![]() |
مِن وَصَايَا أبي إسحاق الشّاطبيّ لأصحابِهِ
مِن وَصَايَا أبي إسحاق الشّاطبيّ لأصحابِهِ نقله : الشَّيخ سمير سمراد - حفظه الله بسم الله الرحمن الرحيم أوردَ الونشريسيّ في «المعيار» (11/139-142) بعضًا مِن وصايَا أبي إسحاق الشّاطبيّ (ت:790هـ) -رحمه الله- لبعضِ أصحابِهِ، قال: «وكتب الأستاذُ أبو إسحاق لبعضِ أصحابِهِ: «أمّا سائرُ ما كتبتم به في الكتاب؛ مِن طوارق عرضت، وامتحانات تواترت، واعتراضات أوردت، فحاصلُه راجعٌ إلى ضربٍ واحد؛ وهو أنّ طالب الحقِّ في زماننا غريب، والقائل به مُهْتَضَمُ الجانب، وهذا لم يزل موجودًا فيما بعد زمان التّابعين إلى اليوم، فلنا في سلفنا الصّالح أسوة، غير أنّه يجب علينا أن نتأدّب بما أدّب الله به نبيّه صلّى الله عليه وسلّم؛ وذلك أن نبثَّ الحقّ إذا تعيَّن عينًا وليس علينا أن نأخذ بمجامع الخَلْقِ إليه، إذْ ليس ذلك إلينا، بل اللهُ وحده هو الهادي والمضِلّ، وقد قال ربُّنا سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾[هود:12]، وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾[القصص: 56]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ . وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[يونس: 99-100]، فإذا كان كذلك فهو الحرص الشّديد الّذي ظهر منكم أخاف فيه عليكم تَبِعَة، لأنّه قد ظهر فيه قصد الاِنتصار للنّفس، وهذا القصد لا يكون خالص العمل، فإذا كان وجه الصّواب لاَئِحًا فاعملْ به فيما استطعت، فمَن جاءك مُسترشِدًا فعلِّمْهُ ما علّمك الله، ومَن جاءك مُستشْكِلاً لأمرٍ وعرفتَ مِن مخايِلِه الصِّدق فأَرشِدْهُ لما عندك مِن الصّواب، أو قُلْ: لا أعلم، ومَن جاءك مُتَعَنِّتًا فأَعِرْهُ الأُذن الصَّمَّاء واسألْ ربّك اللّطيف الجَميل، ومَن أتاك يُخبِرُك بما فيك، فاعلم أنّه في الغالب نمَّامٌ ينِمُّ عليهِ [كذا، ولعلّها: عليكَ] كما ينِمُّ لك فلا تَثِقْ به، ولا تتلقّفْ كلام النّاس، فإنّه ممّا يُوقع العداوة والبغضاء بين المؤمنين، ومَن خطَّأَ صوابَك فكِلْهُ إلى الله تعالى، وأمّا المُسيئ فيك تكفيك مِن انتصارك لنفسك، وكلُّ مَن عاملك بشرٍّ فعامِلْهُ بخير، ومَن قطعك فصِلْهُ، ولا ترى أنّ ظهور حجّة مَن يخاصمك نعمةٌ عليهم، بل هو استدراجٌ والعياذُ بالله. ورُوي عن ابن عطاء الله المتأخّر كلامًا معناه: «ما ترك مِن الجهل شيئًا مَن أراد أن يظهر في الوقت غير ما أظهره الله فيه»، فالتزِمْ يا أخي! هذه الوصاة، ولا تطلبِ النّاسَ بما ليس لك، واطلبْ نفسك بما قلّدت مِن الإِلقاء، وهو السّبب الّذي طلبت به، والمسبَّبات ليست لك، لأنّها خَلْقُ الله، واللهُ يُعينني وإيّاكم على القيام بحقِّه، والوقوف على حدِّ الأدب معه. وهذا السّلام عليكم والرّحمة». 2 - «ثمّ وصلني بعد ذلك أنّكُم أُخِّرْتُم عن الإمامة بموضعكم وتقديم غيركم: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾[البقرة: 216]﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾[النّساء: 19] ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 216]، وقولُ مَن قال لكم: لا نعمل إلاّ بما يُرضي النّاس، ويكفي في جواب هذا القول ما جاء عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم : «مَن التمسَ رضاءَ النّاس بسخط الله سَخِطَ اللهُ عليه وأَسْخَطَ النّاسَ عليهِ، ومَن التمسَ رِضَا اللهِ بسخط النّاس رَضِيَ اللهُ عنه وأَرْضَى عنهُ النّاسَ»، والسَّلام». 3 - ولهُ في فصلٍ آخر جوابًا له: «وأمّا قولكم: إنّ إعلان الحقِّ في زماننا عسيرٌ فذلك حقٌّ، ولكن واجبٌ على من قلّدهُ الله عن طريق الفقه قلادة، فإنّها أمانةٌ في عنقه حتّى يُؤدّيها. هذا وإن كان زماننا قد ظهر فيهِ الشّحّ المُطاع والهوَى المُتَّبَع وإعجابُ كلِّ ذي رأيٍ برأيِهِ، فلا بدّ في ذلك من الرّجوع إلى الأصل، لأنّ قائل الحقّ موجودٌ وإن قلَّ، وقد ظهر لكلامكم في كثيرٍ من هذه الأُمور أَكْثَرُ صالح، فكيفَ لنا بالسُّكوت عن الحقّ؟ هذا لا يسمع حتّى لا تجد أحدًا يقبل الحقّ عياذًا باللهِ من ذلك الزّمان أن نصلَ إليهِ». 4 - وبلغه عن بعضِ الأصحاب وقد كان ترك الدُّعاء في أدبار الصّلوات بهيئةِ الاِجتماع، فبلغهُ أنّه عاد إلى فعله بعد أن تركهُ، فكتب في فصلٍ مِن فصول كتابه: «بلغني أنّكم رجعتم إلى الإمامة واشتُرط عليكم في الرّجوع أن تدعوَ بهيئة الاِجتماع في أَدبار الصّلوات، فالتزمتُم الشّرط، فإن كان ذلك لأنّكم ظهر لكم الصّواب فيه، فما بالكم لم تُعَرِّفُوا مُحِبَّكم بوَجْهِ صوابه، فيكون تعاونًا على البرّ والتَّقوى، وإن كان ذلكَ لأجلِ المعيشةِ، فقد اتّهَمْتُم الرّبَّ سبحانه في ضمانِ الرِّزق، أو لغيرِ ذلك، فعرِّفُوني بِهِ». 5- وكان رحمه الله يحملُ أصحابَهُ على الصَّبر على البلاء في بثِّ الحقِّ ويُقوِّي عزيمتهُ؛ كتب إليهِ بعضُ أصحابه متشكِّيًا بما لقيه في هذا الغرض، فأجابه في فصلٍ من فصول كلامه: «الحمدُ لله على الخلاص من تلك الدّاهية، وإن بقيت داهيةُ أهل الحقد وطلب الشّماتة، فالمستعانُ الله عليكم، إنّه على كلّ شيءٍ قدير. وعلى الجملة، فالزّمان زمانُ وقوع ما أخبرَ عنهُ الصّادق المصدوق صلّى الله عليه وسلّم ؛ وأنّ المتمسِّكَ فيه بدينِهِ كالقابض على الجَمْر، ولكن الأجر فيه بحولِ الله جزيلٌ، وربُّ العزّة بحِفظِ الحَوْزَةِ كفيلٌ، فلا عليكُم، فإنّ اللهَ معكم ما قصدتُم وجهَ الله بأعمالكم وثَابَرْتُم على اتّباع الحقّ والمشي على طريق الصّواب، ورِضَا المَخْلُوقِ لا يُغْنِي مِن اللهِ شيئًا، واللهُ سبحانه يَتَوَلاَّني وإيَّاكُم بما تَولَّى به عبادَهُ الصَّالحين، وما ذكرتُم مِن حال صِنْفِنَا في هذه المقامات، فاصْبِرْ لها، فإنَّ العاقبةَ للمُتَّقين» » اهـ. المصدر : موقع مصابيح العلم تحت إشراف:الشَّيخ سمير سمراد - حفظه الله |
| الساعة الآن 01:45 PM. |
powered by vbulletin