عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 01-22-2011, 09:15 AM
أبو عبيدة إبراهيم الأثري أبو عبيدة إبراهيم الأثري غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 390
شكراً: 1
تم شكره 24 مرة في 21 مشاركة
افتراضي

س3- يرى الناظر في حال كثير من طلبة العلم الفوضى العلمية سواء في دراسة الكتب على الشيوخ أوالقراءة المستقلة، وكذا كثرة التنقل من شارح لآخر، وأمور عديدة فما هو سبب هذه الفوضى في نظركم ؟ وما هو سبب عزوف كثير من طلبة العلم عن سبيل من قبلنا من العلماء؟ هل صارت تلك الطرق غير مجدية؟ أم ماذا؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فإن ثمة فوضى موجودة عند كثير من الناس الذين يبتغون طلب العلم لكنهم لا يسلكون السبيل الصحيح فيه..
وتعود الفوضى، والبعد عن منهج المتقدمين في طلب العلم إلى عدة أسباب:
الأول: حرص الطالب على طلب العلم مع عدم وجود من يوجهه، فيكثر التنقل بين الفنون وبين الشروح دون جدوى ظاهرة، فهو كالتائه يبحث عما يرضي نفسه، ويروي غليله، لكنه لعدم الموجه فلربما أدت هذه الفوضى إلى انتكاسة، أو إملال، أو زهد في بعض الفنون أو الشروح، بل ربما أدى ذلك إلى عقدة نفسية عنده أن ذلك الشرح أو ذلك الموضوع أو ذلك العلم صعب بسبب هجومه عليه بدون موجه، مع عدم وجود قدرة عقلية عنده لفهم ما قرأ وأراد أن يتعلم..
لذلك على الطالب أن يسأل أهل العلم والخبرة في منهجية طلب العلم حتى لا يقع له انتكاسة أو عُقدة، وإذا رأى من نفسه قوة ومحبة لقراءة شرح من الشروح أو موضوع من المواضيع فعليه أن يهيء نفسه لأي أمر طارئ كاحتمال عدم فهمه للموضوع، أو صعوبة ذلك الشرح، وليضع في عقله وباطنه أنه إذا عسر عليه فهمه أو أداه إلى الملل أن يترك ذلك الكتاب أو الشرح أو الموضوع إلى وقت لاحق على سبيل الاستعداد لا على سبيل الهروب والعجز..
لأن القراءة ضرب من الجهاد فيها كَرٌّ وفَرٌّ، لكنه فرار يَكِرُّ بعده..
الثاني: اغترار الطالب بنفسه، فلا يعرف مستواه العقلي والذهني والنفسي، فيهجم على الشروح الكبار يريد تقحم الصعاب، ومعاكسة نفسه وحاله، أو أداه إلى ذلك الغيرة أو الغبطة أو المنافسة مع زملائه، فبينما هو في ذلك الحال إذا به يجد نفسه حائراً، ويجد استيعابه ضعيفاً، وتجده متخبطاً كالغريق لا يدري ما يصنع، هذا إذا سلم من العناد والجدل الباطل..
فعلى الطالب أن يعرف قدر نفسه، وأن يتقي الله قدر استطاعته، وأن لا يكلف نفسه ما لا تطيق، وأن يرفق بنفسه التي بين جنبيه فإذا لم يراعها فستهلكه وتشقيه..
الثالث: المُوَجِّهُ القاصر.
فمن أسباب الفوضى الموجودة عند بعض الطلبة عدم توفيقهم لمعلم صالح، وموجه عارف، بل يكون موجهه يحتاج إلى توجيه وتعليم.
لذلك يحرص طالب العلم على سؤال أهل العلم والخبرة، ولا يسأل أي مدرس أو أي طالب، بل من عرف عنه تمكنه في هذا لباب الذي يسأل فيه..
الرابع: كثرة وسائل التعليم ومغرياته مع وجود العجلة في التحصيل .
كَثُرَتْ في زماننا وسائل التعليم فوجد الإنترنت ومواقع الكتب والأبحاث، فصار أمر البحث والطلب أيسر من ذي قبل، فيرى الطالب الأشرطة الصوتية في متناول يده، ويرى الغرف والإذاعات الصوتية على مرأى منه ومسمع، مع ضعف الرقابة الخارجية عليه، فهو يستطيع أن يدخل أي موقع أو أي غرفة للسنة أو أهل البدع دون رقيب أو محاسب من الناس إلا من شاء الله، فيؤديه هذا إلى الوقوع في الفوضى إذا لم يتقي الله، ويكبح جماح نفسه، ويعرف ما يكون فيه مصلحته.
فعلى طالب العلم أن لا يغتر بهذه الوسائل، بل يستفيد منها عبر برنامج علمي يعمله لنفسه متبعاً في ذلك توجيهات أهل العلم حتى يصعد السلم درجة درجة، ويكون طالب علم متمكناً بإذن الله..
الخامس: عدم وجود أهل العلم والتوجيه في كثير من الأماكن أو صعوبة الوصول إليهم.
وهذا من أعظم أسباب الفوضى عند كثير من الشباب، فيضطر الطالب ليسلك دربه بنفسه، فتقع له الفوضى والأخطاء..
ومن فوائد الوسائل الحديثة أن يسرت قضية الاتصال بالعلماء أو طلبة العلم العارفين، فعلى طالب العلم الاستفادة من هذه الوسائل ليحصل على التوجيه السديد..
وعلى طالب العلم أن يحرص على تلقي العلم من العلماء أو طلاب العلم المتمكنين ولا يكون جل اعتماده في الطلب على نفسه، بل يجب أن يبذل جهده في طلب العلم على أهله.
وكذلك لا يكون عالة على المشايخ، بل يأخذ منهم التوجيهات، ويحضر دروسهم، وإذا كانت عنده قدرة على التوسع والبحث فعليه أن يستفيد من وقته في توسيع مداركه، وتقوية علميته، وتنمية تحصيله..
السادس: عدم توفر الكتب التي توافق مستواه فيلجأ إلى ما هو أعلى من مستواه فيقرأ فيه لأنه هو المتسير له..
وقد يسرت الوسائل الحديثة هذا الأمر وسهلت أمر حصوله على كثير من الكتب التي كانت معدومة في بعض البلدان، فبإمكانه شراؤها، أو الاستفادة منها عبر الإنترنت..
فهذه أعظم الأمور التي ظهر لي أنها أسباب الفوضى في طلب العلم عند كثير من الشباب..
مع العلم أن التنقل بين الشروح، والانتقال من متن لآخر قد يكون إيجابياً أحياناً، وذلك إذا وافق مستواه العلمي والعقلي، وأراد ترويض النفس حيث إنها قد تمل من متن فينتقل لآخر لتنشيط النفس، ولكنه يعود لإتمام المتن السابق أو مراجعة ما تعلمه منه..
وكذلك ربما كان التنقل بين الشروح للتوسع في فهم المسألة التي يبحثها أو يدرسها، وعنده استعداد عقلي وعلمي لذلك، فلا يكون تنقله بين الشروح من الفوضى ..
المشكلة تكمن فيمن يبدأ بمتن معين في فنٍّ معين فيقرأ منه يسيراً، ثم ينتقل لآخر بدون حاجة لذلك، ثم لآخر وهكذا فتكون عنده فوضى وعدم تركيز لسبب من الأسباب السابقة فهذا هو موضع النقد..
مثل شخص يريد أن يقرأ في مصطلح الحديث فوجهه موجه إلى المنظومة البيقونية فيقرأ فيها عدة أبيات، ثم يبلغه أن نخبة الفِكَر أفضل فينتقل إليها! ثم يبلغه أن دراسة كتاب الشيخ ابن عثيمين في المصطلح أفضل فينتقل إليه! وهكذا يكون مضطرباً مع صغر حجم تلك المتون وسهولتها، وتوفر شروحها..
فربما لو وفق لموجه عارف لوجهه ابتداء إلى كتاب الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فأراحه، أو وجهه إلى البيقونية مع شرح يسير لها يكون كافياً له في البداية..
مع التنبيه أن بعض الطلاب عنده قدرة استيعابية لقراءة أكثر من متن، وقراءة أكثر من شرح، وحضور عدة دروس في اليوم، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء..
والله أعلم.
رد مع اقتباس