( العج والثج )
( العج والثج ) !
السلام عليكنّ ورحمة الله وبركاته
تَفسير قولهِ تَعالىٰ :
﴿ الحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ
يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِى الأَلْبَابِ ﴾
[ البقرة : 197 ] .
قال العلاَّمة عبد الرحمٰن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالىٰ :
يخبر تعالىٰ أنَّ ﴿ الحَجَّ ﴾ واقعٌ في ﴿ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾
عند المخاطبين ، مشهورات ، بحيث لا تحتاج إلىٰ تخصيص ، كما احتاج الصِّيام إلىٰ تعيين شهره .
وكما بين تعالىٰ أوقات الصَّلوات الخمس .
• وأما الحج : فقد كان مِن ملَّة إبراهيم ، الَّتي لم تزل مستمرة في ذريته معروفة بينهم .
• والمراد بالأشهر المعلومات عند جمهور العلماء : شوال ، وذو القعدة ، وعشرمن ذي الحِجَّة ،
فهي الَّتي يقع فيها الإحرام بالحج غالباً .
﴿ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ ﴾ أي : أحرم به ، لأن الشُّروع فيه يصيّره فرضاً ، ولو كان نفلاً .
واسْتدل بهٰذه الآية الشَّافعي ومن تابعه علىٰ أنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره .
قلت : لو قيل : إنَّ فيها دلالة لقول الجمهور بصحة الإحرام بـ " الحج " قبل أشهره لكان قريباً .
فإنَّ قوله :
﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ ﴾ دليلٌ علىٰ أنَّ الفرض قد يقع في الأشهر المذكورة ، وقد لا يقع فيها ، وإلَّا لم يقيّده .
وقوله : ﴿ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾
أي : يجب أن تعظّموا الإحرام بالحج ، وخصوصاً الواقع في أشهره ، وتصونوه عن كل ما يفسده
أو ينقصه من الرفث وهو الجماع ومقدماته الفعلية والقولية ، خصوصاً عند النِّساء بحضرتهنّ .
• والفسوق وهو : جميع المعاصي ، ومنها محظورات الإحرام .
• والجدال وهو : المماراة والمنازعة والمخاصمة ، لكونها تثير الشَّر ؛ وتوقع العداوة .
• والمقصود من الحج : الذّل والانكسار لله ، والتَّقرب إليه بما أمكن من القُربات ،
والتَّنـزُّه عن مقارفة السَّيِّئات ، فإنَّه بذٰلك يكون مبروراً .
والمبرور ليس لهُ جزاء إلَّا الجنَّة ، وهٰذه الأشياء وإن كانت ممنوعة في كل مكان وزمان ، فإنها يتغلَّظ المنع عنها في الحج .
واعلم أنه لا يتمّ التَّقرب إلىٰ الله بترك المعاصي حتَّىٰ يفعل الأوامر .
ولهٰذا قال تعالىٰ :
﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾
أتىٰ بـ "من " للتَّنصيص العموم ، فكل خير وقربة وعبادة ، داخلٌ في ذٰلك .
أي : فإن الله به عليم ، وهٰذا يتضمن غاية الحثِّ علىٰ أفعال الخير ، وخصوصاً في تلك البقاع الشَّريفة والحرمات المنيفة .
فإنه ينبغي تدارك ما أمكن تداركه فيها ، من صلاة ، وصيام ، وصدقة ، وطواف ، وإحسان قولي وفعلي .
ثمَّ أمر تعالىٰ :
بالتَّزوّد لهٰذا السَّفر المبارك ، فإنَّ التَّزوّد فيه الاستغناء عن المخلوقين ، والكفِّ عن أموالهم ،
سؤالاً واستشرافاً ، وفي الإكثار منه نفع وإعانة للمسافرين ، وزيادة قربة لربِّ العالمين .
˘ وهٰذا الزَّاد المراد منه إقامة البنية بلغةٌ ومتاع .
˘ وأمَّا الزَّاد الحقيقي : المستمر نفعه لصاحبه في دنياه وأخراه ، فهو زاد التَّقوىٰ الَّذي هو زاد إلىٰ دار القرار ،
وهو الموصل لأكمل لذّة ، وأجلِّ نعيم دائم أبداً .
ومن ترك هٰذا الزَّاد ، فهو المنقطع به الَّذي هو عرضة لكلِّ شر !
وممنوع من الوصول إلىٰ دار المتقين ؛ فهٰذا مدح للتَّقوىٰ .
ثم أمر بها أولي الألباب فقال: ﴿ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الألْبَابِ ﴾
أي : يا أهل العقول الرَّزينة ، اتقوا ربكم الَّذي تَقْواهُ أعظم ما تؤمر به العقول ، وتركها دليلٌ علىٰ الجهل ،وفساد الرأي .اهـ.
__________________
*** لا إلَه إلاّ الله العَظيم الحَليم ***
|