عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 01-22-2011, 09:13 AM
أبو عبيدة إبراهيم الأثري أبو عبيدة إبراهيم الأثري غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 390
شكراً: 1
تم شكره 24 مرة في 21 مشاركة
افتراضي

المحور الثالث في السؤال: أهمية التدرج في طلب العلم الشرعي
والمراد بالتدرج في طلب العلم أن يتعلم العلم شيئاً فشيئاً، ويبدأ بالأهم فالمهم، فلا يكون تعلمه للعلم هجوماً فَيُقْبِلُ على ما لا يطيق..
والله جل وعلا يقول: { وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران/79] قال الإمام البخاري في صحيحه(1/37): « وقال ابن عَبَّاسٍ: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ. وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الذي يُرَبِّي الناس بِصِغَارِ الْعِلْمِ قبل كِبَارِهِ».
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري(1/162) : «والمراد بصغار العلم ما وضح من مسائله، وبكباره مادقَّ منها».
ومعلوم أن الله جل وعلا ما نَزَّلَ القرآن على النبي جملة واحدة، بل نزله منجماً حسب الوقائع، وإنما نزل جملة مكتوباً إلى بيت العزة في السماء الدنيا..
قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}[الفرقان/32].
فهذا من التدرج في التعليم.
وكذلك الشرائع والواجبات لم تفرض مرة واحدة، بل كان هناك تدرج في بيانها، وفرضيتها، حتى يسهل قبول النفوس لها، واستيعاب العقول لها.
والنبي لما أرسل معاذاً إلى اليمن لم يأمره بدعوة الناس إلى جميع الشرائع مرة واحدة، بل بدأ بأمرهم بالتوحيد، ثم الصلاة، ثم الزكاة..
وكان النبي في تعليمه للناس يراعي أحوالهم، وما يحتاجون إليه من أمور الشرع، فهذا المسيء صلاته علمه النبي ما تصح به صلاته وما يجب عليه فيها، ولم يعلمه مستحبات الصلاة أو كل المستحبات..
وكذلك لما جاءه رجل فقال: أوصني. قال: «لا تغضب».
وجاءه آخر فقال: أوصني. قال: «أوصيك أن تستحي من الله عز وجل كما تستحي رجلا من صالحي قومك».
وجاءه آخر فقال: أوصني. فقال: «اعبد الله و لا تشرك به شيئا. قال : يا نبي الله زدني . قال : إذا أسأت فأحسن . قال : يا نبي الله زدني . قال : استقم و لتحسن خلقك».
وجاءه آخر فقال: أوصني. فقال:«فلا تقل بلسانك إلا معروفا، ولا تبسط يدك إلا إلى خير».
وجاءه آخر فقال: أوصني. فقال: «أوصيك أن لا تكون لعاناً».
وجاءه آخر فقال: أوصني. فقال: «أوصيك بتقوى الله، والتكبير على كل شرف».
وجاءه آخر فقال: أوصني. فقال: «لا تحقِرنَّ شَيئاً من المعروفِ أن تأتيَه؛ ولو أن تَهَبَ صِلَةَ الحبلِ، ولو أن تُفرغَ من دلوكِ في إناءِ المستقِي، ولو أن تلقَى أخاك المسلمَ ووجهُك بسطٌ إليه، ولو أن تؤنِس الوَحشان بنفسكَ، ولو أن تهَبَ الشِّسعَ».
فكل ما سبق من التدرج في التعليم، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه، والحكمة في الدعوة والتعليم.
ولذلك حرص العلماء في تربيتهم لأبنائهم، وفي تعليمهم للطلبة أن يتدرجوا في تعليمهم، وكان أعظم اهتمام السلف رحمهم الله بكتاب الله حفظاً وتعلماً وتدبراً، ثم حفظ السنة، والتفقه في الكتاب والسنة، وأعظم الفقه في الكتاب والسنة هو الفقه الأكبر، وهو التوحيد والعقيدة الصحيحة ومعرفة ما يضادها ويخالفها..
وقد صنف أهل العلم في شتى الفنون مؤلفات راعوا فيها هذا التدرج سواء كان في العقيدة أو الحديث أو الفقه أو التفسير أو علوم الآلات..
ومن أشهر أمثلة التدرج في تعليم الطلبة ما كتبه ابن قدامة رحمه الله من كتب فقهية راعى فيها التدرج وهي: عمدة الفقه، ثم المقنع، ثم الكافي، ثم المغني.
ولا نجد أهل مذهب من المذاهب الفقهية إلا وعندهم من المؤلفات ما يراعون فيه قضية التدرج فيكتبون مختصراً في الفقه، ثم تجد شرحاً مختصراً-وقد ينتقل إلى الشرح المتوسط مباشرة اكتفاءً بالمختصر عن حل ألفاظه وشرحه شرحاً موجزاً-، ثم شرحاً متوسطاً، ثم شرحاً مطولاً...
وكذلك في كتب العقيدة توجد المختصرات ككتاب الأصول الثلاثة، ثم الشرح المختصر للأصول الثلاثة كحاشية ابن قاسم عليها أو شرح الشيخ ابن باز عليها، ثم الشرح المتوسط كشرح الشيخ أحمد النجمي، ثم الشرح المطول كشرح شيخنا ابن عثيمين ..
فالتدرج في طلب العلم مهم غاية الأهمية، ومما ينبغي الاعتناء به، والاهتمام بتحقيقه..
والله أعلم.
رد مع اقتباس