من "الشرع المبدل" ، ومع ذلك لا يكفر صاحبها إلا إذا نسبها إلى الشرع -كما في الأحاديث المكذوبة- ثم يعاند في ذلك بعد علمه فيخرج من الملة بلا نزاع . وانظر إلى قول شيخ الإسلام -رحمه الله- : "وهذا من مثار النِّزاع فإنَّ كثيراً من المتفقهة والمتكلمة قد يوجب على كثير من المتصوفة والمتفقرة اتباع مذهبه المعين ، وتقليد متبوعه ، والتزام حكم حاكمه باطناً وظاهراً ، ويرى خروجه عن ذلك خروجاً عن الشريعة المحمدية ، وهذا جهل منه وظلم ، بل دعوى ذلك على الإطلاق كفر ونفاق". فهؤلاء المتصوفة ونحوهم يبدلون الشرع بآرائهم الفاسدة ، وأقيستهم الباطلة ، وبالوجد ، والذوق ، ويوجبون التزام شرعهم المبدَّل ظاهراً وباطناً ، ويرون الخروج عن شريعتهم خروجاً عن الشريعة المحمدية ، فهؤلاء لاشك في أنهم وقعوا في الشرك الأكبر وخرجوا من الإسلام . والناظر في واقع المطبقين للشريعة المبدَّلة بتحكيم القوانين الغربية يجد قليلاً منهم من يكون مثل هؤلاء، بل لا يوجد أحد من أولئك الحكام -على تنوع مذاهبهم ودياناتهم- يرى أن مخالفة دساتيرهم وقوانينهم خروجاً عن الشريعة المحمدية . بل بعضهم يعلم ويصرح أنه مخالف للشريعة المحمدية ، ولكنه يظن أنه لا يستطيع أنه يحكم بالشريعة المحمدية لما عنده من الهوى أو النفاق أو الزندقة أو الكفر الأكبر . وليس في ما سبق عذر لمن يحكم بالشرع المبدل ، ولا تبرير له ، بل هو باطل ، وبعضه كفر وردة ، وبعضه فسق وظلم . وإنما ذكرت ذلك مقارنة لمن كان من أهل السلطة والنفوذ ويحكم بِـ"الشرع المبدَّل" ويعاقِبُ عليه قبل زماننا بقرون طويلة . ومما سبق يظهر أن "الشرع المبدَّل" عند أهل العلم ليس شيئاً واحداً بمعنى أنه الحكم بالقوانين الوضعية المأخوذة من الغرب ، وكذلك حكمه ليس واحداً ولا إجماعياً بل فيه تفصيل عند أهل السنة . قال شيخ الإسلام -رحمه الله- : "وأما "الشرع المبدَّل" فهو الأحاديث المكذوبة ، والتفاسير المقلوبة ، والبدع المضلة التى أدخلت فى الشرع وليست منه ، والحكم بغير ما أنزل الله ، فهذا ونحوه : لا يحل لأحد اتباعه"(16) تنبه إلى تفصيل شيخ الإسلام في "الشرع المبدَّل" ، فَـ"الشرع المبدَّل" صنوف وألوان . والحكم بغير ما أنزل الله مطلقاً لا شك في أنه تبديل ، وأنه "شرع مبدَّل" سواء كان مكتوباً أو لم يكن كذلك ، سواء ألزم به المظلوم أم لم يلزمه . ومعلوم أن القاضي لما يبدل الشرع ويحكم بغير ما أنزل الله فإنه يلزم المظلوم بالحكم . ومع ذلك فإجماع العلماء على عدم كفر هذا القاضي إلا إذا استحل . ومن أقوال العلماء في بيان "الشرع المبدَّل" ما ذكره ابن القيم -رحمه الله- في "إعلام الموقعين" حيث جعل جواز نكاح المحلل من "الشريعة المبدَّلة" بل فضَّلَ شرعة اليهود والنصارى على تلك "الشرعة المبدَّلة" . ومع ذلك فلم يكفر أحد من العلماء أصحاب المذهب الحنفي لتجويزهم نكاح المحلل ! قال شيخ الإسلام ابن القيم -رحمه الله-: "وأنت إذا وازنت بين هذا ، وبين الشريعتين المنسوختين ، ووازنت بينه وبين "الشريعة المبدَّلة" المبيحة ما لعن الله ورسوله فاعله ؛ تبين لك عظمة هذه الشريعة وجلالتها وهيمنتها على سائر الشرائع ، وأنها جاءت على أكمل الوجوه وأتمها وأحسنها وأنفعها للخلق ، وأن الشريعتين المنسوختين خير من "الشريعة المبدَّلة" .فإن الله سبحانه شرعهما في وقت ، ولم يشرع المبدَّلة أصلاً "(17) وإنما لم يكفر أصحاب الشريعة المبدَّلة -هنا- لوجود التأويل المانع من التكفير . وإلا من عرف حكم الله ثم نسب إلى الله خلافه ، وضده ؛ عمداً ، وعناداً ؛ فإنه كافر مرتد. وقال شيخ الإسلام ابن القيم -رحمه الله-: "وأما الحكم المبدَّل وهو الحكم بغير ما أنزل الله فلا يحل تنفيذه ، ولا العمل به ، ولا يسوغ اتباعه ، وصاحبه بين الكفر والفسوق والظلم".(18) فجعل "الحكم المبدَّل" هو الحكم بغير ما أنزل الله ، وفصَّلَ في حكم مبدِّله ومتَّبِعه ومنفذه فجعله بين الكفر والفسق والظلم . وهذا قد وضحه جلياً -رحمه الله- في "مدارج السالكين" حيث قال: "والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين ، الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم ، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة ، وعدل عنه عصياناً ، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة ؛ فهذا كفر أصغر ، وإن اعتقد أنه غير واجب ، وأنه مخير فيه مع تيقنه أنه حكم الله ، فهذا كفر أكبر ، وإن جهله وأخطأه فهذا مخطئ له حكم المخطئين".(19) وتنبه إلى أن العلامة ابن القيم عاصر التتار، وهم يحكمون بالياسق، ويَدَّعون الإسلام . وقال أبو بكر ابن العربي المالكي: "إن حكم بما عنده على أنه من عند الله ؛ فهو تبديل له يوجب الكفر ، وإن حكم به هوى ومعصية ؛ فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين".(20) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- : "وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله،وتحريم ما أحل الله، يكونون على وجهين : أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل ؛ فيعتقدون تحليل ما حرم الله ، وتحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل،فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركاً، وإن لم يكونوا يصلون لهم ، ويسجدون لهم ، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله مشركاً مثل هؤلاء . والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحليل الحلال ، وتحريم الحرام ثابتاً لكنهم أطاعوهم في معصية الله ، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص؛ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : ((إنما الطاعة في المعروف )) وقال: ((على المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية))".(21) فذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- نوعاً من أنواع المبدِّلين وهم الذين يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله وهم كفار مرتدون كما سبق بيانه من كلامه -رحمه الله- . ومع ذلك ذكر نوعين من المتبعين لأولئك المبدلين : النوع الأول: من يعتقد عقيدة المبدلين في التحريم والتحليل فهؤلاء لهم حكمهم من الكفر والردة . النوع الثاني: من لا يعتقد عقيدة المبدلين في التحليل والتحريم ، بل يعتقدون أن الحلال ما أحله الله ورسوله ، والحرام ما حرمه الله ورسوله ، ولكنهم يطيعونهم في معصية الله لهوى في نفوسهم أو لأمر آخر. فهؤلاء ليسوا كفاراً بل هم عصاة مذنبون . فتبين بما سبق نقله عن الأئمة الأعلام أن التبديل في الشرع وفي عرف العلماء -ومنهم من عاصر الحكم بالقوانين الوضعية- هو الحكم بغير ما أنزل الله . وأن تبديل الشرع يكون كفراً في حالين: الحال الأول: أن يستحل الحكم بِـ"الشرع المبدَّل" ، وهذا يكفر عيناً إذا عرف أنه مخالف لشرع الله فأصر على استحلاله ، وليس مكرهاً . الحال الثاني: أن ينسب "الشرع المبدَّل" إلى الله وشرعه ، فهذا يكفر عيناً إذا عُرِّف أنه ليس بشرع الله ، ولم يكن متأولاً ، ولا مجتهداً يسوغ له الاجتهاد. وتبين مما سبق أنه لا فرق بين من بدل حكماً أو أكثر إلا في الإثم والوزر. لكن يحسن التنبيه إلى أمر مهم جداً وهو : أن من بدل الشرع كله فهو كافر مرتد . والسبب في ذلك: أن الشرع يشمل العقائد والأحكام ، فمن بدل التوحيد بالشرك ، وبدل الشرك بالتوحيد ؛ فهو كافر مرتد بإجماع المسلمين. أما التبديل في الأمور التي لا يكفر مرتكبها فهذا فيه التفصيل السابق . والله أعلم . سئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات"آيات الحكم" فقال: إنها تقع على جميع ما أنزل الله ، لا على بعضه ، وكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله ، فهو كافر ظالم فاسق .فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد ، وترك الشرك ، ثم لم يحكم ببعض ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات ".(22). لذا يجب التنبه إلى أن من بدل الدين كله فهو كافر مرتد . بل من طبق الشرع كله وبدل التوحيد بالشرك ، وبدل الشرك بالتوحيد فهو كافر مرتد. وفي هذا المعنى : أعني تبديل الدين من الإيمان إلى الكفر- : قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((من بدل دينه فاقتلوه)).(9) قال الإمام الشافعي -رحمه الله- : "من بدل دينه أو كفر بعد إيمان فأقام على الكفر والتبديل ولا فرق بين من بدل دينه فأظهر ديناً معروفاً ، أو ديناً غير معروف".(23) وقال أبو الحسن المالكي في كفاية الطالب (1/123-124) : "ومن بدل بالارتداد وغير في العقائد كأهل الأهواء أو بالمعاصي ، لكن المبدِّل بالارتداد يخلد في النار ، والمبدِّل بالمعاصي في مشيئة الله تعالى حتى يمضي فيه مراده " فظهر مما سبق أن التبديل نوعان: النوع الأول: تبديل مخرج من الملة ، وله صور : منها: تبديل التوحيد بالشرك فهذا تبديل مخرج من الملة ولا يشترط فيه الاستحلال ، وسواء صدر من الفرد أو من الجماعة ، وسواء صدر من حاكم أو محكوم .وهذه الصورة متفق على أنَّها كفر وردة. ومنها: تبديل كل الشرع أو بعضه ونسبة ذلك التبديل إلى الله فهذا كفر وردة ، أما تكفير المعين فبعد توفر الشروط وانتفاء الموانع . ومنها: تبديل كل الشرع أو بعضه معاندة للشرع ومعارضة له أو استكباراً فهذا كفر وردة بالإجماع . ومنها: تبديل كل الشرع أو بعضه استخفافاً بالشرع واستهانة به فهذا كفر وردة بالإجماع . ومنها: تبديل كل الشرع أو بعضه استحلالاً لهذا التبديل واعتقاد جوازه فهذا كفر وردة ولايكفر المعين إلا بعد توفر الشروط وانتفاء موانعه. النوع الثاني: تبديل لا يخرج من الملة ، وله صور : منها: تبديل بسبب تأويل أو اجتهاد سائغ فهذا صاحبه معذور إذا استفرغ وسعه في البحث والنظر . ومنها: تبديل بعض الشرع لهوى أو شهوة أو خوفاً من أناس آخرين فهذا فسق وفجور إذا لم يقترن به معاندة للشرع أو معارضة أو بغض أو استكبار أو إنكار أو استحلال . |
وأنبه أخيراً إلى قضية مهمة وهي:
أن بعض الناس حكى أن كفر الحاكم المبدل للشريعة الإسلامية بمزيج من القوانين بعضها مأخوذ من الشرع ، وبعضها مأخوذ من القوانين الغربية كالفرنسية والبريطانية فهذه المسألة قد اختلف فيها العلماء المعاصرون على قولين: القول الأول للعلماء المعاصرين : أن من حكم بتلك القوانين الوضعية فهذا مبدل تبديلاً يخرج من الإسلام بمجرد الفعل بلا قرينة أخرى . وهؤلاء العلماء جعلوا مجرد تحكيم القوانين الوضعية كفراً أكبر لا يصدر إلا من كافر مرتد أو بعبارة أخرى: لا يصدر إلا ممن يعتقد أن تلك القوانين أفضل من الشريعة الإسلامية . فهؤلاء العلماء جعلوا تحكيم القوانين من الكفر الاعتقادي أو من الكفر العملي الذي يخرج من الملة . منهم: الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم -رحمه الله- حيث قال : " من الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافراً ، ولا يكون كافراً ، بل هو كافر مطلقاً ، إما كفر عمل، وإما كفر اعتقاد".(25) ثم ذكر خمسة أنواع للكفر الاعتقادي المخرج من الملة قال -في الخامس منها-: "الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه ، ومشاقة لله ولرسوله ، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية ، إعداداً وإمداداً وإرصاداً وتأصيلاً وتفريعاً وتشكيلاً وتنويعاً وحكماً وإلزاماً ومراجع ومستندات ، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات ، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى وقوانين كثيرة كالقانون الفرنسي ، والقانون الأمريكي ، والقانون البريطاني ، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك . فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيأة مكملة ، مفتوحة الأبواب ، والناس إليها أسراب إثر أسراب ، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب من أحكام ذلك القانون ، وتلزمهم به ، وتقرهم عليه ، وتحتمه عليهم . فأي كفر فوق هذا الكفر، وأي مناقضة للشهادة بأن محمداً رسول الله بعد هذه المناقضة"(26). فتنبه إلى أن الشيخ محمد بن إبراهيم قسم الكفر إلى كفرين : كفر عملي ، وكفر اعتقادي تماماً كما فعل الشيخ الألباني -رحمه الله- في رسالة "التحذير من فتنة التكفير" إلا أن الشيخ الألباني -رحمه الله- جعل كفر المبدلين من الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة ، والشيخ محمد بن إبراهيم جعله من الكفر الاعتقادي وهو مخرج من الملة. فالتأصيل عندهما واحد والخلاف في الحكم والنتيجة فقط ، وقد أخطأ الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمَهُ اللهُ- كما قال الشيخ ابن باز -رحمَهُ اللهُ- وسيأتي مزيد بيان لذلك -إن شاء الله تعالى-. ومنهم الشيخ محمد ابن عثيمين -رحمه الله- -في قولٍ له قديم تراجع عنه- حيث قال: "أما بالنسبة لمن وضع قوانين تشريعية مع علمه بحكم الله وبمخالفة هذه القوانين لحكم الله ، فهذا قد بدل الشريعة بهذه القوانين ، فهو كافر لأنه لم يرغب بهذا القانون عن شريعة الله إلا وهو يعتقد أنه خير للعباد والبلاد من شريعة الله "(27) فجعل الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- الحكم بالقوانين الوضعية كفراً أكبر بشرط علمه بحكم الله؛ لأنه لا يصدر إلا من شخص يعتقد أن القانون الوضعي خير للعباد والبلاد من شريعة الله. وهناك غيرهما من العلماء نصوا كما ينص الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ ابن عثيمين -رحمَهُما اللهُ- كالشيخ عبد الرزاق عفيفي -رحمَهُ اللهُ- ، وكذلك الشيخ الفوزان إلا أنه خصَّه فيمن ينحي الشريعة كاملة وسيأتي نقله -إنْ شَاءَ اللهُ تَعالَى-. القول الثاني -وهو الصواب-: أن من حكم بتلك القوانين الوضعية فهذا مبدل تبديلاً لا يخرج من الإسلام بمجرد الفعل بل بقرينة أخرى كاستحلال أو استكبار أو معاندة للشرع أو نحو ذلك . فهؤلاء العلماء جعلوا تحكيم القوانين من الكفر العملي الذي لا يخرج من الملة . منهم الشيخ ابن باز -رحمه الله- وأقواله في هذا الباب كثيرة مشهورة منها: سئل سماحته : هل تبديل القوانين يعتبر كفراً مخرجاً من الملة ؟ فأجاب -رحمه الله-: "إذا استباحه . إذا استباح حكم بقانون غير الشريعة يكون كافراً كفراً أكبر إذا استباح ذلك ، أما إذا فعل ذلك لأسباب خاصة عاصياً لله من أجل الرشوة ، أو من أجل إرضاء فلان أو فلان ، ويعلم أنه محرم يكون كفراً دون كفر . أما إذا فعله مستحلاً له يكون كفراً أكبر . كما قال ابن عباس في قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، {الظالمون} ،{الفاسقون} . قال : ليس كمن كفر بالله ، ولكن كفر دون كفر . أي إذا استحل الحكم بقانون ، أو استحل الحكم بكذا ، أو كذا غير الشريعة يكون كافراً ، أما إذا فعله لرشوة أو لإتاوة بينه وبين المحكوم عليه ، أو لأجل إرضاء بعض الشعب ، أو ما أشبه ذلك فهذا يكون كفراً دون كفر . " ثم سئل سماحته : هل هناك فرق بين التبديل وبين الحكم في قضية واحدة ؟! يعني في فرق في هذا الحكم بين التبديل ككل والحكم في قضية واحدة ؟ التبديل يا شيخ ؟ فقال سماحته -رحمه الله - : "إذا كان لم يقصد بذلك الاستحلال ، وإنما حكم بذلك لأجل أسباب أخرى يكون كفراً دون كفر ، أما إذا قال : لا حرج بالحكم بغير ما أنزل الله ، وإن قال الشريعة أفضل، لكن إذا قال ما في حرج مباح يكفّرُ بذلك كفراً أكبر ، سواءٌ قال إن الشريعة أفضل ، أو مساوية ، أو رأى أفضل من الشريعة كله كفر . ". ثم سئل: يعني هذا الحكم يشمل التبديل وعدم التبديل يعني يشمل كل الأنواع ؟ فقال سماحته -رحمه الله- : جميع الصور في جميع الصور . لكن يجب أن يمنع ، ويجب منع ذلك ، وهو كفر دون كفر ولو قال ما قصدت ولو قال ما استحليته بيني وبين فلان عداوة أو رشوة يجب أن يمنع ، فلا يجوز لأحد أن يحكم بغير ما أنزل الله مطلقاً ، ولو كان بينه وبين المحكوم عليه عداوة أو لأسباب أخرى يجب المنع من ذلك يجب على ولي أمره أن يمنعه من ذلك ، وأن يحكم بشرع الله . ". فكلام الشيخ ابن باز -رحمه الله- ظاهر في أنه لا يرى الحكم بالقوانين الوضعية كفراً مخرجاً من الملة بل لابد من الاستحلال . لذلك نجد الشيخ ابن باز مُوَقِّعاً على فتوى للجنة الدائمة هو والشيخ الغديان والشيخ ابن قعود: جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: " والتحاكم يكون إلى كتاب الله وإلى سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإن لم يتحاكم إليهما مستحلاً التحاكم إلى غيرهما من القوانين الوضعية بدافع طمع في مال أو جاه أو منصب فهو مرتكب معصية وفاسق فسقاً دون فسق ولا يخرج من دائرة الإيمان" .(28) ومنهم : الشيخ ابن عثيمين في قول من آخر أقواله -رحمه الله- حيث قال " لكن كلامنا على العمل ، وفي ظني أنه لا يمكن لأحد أن يطبق قانوناً مخالفاً للشرع يحكم فيه بعباد الله إلا وهو يستحله ويعتقد أنه خير من قانون الشرع ، هذا هو الظاهر . وإلا فما الذي حمله على ذلك ؟ قد يكون الذي يحمله على ذلك خوف من أناس آخرين أقوى منه إذا لم يطبقه ، فيكون هنا مداهناً لهم ، فحينئذ نقول : إن هذا كالمداهن في بقية المعاصي" (29) فالشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- ذكر في مطلع كلامه أن في ظنه أنه لا يحكم بالقانون الوضعي إلا وهو يستحل ويعتقد أنه خير من قانون الشرع ويرى أنه الظاهر . ثم استدرك على نفسه -رحمه الله- بسؤال عن الحامل لهم على تحكيم القوانين إذا لم يكن الاستحلال واعتقاد أنه خير من الشرع؟ فأجاب نفسَهُ بِنَفْسِهِ : باحتمال أنه قد يحكم بالقوانين الوضعية خوفاً من أناس آخرين أقوى منه إذا لم يطبقه ، فيكون حينئذ مداهناً كالمداهن في بقية المعاصي . إن هذا الاحتمال الذي ذكره الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- هو الذي يحمل كثيراً من العلماء على عدم الجزم بأن من يحكم بالقوانين لابد أن يكون مستحلاً للحكم بها أو معتقداً جواز الحكم بها فضلاً عن جعلها خيراً من شريعة الإسلام . وغيرهم من العلماء كالشيخ العلامة الألباني والشيخ مقبل الوادعي والشيخ ربيع المدخلي وغيرهم من العلماء المعاصرين . وممن أثبت الخلاف الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله- حيث سئل: هذا يسأل عن حكم الشريعة في الحاكم الذي يُحكم القوانيين الوضعية الفرنسية مع العلم أنه يدعي الإسلام ويصلي ويصوم ويحج، ماذا يقال عنه؟ فأجاب -حفظه الله- : "إذا اعتقد الجواز، إذاكان يعتقد أنه يجوز الحكم بالقوانين الفرنسية ، فإنه كافر. إذا اعتقد أنه يجوز له أما إذا لم يعتقد هذا أو كان له شبهة فلابد من قيام الحجة عليه. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا غير الدين في جميع أمور الدولة فإنه يكون كافراً لأنه بدل الدين وذهب إلى هذا الحافظ بن كثير -رحمه الله- في تفسيره والشيخ محمد بن ابراهيم -رحمه الله- في رسالة تحكيم القوانين قال: إذا بدل الدين كله رأساً على عقب في جميع شؤون الدولة في كل شيء لا في البعض فإنه يكون كافراً لأنه بدل الدين. وقال آخرون أنه لابد أيضاً من قيام الحجة عليه لأنه قد يكون جاهلاً أو عنده شبهة، اختار هذا سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز عليه رحمة الله عليه والله الموفق". وقال ابن حزم في المحلى(11/202) : "فقد صح أنَّ ههنا نفاقاً لا يكون صاحبه كافراً ، ونفاقاً يكون صاحبه كافراً، فيمكن أن يكون هؤلاء الذين أرادوا التَّحاكم إلى الطاغوت لا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- مظهرين لطاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عصاة بطلب الرجوع في الحكم إلى غيره معتقدين لصحة ذلك لكن رغبة في اتباع الهوى فلم يكونوا بذلك كفاراً، بل عصاة، فنحن نجد هذا عياناً عندنا، فقد ندعو نحن عند التحاكم إلى القرآن وإلى سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الثابت عنهم بإقرارهم، فيأبون ذلك، ويرضون برأي أبي حنيفة ومالك والشافعي، هذا أمر لا ينكره أحد، فلا يكونون بذلك كفاراً، فقد يكون أولئك هكذا حتى إذا بين الله تعالى أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما شجر بينهم وجب أن من وقف على هذا قديماً وحديثاً ، وإلى يوم القيامة فأبى وعَنَدَ فهو كافر". والصواب الذي دلت عليه الأدلة ، وهو الموافق لإجماع السلف: أن الحكم بالقوانين الوضعية منكر عظيم وفعل شنيع صاحبه دائر بين الكفر والفسق والظلم . والحكم بما أنزل الله هو من خصائص الربوبية والألوهية لا شك في ذلك . وهذا المنكر-أعني الحكم بغير ما أنزل الله- واقع فيه كثير من الناس من حكام وقضاة ودعاة وعلماء وموظفين وتجار وآباء وأمهات . ويجب تطهير المجتمع من صور الحكم بغير ما أنزل الله بشتى صوره . سواء كان وقوعه من الحكام أو المحكومين . ونحن نشكر كل من يحذر من تحكيم غير الشرع ونسانده وندعوا له . لكن لا يفرط تفريط المرجئة ولا يفرط إفراط الخوارج . فالمرجئة يرون أن الحاكم مهما حكم بغير ما أنزل الله ومها ظلم الناس أنفسهم ولم يحكموا شرع الله في أنفسهم فهم مؤمنون كاملوا الإيمان!! وهذا تفريط شنيع . والخوارج يرون أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر مخرج من الملة بشتى صوره وأشكاله . وأما أهل السنة فهم وسط بين تفريط المرجئة وإفراط الخوارج . فيفصلون في هذه المسألة ويقولون: الحكم بغير ما أنزل في الأصل من كبائر الذنوب ومن المفسقات لا من المكفرات . ولكن قد يقترن بمن حكم بغير ما أنزل الله قرائن تنقله من الفسق إلى الكفر أو تدخل عليه دواخل تخرجه من الإسلام منها: 1- استحلال الحكم بغير ما أنزل الله . 2- الاستكبار عن حكم الله . 3- الاستهزاء بشرع الله . 4- معاندة حكم الله ومشاققته بلا جهل ولا شبهة . والقول بتكفير من يحكم بالقوانين الوضعية مطلقاً يلزم منه تكفير جميع أهل البدع دون تفصيل، ومتعصبة المذاهب وهذا باطل. وجميع أهل البدع ومتعصبة المذاهب الذين يقدمون أقوال الرجال على الكتاب والسنة وما عليه السلف الصالح يدخلون في تحكيم القوانين الوضعية، ولم يكفرهم أحد إلا بقرينة كاستحلال أو استكبار أو إنكار أو استخفاف بالشرع. قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله- في تيسير العزيز الحميد (ص/544-545) : "فإذا كان هذا كلام ابن عباس لمن عارضه بأبي بكر وعمر وهما هما فماذا تظنه يقول لمن يعارض سنن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بإمامه وصاحب مذهبه الذي ينتسب إليه؟! ويجعل قوله معياراً على الكتاب والسنة ، فما وافقه قبله ، وما خالفه رده أو تأوله فالله المستعان . وما أحسن ما قال بعض المتاخرين" قلت: هو الصنعاني صاحب سبل السلام" : فإن جاءهم فيه الدليل موافقاً لما كان للآبا إليه ذهاب رضوه وإلا قيل: هذا مؤول ويُركب للتأويل فيه صعاب ولا ريب أن هذا داخل في قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} الآية." انتهى كلام الشيخ سليمان. وقال الشيخ سليمان آل الشيخ -رحمه الله- أيضاً (ص/548) : "فإن قلت: فماذا يجوز للإنسان من قراءة هذه الكتب المصنفة في المذاهب؟ قيل: يجوز من ذلك قراءتها على سبيل الاستعانة بها على فهم الكتاب والسنة ، وتصوير المسائل ، فتكون من نوع الكتب الآلية. أما أن تكون هي المقدمة على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- الحاكمة بين الناس فيما اختلفوا فيه ، المدعو إلى التحاكم إليها دون التحاكم إلى الله والرسول -صلى الله عليه وسلم- فلا ريب أن ذلك مناف للإيمان مضاد له كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً}. فإذا كان التحاكم عند المشاجرة إليها دون الله ورسوله ثم إذا قضى الله ورسوله أمراً وجدت الحرج في نفسك ، وإن قضى أهل الكتاب بأمر لم تجد فيها حرجاً ثم إذا قضى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأمر لم تسلم له ، وإن قضوا بأمر سلمت له ؛ فقد أقسم الله تعالى سبحانه -وهو أصدق القائلين- بأجل مقسم به ، وهو نفسه تبارك وتعالى ؛ أنك لست بمؤمن والحالة هذه. وبعد ذلك فقد قال الله تعالى: {بل الإنسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره}. ". انتهى كلام الشيخ سليمان. وقال الشيخ سليمان-أيضاً- (ص/553-554) : " قوله : "وعبادة الأحبار هي العلم والفقه" أي: هي التي تسمى اليوم العلم والفقه المؤلف على مذاهب الأئمة ونحوهم ، فيطيعونهم في كل ما يطيعونه سواء وافق حكم الله أم خالفه ، بل لا يعبأون بما خالف ذلك من كتاب وسنة ، بل يردون كلام الله وكلام رسوله لأقوال من قلدوه . ويصرحون بأنه لا يحل العمل بكتاب ولا سنة ، وأنه لا يجوز تلقي العلم والهدى منهما وإنما العلم والفقه والهدى عندهم هو ما وجدوه في هذه الكتب . بل أعظم من ذلك وأطم رمي كثير منهم كلام الله وكلام رسوله بأنه لا يفيد العلم ولا اليقين في باب معرفة أسماء الله وصفاته وتوحيده ، ويسمونها : ظواهر لفظية ، ويسمون ما وضعه الفلاسفة المشركون : القواطع العقلية ، ثم يقدمونها في باب الأسماء و الصفات والتوحيد على ما جاء من عند الله ، ثم يرمون من خرج عن عبادة الأحبار والرهبان إلى طاعة رب العالمين ، وطاعة رسوله، وتحكيم ما أنزل الله في موارد النزاع بالبدعة أو الكفر وقوله: "ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من ليس من الصالحين" وذلك كاعتقادهم في كثير ممن ينتسب إلى الولاية من الفساق والمجاذيب . وقوله: "وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين" وذلك كاعتقادهم العلم في أناس من جهلة المقلدين فيحسنون لهم البدع والشرك فيطيعونهم ، ويظنون أنهم علماء مصلحون {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون}". انتهى كلام الشيخ سليمان آل الشيخ -رحمه الله-. |
تنبيهات على أمور مهمة:
الأمر الأول: أن كلام أولئك العلماء منَزَّل على الدول التي تحكم بالقوانين الوضعية وتنحي الشريعة الإسلامية تنحية كاملة. فعليهم ينطبق كلام من يكفر "المبدِّل" للشريعة الإسلامية بالقوانين الوضعية ، ولكن لا يجوز تكفير المعين حتى يطبق شروط التكفير ويتبين من انتفاء موانعه . سئل شيخنا العلامة محمد الصالح ابن عثيمين : فضيلة الشيخ ، هناك قضية تثار الآن حول كفر الذين يحكمون بالقوانين الوضعية ، ويستدل أصحاب هذا الرأي بفتواكم -حفظكم الله- في المجموع الثمين بأن هذا كفر وأنه واضح لأنه تبديل لشرع الله، كذلك ينسب هذا إلى الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله- . فالسؤال هنا : هل يلزم اعتبار موانع التكفير أو ما اشترطه أهل السنة والجماعة في إقامة الحجة على من حكم بغير ما أنزل الله تشريعا عاما ، جزاكم الله خيرا ؟ فأجاب -رحمه الله-: " كل إنسان فعل مكفراً فلابد ألا يوجد فيه مانع التكفير، ولهذا جاء في الحديث الصحيح لما سألوه عن منابذة الحاكم قال: " لا ، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان" ، فلابد من الكفر الصريح المعروف الذي لا يحتمل التأويل ، فإن كان يحتمل التأويل فإنه لا يكفر صاحبه ، وإن قلنا: إنه كفر . فيفرق بين القول والقائل ، وبين الفعل والفاعل ، قد تكون الفعلة فسقا ولا يفسق الفاعل لوجود مانع يمنع من تفسيقه، وقد تكون كفراً ولا يكفر لوجود مانع يمنع من تكفيره ، وما ضرّ الأمة الإسلامية في خروج الخوارج إلا هذا التأويل ، فالخوارج كانوا مع علي بن أبي طالب على جيش أهل الشام ، فلما حصلت المصالحة بين علي بن أبي طالب وأهل الشام ، خرجت الخوارج الذين كانوا معه عليه حتى قاتلهم وقتلهم والحمد لله ، لكن الشاهد أنهم قالوا: حكمت بغير ما أنزل الله ؛ لأنك حكمت البشر فخرجوا عليه . فالتأويل الفاسد هو بلاء الأمة ؛ فقد يكون الشيء كفراً فيعتقد هذا الإنسان أنه كفر بواح فيخرج ، وقد يكون الشيء كفراً لكن الفاعل ليس بكافر ، لوجود مانع يَمْنَعُه من تكفيره ، فيعتقد هذا الخارج أنه لا عذر له فيخرج . ولهذا يجب على الإنسان التحرز من التسرع في تكفير الناس أو تفسيق الناس ، ربما يفعل الإنسان فعلا فسقا لا شك فيه ، لكنه لا يدري ، فإذا قلت يا أخي هذا حرام ، قال: جزاك الله خيرا ، وانتهى عنه، إذن كيف أحكم على إنسان إنه فاسق دون أن تقوم عليه الحجة ، فهؤلاء الذين تشير إليهم ، من حكام العرب والمسلمين قد يكونون معذورين لم تتبين لهم الحجة، أو بينت لهم وجاءهم من يلبس عليهم ويشبه عليهم . فلابد من التأني في الأمر ، ثم على فرض أننا رأينا كفرا بواحا عندنا فيه من الله برهان، وكلمة: رأينا شرط ، وكفرا شرط، وبواحا شرط ، وعندنا فيه من الله برهان شرط أربعة شروط . فقول: " أن تروا " أي تعلمون يقينا احترازا من الشائعات التي لا حقيقة لها . وكلمة: " كفرا " احترازا من الفسق ، يعني لو كان الحاكم فاسقاً فاجراً، لكن لم يصل إلى حد الكفر فإنه لا يجوز الخروج عليه . الثالث: " بواحا " أي صريحا ما يحتمل التأويل وقيل البواح: المعلن . والرابع: " عندنا فيه من الله برهان " يعني ليس صريحا في أنفسنا فقط ، بل نحن مستندون على دليل واضح قاطع . هذه الشروط الأربعة شرط لجواز الخروج ، لكن يبقى عندنا شرط خامس لوجوب الخروج وهو : هل يجب علينا إذا جاز لنا أن نخرج على الحاكم ، هل يجب علينا أن نخرج ؟ ينظر للمصلحة ، إن كنا قادرين على إزالته ؛ فحينئذ نخرج ، وإذا كنا غير قادرين فلا نخرج ، لأن جميع الواجبات الشرعية مشروطة بالقدرة والاستطاعة . ثم إذا خرجنا فقد يترتب على خروجنا مفسدة أكبر وأعظم مما لو بقي هذا الرجل على ما هو عليه ، لأننا إذا خرجنا ثم ظهرت العزة له، صرنا أذلة أكثر، وتمادى في طغيانه وكفره أكثر، فهذه المسائل تحتاج إلى تعقل، وأن يقترن الشرع بالعقل. وأن تبعد العاطفة في هذه الأمور ، فنحن محتاجون للعاطفة لأجل تحمسنا ، ومحتاجون للعقل والشرع حتى لا ننساق وراء العاطفة التي تؤدي إلى الهلاك" انتهى كلام الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-(30) وهذا الذي ذكره الشيخ ابن عثيمين -رحمَهُ اللهُ- هو الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة . فمن كفر أعيان الحكام [الذين] بدون تطبيق شروط التكفير وانتفاء موانعه فقد خالف سبيل المؤمنين، وسلك سبيل الخوارج ، وهو خارجي ضال . ولا ينفعه احتجاجه بكلام الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمَهُ اللهُ- أو غيره لأنهم وإن حكموا بكفر من يحكم القوانين الوضعية بإطلاق فإنهم لم يكفروا الأعيان كما يفعله الخوارج في هذا الزمان. وبنحو ذلك صرَّح معالي الشيخ صالح بن فوزان الفوزان حيث سئل -حفظهُ اللهُ- : "بعض الناس فهم من كتابكم كتاب التوحيد الذي هو من تأليفكم حول قضية الحاكمية؛ الحكم بغير ما أنزل الله بأنكم تكفّرون الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله بعينه و يُنْزِلون هذا الكلام على حكام الخليج!" فأجاب الشيخ -حفظهُ اللهُ- "أهل الهوى ، أهل الهوى . الكلام واضح ، ما فيه عليه إشكال ، الكلام واضح، و فيه تفصيل مذكور. وأقول بعد ذلك: إن الذي يزيح الشريعة نهائياً و يجعل مكانها القانون؛ هذا دليل على أنه يرى أن القانون أحسن من الشريعة و من رأى هذا الرأي فهو كافر ، ما فيه شك. لكن هم يأخذون حسب فهمهم الذي يصلح لهم، و يتركون بقية الكلام، و إلاّ لو قرؤوا الكلام من أوّله، لاتَّضَح" ثم قال: "من أزاح الشريعة وجعل مكانها القانون؛ فهذا دليل على أنه يرى أن القانون أحسن من الشريعة ، ومن كان يرى أنّ القانون هو أحسن من الشريعة فهو كافر ". ثم سئل -حفظهُ اللهُ- : فيه فرق يا شيخنا بين التعيين و بين الحكم العام؟ فأجاب الشيخ -حفظهُ اللهُ- : نعم . ثم قال -حفظهُ اللهُ- : "لو كفرّوا حكام الخليج، فماذا يسوّون؟! هذا إصلاح؟! تكفير حكّام الخليج؛ هل هو من الإصلاح؟! هذا ما هو بإصلاح ، هذا من إثارة الفتنة". الأمر الثاني: أن الدولة السعودية -حَرَسَهَا اللهُ- لا تدخل فيمن بدل الشرع، أو حكم القوانين الوضعية ، بل هي تحكم بالشريعة ملتزمة بذلك . وما فيها من القوانين التي يُظَنّ أنها تخالف الشرع فهي إنما وضعت عن اجتهاد منهم في كون ما قننوه هو من المصالح المرسلة ، ومما لا يخالف الشرع ، أو مما تدفع به شراً أعظم مع ارتكاب شر أقل (قاعدة ارتكاب أخف الضررين) ، أو نحو ذلك من الأمور التي لا تخرج عن الخطأ والغلط والاختلاف في الاجتهاد. ولا يظهر من الحكومة السعودية -أيدها الله ونصر بها دينه- معاندة للشرع ولا استخفافٌ به ، ولا استحقارٌ ، ولا استحلالٌ للحكم بغير الشرع ، ولا استكبارٌ عن الحكم بالشرع بل هم يطبقون الشرع ولا يخرج خطؤهم عن خطأ غيرهم من الملوك والخلفاء السالفين من بعد الخلفاء الراشدين ومعاوية وعبد الله بن الزبير -رضي الله عنهم- وعمر بن عبد العزيز -رحمه الله- . بل قد وجد في دول إسلامية سابقة ما هو تقنين وضعي ومع ذلك لم يكفرهم أحد من أهل السنة . ففي حكم الخلافة العباسية في مصر (دولة المماليك) كانت الخمور تباع علناً بل وتأخذ الدولة منها المكوس! وكذلك كان السلطان الملك المجاهد الظاهر بيبرس البندقداري الذي فتح كثيراً من المدن والقلاع والحصون وطهرها من الفرنج وكانت له اليد البيضاء في معركة عين جالوت كان يحكم بالياسق مع حكمه بالشرع في أكثر أموره . قال المؤرخ المشهور يوسف بن تغري بردي في كتابه النافع "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة"(7/182) : "كان الملك الظاهر -رحمه الله- يسير على قاعدة ملوك التتار وغالب أحكام جنكزخان من أمر "اليسق والتورا"". ولا أعلم أحداً من أهل العلم كفره بذلك . نعم الحكم بالياسق معتقداً جواز تحكيمه أو معاندة للشرع فهذا كفر وردة . وكذلك في عهد السلطان محمد الفاتح بن مراد بك العثماني فاتح القسطنطينية كان يحكم بالياسق وبدل بعض الشرع . قال محمد فريد بك المحامي في كتابه "تاريخ الدولة العثمانية" (ص/177-178) عند ذكر الترتيبات الداخلية للسلطان محمد الفاتح: "ووضع أول مبادئ القانون المدني وقانون العقوبات فأبدل العقوبات البدنية أي السن بالسن والعين بالعين وجعل عوضها الغرامات النقدية بكيفية واضحة أتمها السلطان سليمان القانوني الآتي ذكره". وكان السلطان محمد الفاتح في القرن التاسع الهجري ، ولا أعلم أحداً كفر السلطان محمد الفاتح سلطان الدولة العثمانية . وهكذا في سلسلة طويلة من الحقائق التاريخية يجهلها كثير من الناشئة المقلدة أتباع رؤوس الخوارج في هذا الزمان. والله المستعان . عموماً: الدولة السعودية -حَرَسَهَا اللهُ- دولة إسلامية تطبق الشرع وتحكمه وقد يقع التقصير والخطأ. والعلماء متفقون على أنها دولة مسلمة وأن ملكها تلزم بيعتُهُ جميعَ شعبه ، ويجب السمع والطاعة له في المعروف . قال الشيخ العلامة الفقيه محمد الصالح ابن عثيمين -رحمه الله- عن الدولة السعودية: " وهي من خير ما نعلمه في بلاد المسلمين تطبيقا للشريعة، وهذا أمر مشاهد ولا نقول إنها تامة مائة في المائة ، بل عندها قصور كثير ، ويوجد ظلم ويوجد استئثار ، لكن الظلم إذا نسبته إلى العدل وجدت أنه أقل . ومن الظلم أن ينظر الإنسان إلى الخطأ ويغمض عينيه عن الصواب فإذا كان كذلك فالواجب أن الإنسان يحكم بالعدل لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين أو الأقربين}. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألاّ تعدلوا}. شنئان يعني بغض، ويجرم بمعنى يحمل، يعني لا يحملنكم بغض قوم على ألاّ تعدلوا {اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله}". وقال سماحة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتى عام المملكة -حفظه الله- : " المملكة العربية السعودية ومنذ نشأتها منذ ما يزيد على القرنين وهي ولله الحمد، دولة سلفية محكمة لشرع الله وسارت على هذا بخطى ثابتة مستمدة عونها من الله سبحانه ولا زالت ولله الحمد على هذا المنهج وقد نفع الله بها الإسلام والمسلمين في ميادين كثيرة جداً ففي مجال العلم الشرعي نشرت العلم الشرعي الصحيح ، وهكذا أيضاً الدعوة إلى الله في أقطار الأرض، وأيضاً نشرت كتب العلم بل قبل ذلك كتاب الله سبحانه، ثم أيضاً عنيت بحاجات المسلمين في كل مكان ومدت لهم يد العون والمساعدة، ولازالت تناصر قضايا الأمة وهذا شيء معلوم مشهود يشهد به العدو والصديق، وأيضاً لها جهودها العظيمة في خدمة الحرمين الشريفين وتيسير سبل الحج والعمرة ، وهكذا أيضاً بناء المساجد والمراكز الإسلامية في شتى بقاع الأرض وغير ذلك كثير حتى أصبحت بتوفيق من الله هي مفاءة المسلمين في هذا العصر، فلله الحمد والمنة ونسأل الله أن يديم علينا هذه النعمة وأن يعزّ هذه البلاد وحكامها وأن يلهمهم السداد في القول والعمل وأن يكبت عدوهم، أما من يشكك في هذا ويشكك في منهج هذه الدولة المباركة فهذا إما جاهل أو أن في قلبه مرضا وليحذر المسلم أن ينساق وراء مثل هؤلاء فليس وراءهم إلا الفتنة وإثارة التنازع والشقاق. والواجب السعي في وحدة الصف وجمع الكلمة، حتى تنضبط الأمور، وفقنا الله وإياكم وسائر إخواننا المسلمين لكل خير ورزقنا جميعاً تقواه والبعد عن أسباب سخطه سبحانه إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على نبينا محمد". وقال معالي الشيخ صالح بن فوزان الفوزان -حفظهُ اللهُ- متحدثاً عن الجماعات المشبوهة التي تكيد للدولة السعودية -حَرَسَهَا اللهُ- : "لأنهم رأوا ما تعيشه بلادنا من الوحدة والتلاحم بين قادتها ، وبين أفرادها وجماعتها ، رأوا في بلادنا دولة إسلامية في عقيدتها ومنهجها ، تحكم بالشريعة وتقيم الحدود ، وتأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر..."(31). فمن كفر الدولة السعودية فقد اتبع غير سبيل المؤمنين ، وقد سلك سبيل أهل البدع من الخوارج والتكفيريين . الأمر الثالث: أن بعض من تكلم في "مسألة الشرع المبدَّل" زعم أن من ربط مسألة "تحكيم القوانين الوضعية" بالاستحلال فإنه من المرجئة أو شابه المرجئة! فهذا الذي قاله قول باطل مخالف لما عليه أهل السنة من وجوه: الوجه الأول: أنه لم ينص عليه أحد من العلماء الذين قالوا بكفر محكم القوانين الوضعية بل اكتفوا ببيان أن هذا هو الحق الذي يذهبون إليه. الوجه الثاني: أنه لا وجه لربط هذه المسألة بالإرجاء لأنه ليس كل مسألة يختلف العلماء في تكفير مرتكبها يصم مخالفه بالإرجاء أو دخول شبهة الإرجاء!! من ذلك مسألة تارك الصلاة فإن من يكفر تارك الصلاة لم يرم مخالفه بالإرجاء ! وكذلك من كفر الخوارج لم يرم مخالفه ممن لم يكفرهم بالإرجاء! فإنه لا يجوز أن يرمى شخص بالإرجاء إلا إذا وافقهم في أصلهم في التكفير وهو : حصر الكفر كله في: الاستحلال ، أوالجحود القلبي أو التكذيب القلبي المساويين للجهل بالله . والمشايخ الذين سبق ذكرهم لا يحصر أحدهم الكفر بالاستحلال كالشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ الألباني والشيخ مقبل والشيخ ربيع وغيرهم . الوجه الثالث: أن لمز المخالف في هذه المسألة -ونحوها مما اختلف أهل السنة في كفر مرتكبها- بالإرجاء هو من الخطأ والضلال ومن منهج الخوارج وطريقتهم والله أعلم. هذا وأسأل الله التوفيق والسداد . وأسأله تعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وأن يجنبنا ما يبغضه ويأباه . والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد. كتبه: أبو عمر أسامة بن عطايا بن عثمان العتيبي. الهوامش والحواشي: (1) انظر: مختار الصحاح(ص/231) لسان العرب(13/350) . (2) انظر : القاموس المحيط(ص/1582) (3) انظر: لسان العرب(13/349) (4) درء تعارض العقل والنقل(1/5-7) . (5) "كلمة الحق"(ص/88) تحت مقال:"السمع والطاعة" (6) سورة يونس (آية/15) . (7) معجم مقاييس اللغة(ص/119) . (8) سورة البقرة (آية/180،181) . (9) رواه البخاري في صحيحه(3/1098رقم2854) من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-. (10) سورة البقرة (آية/79) . (11) الجامع لأحكام القرآن(2/9) . (12) مجموع الفتاوى (3/367-368) .وانظر: مجموع الفتاوى(35/395-396) ونقله العلامة ابن القيم -رحمه الله- في الطرق الحكمية(ص/145-146) . (13) التمهيد(5/74-75) . (14) صحيح مسلم(3/1327رقم1700) . (15) مجموع الفتاوى(11/431) . (16) مجموع الفتاوى(11/507). (17) إعلام الموقعين(2/57-58). (18) الروح(ص/267) . (19) مدارج السالكين(1/365) (20) أحكام القرآن(2/624) . (21) مجموع الفتاوى(7/70) ونقله الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في تيسير العزيز الحميد(ص/552) . (22) تفسير البغوي(3/61) . (23) كتاب الأم (6/146) . (24) كفاية الطالب (1/123-124) (25) تحكيم القوانين(ص/4) (26) المصدر السابق(ص/6) (27) القول المفيد(2/326) وانظر: شرح الأصول الثلاثة(ص/158-159) والمجموع الثمين من فتاوى الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين(1/36) . (28) (1/781-782-مجموع فتاوى اللجنة) (29) "فتنة التكفير" للعلامة الألباني مع تعليقات الشيخين: ابن باز وابن عثيمين . إعداد علي أبو لوز(ص/28) . وقال -رحمَهُ اللهُ- في مجموع الفتاوى في العقيدة(2/147-148) : "(229) سئل فضيلة الشيخ : عن حكم طاعة الحاكم الذي لا يحكم بكتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم؟ فأجاب بقوله : الحاكم الذي لا يحكم بكتاب الله وسنة رسوله تجب طاعته في غير معصية الله ورسوله ، ولا تجب محاربته من أجل ذلك ، بل ولا تجوز إلا أن يصل إلى حد الكفر فحينئذ تجب منابذته ، وليس له طاعة على المسلمين. والحكم بغير ما في كتاب الله وسنة رسوله يصل إلى الكفر بشرطين : الأول : أن يكون عالماً بحكم الله ورسوله ، فإن كان جاهلاً به لم يكفر بمخالفته. الثاني : أن يكون الحامل له على الحكم بغير ما أنزل الله اعتقاد أنه حكم غير صالح للوقت وأن غيره أصلح منه ، وأنفع للعباد ، وبهذين الشرطين يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفراً مخرجاً عن الملة لقوله - تعالى-: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"، وتبطل ولاية الحاكم ، ولا يكون له طاعة على الناس ، وتجب محاربته ، وإبعاده ، عن الحكم. أما إذا كان يحكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن الحكم به أي بما أنزل الله هو الواجب ، وأنه أصلح للعباد ، لكن خالفه لهوى في نفسه أو إرادة ظلم المحكوم عليه ، فهذا ليس بكافر بل هو إما فاسق أو ظالم، وولايته باقية ، وطاعته (في غير معصية الله ورسوله) واجبة ، ولا تجوز محاربته أو إبعاده عن الحكم بالقوة ، والخروج عليه ، لأن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، نهى عن الخروج على الأئمة إلا أن نرى كفراً صريحاً عندنا فيه برهان من الله -تعالى-." (30) لقاء الباب المفتوح مع فضيلة الشيخ محمد صالح العثيمين ، اللقاء 51 ،السؤال 1224 (31) حقيقة الدعوة إلى الله تعالى- المقدمة-. منقول. |
| الساعة الآن 03:13 PM. |
powered by vbulletin