![]() |
لقاء شيخنا أبي عمر أسامة العتيبي حفظه الله بشبكة الآجري
بسم الله الرحمن الرحيم هذا نقل للقاء شيخنا ابي عمر بشبكة الآجري وفق الله القائمين عليها قال الأخ أبي صهيب الأغميري حفظه الله - [size=3.5]مرحبا بالشيخ أبي عمر أسامة العتيبي -وفقه الله- بيننا في هذا اللقاء الذي أسأل الله-عز وجل- أن يجعله نافعًا مباركًا وأن يوفقكم للسداد والرشاد فيه: بما أن حديثنا سيدور حول المنهجية في طلب العلم وعوائقها، فلعلي أفتتح اللقاء بهذه الأسئلة: س1- ما معنى المنهجية في طلب العلم وما حدها؟ وهل لهذه المسألة مستند وأصل شرعي؟ وما أهمية التدرج والمنهجية في العلوم الشرعية؟ س2- اشتهرت رسالتكم "برنامجٌ علمي مُقترح لِمَن سَمَت همتُه في طلب العلم" فما هي قصة هذه الرسالة؟، وما الدوافع التي دفعتكم لكتابتها؟ ، وما هي المعايير التي اعتبرتموها من حيث اختيار المتون والشروح ثم بعد ذلك من حيث تصنيفها بحسب كل مرحلة؟ [لعل هذا يساعد كثير من طلبة العلم في قياس المتون والشروح التي لم تُذكر في رسالتكم فيلحقونها بنظائرها] س3- يرى الناظر في حال كثير من طلبة العلم الفوضى العلمية سواء في دراسة الكتب على الشيوخ أوالقراءة المستقلة، وكذا كثرة التنقل من شارح لآخر، وأمور عديدة فما هو سبب هذه الفوضى في نظركم ؟ وما هو سبب عزوف كثير من طلبة العلم عن سبيل من قبلنا من العلماء؟ هل صارت تلك الطرق غير مجدية؟ أم ماذا؟ [/size] |
[SIZE=3.5]
المقدمة إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِيْنُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَن يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}[آل عمران:102] {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}[النساء:1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً{70} يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}[الأحزاب:70-71]. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الكَلامِ كَلامُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ؛ هَدْيُ مُحَمَّدٍ r، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكَلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وَكُلَّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ. فحياكم الله، وأهلاً وسهلاً بكم مشرفين وأعضاء.. وأشكر لكم حرصكم في هذا الموقع على التحصيل العلمي، والاهتمام الظاهر بالشروحات السلفية للمتون العلمية، والعمل الجاد في تفريغ الأشرطة السمعية ومراجعتها، والحرص على بث الدروس العلمية النافعة.. ولقد عرفت هذا في الأخ لقمان الذي ما عرفته سابقاً إلا متشبهاً بلقب إمام من أئمة أهل السنة وهو الإمام أبو بكر الآجري صاحب كتاب الشريعة رحمه الله وأسكنه الفردوس، حيث عرفته سلفياً، يطلب العلم، ويشتغل بما فيه الخير. وهذا الموقع ما هو في الأساس إلا ثمرة من ثمار التربية السلفية التي ربانا عليها علماؤنا ومشايخنا، وهو الاهتمام بالتحصيل العلمي، والاهتمام بالتأصيل والتقعيد، مع الحرص على التطبيق العملي لما تعلمناه من منهج السلف الصالح.. إن من أصول المنهج السلفي أنه منهج علم ودليل، وفهم وتأصيل، واقتداء واتباع، يحارب الجهل والظلم -من كفر وفسق وبدعة-، ويحارب التعصب الذميم، والخلق السقيم.. وإن من أعظم المآخذ التي يأخذها السلفيون على أهل الجهل والانحراف، وأتباع الأحزاب والفِرَقِ والاختلاف أنهم لا يهتمون بالعلم الشرعي، ولا بالتأصيل السلفي، ولا بالأخلاق الإسلامية التي لا غلو فيها ولا تمييع فهي شريعة العدل والوسط.. وإن مما يشيعه أهل البدع والانحراف مما يشوهون به سُمْعَةَ المنهج السلفي أنه منهج لا يهتم بالتأصيل والتعليم، وإنما همه الكلام في الرجال بالتعديل والتجريح، وأنه منهج لا يهتم بالتربية والأخلاق الحسنة، بل يهتم بالقيل والقال وسيء الفعال والمقال.. ولعمري إنه اتهام قبيح، بعيد عن الحق والهدى، ومخالف للواقع والحال، وكأنهم يحكون حال أنفسهم فيرمون بأدوائهم غيرَهُم (رمتني بدائها وانسلت) .. وإنه لاتهام يشبه تماماً ما يشيعه الكفار عن دين الإسلام بأنه دين خيانة وغش وكذب وظلم وتدمير وعدوان، لأنهم رأوا ممن ينتسب إلى الإسلام يقوم بالغش والخيانة والفساد والظلم والعدوان، أو لأنهم يرون في الإسلام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيظنون أنه تقييد للحريات فهو بناء على أفهامهم المنكوسة ظلم وعدوان! فالمنهج السلفي هو الإسلام كما قال الإمام البربهاري رحمه الله في فاتحة كتابه شرح السنة: <اعلموا أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر> . والله جل وعلا سمى السنة وهي الطريقة التي كان عليها النبي r: المنهاج، فقال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة/48] قال ابن عباس رضي الله عنهما: < سبيلاً وسنة > . فمنهاج أهل الإسلام: السنة التي سلكها الرسولr وأصحابه الكرام y كما قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف:108]. والرسول rهو إمام السلفيين وقائدهم، وفي الصحيحين أنه قال لأمنا عائشة رضي الله عنها: <فَإِنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أنا لَكِ> أي السابق والمتقدم. فنحن نقتفي أثره r فهو سلفنا، وقدوتنا، ورب العزة والجلال يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب:21] وهذا المنهج الإسلامي السلفي قائم على العلم والعمل، ومن شعار السلفيين وعلاماتهم البارزة أن دعوتهم علمية تأصيلية خلافاً لغيرها من الدعوات المنتسبة للإسلام وهي تخالفه وتفرق أهله. وكون بعض المنتسبين للإسلام أو السلفية يخالفون ما عليه المنهج السلفي فهذا العيب عائد إليهم لا إلى المنهج السلفي، والدين الإسلامي كما هو معلوم.. والسلفي ليس هو الذي يدعي السلفية قولاً ويخالفها قولاً وعملاً، بل السلفي: هو الذي يسير على منهج السلف في العلم والعمل، فإن الناس قد أحسنوا القول كلهم، فابتلاهم الله بآية المحنة-بتقديم الحاء على النون من الامتحان أي الاختبار- وهي قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:31]. والكلام في الرجال، والجرح والتعديل له أصوله وضوابطه عند سلفنا الصالح، وهو أصل من أصول الإسلام، من هدمه أو شكك فيه أو قعد القواعد البدعية لضبطه فإنه يسعى إلى إلغاء أصل (الولاء والبراء) أو إضعافه، ودائماً -ولا أقول غالباً- ما يقترن بالدعوة إلى عدم الاشتغال بالجرح والتعديل مطلقاً، الدعوة إلى الميوعة والمجالسة والمؤاخاة لأهل البدع ويكون تارة بجعلهم سلفيين! رغم وضوح بدعتهم! وتارة يكون بدعوى كسْبِهِم للسلفية ورحمتهم! ناسين أو متناسين المفاسد العظيمة المترتبة على قولهم هذا وفعلهم التابع له من تضييع الحق، وتشتيت الناس، وتلبيس الحق بالباطل.. وإنما الحكمة : العمل بالكتاب والسنة على فهم السلف الصالح، الذي يوضع فيه الشيء في موضعه اللائق به. أصول العلم النافع وأصول العلم النافع الذي عليه منهج السلف الصالح ما بينه الإمام ابن رجب رحمه الله حيث قال: «فالعلم النافع من هذه العلوم كلها: 1- ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها. 2- والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث. وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام. والزهد. والرقائق. والمعارف. وغير ذلك. أ- والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أولاً. ب- ثم الاجتهاد على الوقوف في معانيه وتفهمه ثانياً. وفي ذلك كفاية لمن عقل. وشغل لمن بالعلم النافع عني واشتغل»([1]). 3- ومن أصول العلم النافع:العمل به؛ إذ هو ثمرته، والعلم يراد للعمل كما العمل يراد للنجاة، قال الفضيل رحمه الله: «على الناس أن يتعلموا، فإذا علموا فعليهم العمل»([2]). 4-ومن أصول العلم النافع ومما يقتضيه العمل بالعلم:الدعوة إليه باللسان والبيان. فمن عمل بهذه الأصول كان من أهل الحق والهداية، ووفق لنهج السلف الصالح، من الصدق والإخلاص والتوكل على الله تعالى]. فأسأل الله أن يوفقني وإياكم لاغتنام أوقاتنا بما يرضي ربنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد ([1])بيان فضل علم السلف على الخلف لابن رجب(3/26-ضمن رسائل ابن رجب). ([2]) اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي(ص/2، 45). [/SIZE] |
[SIZE=3.5]س1- ما معنى المنهجية في طلب العلم وما حدها؟ وهل لهذه المسألة مستند وأصل شرعي؟ وما أهمية التدرج والمنهجية في العلوم الشرعية؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد: فقد اشتمل هذا السؤال على ثلاثة محاور: الأول: تعريف المنهجية في طلب العلم. الثاني: هل للمنهجية في طلب العلم مستند شرعي. الثالث: أهمية التدرج في طلب العلم الشرعي. أما المحور الأول وهو: تعريف "المنهجية في طلب العلم". تتكون عبارة "المنهجية في طلب العلم" على ثلاث كلمات تحتاج أن نقف عندها.الكلمة الأولى: المنهجية. وهي مصدر صناعي من المنهج، وهو مصدر مشتق من الفعل «نََهَجَ» قال ابن فارس في معم مقاييس اللغة(5/361): «النون والهاء والجيم أصلان متباينان. الأول: النهج: الطريق، ونهج لي الأمر: أوضحه ، وهو مستقيم المنهاج. والمنهج: الطريق أيضاً، والجمع: المناهج . والآخر: الانقطاع...» . فالمنهجية هي الطريقة الواضحة المستقيمة في سلوك أمر ما. الكلمة الثانية: طلب العلم ، وهو مركب إضافي من كلمة "طلب"، وكلمة "العلم" وفي الحديث الحسن: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». والطلَبُ: محاولةُ وِجدانِ الشيء وأخذِه. تهذيب اللغة(13/237). والعلم: مأخوذ من الفعل «علم» قال ابن فارس: «العين واللام والميم أصل صحيح واحد يدل على أثر بالشيء، يتميز به عن غيره...والعلمُ نقيض الجهل» مقاييس اللغة(4/109). فطلب العلم المأمور به هو ما لا يسع المسلم جهله، وهو فرض العين منه. ولكن العلم الذي يبتغى هو العلم بالله سبحانه وتعالى، وبشرعه ودينه، والعلم بكل ما يتوصل به إلى رضا الله عز وجل فيعمل به، وبكل ما يكرهه الله فيجتنب. وهو العلم النافع الذي سبق بيانه في المقدمة، والذي نقلت فيه كلام الإمام ابن رجب رحمه الله. فالمنهجية في طلب العلم: الطريق السديد الذي يسلكه الطالب لتحصيل العلم النافع تأصيلاً وتفريعاً. وهي تعتمد على أركان ثلاثة من رعاها حق رعايتها أفلح ونجح بإذن الله. وهي: الأول: الطالب . الثاني: المطلوب. الثالث: طريقة الطلب. فالركن الأول: الطالب، ورعايته يكون بأمرين: الأول: الاستعداد الجسدي والذهني. الثاني: الاستعداد الروحي. والاستعداد الروحي يكون: بالإخلاص، والعزيمة الصادقة، وحب طلب العلم بإقناع النفس بأهميته وفائدته وعظيم ثمرته في الدنيا والآخرة، والتوكل على الله، والصبر والتصبر على طلب العلم، والاهتمام بتهذيب النفس والحرص على تزكيتها. والاستعداد الجسدي والذهني: وذلك بتهيئة الجسد بالراحة اللازمة، وكفاية حاجته من الغذاء للقدرة على القراءة والإدراك والفهم، وبتصفية الذهن عن الشواغل حال الطلب، والبعد عن كل ما يسبب الإخلال بالجسد والعقل، ومعالجة أي خلل حادث بسبب مرض ونحوه. والركن الثاني: المطلوب. وهو ما يدرسه طالب العلم من العلوم الدينية أو الدنيوية، وعلوم الغايات، أو الوسائل والآلات. وخير ما يسعى له المسلم من العلم تعلم ما يزيد في خشيته لله، وقربه من ربه كما قال عز وجل: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}[فاطر:28] فالمراد بالعلم عبادة الله وتوحيده وإخلاص العمل له، فلا يتشاغل بالوسائل عن إدراك الغايات.. ومن العلم ما هو مراد لذاته وهو العلم بالكتاب والسنة، وهو يزيد الإيمان والتقى، ويرفع العبد إلى درجات عالية في الزهد في الدنيا الفانية وإيثار الآخرة الباقية.. ومن العلم ما هو وسيلة وموصل إلى العلم المراد لذاته كعلوم الآلات كعلم تقويم اللسان (النحو)، وعلم تقويم الفكر والتدبر(البلاغة والبيان)، وعلم تفسير القرآن وما يتبعه ويكون معه من علوم القرآن، وعلم مصطلح الحديث، وعلم أصول الفقه، وعلم التاريخ والأنساب، وعلم كيفية إيصال الحق والهدى للناس(أصول الدعوة) ونحو ذلك.. الركن الثالث: طريقة الطلب. وهي ما يركز عليه -غالباً-من يبحث في المنهجية في طلب العلم.. والمراد به: الطريقة الأقوم في تحصيل العلم، والتفقه فيه. فطالب العلم يحرص على أمرين هامين: الأول: تحصيل العلم (الكم العلمي). الثاني: التفقه فيه (الكيف العلمي). ويبحث الطالب عن الطريقة الأفضل في تحقيق الكم والكيف العلمي. وذلك ينظر فيه إلى المعلم، ونوع العلم، والتدرج فيه، ووسيلة التعليم، وأهمية الحفظ وما يساعد عليه، وأهمية الإلمام بالكليات والقواعد والأصول، وأهمية مدارسة العلم، وتهيئة الجو المناسب للطلب.. وهذا هو المسؤول عنه في السؤال الثالث، وسيأتي مزيد بيان إن شاء الله.. المحور الثاني في السؤال: هل للمنهجية في طلب العلم مستند شرعي. إذا عُلِمَ أن طلب العلم مطلب شرعي دل عليه الكتاب والسنة، فإن طريقة طلبه لم تكن لتهمل أو لا تبين البيان الواضح، والله جل وعلا يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام/38]. وقال جل وعلا: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل/43، 44] وهاتان آيتان فيما بيان شيء من المنهجية في طلب العلم. وإذا علمنا أن الله عز وجل علَّمَ عبادهُ، وهو سبحانه يعلمهم ويفهمهم مع عدم إطلاق اسم «المُعَلِّم" عليه لعدم ثبوت هذا الاسم، ولكن وصف الله عز وجل بأنه يعلم عباده ويفهمهم فهذا موجود على سبيل الفعل لله وهو من صفات الرب جل وعلا، وكذلك هو رب العالمين الذي رباهم بنعمه، قال تعالى:{فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة/239] وقال سبحانه وتعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة/151، 152] وقال تعالى: { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة/282] وقال سبحانه: { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء/79]. وقال سبحانه وتعالى: { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد/10] وفي كتاب الله جل وعلا آيات عديدة في طريقة طلب العلم، والمنهجية فيه، من ذلك قوله تعالى: { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (1http://www.ajurry.com/vb/images/smilies/icon_cool.gif ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة/16-19].. وكذلك الرسولﷺ معلِّم هذه الأمة، ومفهمهم، والحريص على معرفة ما ينجيهم من النار، ويدخلهم الجنة. وهو ﷺ كان مربياً معلماً لأصحابه، رفيقاً بهم، متدرجاً في تعليمهم، يستخدم اللين في موضعه، والشدة في موضعها، ويكرر الحديث لهم ثلاثاً كما في صحيح البخاري عن أنسt: أن النبي ﷺ«كانَ إذا تَكلَّمَ بكلمَةٍ أعادَها ثلاثاً ؛ حتّى تُفْهَمَ عنه ، وإذا أتَى على قوْمٍ فَسَلَّمَ عليهم ؛ سلّم عليهم ثلاثاً»، ويتخولهم بالموعظة، ويحرضهم على طلب العلم والتزود منه، وجمع همة أصحابه رضي الله عنهم على تعلم القرآن، وحثهم على فهمه وتعلمه وتعليمه، وأرشدهم إلى أهمية إعطاء البدن حقه، وإعطاء كل ذي حق حقه، وبين للأمة أهمية الحفظ والتدبر والفهم.. وكذلك من فعل الصحابة رضي الله عنهم وتربيتهم للتابعين ما فيه أعظم البراهين على أن أمر طلب العلم من أعظم الأمور أهمية في ديننا، ومما بينته الشريعة، وسار السلف الصالح عليه، وذكر كلامهم في هذا يطول، ويستفاد في هذا الباب من كتاب:«جامع بيان العلم وفضله» لابن عبدالبر، وكتاب«الفقيه والمتفقه» للخطيب البغدادي، وقد طبع مختصران جيدان لهما. فتبين بما سبق أن المنهجية في طلب العلم مستندة إلى أصل شرعي، ومنهج سلفي رشيد. المحور الثالث في السؤال: أهمية التدرج في طلب العلم الشرعي. يتبع إن شاء الله..[/SIZE] |
المحور الثالث في السؤال: أهمية التدرج في طلب العلم الشرعي والمراد بالتدرج في طلب العلم أن يتعلم العلم شيئاً فشيئاً، ويبدأ بالأهم فالمهم، فلا يكون تعلمه للعلم هجوماً فَيُقْبِلُ على ما لا يطيق..والله جل وعلا يقول: { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران/79] قال الإمام البخاري في صحيحه(1/37): « وقال ابن عَبَّاسٍ: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ. وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الذي يُرَبِّي الناس بِصِغَارِ الْعِلْمِ قبل كِبَارِهِ». قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري(1/162) : «والمراد بصغار العلم ما وضح من مسائله، وبكباره مادقَّ منها». ومعلوم أن الله جل وعلا ما نَزَّلَ القرآن على النبي ﷺ جملة واحدة، بل نزله منجماً حسب الوقائع، وإنما نزل جملة مكتوباً إلى بيت العزة في السماء الدنيا.. قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}[الفرقان/32]. فهذا من التدرج في التعليم. وكذلك الشرائع والواجبات لم تفرض مرة واحدة، بل كان هناك تدرج في بيانها، وفرضيتها، حتى يسهل قبول النفوس لها، واستيعاب العقول لها. والنبي ﷺ لما أرسل معاذاً إلى اليمن لم يأمره بدعوة الناس إلى جميع الشرائع مرة واحدة، بل بدأ بأمرهم بالتوحيد، ثم الصلاة، ثم الزكاة.. وكان النبي ﷺ في تعليمه للناس يراعي أحوالهم، وما يحتاجون إليه من أمور الشرع، فهذا المسيء صلاته علمه النبي ﷺ ما تصح به صلاته وما يجب عليه فيها، ولم يعلمه مستحبات الصلاة أو كل المستحبات.. وكذلك لما جاءه رجل فقال: أوصني. قالﷺ: «لا تغضب». وجاءه آخر فقال: أوصني. قالﷺ: «أوصيك أن تستحي من الله عز وجل كما تستحي رجلا من صالحي قومك». وجاءه آخر فقال: أوصني. فقالﷺ: «اعبد الله و لا تشرك به شيئا. قال : يا نبي الله زدني . قال : إذا أسأت فأحسن . قال : يا نبي الله زدني . قال : استقم و لتحسن خلقك». وجاءه آخر فقال: أوصني. فقالﷺ:«فلا تقل بلسانك إلا معروفا، ولا تبسط يدك إلا إلى خير». وجاءه آخر فقال: أوصني. فقالﷺ: «أوصيك أن لا تكون لعاناً». وجاءه آخر فقال: أوصني. فقالﷺ: «أوصيك بتقوى الله، والتكبير على كل شرف». وجاءه آخر فقال: أوصني. فقالﷺ: «لا تحقِرنَّ شَيئاً من المعروفِ أن تأتيَه؛ ولو أن تَهَبَ صِلَةَ الحبلِ، ولو أن تُفرغَ من دلوكِ في إناءِ المستقِي، ولو أن تلقَى أخاك المسلمَ ووجهُك بسطٌ إليه، ولو أن تؤنِس الوَحشان بنفسكَ، ولو أن تهَبَ الشِّسعَ». فكل ما سبق من التدرج في التعليم، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه، والحكمة في الدعوة والتعليم. ولذلك حرص العلماء في تربيتهم لأبنائهم، وفي تعليمهم للطلبة أن يتدرجوا في تعليمهم، وكان أعظم اهتمام السلف رحمهم الله بكتاب الله حفظاً وتعلماً وتدبراً، ثم حفظ السنة، والتفقه في الكتاب والسنة، وأعظم الفقه في الكتاب والسنة هو الفقه الأكبر، وهو التوحيد والعقيدة الصحيحة ومعرفة ما يضادها ويخالفها.. وقد صنف أهل العلم في شتى الفنون مؤلفات راعوا فيها هذا التدرج سواء كان في العقيدة أو الحديث أو الفقه أو التفسير أو علوم الآلات.. ومن أشهر أمثلة التدرج في تعليم الطلبة ما كتبه ابن قدامة رحمه الله من كتب فقهية راعى فيها التدرج وهي: عمدة الفقه، ثم المقنع، ثم الكافي، ثم المغني. ولا نجد أهل مذهب من المذاهب الفقهية إلا وعندهم من المؤلفات ما يراعون فيه قضية التدرج فيكتبون مختصراً في الفقه، ثم تجد شرحاً مختصراً-وقد ينتقل إلى الشرح المتوسط مباشرة اكتفاءً بالمختصر عن حل ألفاظه وشرحه شرحاً موجزاً-، ثم شرحاً متوسطاً، ثم شرحاً مطولاً... وكذلك في كتب العقيدة توجد المختصرات ككتاب الأصول الثلاثة، ثم الشرح المختصر للأصول الثلاثة كحاشية ابن قاسم عليها أو شرح الشيخ ابن باز عليها، ثم الشرح المتوسط كشرح الشيخ أحمد النجمي، ثم الشرح المطول كشرح شيخنا ابن عثيمين .. فالتدرج في طلب العلم مهم غاية الأهمية، ومما ينبغي الاعتناء به، والاهتمام بتحقيقه.. والله أعلم. |
س2- اشتهرت رسالتكم «برنامجٌ علمي مُقترح لِمَن سَمَت همتُه في طلب العلم» فما هي قصة هذه الرسالة؟ وما الدوافع التي دفعتكم لكتابتها؟ وما هي المعايير التي اعتبرتموها من حيث اختيار المتون والشروح ثم بعد ذلك من حيث تصنيفها بحسب كل مرحلة؟ [لعل هذا يساعد كثير من طلبة العلم في قياس المتون والشروح التي لم تُذكر في رسالتكم فيلحقونها بنظائرها] الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد: قصة الرسالة لقد منَّ الله عليَّ بطلب العلم مبكراً وذلك عام 1404هـ = 1984م تقريباً كما شرحت ذلك في ترجمتي التي نشرتها بطلب من بعض الإخوة قبل نحو عشر سنوات. وكان عام 1409هـ = 1989م عاماً مميزاً بالنسبة لي، فقد أتممت حفظ القرآن الكريم، وتعرفت على دروس شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين رَحِمَهُ اللهُ التي يلقيها في المسجد الحرام بمكة المكرمة في العشر الأواخر من رمضان لما اعتكفت تلك السنة، ثم صرت أواظب عليها كل سنة، وفي نفس السنة تعرفت على بعض مؤلفات شيخنا العلامة محمد بن ناصر الدين الألباني وكان أول كتاب اقتنيته له رحمه الله : «تمام المنة في التعليق على فقه السنة»، وفي تلك الأيام كانت بداية قراءتي في المصطلح فقرأت «المنظومة البيقونية» بشرح حسن المشاط، وتعليقات فواز زمرلي اللبناني. ومن تلك الأيام بدأ اهتمامي باقتناء الكتب، وتأسيس مكتبة علمية، وكنت أجمعها حسب ما أسمعه من المشايخ، أو أقرؤه في الكتب.. ثم في السنة التي بعدها 1410هـ التقيت بالشيخ الألباني رَحِمَهُ اللهُ في جدة، ثم جاء رابغ –حيث كنت ساكناً وفيها ناشئاً- فلازمته ذلك اليوم الذي جاء فيه، وهكذا مما زاد في همتي في الطلب، ونهمي في تحصيله والتزود منه.. ثم في عام 1411هـ سافرت إلى الأردن للزيارة وزرت شيخنا الإمام الألباني رَحِمَهُ اللهُ واستفدت من توجيهاته. ثم في عام 1412هـ رحلت إلى مدينة عنيزة بالقصيم ومعي زوجتي لطلب العلم عند شيخنا العلامة ابن عثيمين رَحِمَهُ اللهُ ، وحضرت الدورة الصيفية التي يراعي فيها شيخنا حال الطلاب، ومنهجية الطلب، والتدرج فيه.. وبعد عدة أشهر من سفري إلى القصيم جاء قبولي في الجامعة الإسلامية فالتحقت بكلية الحديث الشريف، وداومت فيها ابتداء من عام1413هـ.. وفي الجامعة الإسلامية راعى القائمون على المنهج التدرج في التعليم حسب الحال، وكنت أواظب على الجلوس في المسجد النبوي من المغرب إلى العشاء لحضور دروس العلماء.. وكنت قد جعلت بعد الفجر موعداً لعرض القرآن برواية قالون ثم ورش على بعض القراء... وأثناء دراستي في الجامعة كنت أُدَرِّسُ زملائي في النحو، ثم فتحت درساً خاصاً في كيفية الحكم على الحديث، ثم في بيان قواعد منهج السلف.. وقد نفعني التدريس كثيراً، فكنت أتعرف على مقدرة الطلاب وعقلياتهم، والكتب التي يفهمونها، ويسهل عليهم استيعابها .. وفي عام1416هـ وفي السنة الرابعة في كلية الحديث بينما كنت جالساً في الفصل الدراسي إذا بأحد زملائي من جُهَيْنَةَ، والذين كانوا معي على كرسي الدراسة من السنة الأولى، ففاجأني بطلب غريب! حيث قال لي: إن تخرجنا قريب، وسأكون منشغلاً بالتدريس، فأريد أن تكتب لي برنامجاً أطلب فيه العلم!! وقد كان لهذا السؤال وقع غريب عليَّ، واندهشت منه اندهاشاً عظيماً، حيث إن الذي طلب مني هذا الطلب: طالب علمٍ، وزميل لي في الجامعة، وسيكون بعد أشهر حاصلاً على الليسانس، وهو في عرف الجامعات الشرعية بمرتبة(شيخ)، وسيكون معلماً لأجيال.. ثم لما تأملت في الأمر وجدت أن هذا الطلب جاء من واقع أليم يعيشه كثير من طلبة العلم حيث إنهم لا يسلكون المنهجية الصحيحة في طلب العلم، بل يحضرون بعض مجالس المشايخ، ثم يدخل الجامعة للاستفادة، فيجد مستوى الجامعة عالياً أكبر مما كان يظنه، فيضطر لمواكبة الجامعة لينجح، ويكمل المسيرة، فيركز أولئك الطلاب على المذكرات التي يكتبها المدرسون أو الطلبة المتميزون، ويجعل همته في النجاح فيتحقق له، لكن أكثر ذلك العلم ينسى.. فمع تَرَفُّعِ الطالب من مرحلة دنيا إلى مرحلة عليا إلا أنه يشعر بفراغ في داخله بسبب اختلال بنيانه، وبسبب عدم إتقانه لعلوم أو دروس كان يجب عليه أن يتقنها لما تنبني عليه .. فمثلاً: مادة أصول الفقه. لما كنا ندرس في المدارس النظامية لم ندرس هذا العلم، وإن كان يدرسه طلبة المعاهد العلمية، وثانوية الجامعة الإسلامية، وطلبة معهد الحرم، لكننا ما درسناه، ثم نجد أنفسنا في السنة الأولى من الجامعة الإسلامية في كلية الحديث الشريف عام1413هـ ندرس مادة أصول الفقه كاملة خلال عام دراسي واحد (مشتمل على فصلين دراسيين) !! فإذا لم يكن عند الطالب أسس علمية، وقدرة علمية على الفهم والاستيعاب، ومراجعة ومذاكرة لذلك العلم فإنه سيصعب عليه جداً فهم تلك المادة.. فهذا مثال وعلى ذلك فقِسْ. فعملت لذلك الأخ برنامجاً علمياً لطلب العلم، راعيت فيه التدرج، والكتب المعتمدة في الفنون غالباً .. وكتبته بخط يدي، ثم كتبه هو بالكمبيوتر، حيث كنت في تلك الفترة لا أعرف كيف يتم تشغيل الكمبيوتر! وما زلت أصححه وأراجعه، وأستشير أهل العلم فيه حتى تمت طبعته الأولى بعد عشر سنوات من تأليفه وذلك عام 1426هـ ! وقد عرضته على الشيخ ربيع والشيخ عبيد والشيخ عبدالله بن غديان وفرح به الشيخ الغديان جداً، وانبسط معي مع أن لقائي معه كان الأول، فوجدت منه من الإكرام والاحترام ما زاد ذلك من مكانته في صدري رَحِمَهُ اللهُ، فقد كنت حريصاً على زيارته كلما ذهبت لدار الإفتاء.. وأثنى عليه مشايخ كثيرون حتى قال لي بعض المشايخ سأبدأ بتدريس أولادي بناء عليه! والحمد لله على توفيقه. الأسباب الدافعة لكتابة تلك الرسالة مع ذكر الأسباب المعينة لي في ذلك بينت قصة الرسالة وفيها الدافع الأساس لكتابتها، مع بيان أمر مهم ساعدني في ذلك. ففي عام 1411هـ افتتحت في رابغ أول مكتبة للكتب الشرعية من قبل بعض الشباب وفقهم الله، فكنت أول شخص عمل في تلك المكتبة، فلما زاولت العمل في المكتبة جعلني ذلك أزداد من مطالعة الكتب، ومعرفة محتوياتها، والفن الذي تندرج تحته.. وكنت أشتري الكتب لنفسي وأعمل بعض الملخصات للكتب التي أقتنيها، وفوائد منها. ثم لما دخلت الجامعة الإسلامية كنت أجلس في المكتبة المركزية وأطلع على الكتب التي ليست عندي وأعمل لها مذكرة تعريف بالكتاب ومؤلفه، ومادة الكتاب، وفوائد أستفيدها، أو ملاحظات أجدها عليه من سقط أو تصحيف أو أمر مشكل.. ثم اشتغلت ببيع الكتب في الجامعة في أواخر السنة الثالثة وأوائل السنة الرابعة وأنا في كلية الحديث فزاد من معرفتي بالكتب، والطبعات الجيدة فيما يظهر، ومعرفة التحقيقات وجودتها.. فعمل طالب العلم ببيع الكتب قد يفيده إذا نظم وقته، ولم تشغله التجارة عن طلب العلم، وقد تضره وذلك إذا اشتغل بالتجارة واهتم بالمال فربما ضاع علمه، وربما ضعف دينه لا سيما إذا كان همه تسويق الكتب وتنفيقها لا النصيحة في بيعها.. وإني لا أزكي نفسي لكني كنت معروفاً بنصحي للطلاب في ذلك،وأحرص على توفير الكتب التي أجد نفسي مطمئناً لفائدتها ونفاستها، و(أحب للناس ما أحب للنفسي) .. بل كنت أحاول من تقليل الربح حتى أخفف على الطلاب من مؤنة الشراء، لكني كنت أغفل أن هذا قد يضر ببعض المكتبات إذا كان السعر الذي أبيع به لا يتمكنون من البيع به لنفقات الإيجار والعمالة ونحو ذلك، وأستغفر الله من ذلك.. إلا ما كان من أيام المعرض فهذا مجال التنافس، وهو حال خاص، وقد سبب لي هذا الأمر مشاكل عديدة مع تجار الكتب، مما زهدني في الاستمرار في بيع الكتب، إضافة إلى أن الطلاب يطلبون الكتب في كل وقت، وهذا يشغلني عن طلب العلم، ورأيت أن هذا يضيع وقتاً ثميناً عندي فتركت بيع الكتب والحمد لله.. فيتلخص مما سبق أن الأسباب الدافعة لكتابة رسالتي في طلب العلم: 1-طلب بعض الإخوة ذلك مني. 2- وافق رغبة عندي في نفع الناس ودلالتهم على الطريق الرشيد في طلب العلم. 3- معرفتي بالكتب، ومواضيعها، وأحوال مؤلفيها حينها، وجودة طبعاتها. 4- لم أجد كتاباً عالج هذه القضية كما عالجتها. 5- حث الناس على طلب العلم وتيسير ذلك لهم لا سيما أصحاب الوظائف والأعمال. والله الموفق الأمور التي راعيتها في اختيار الكتب 1- بدأت بالاهتمام بكتاب الله فهو الهدى والنور. 2- ثنيت بالاهتمام بالسنة النبوية الصحيحة، وجعلت للكتاب والسنة النصيب الأوفى في الطلب حيث يكون ذلك في البرنامج اليومي إضافة إلى البرنامج الأسبوعي. 3-راعيت في الكتب أن تكون معتمدة في ذلك الفن عند أهله، أو مما اطلعت عليه من جمع جديد لكنه وافٍ في المقصود. 4- كان التدرج من أساسيات البرنامج فأنتقي من الكتب ما يليق بالمرحلة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة.. فراعيت سهولة العبارة، وقوة التصنيف، وكثرة الإفادة، وإمامة المصنف وهذا غالباً.. 5-أحرص على الكتب التي ألفها السلفيون، ثم الأقرب إليهم إذا كان ذلك الكتاب عمدة في الفن وجرى عمل العلماء على النصيحة به.. 6- أحرص على النصح بالكتاب المحقق المجوَّد طباعة وتحقيقاً ما استطعت إلى ذلك سبيلاً حسب معرفتي، وأحرص على أن يكون المحقق سلفياً. 7- إذا كان الكتاب معتمداً في فن من الفنون وحاجة طالب العلم إليه ماسة-من غير المبتدئين- ولم أجد إلا من يكون محققه من غير السلفيين فأنظر في تحقيقات الكتاب فمن كان شره أخف مع إتقانه طبع الكتاب نصحت به، وإن كانا في الشر سواء فأقدم من كان مغموراً غير معروف إن كانت طبعته متقنة وهكذا أراعي ما يكون أنفع للطلاب وأخف شراً.. فهذا في اختيار المحققين لا المؤلفين.. 8-إذا صار طالب العلم متمكناً في العلم، قد رسخ فيه، فحينئذ يستطيع التمييز بين جيد الكتب وسقيمها من ناحية المعتقد، وكثرة الفائدة وقلتها، لذلك كانت الكتب التي بعد المستوى الرابع جامعة لكتب الفنون وإن كانت على غير شرطي السابق في الانتقاء. 9- بعض أولئك المصنفين أو المحققين كانوا معروفين بالانحراف إلا أن كون ذلك الكتاب لا يحوي شيئاً مما عندهم من الانحراف، وبكونه من المقررات عندنا، ومما اشتهرت نصيحة العلماء به تسامحت في ذكر بعض الكتب التي لا تتوفر فيها شروطي السابقة.. 10- بعض المؤلفين والمحققين لم أكن أعرف منهجهم بل كنت أسمع أنهم سلفيون، ثم مع الأيام تبين حالهم، فهؤلاء لا أنصح بهم، بل أحذر منهم، وستصدر بإذن الله طبعة جديدة فيها تعديلات، مع طبع منتقى يصلح للمبتدئين.. والله أعلم |
س3- يرى الناظر في حال كثير من طلبة العلم الفوضى العلمية سواء في دراسة الكتب على الشيوخ أوالقراءة المستقلة، وكذا كثرة التنقل من شارح لآخر، وأمور عديدة فما هو سبب هذه الفوضى في نظركم ؟ وما هو سبب عزوف كثير من طلبة العلم عن سبيل من قبلنا من العلماء؟ هل صارت تلك الطرق غير مجدية؟ أم ماذا؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فإن ثمة فوضى موجودة عند كثير من الناس الذين يبتغون طلب العلم لكنهم لا يسلكون السبيل الصحيح فيه.. وتعود الفوضى، والبعد عن منهج المتقدمين في طلب العلم إلى عدة أسباب: الأول: حرص الطالب على طلب العلم مع عدم وجود من يوجهه، فيكثر التنقل بين الفنون وبين الشروح دون جدوى ظاهرة، فهو كالتائه يبحث عما يرضي نفسه، ويروي غليله، لكنه لعدم الموجه فلربما أدت هذه الفوضى إلى انتكاسة، أو إملال، أو زهد في بعض الفنون أو الشروح، بل ربما أدى ذلك إلى عقدة نفسية عنده أن ذلك الشرح أو ذلك الموضوع أو ذلك العلم صعب بسبب هجومه عليه بدون موجه، مع عدم وجود قدرة عقلية عنده لفهم ما قرأ وأراد أن يتعلم.. لذلك على الطالب أن يسأل أهل العلم والخبرة في منهجية طلب العلم حتى لا يقع له انتكاسة أو عُقدة، وإذا رأى من نفسه قوة ومحبة لقراءة شرح من الشروح أو موضوع من المواضيع فعليه أن يهيء نفسه لأي أمر طارئ كاحتمال عدم فهمه للموضوع، أو صعوبة ذلك الشرح، وليضع في عقله وباطنه أنه إذا عسر عليه فهمه أو أداه إلى الملل أن يترك ذلك الكتاب أو الشرح أو الموضوع إلى وقت لاحق على سبيل الاستعداد لا على سبيل الهروب والعجز.. لأن القراءة ضرب من الجهاد فيها كَرٌّ وفَرٌّ، لكنه فرار يَكِرُّ بعده.. الثاني: اغترار الطالب بنفسه، فلا يعرف مستواه العقلي والذهني والنفسي، فيهجم على الشروح الكبار يريد تقحم الصعاب، ومعاكسة نفسه وحاله، أو أداه إلى ذلك الغيرة أو الغبطة أو المنافسة مع زملائه، فبينما هو في ذلك الحال إذا به يجد نفسه حائراً، ويجد استيعابه ضعيفاً، وتجده متخبطاً كالغريق لا يدري ما يصنع، هذا إذا سلم من العناد والجدل الباطل.. فعلى الطالب أن يعرف قدر نفسه، وأن يتقي الله قدر استطاعته، وأن لا يكلف نفسه ما لا تطيق، وأن يرفق بنفسه التي بين جنبيه فإذا لم يراعها فستهلكه وتشقيه.. الثالث: المُوَجِّهُ القاصر. فمن أسباب الفوضى الموجودة عند بعض الطلبة عدم توفيقهم لمعلم صالح، وموجه عارف، بل يكون موجهه يحتاج إلى توجيه وتعليم. لذلك يحرص طالب العلم على سؤال أهل العلم والخبرة، ولا يسأل أي مدرس أو أي طالب، بل من عرف عنه تمكنه في هذا لباب الذي يسأل فيه.. الرابع: كثرة وسائل التعليم ومغرياته مع وجود العجلة في التحصيل . كَثُرَتْ في زماننا وسائل التعليم فوجد الإنترنت ومواقع الكتب والأبحاث، فصار أمر البحث والطلب أيسر من ذي قبل، فيرى الطالب الأشرطة الصوتية في متناول يده، ويرى الغرف والإذاعات الصوتية على مرأى منه ومسمع، مع ضعف الرقابة الخارجية عليه، فهو يستطيع أن يدخل أي موقع أو أي غرفة للسنة أو أهل البدع دون رقيب أو محاسب من الناس إلا من شاء الله، فيؤديه هذا إلى الوقوع في الفوضى إذا لم يتقي الله، ويكبح جماح نفسه، ويعرف ما يكون فيه مصلحته. فعلى طالب العلم أن لا يغتر بهذه الوسائل، بل يستفيد منها عبر برنامج علمي يعمله لنفسه متبعاً في ذلك توجيهات أهل العلم حتى يصعد السلم درجة درجة، ويكون طالب علم متمكناً بإذن الله.. الخامس: عدم وجود أهل العلم والتوجيه في كثير من الأماكن أو صعوبة الوصول إليهم. وهذا من أعظم أسباب الفوضى عند كثير من الشباب، فيضطر الطالب ليسلك دربه بنفسه، فتقع له الفوضى والأخطاء.. ومن فوائد الوسائل الحديثة أن يسرت قضية الاتصال بالعلماء أو طلبة العلم العارفين، فعلى طالب العلم الاستفادة من هذه الوسائل ليحصل على التوجيه السديد.. وعلى طالب العلم أن يحرص على تلقي العلم من العلماء أو طلاب العلم المتمكنين ولا يكون جل اعتماده في الطلب على نفسه، بل يجب أن يبذل جهده في طلب العلم على أهله. وكذلك لا يكون عالة على المشايخ، بل يأخذ منهم التوجيهات، ويحضر دروسهم، وإذا كانت عنده قدرة على التوسع والبحث فعليه أن يستفيد من وقته في توسيع مداركه، وتقوية علميته، وتنمية تحصيله.. السادس: عدم توفر الكتب التي توافق مستواه فيلجأ إلى ما هو أعلى من مستواه فيقرأ فيه لأنه هو المتسير له.. وقد يسرت الوسائل الحديثة هذا الأمر وسهلت أمر حصوله على كثير من الكتب التي كانت معدومة في بعض البلدان، فبإمكانه شراؤها، أو الاستفادة منها عبر الإنترنت.. فهذه أعظم الأمور التي ظهر لي أنها أسباب الفوضى في طلب العلم عند كثير من الشباب.. مع العلم أن التنقل بين الشروح، والانتقال من متن لآخر قد يكون إيجابياً أحياناً، وذلك إذا وافق مستواه العلمي والعقلي، وأراد ترويض النفس حيث إنها قد تمل من متن فينتقل لآخر لتنشيط النفس، ولكنه يعود لإتمام المتن السابق أو مراجعة ما تعلمه منه.. وكذلك ربما كان التنقل بين الشروح للتوسع في فهم المسألة التي يبحثها أو يدرسها، وعنده استعداد عقلي وعلمي لذلك، فلا يكون تنقله بين الشروح من الفوضى .. المشكلة تكمن فيمن يبدأ بمتن معين في فنٍّ معين فيقرأ منه يسيراً، ثم ينتقل لآخر بدون حاجة لذلك، ثم لآخر وهكذا فتكون عنده فوضى وعدم تركيز لسبب من الأسباب السابقة فهذا هو موضع النقد.. مثل شخص يريد أن يقرأ في مصطلح الحديث فوجهه موجه إلى المنظومة البيقونية فيقرأ فيها عدة أبيات، ثم يبلغه أن نخبة الفِكَر أفضل فينتقل إليها! ثم يبلغه أن دراسة كتاب الشيخ ابن عثيمين في المصطلح أفضل فينتقل إليه! وهكذا يكون مضطرباً مع صغر حجم تلك المتون وسهولتها، وتوفر شروحها.. فربما لو وفق لموجه عارف لوجهه ابتداء إلى كتاب الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فأراحه، أو وجهه إلى البيقونية مع شرح يسير لها يكون كافياً له في البداية.. مع التنبيه أن بعض الطلاب عنده قدرة استيعابية لقراءة أكثر من متن، وقراءة أكثر من شرح، وحضور عدة دروس في اليوم، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.. والله أعلم. |
الاسئلة
أعود إلى الأسئلة: س4:يذكر بعض العلماء عند قضية التدرج مسألة إفراد العلوم بالدراسة، كأن يعتكف الطالب على علوم اللغة أو التفسير أو الأصول حتى يبلغ فيها ما شاء الله ثم ينتقل بعدها إلى علم آخر،فما رأيكم في هذه الطريقة ومدى إمكانية تطبيقها عمليًّا؟ خاصة وأنَّ كثيرا من أهل العلم ينصون على أنَّ العلوم الشرعية تكامليَّة فمن الأصول ما لن تفهمه إلا باللغة و من أصول التفسير ما لن تفهمه إلا بالأصول وهكذا، فهل يُحمل كلامهم على المراحل الأولى من كل فن ثم بعدها لابد من الجمع حتى يكتمل تصور الطالب لمسائل هذه الفنون أم ماذا؟ س5: نجد أنَّ بعض من ألَّف في آداب طلب العلم ينص على ابتداء الطريق بحفظ القرآن وبعض السنة وبعض المتون قبل الشروع في دراسة العلوم الشرعية بقسميها، فهل هذا يتماشى مع حال كثير من طلبة العلم في هذا الزمان حيث يشرعون في طلب العلم بعد مُضي سنوات عديدة من عمرهم، فهل نقول لهم هنا ابدأوا بحفظ القرآن!، أم من الممكن أن يجمعوا بين هذا وذاك، خاصة بعض العلوم التي صارت بالنسبة لهم الآن عينية كعلم العقيدة وأحكام الطهارة والصلاة ونحوها؟ وهكذا السؤال في تقديم حفظ المتون على الدراسة العملية لمن كان هذا حاله؟ س6: يواجه كثير من طلبة العلم في طريق دارستهم معضلة، وهي كيفية الجمع بين ترقيق القلب وتهذيب النفس من جهة والعلم الشرعي من جهة أخرى، وذلك لعدة عوامل: أ- انخراطهم في دراسة علوم الآلة في أول الطلب بل ووسطه ولابد، وطبيعة هذه العلوم في كثير من مسائلها نظرية أو عقلية أو أقلها ليست على علاقة مباشرة بالوعظ والرقائق. ب- أنه وإن درس الفقه أو التفسير أو العقيدة فمع قلة علمه لا تقرع تلك الحِكم والعِبر قلبه كالعالم الذي ربما إذا سمع حديثا في الطلاق بكى مما يجده من دلائل الحق وحكمة الشرع كما قال تعالى "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ " ج- قلة المربين من المشايخ فلربما وجد مَن يدرسه لكن قل أنْ يجد مربيًّا يهذبه ويصفيه من أدران شوائب الأخلاق السيئة والشهوات المنحرفة. فلما كان الأمر هكذا ومع قلة الرفيق المُعين الناصح أيضًا فالسؤال: ما هي الكتب التي تنصحون بقراءتها في باب الرقائق سواء من الكتب القديمة أو الحديثة؟ لكن أخص الحديثة بالذكر لِما يشتكي بعض المبتدئة من فهم كلام ابن القيم أو ابن الجوزي -رحمهم الله- لاستطرادهم في كثير من المواضع، واستخدامهم ربما عبارات أو لغة تفوق فهم هذا المبتدئ-في زماننا- وبعيدة عن الوصول إلى مشاعره لغرابة تلك اللغة عن حياته اليومية؟ وأعتذر عن الإطالة في بعض المواضع لكن أردت إيصال صورة المسألة بتمامها، وجزاكم الله خيرًا ! |
س4:يذكر بعض العلماء عند قضية التدرج مسألة إفراد العلوم بالدراسة، كأن يعتكف الطالب على علوم اللغة أو التفسير أو الأصول حتى يبلغ فيها ما شاء الله ثم ينتقل بعدها إلى علم آخر،فما رأيكم في هذه الطريقة ومدى إمكانية تطبيقها عمليًّا؟ خاصة وأنَّ كثيرا من أهل العلم ينصون على أنَّ العلوم الشرعية تكامليَّة فمن الأصول ما لن تفهمه إلا باللغة و من أصول التفسير ما لن تفهمه إلا بالأصول وهكذا، فهل يُحمل كلامهم على المراحل الأولى من كل فن ثم بعدها لابد من الجمع حتى يكتمل تصور الطالب لمسائل هذه الفنون أم ماذا؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد : فإن العلم ينقسم باعتبارات عديدة، ومن هذه الاعتبارات من حيث وجوب تعلمه على الأعيان أم على الكفاية، وهو ينقسم إلى قسمين: الأول: علم فرض عين على كل مسلم تعلمه كعلمه بالشهادتين، وشروطهما، وما ينقضهما، وما يجب من تحقيقهما على سبيل الإجمال، وكذلك الصلاة وشروطها وأركانها وواجباتها ونواقضها، وكذلك إذا كان له مال فيحتاج أن يعرف ما تجب فيه الزكاة، وكيفية إخراجها، وكذلك إذا أراد الصيام إما بحلول شهره أو كفارة أو نذر أو تطوع لزمه تعلم شروطه وواجباته ومبطلاته، ويعرف المحرمات ليتجنبها، وهكذا .. وما كان مستحباً من تلك العبادات أو مكروهاً من الأقوال والأعمال استحب له تعلمه، ليعمل بالمستحب ويتجنب المكروه.. الثاني: علم فرض الكفاية وهو معرفة تفاصيل المسائل التي لا يجب تعلمها على الأعيان كحفظ القرآن كاملاً، ومعرفة تفسيره، ودراسة تفاصيل العقيدة مما هو زائد على فرض العين، وكذلك دراسة تفاصيل مسائل الفقه من عبادات ومعاملات، وكذلك دراسة علوم الآلات كالنحو، والبلاغة، وأصول التفسير، وأصول الحديث (المصطلح)، وأصول الفقه.. فما كان من فروض الأعيان فيجب على كل مسلم تعلمه من ذكر أو أنثى، ذكي أو ليس كذلك، فقيه أو ليس كذلك، بل كل مسلم يجب أن يتعلم ما كان فرض عين عليه حسب استطاعته، وأهم ذلك ما يصحح إسلامه وإيمانه، ثم ما يكمله الكمال الواجب.. أما ما كان من فروض الكفايات من العلوم فهذا الذي تسلك فيه طريقة إفراد العلوم لمن شاء أن يسلك تلك الطريقة .. وأولى ما يهتم به طالب العلم حفظ القرآن الكريم، ولكن لو كان عنده طاقة لحفظ شيء من السنة إضافة لما خصصه لنفسه من حفظ القرآن الكريم فله ذلك، كذلك لو أضاف حفظ شيء من المتون العلمية في فن من الفنون فله ذلك بشرط أن يكون عنده وقت كافٍ، وأن يكون عنده استيعاب لذلك وقدرة على الجمع بين الفنون.. وهذه من الحالات النادرة أو القليلة عند الطلاب، والأولى للطالب أن يركز فيما يدرس وفيما يجد همته مصروفة إليه، وفيما يجد نفسه منسبطة ومنشرحة له.. ونصيحتي لطالب العلم الذي يكون حفظه محدوداً، أو لم يتوسع قلبه للحفظ بعد بحيث إنه في بداية الطلب أن يقسم وقته إلى قسمين على الأقل. القسم الأول: يجعله لحفظ القرآن الكريم شيئاً فشيئاً، ويكثر من الترداد والتكرار لما يحفظه من القرآن في صلاته الفريضة والنافلة، وأثناء مشيه إلى المسجد أو إلى المدرسة أو الجامعة، أو السوق ونحو ذلك، فيكون القرآن جليسه ورفيقه في معظم أحواله ليسهل عليه الحفظ، ويتوسع قلبه له.. القسم الثاني: أن يخصص وقتاً لدراسة علم من العلوم الشرعية، فحبذا لو بدأ بالعقيدة، فيقرأ بعض المتون ثم الشروح المختصرة ليلم بمسائل المعتقد، لا سيما فيما يتعلق بالمنهج السلفي ليصون نفسه من الانحراف.. ثم بعد ذلك إن شاء بدأ بتعلم التفسير أو الفقه أو الحديث أو علوم الآلة كالنحو والصرف والبلاغة والمصطلح والأصول.. ودراسته لابد أن تكون تحت التوجيه والإرشاد، وبعد سؤال موجه عارف بمنهجية طلب العلم حتى لا يقع في الحيرة .. والذي أراه أنسب للطالب أن يلم بأكثر فنون العلم إلماماً مختصراً ليكون عنده تصور أولي لعلوم الشريعة، فيدرس مختصراً يسيراً في كل فن من الفنون، مع أنه لو أخر دراسة الأصول والمصطلح والبلاغة وأصول التفسير فلا حرج عليه، لكن من العلوم المهمة في بداية الطلب تقويم اللسان بتعلم النحو، وتقويم قراءة القرآن بتعلم التجويد، ثم يدرس مختصراً في الفقه أو الحديث أو التفسير –بعد مختصر في العقيدة- أو مختصر في المصطلح أو أصول الفقه .. فإذا درس مختصراً في أكثر تلك الفنون، وألم بها إلماماً موجزاً ينظر في نفسه إلى ماذا تميل من الفنون، فإن وجدها تميل لعلوم العقيدة توسع فيها، وإن وجدها تميل للفقه توسع فيه، وإن وجدها تميل للمصطلح توسع فيه وهكذا.. فإن كانت الأمور عنده مستوية ركز في علوم الآلة وأعطاها حقها فيدرس النحو والصرف، ويدرس البلاغة، ويدرس في المصطلح، وأصول الفقه وهكذا حسب ما يوجهه إليه أستاذه وشيخه .. وخلاصة الأمر أن التخصص في فن من الفنون بحيث يصرف فيه همته، ويقضي فيه جُلَّ وقته فهذا يكون بعد اشتداد العود في الطلب، وبعد تأصيل نفسه بأصول العلوم الشرعية، وبعد أن يكون عنده حصيلة علمية قوية، فبعد ذلك يتخصصليكون مبدعاً، مفيداً للأمة.. ولو أراد التخصص بعد المرحلة الأولى في الطلب فلا بأس بذلك لكن مع إعطاء وقت ولو كان يسراً للعلوم الأخرى ليشتد عوده في العلم، وحتى لا يأتيه الخلل من العلم الذي لم يتمكن فيه.. وفي أثناء دراسته وعلمه يهتم ببعض العلوم المساعدة التي تنشط النفس، وتجدد النشاط، ويستفاد منها العظات والعبر ألا وهي علم التاريخ والتراجم، وكذلك الزهد والرقائق، ففيها من الفوائد ما الله به عليم، لكن يقرأ فيما يوثق فيه من الكتب ... والله أعلم |
س5:نجد أنَّ بعض من ألَّف في آداب طلب العلم ينص على ابتداء الطريق بحفظ القرآن وبعض السنة وبعض المتون قبل الشروع في دراسة العلوم الشرعية بقسميها، فهل هذا يتماشى مع حال كثير من طلبة العلم في هذا الزمان حيث يشرعون في طلب العلم بعد مُضي سنوات عديدة من عمرهم، فهل نقول لهم هنا ابدأوا بحفظ القرآن!، أم من الممكن أن يجمعوا بين هذا وذاك، خاصة بعض العلوم التي صارت بالنسبة لهم الآن عينية كعلم العقيدة وأحكام الطهارة والصلاة ونحوها؟ وهكذا السؤال في تقديم حفظ المتون على الدراسة العملية لمن كان هذا حاله؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد فقد سبق في جواب السؤال الرابع بيان تقسيم العلم من حيث وجوبه على العين أو الكفاية، ويدخل فيه ما يفترض عليه عيناً من حفظ القرآن وهو سورة الفاتحة، ثم يحفظ ما تيسر من القرآن لتطبيق السنة، لكن حفظه كاملاً من فروض الكفاية، وأولى ما يحرص عليه طالب العلم، لأن مرد علوم الشريعة إلى القرآن الكريم، فبه يزيد الإيمان، ويعظم الفهم والتدبر، ويتسع قلبه لحفظ علوم الشرع، ويقوم لسانه، ويثبت جنانه، ويحسن أدبه وأخلاقه.. لكن لا مانع من الجمع بين حفظ القرآن وتعلم علوم الشريعة الأخرى كما سبق في الجواب عن السؤال الماضي. والله أعلم. س6:يواجه كثير من طلبة العلم في طريق دارستهم معضلة، وهي كيفية الجمع بين ترقيق القلب وتهذيب النفس من جهة والعلم الشرعي من جهة أخرى، وذلك لعدة عوامل: أ-انخراطهم في دراسة علوم الآلة في أول الطلب بل ووسطه ولابد، وطبيعة هذه العلوم في كثير من مسائلها نظرية أو عقلية أو أقلها ليست على علاقة مباشرة بالوعظ والرقائق. ب- أنه وإن درس الفقه أو التفسير أو العقيدة فمع قلة علمه لا تقرع تلك الحِكم والعِبر قلبه كالعالم الذي ربما إذا سمع حديثا في الطلاق بكى مما يجده من دلائل الحق وحكمة الشرع كما قال تعالى "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ " ج- قلة المربين من المشايخ فلربما وجد مَن يدرسه لكن قل أنْ يجد مربيًّا يهذبه ويصفيه من أدران شوائب الأخلاق السيئة والشهوات المنحرفة. فلما كان الأمر هكذا ومع قلة الرفيق المُعين الناصح أيضًا فالسؤال: ما هي الكتب التي تنصحون بقراءتها في باب الرقائق سواء من الكتب القديمة أو الحديثة؟ لكن أخص الحديثة بالذكر لِما يشتكي بعض المبتدئة من فهم كلام ابن القيم أو ابن الجوزي -رحمهم الله- لاستطرادهم في كثير من المواضع، واستخدامهم ربما عبارات أو لغة تفوق فهم هذا المبتدئ-في زماننا- وبعيدة عن الوصول إلى مشاعره لغرابة تلك اللغة عن حياته اليومية؟ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فهذه الشكوى في محلها، حيث إن بعض طلبة العلم تجد عنده ضعفاً في تزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، وتجد عنده قسوة في القلب، وغلظة في الطبع.. ومن الأسباب في ذلك اشتغاله بما يقسي القلب كالكلام في الناس بغير موجب شرعي، فتجده متساهلاً في الغيبة، لا سيما فيما يتعلق بعامة الناس، فتجد بعض الطلبة يتندرون بالبائع الفلاني، والجار الفلاني، ونحو ذلك مما لا يكون لذكر ما يكره من حال أخيه موجب شرعي كنصيحة أو شهادة ونحو ذلك.. ومن الأسباب كذلك الاشتغال بكتب الكلام والفلسفة وأهل وحدة الوجود ونحو ذلك مما يظلم القلب، وينقص الإيمان بل قد ينقضه .. ومن الأسباب كذلك ضعف الإخلاص، وكونه يدرس للمراءاة، وللسمعة، وليكون فوق أقرانه مع اغترار بالنفس وكبر وعُجْب ونحو ذلك من الأدواء المهلكة .. ومن الأسباب كذلك ضعف مراقبة الله، والتساهل في الأخذ دون تمييز أو نظر فيما يقربه من الله أو يبعده عن الله عز وجل.. ومن الأسباب كذلك مجالسة أهل البدع والأهواء، وأهل الفسق والمجون، فصحبتهم للقلوب ممرضة، وعن الله مبعده، ويخاف على الطالب أن يطبع الله على قلبه عقوبة له على مجالسته لأهل الأهواء، وأصحاب الفتن، والفسقة والفجرة .. ومن الأسباب كذلك التهاون في قراءة القرآن الكريم، وفي حضور صلاة الجماعة، وفي سماع الوعظ والتذكير ممن كان سلفياً على الجادة .. وأما دراسة علوم الآلة، وكونه مبتدئا في طلب الفقه والمصطلح والحديث ونحو ذلك فلا يكون ذلك سبباً في ضعف اهتمامه بتزكية النفس وتهذيبها، بل يستطيع أن يحافظ على تهذيب النفس وتزكيتها أثناء دراسته للعلوم الشرعية سواء كان مقصوداً لذاته، أو من علوم الآلة .. فإن طالب العلم ينبغي له أن يتعرف على آداب طالب العلم قبل أن يبدأ في الدراسة، فسيجد من هذه الآداب ما يزيد إيمانه ويبعثه على تصحيح نيته، وتهذيب نفسه وتزكيتها حتى وهو يدرس النحو والبلاغة والمصطلح والأصول .. فمن قلة معرفة بعض الطلبة بآداب طالب العلم يؤتون، ويضعف اهتمامهم بتزكية النفس.. كذلك يوجد في بعض المدرسين من لا يتأدب بآداب المعلم فيكون له أثر في فساد بعض طلابه.. لذلك أنصح من يبتدئ في طلب العلم أن يقرأ بعض الكتب التي تتحدث عن أدب طالب العلم ومن ذلك: أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري. جامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر وهو كتاب كبير، فلو قرأ في «صحيح جامع بيان العلم وفضله» فهو مختصر حسن . كتاب الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي وهو كتاب مطول، فيرجع إلى «صحيح كتاب الفقيه والمتفقه» فهو مختصر حسن. فضل علم السلف لابن رجب. كتاب أدب الطلب للشوكاني. إرشاد الطلاب إلى فضيلة العلم والعمل والآداب للشيخ محمد بن عبدالعزيز بن مانع كتاب العلم لشيخنا العلامة محمد بن عثيمين، وله شريط نافع جامع في ذلك.. إلى غير ذلك من الكتب التي صنفت في هذا الباب فيرجع الطالب إلى ما يناسبه ويفهمه منها، مع أهمية أن يكون مؤلفه بعيدا عن الأهواء والبدع.. وأعظم ما يزكي النفس ويهذبها كتاب الله الكريم، فقراءته إيمان، ويزيد في الإيمان، وتدبره عبادة، ويزيد في الإيمان والله جل وعلا يقول: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}، وقراءة حرف من كتاب الله بعشر حسنات. وكذلك يستمع لقراء القرآن لا سيما من كان صوته بالقرآن ندياً والنبي ﷺ يقول: «ما أَذِنَ الله لِشَيْءٍ ما أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» متفق عليه. وقال ﷺ: «حَسِّنُوا-وفي رواية: زَيِّنُوا- الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ، فإن الصَّوْتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا». والنبي ﷺ كان يحب أن يسمع القرآن من غيره، وبكى عند سماعه قراءة عبدالله بن مسعودt. وقيام الليل بالقرآن من أحسن القربات والطاعات، كما قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }[المزمل/20] وقال جل وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ }[فاطر/29، 30] ومما يزكي النفس: قراءة سيرة النبي ﷺ وتاريخ حياته، وما في سنته من العظات والعبر، وما قصه لنا النبيﷺ عن الأمم السابقة وأنبيائهم فيه تزكية للنفس وإحياء لها.. كذلك كتب الزهد والرقائق والتي تعتني بإصلاح النفس، والترغيب والترهيب، وشحذ الهمة، ورفع المعنويات مما ينبغي على الطالب أن يعتني به.. فيقرأ في كتاب «صحيح الترغيب والترهيب للمنذري» لشيخنا الألباني رَحِمَهُ اللهُ. ورياض الصالحين للنووي(تحقيق: الشيخ الألبانِي) وينظر شرح شيخنا العثيمين. كتاب العاقبة لعبدالحق الإشبيلي. كتاب الداء والدواء، وإغاثة اللهفان، ومفتاح دار السعادة كلها لابن القيم.. كتاب ذكر الموت وقصر الأمل لابن أبي الدنيا كذلك زيارة القبور الزيارة الشرعية لتذكر الموت والاتعاظ بدون شد رحل مما يزكي النفس. كذلك العطف على اليتيم، ومسح رأسه، وإطعام المساكين، والصدقة، وأفعال البر، وصلة الأرحام، وزيارة الإخوة في الله، ومجالسة الصالحين الأخيار السلفيين الأبرار، وزيارة أهل العلم والفضل، والدعاء والإكثار منه، وكثرة الاستغفار، والتوبة، والذكر، والصلاة على النبيﷺ، والإكثار من نوافل الطاعات كنوافل الصلاة والصوم والحج والعمرة .. كل ذلك مما يزكي النفس، ويهذبها، ويعطي لطلب العلم طعماً ولذة .. أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، وأن يجعلني وإياكم من عباده المتقين .. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد |
س7: شيخنا الكريم -وفقك الله- إنَّ من العوائق التي يصطدم بها كثير من الناشئة من إخواننا في طريق طلب العلم مسألة التوفيق بين طلب العلم من جهة وإرضاء الوالدين والدراسة النظامية من جهة أخرى، فهم ملزمون من قبل والديهم بالدراسة النظامية التي قد تكون في كثير من الدول الإسلامية بعيدة عن المواد الشرعية حتى نفس المواد الشرعية النظامية قد تكون في كثير من الأحيان مخالفة للمنهج الصحيح، فما هي نصيحتكم لهؤلاء الإخوان؟ بالإضافة لما تستهلكه تلك الدراسة من أوقات وساعات فهل هناك من سبيل للجمع بين هذا وطلب العلم الشرعي؟، وجزاكم الله خيرًا !
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فإن طلب العلم الشرعي عبادة، وطاعة الوالدين بالمعروف وبرهما والإحسان إليهما عبادة، والمسلم لا تقبل منه العبادة إلا بشرطين وهما: إخلاص العمل لله تعالى، ومتابعة النبي ﷺ في أداء وعمل هذه العبادة.. فيستحضر نية التقرب إلى الله عز وجل حال طلبه للعلم، وكذلك في معاملته لوالديه بالمعروف، وبما يرضي الله جل وعلا. ولابد أن يعلم المسلم أن طاعة الوالدين تبعٌ لطاعة الله. ومحبة الله عز وجل، ومحبة رسوله ﷺ مقدمة على محبة النفس والوالدين والأهل والولد كما قال عز وجل: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران/31، 32]. وقال النبي ﷺ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ» متفق عليه. وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t: «لأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ نَفْسِي»، فَقَالَﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ»، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «فَإِنَّكَ الآنَ -وَاللهِ- أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي»، فَقَالَﷺ: «الآنَ يَا عُمَرُ» رَوَاهُ البُخَارِيّ. وطاعة الوالدين مقيدة بطاعة الله، وأن تكون بالمعروف الموافق للشرع، فإن أمرا بمعصية أو مخالفة شرعية لم تَجُزْ طاعتهما، ولا يكون ما صدر منهما من المخالفة الشرعية موجباً للعقوق . قال الله عز وجل: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت/8] وقال سبحانه وتعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[لقمان/15] وقال النبي ﷺ: «لَا طَاعَةَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ إنما الطَّاعَةُ في الْمَعْرُوفِ» متفق عليه. فإذا كانت الدراسة النظامية فيها اختلاط الرجال بالنساء، وفيها تدريس العقيدة الفاسدة ونحو ذلك من المخالفات الشرعية التي لا يتمكن الطالب من محاربتها، ولا حماية نفسه منها فلا يجوز له الدراسة في تلك الحال، ولا يجوز له طاعة والديه في ذلك الأمر، إلا من أكره، أو هدد بالطرد والإبعاد وخشي على نفسه الانحراف والانجراف إلى شر أعظم فلو صبر، وحاول الابتعاد عن الشر قدر إمكانه فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى، والله يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}[التغابن/16]، ويقول جل وعلا: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة/286]. فإن لم يكن في الدراسة النظامية ما يمنع منها، أو كان مضطراً لها مكرهاً عليها فحينئذ يحاول أن ينظم وقته بين ما هو مكلف به في تلك المدارس، وما هو بصدد تحصيله من علوم الشرع.. والوقت من نعم الله تعالى التي يبارك فيها لمن أخلص لله عمله، وصدق مع الله، فإذا حرص طالب العلم على وقته، وأشغله بما فيه منفعته في الدنيا والآخرة فإن الله يبارك له في وقته وعمله الصالح {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة/282] .. وقد ذكرت في قصة كتابي «برنامج علمي عملي» أن من الأمور التي راعيتها عند كتابة البرنامج أن يكون للموظفين .. فالطالب في المدارس النظامية لديه وظائف يؤديها من دوام مدرسي، وواجبات مدرسية، ومراجعة الدرس وتحضيره، فينظم وقته بحيث يكون هناك وقت لا يقل عن ساعة في اليوم ولو متفرقة لدراسة العلوم الشرعية، أو لحضور درس، أو لسماعه عبر الوسائل الحديث سواء كان الدرس مباشراً في حينه أو مسجلاً.. مع حرصه على التركيز، وتدوين الملاحظات والفوائد، واستحضار نية التعبد بطلب العلم وابتغاء الأجر من الله، وأن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وأن الله جل جلاله، وملائكته المسبحة بقدسه، وأهل السموات، وأهل الأرض، حتى الحيتان في البحار، والنمل في جحوره يصلون على معلم الناس الخير، فاحرص أن تكون من هؤلاء وذلك بالتزود بالعلم الشرعي. فلو أنه خصص ما بين المغرب والعشاء لحفظ ما تيسر من القرآن، وسماع أو قراءة شيء من العلم الشرعي حسب ما عمل لنفسه من جدول، واختار من طريقة لكان حسناً.. {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق/2، 3]. والله أعلم |
| الساعة الآن 06:02 PM. |
powered by vbulletin