عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 01-18-2011, 04:02 PM
أبو عبيدة إبراهيم الأثري أبو عبيدة إبراهيم الأثري غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 390
شكراً: 1
تم شكره 24 مرة في 21 مشاركة
افتراضي

[SIZE=3.5]س1- ما معنى المنهجية في طلب العلم وما حدها؟ وهل لهذه المسألة مستند وأصل شرعي؟ وما أهمية التدرج والمنهجية في العلوم الشرعية؟


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

فقد اشتمل هذا السؤال على ثلاثة محاور:
الأول: تعريف المنهجية في طلب العلم.
الثاني: هل للمنهجية في طلب العلم مستند شرعي.
الثالث: أهمية التدرج في طلب العلم الشرعي.
أما المحور الأول وهو: تعريف "المنهجية في طلب العلم".
تتكون عبارة "المنهجية في طلب العلم" على ثلاث كلمات تحتاج أن نقف عندها.
الكلمة الأولى: المنهجية.
وهي مصدر صناعي من المنهج، وهو مصدر مشتق من الفعل «نََهَجَ»
قال ابن فارس في معم مقاييس اللغة(5/361): «النون والهاء والجيم أصلان متباينان.
الأول: النهج: الطريق، ونهج لي الأمر: أوضحه ، وهو مستقيم المنهاج.
والمنهج: الطريق أيضاً، والجمع: المناهج .
والآخر: الانقطاع...» .
فالمنهجية هي الطريقة الواضحة المستقيمة في سلوك أمر ما.
الكلمة الثانية: طلب العلم ، وهو مركب إضافي من كلمة "طلب"، وكلمة "العلم"
وفي الحديث الحسن: «طلب العلم فريضة على كل مسلم».
والطلَبُ: محاولةُ وِجدانِ الشيء وأخذِه. تهذيب اللغة(13/237).
والعلم: مأخوذ من الفعل «علم» قال ابن فارس: «العين واللام والميم أصل صحيح واحد يدل على أثر بالشيء، يتميز به عن غيره...والعلمُ نقيض الجهل» مقاييس اللغة(4/109).
فطلب العلم المأمور به هو ما لا يسع المسلم جهله، وهو فرض العين منه.
ولكن العلم الذي يبتغى هو العلم بالله سبحانه وتعالى، وبشرعه ودينه، والعلم بكل ما يتوصل به إلى رضا الله عز وجل فيعمل به، وبكل ما يكرهه الله فيجتنب.
وهو العلم النافع الذي سبق بيانه في المقدمة، والذي نقلت فيه كلام الإمام ابن رجب رحمه الله.
فالمنهجية في طلب العلم: الطريق السديد الذي يسلكه الطالب لتحصيل العلم النافع تأصيلاً وتفريعاً.
وهي تعتمد على أركان ثلاثة من رعاها حق رعايتها أفلح ونجح بإذن الله.
وهي:
الأول: الطالب . الثاني: المطلوب. الثالث: طريقة الطلب.
فالركن الأول: الطالب، ورعايته يكون بأمرين:
الأول: الاستعداد الجسدي والذهني.
الثاني: الاستعداد الروحي.
والاستعداد الروحي يكون: بالإخلاص، والعزيمة الصادقة، وحب طلب العلم بإقناع النفس بأهميته وفائدته وعظيم ثمرته في الدنيا والآخرة، والتوكل على الله، والصبر والتصبر على طلب العلم، والاهتمام بتهذيب النفس والحرص على تزكيتها.
والاستعداد الجسدي والذهني: وذلك بتهيئة الجسد بالراحة اللازمة، وكفاية حاجته من الغذاء للقدرة على القراءة والإدراك والفهم، وبتصفية الذهن عن الشواغل حال الطلب، والبعد عن كل ما يسبب الإخلال بالجسد والعقل، ومعالجة أي خلل حادث بسبب مرض ونحوه.
والركن الثاني: المطلوب. وهو ما يدرسه طالب العلم من العلوم الدينية أو الدنيوية، وعلوم الغايات، أو الوسائل والآلات.
وخير ما يسعى له المسلم من العلم تعلم ما يزيد في خشيته لله، وقربه من ربه كما قال عز وجل: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}[فاطر:28]
فالمراد بالعلم عبادة الله وتوحيده وإخلاص العمل له، فلا يتشاغل بالوسائل عن إدراك الغايات..
ومن العلم ما هو مراد لذاته وهو العلم بالكتاب والسنة، وهو يزيد الإيمان والتقى، ويرفع العبد إلى درجات عالية في الزهد في الدنيا الفانية وإيثار الآخرة الباقية..
ومن العلم ما هو وسيلة وموصل إلى العلم المراد لذاته كعلوم الآلات كعلم تقويم اللسان (النحو)، وعلم تقويم الفكر والتدبر(البلاغة والبيان)، وعلم تفسير القرآن وما يتبعه ويكون معه من علوم القرآن، وعلم مصطلح الحديث، وعلم أصول الفقه، وعلم التاريخ والأنساب، وعلم كيفية إيصال الحق والهدى للناس(أصول الدعوة) ونحو ذلك..
الركن الثالث: طريقة الطلب. وهي ما يركز عليه -غالباً-من يبحث في المنهجية في طلب العلم..
والمراد به: الطريقة الأقوم في تحصيل العلم، والتفقه فيه.
فطالب العلم يحرص على أمرين هامين:
الأول: تحصيل العلم (الكم العلمي).
الثاني: التفقه فيه (الكيف العلمي).
ويبحث الطالب عن الطريقة الأفضل في تحقيق الكم والكيف العلمي.
وذلك ينظر فيه إلى المعلم، ونوع العلم، والتدرج فيه، ووسيلة التعليم، وأهمية الحفظ وما يساعد عليه، وأهمية الإلمام بالكليات والقواعد والأصول، وأهمية مدارسة العلم، وتهيئة الجو المناسب للطلب..
وهذا هو المسؤول عنه في السؤال الثالث، وسيأتي مزيد بيان إن شاء الله..
المحور الثاني في السؤال: هل للمنهجية في طلب العلم مستند شرعي.
إذا عُلِمَ أن طلب العلم مطلب شرعي دل عليه الكتاب والسنة، فإن طريقة طلبه لم تكن لتهمل أو لا تبين البيان الواضح، والله جل وعلا يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام/38].
وقال جل وعلا: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل/43، 44]
وهاتان آيتان فيما بيان شيء من المنهجية في طلب العلم.
وإذا علمنا أن الله عز وجل علَّمَ عبادهُ، وهو سبحانه يعلمهم ويفهمهم مع عدم إطلاق اسم «المُعَلِّم" عليه لعدم ثبوت هذا الاسم، ولكن وصف الله عز وجل بأنه يعلم عباده ويفهمهم فهذا موجود على سبيل الفعل لله وهو من صفات الرب جل وعلا، وكذلك هو رب العالمين الذي رباهم بنعمه، قال تعالى:{فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة/239]
وقال سبحانه وتعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة/151، 152]
وقال تعالى: { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة/282]
وقال سبحانه: { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء/79].
وقال سبحانه وتعالى: { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد/10]
وفي كتاب الله جل وعلا آيات عديدة في طريقة طلب العلم، والمنهجية فيه، من ذلك قوله تعالى: { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (1 ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة/16-19]..
وكذلك الرسولمعلِّم هذه الأمة، ومفهمهم، والحريص على معرفة ما ينجيهم من النار، ويدخلهم الجنة.
وهو كان مربياً معلماً لأصحابه، رفيقاً بهم، متدرجاً في تعليمهم، يستخدم اللين في موضعه، والشدة في موضعها، ويكرر الحديث لهم ثلاثاً كما في صحيح البخاري عن أنسt: أن النبي «كانَ إذا تَكلَّمَ بكلمَةٍ أعادَها ثلاثاً ؛ حتّى تُفْهَمَ عنه ، وإذا أتَى على قوْمٍ فَسَلَّمَ عليهم ؛ سلّم عليهم ثلاثاً»، ويتخولهم بالموعظة، ويحرضهم على طلب العلم والتزود منه، وجمع همة أصحابه رضي الله عنهم على تعلم القرآن، وحثهم على فهمه وتعلمه وتعليمه، وأرشدهم إلى أهمية إعطاء البدن حقه، وإعطاء كل ذي حق حقه، وبين للأمة أهمية الحفظ والتدبر والفهم..
وكذلك من فعل الصحابة رضي الله عنهم وتربيتهم للتابعين ما فيه أعظم البراهين على أن أمر طلب العلم من أعظم الأمور أهمية في ديننا، ومما بينته الشريعة، وسار السلف الصالح عليه، وذكر كلامهم في هذا يطول، ويستفاد في هذا الباب من كتاب:«جامع بيان العلم وفضله» لابن عبدالبر، وكتاب«الفقيه والمتفقه» للخطيب البغدادي، وقد طبع مختصران جيدان لهما.
فتبين بما سبق أن المنهجية في طلب العلم مستندة إلى أصل شرعي، ومنهج سلفي رشيد.
المحور الثالث في السؤال: أهمية التدرج في طلب العلم الشرعي.
يتبع إن شاء الله..
[/SIZE]
رد مع اقتباس