![]() |
من قديم مقالاتي: قصة إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد -رضي الله عنهما-
قصة إسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد -رضي الله عنهما- الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد: فإن عمرو بن العاص من الصحابة الأجلاء -رضي الله عنهم- الذين توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ، ومن الذين صحت لهم الفضائل والمناقب العديدة. وقد وصفه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالصلاح وبالإيمان ، وكانت له الجهود العظيمة في حروب الردة وفي الفتوحات الإسلامية وكان من كبار القادة في عهد عمر وعثمان -رضي الله عنهما- . وهو فاتح مصر وغيرها من الأماكن . وقد وردت قصة عجيبة في إسلامه اشتملت على فضيلة له وللنجاشي واشتملت على تاريخ إسلامه وإسلام خالد بن الوليد رضي الله عنه . وأحببت في هذا البحث أن أخرج القصة وأبين ثبوتها . ومن اللطائف أن عمرو بن العاص رضي الله عنه هو الصحابي الذي أسلم على يد تابعي . فالنجاشي رضي الله عنه تابعي لأنه لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره . والله أسأل التوفيق والسداد . لفظ القصة عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : ((لما انصرفنا من الأحزاب عن الخندق جمعت رجالاً من قريش كانوا يرون رأيي ، ويسمعون مني ، فقلت لهم : تعلمون والله اني أرى أمر محمد يعلو الأمور علواً منكراً ، وإني قد رأيت أمراً فما ترون فيه؟ قالوا: وما الذي رأيت ؟ قلت : رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد ، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير. قالوا: إن هذا الرأي . فقلت لهم : فاجمعوا له ما نهدي له ، وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأُدُم ، فجمعنا له أدماً كثيراً ، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه ، فوالله إنا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري ، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه . قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده . قال : فقلت لأصحابي : هذا هو عمرو بن أمية ، فلو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربتُ عنقه ، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع ، فقال: مرحباً بصديقي ، أهديت إلي من بلادك شيئاً؟ قال: قلت : نعم أيها الملك ، قد أهديت لك أُدُماً كثيراً. قال: ثم قدمته إليه ، فأعجبه واشتهاه . ثم قلت: أيها الملك ، إني قد رأيت رجلاً خرج من عندك ، وهو رسول رجل عدو لنا ، فأعطنيه لأقتله ، فإنه قد أصاب من أشرافنا وأعزتنا . قال: فغضب ، ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره ، فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها خوفا منه . ثم قلت له: أيها الملك ، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه. فقال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله ؟! قال: قلت: أيها الملك ، أكذاك هو ؟ قال: ويحك يا عمرو ، أطعني واتبعه ، فإنه والله لعلى الحق ، وليظهرن على من خالفه ، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده . قال: قلت: أتبايعني له على الإسلام ؟ قال: نعم . فبسط يده ، فبايعته على الإسلام. ثم خرجت على أصحابي ، وقد حال رأيي عما كان عليه ، فكتمت أصحابي إسلامي. ثم خرجت عامداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي ، فلقيت خالد بن الوليد ، وذلك قبيل الفتح ، وهو مقبل من مكة ، فقلت: أين يا أبا سليمان؟ قال: والله لقد استقام المنسم ، وان الرجل لنبي ، أذهب والله أُسْلِمُ فحتى متى؟ قال: قلت: فأنا والله ما جئت إلا للإسلام . قال: فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبابع ، ثم دنوت ، فقلت: يا رسول الله ، إني أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ، ولا أذكر ما تأخر . قال: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يا عمرو ، بايع ، فان الإسلام يجب ما كان قبله ، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها)). قال: فبايعت ، ثم انصرفت. تخريج القصة للقصة عدة طرق المعتمد منها ما رواه أحمد في مسنده(4/198) ، والبخاري في التاريخ الكبير(2/311) مختصراً ، وابن جرير الطبري في تاريخه(2/146) ، والطبراني في المعجم الكبير-كما في المجمع(9/351)- ، وفي الأحاديث الطوال(ص/212) ، وابن يونس في تاريخ مصر –كما في تعجيل المنفعة(1/519)- ، وابن عبد الحكم في فتوح مصر(ص/252-253) ، والحارث بن أبي أسامة في مسنده(2/933رقم1029-زوائده) ، والطحاوي في شرح مشكل الآثار(1/442رقم507) مختصراً ، والحاكم في المستدرك على الصحيحين(3/297) مختصراً ، و(3/454)مطولا ، والبيهقي في السنن الكبرى(9/123) مختصرا، وفي دلائل النبوة(4/346)مطولاً ، وابن عساكر في تاريخ دمشق(16/226) مختصراً ، و(46/121، 123)مطولاً ، وابن العديم في بغية الطلب في تاريخ حلب(7/3127) من طرق عن محمد بن إسحاق -وهو في المغازي(3/270رقم1448-سيرة ابن هشام)- قال: وحدثني يزيد بن أبي حبيب عن راشد مولى حبيب بن أوس الثقفي عن حبيب بن أوس قال: حدثني عمرو بن العاص رضي الله عنه من فيه إلى أذني فذكره. وقد روى مسلم في صحيحه(1/112رقم121) ، وغيره من طريق يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة المهري قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت ، فبكى طويلاً ، وحول وجهه إلى الجدار ، فجعل ابنه يقول : يا أبتاه ، أما بشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا ، أما بشرك سول الله -صلى الله عليه وسلم- بكذا. قال: فأقبل بوجهه ، فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، إني قد كنت على أطباق ثلاث : لقد رأيتني وما أحد أشد بغضاً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- مني ، ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه فقتلته ، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار . فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك ، فبسط يمينه ، قال: فقبضت يدي ، قال: ((مالك يا عمرو؟)) قال: قلت: أردت أن أشترط . قال: ((تشترط ماذا ؟)). قلت: أن يغفر لي . قال : ((أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله ، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها ، وأن الحج يهدم ما كان قبله)). وما كان أحد أحب إلي من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، ولا أجل في عيني منه ، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت ؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه ، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة. ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها ، فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ، ولا نار ، فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شناً ، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ، ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم ، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي. وللحديث طرق أخرى لا حاجة لي بذكرها الآن . الحكم عليه الحديث صحيح . فمداره على محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن أبي حبيب عن راشد مولى حبيب بن أوس الثقفي عن حبيب بن أوس قال: حدثني عمرو بن العاص -رضي الله عنه- به. تراجم رواته: # محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي مولاهم: وثقة جمع كبير من الأئمة وتكلم فيه آخرون والراجح أنه وسط حسن الحديث حجة في المغازي . قال ابن معين –رحمه الله-: كان ثقة وكان حسن الحديث. وقال أحمد: هو حسن الحديث. وقال أبو معاوية الضرير: كان ابن إسحاق من أحفظ الناس. وقال شعبة بن الحجاج: ابن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث. وقال علي بن المديني: حديثه عندي صحيح. وقد وثقه البخاري وقوى أمره جداً في جزء القراءة خلف الإمام ودافع عنه ورد الطعون الموجه إلى ابن إسحاق فمما قال البخاري : وقال لي علي بن عبد الله (هو ابن المديني) نظرت في كتب ابن إسحاق فما وجدت عليه إلا في حديثين ويمكن أن يكونا صحيحين . وقال البخاري : ينبغي أن يكون له ألف حديث ينفرد بها. وقال أبو زرعة الدمشقي: وابن إسحاق رجل قد أجمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ عنه ، وقد اختبره أهل الحديث فراوا صدقاً وخيراً مع مِدْحَة بنِ شهاب له. وقد ذاكرت دحيماً قول مالك فيه ، فرأى أن ذلك ليس للحديث إنما هو لأنه اتهمه بالقدر. وقال يعقوب بن شيبه: سمعت ابن نمير يقول : إذا حدث عن من سمع منه من المعروفين فهو حسن الحديث صدوق ، وإنما أتى من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطله. قال ابن حبان في الثقات : تكلم فيه رجلان ؛ هشام ومالك ، فأما قول هشام فليس مما يجرح به الإنسان ، وذلك أن التابعين سمعوا من عائشة من غير أن ينظروا إليها وكذلك ابن إسحاق كان سمع من فاطمة والستر بينهما مسبل ، وأما مالك فإن ذلك كان منه مرة واحدة ثم عاد له إلى ما يجب ، ولم يكن يقدح فيه من أجل الحديث ، إنما كان ينكر تتبعه غزوات النبي –صلى الله عليه وسلم- من أولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصه خيبر وغيرها ، وكان ابن إسحاق يتتبع هذا منهم من غير أن يحتج بهم ، وكان مالك لا يرى الرواية الا عن متقن ، ولما سئل ابن المبارك قال: أنا وجدناه صدوقا ، ثلاث مرات. قال ابن حبان : ولم يمكن أحد بالمدينة يقارب ابن إسحاق في علمه ، ولا يوازيه في جمعه ، وهو من أحسن الناس سياقاً للأخبار ، إلى أن قال: وكان يكتب عمن فوقه ومثله ودونه ، فلو كان ممن يستحل الكذب لم يحتج إلى النُزول ، فهذا يدلك على صدقه ، سمعت محمد بن نصر الفراء يقول سمعت يحيى بن يحيى وذكره عنده محمد بن إسحاق فوثقه . وقال أبو يعلى الخليلي : محمد بن إسحاق عالم كبير وإنما لم يخرجه البخاري من أجل روايته المطولات ، وقد استشهد به ، وأكثر عنه فيما يحكي في أيام النبي صلى الله عليه وسلم وفي أحواله وفي التواريخ ، وهو عالم واسع الرواية والعلم ثقة . وقال ابن البرقي : لم أر أهل الحديث يختلفون في ثقته وحسن حديثه وروايته ، وفي حديثه عن نافع بعض الشيء . قال الحاكم : وذكر عن البوشنجي أنه قال : هو عندنا ثقة ثقة . فالخلاصة أنه حسن الحديث على أقل أحواله وحديثه في المغازي صحيح . انظر: تهذيب الكمال(24/405) وتهذيب التهذيب(3/504-507=الرسالة) وميزان الاعتدال(3/468-475). # يزيد بن أبي حبيب -واسمه : سويد- الأزدي مولاهم ، أبو رجاء المصري ثقة فقيه كثير الحديث وهو من رجال الجماعة كما في التهذيب . # راشد مولى حبيب بن أوس الثقفي : ذكره ابن حبان في الثقات(6/302-303) وقال: يروي المراسيل . وقال عثمان الدارمي في تاريخه(ص/110رقم330): وسألته-يعني: يحيى ابن معين- عن راشد مولى حبيب بن أوس فقال : ثقة يروى عنه المصريون. # حبيب بن أوس ويقال: ابن أبي أوس الثقفي: ذكره ابن حبان في الثقات(4/139) في ثقات التابعين. وذكره البخاري في التاريخ الكبير(2/311) ، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل(2/96) ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً . وصحح له الطحاوي في مشكل الآثار(1/442رقم507) . وعده الحافظ ابن حجر في الصحابة فذكره في الإصابة(2/15) في القسم الأول من حرف الحاء وقال: [حبيب بن أوس أو بن أبي أوس الثقفي : ذكره بن يونس فيمن شهد فتح مصر فدل على أن له إدراكاً ، ولم يبق من ثقيف في حجة الوداع أحد إلا وقد أسلم وشهدها فيكون هذا صحابياً ، وقد ذكره بن حبان في ثقات التابعين ]. وقال الحافظ في التقريب: مقبول ، شهد فتح مصر وسكنها . وهذا فيه نظر بل هو إما صحابي وإما تابعي ثقة . والله أعلم. وقال الهيثمي(9/351) : [رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال حدثني عمرو بن العاص من فيه إلى أذني ورجالهما ثقات ]. وقال الشيخ الألباني -رحمه الله- في إرواء الغليل(5/123) : [وإسناده حسن أو قريب منه رجاله ثقات غير حبيب بن أبي أوس ، ذكره ابن يونس فيمن شهد فتح مصر ، ووثقه ابن حبان ، وقال الحافظ: "مقبول ، شهد فتح مصر وسكنها ، من الثانية" ]. فالخلاصة أن الحديث من هذه الطريق صحيح . ويشهد لبعضه ما رواه مسلم في صحيحه كما سبق ذكره في التخريج. والله أعلم . معاني بعض الكلمات: الأدم : الجلد المدبوغ . استقام المنسم : أي اتضح الأمر ولم يعد فيه لبس وشك . انظر لسان العرب(12/576) . والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد . كتبه: أسامة بن عطايا العتيبي 5/ 2/ 1423هـ- 18/ 4/ 2002 |
جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً
|
| الساعة الآن 09:05 AM. |
powered by vbulletin