س5:نجد أنَّ بعض من ألَّف في آداب طلب العلم ينص على ابتداء الطريق بحفظ القرآن وبعض السنة وبعض المتون قبل الشروع في دراسة العلوم الشرعية بقسميها، فهل هذا يتماشى مع حال كثير من طلبة العلم في هذا الزمان حيث يشرعون في طلب العلم بعد مُضي سنوات عديدة من عمرهم، فهل نقول لهم هنا ابدأوا بحفظ القرآن!، أم من الممكن أن يجمعوا بين هذا وذاك، خاصة بعض العلوم التي صارت بالنسبة لهم الآن عينية كعلم العقيدة وأحكام الطهارة والصلاة ونحوها؟ وهكذا السؤال في تقديم حفظ المتون على الدراسة العملية لمن كان هذا حاله؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد
فقد سبق في جواب السؤال الرابع بيان تقسيم العلم من حيث وجوبه على العين أو الكفاية، ويدخل فيه ما يفترض عليه عيناً من حفظ القرآن وهو سورة الفاتحة، ثم يحفظ ما تيسر من القرآن لتطبيق السنة، لكن حفظه كاملاً من فروض الكفاية، وأولى ما يحرص عليه طالب العلم، لأن مرد علوم الشريعة إلى القرآن الكريم، فبه يزيد الإيمان، ويعظم الفهم والتدبر، ويتسع قلبه لحفظ علوم الشرع، ويقوم لسانه، ويثبت جنانه، ويحسن أدبه وأخلاقه..
لكن لا مانع من الجمع بين حفظ القرآن وتعلم علوم الشريعة الأخرى كما سبق في الجواب عن السؤال الماضي.
والله أعلم.
س6:يواجه كثير من طلبة العلم في طريق دارستهم معضلة، وهي كيفية الجمع بين ترقيق القلب وتهذيب النفس من جهة والعلم الشرعي من جهة أخرى، وذلك لعدة عوامل:
أ-انخراطهم في دراسة علوم الآلة في أول الطلب بل ووسطه ولابد، وطبيعة هذه العلوم في كثير من مسائلها نظرية أو عقلية أو أقلها ليست على علاقة مباشرة بالوعظ والرقائق.
ب- أنه وإن درس الفقه أو التفسير أو العقيدة فمع قلة علمه لا تقرع تلك الحِكم والعِبر قلبه كالعالم الذي ربما إذا سمع حديثا في الطلاق بكى مما يجده من دلائل الحق وحكمة الشرع كما قال تعالى "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ "
ج- قلة المربين من المشايخ فلربما وجد مَن يدرسه لكن قل أنْ يجد مربيًّا يهذبه ويصفيه من أدران شوائب الأخلاق السيئة والشهوات المنحرفة.
فلما كان الأمر هكذا ومع قلة الرفيق المُعين الناصح أيضًا فالسؤال: ما هي الكتب التي تنصحون بقراءتها في باب الرقائق سواء من الكتب القديمة أو الحديثة؟ لكن أخص الحديثة بالذكر لِما يشتكي بعض المبتدئة من فهم كلام ابن القيم أو ابن الجوزي -رحمهم الله- لاستطرادهم في كثير من المواضع، واستخدامهم ربما عبارات أو لغة تفوق فهم هذا المبتدئ-في زماننا- وبعيدة عن الوصول إلى مشاعره لغرابة تلك اللغة عن حياته اليومية؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فهذه الشكوى في محلها، حيث إن بعض طلبة العلم تجد عنده ضعفاً في تزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، وتجد عنده قسوة في القلب، وغلظة في الطبع..
ومن الأسباب في ذلك اشتغاله بما يقسي القلب كالكلام في الناس بغير موجب شرعي، فتجده متساهلاً في الغيبة، لا سيما فيما يتعلق بعامة الناس، فتجد بعض الطلبة يتندرون بالبائع الفلاني، والجار الفلاني، ونحو ذلك مما لا يكون لذكر ما يكره من حال أخيه موجب شرعي كنصيحة أو شهادة ونحو ذلك..
ومن الأسباب كذلك الاشتغال بكتب الكلام والفلسفة وأهل وحدة الوجود ونحو ذلك مما يظلم القلب، وينقص الإيمان بل قد ينقضه ..
ومن الأسباب كذلك ضعف الإخلاص، وكونه يدرس للمراءاة، وللسمعة، وليكون فوق أقرانه مع اغترار بالنفس وكبر وعُجْب ونحو ذلك من الأدواء المهلكة ..
ومن الأسباب كذلك ضعف مراقبة الله، والتساهل في الأخذ دون تمييز أو نظر فيما يقربه من الله أو يبعده عن الله عز وجل..
ومن الأسباب كذلك مجالسة أهل البدع والأهواء، وأهل الفسق والمجون، فصحبتهم للقلوب ممرضة، وعن الله مبعده، ويخاف على الطالب أن يطبع الله على قلبه عقوبة له على مجالسته لأهل الأهواء، وأصحاب الفتن، والفسقة والفجرة ..
ومن الأسباب كذلك التهاون في قراءة القرآن الكريم، وفي حضور صلاة الجماعة، وفي سماع الوعظ والتذكير ممن كان سلفياً على الجادة ..
وأما دراسة علوم الآلة، وكونه مبتدئا في طلب الفقه والمصطلح والحديث ونحو ذلك فلا يكون ذلك سبباً في ضعف اهتمامه بتزكية النفس وتهذيبها، بل يستطيع أن يحافظ على تهذيب النفس وتزكيتها أثناء دراسته للعلوم الشرعية سواء كان مقصوداً لذاته، أو من علوم الآلة ..
فإن طالب العلم ينبغي له أن يتعرف على آداب طالب العلم قبل أن يبدأ في الدراسة، فسيجد من هذه الآداب ما يزيد إيمانه ويبعثه على تصحيح نيته، وتهذيب نفسه وتزكيتها حتى وهو يدرس النحو والبلاغة والمصطلح والأصول ..
فمن قلة معرفة بعض الطلبة بآداب طالب العلم يؤتون، ويضعف اهتمامهم بتزكية النفس..
كذلك يوجد في بعض المدرسين من لا يتأدب بآداب المعلم فيكون له أثر في فساد بعض طلابه..
لذلك أنصح من يبتدئ في طلب العلم أن يقرأ بعض الكتب التي تتحدث عن أدب طالب العلم ومن ذلك:
أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري.
جامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبر وهو كتاب كبير، فلو قرأ في «صحيح جامع بيان العلم وفضله» فهو مختصر حسن .
كتاب الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي وهو كتاب مطول، فيرجع إلى «صحيح كتاب الفقيه والمتفقه» فهو مختصر حسن.
فضل علم السلف لابن رجب.
كتاب أدب الطلب للشوكاني.
إرشاد الطلاب إلى فضيلة العلم والعمل والآداب للشيخ محمد بن عبدالعزيز بن مانع
كتاب العلم لشيخنا العلامة محمد بن عثيمين، وله شريط نافع جامع في ذلك..
إلى غير ذلك من الكتب التي صنفت في هذا الباب فيرجع الطالب إلى ما يناسبه ويفهمه منها، مع أهمية أن يكون مؤلفه بعيدا عن الأهواء والبدع..
وأعظم ما يزكي النفس ويهذبها كتاب الله الكريم، فقراءته إيمان، ويزيد في الإيمان، وتدبره عبادة، ويزيد في الإيمان والله جل وعلا يقول: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}، وقراءة حرف من كتاب الله بعشر حسنات.
وكذلك يستمع لقراء القرآن لا سيما من كان صوته بالقرآن ندياً والنبي ﷺ يقول: «ما أَذِنَ الله لِشَيْءٍ ما أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» متفق عليه.
وقال ﷺ: «حَسِّنُوا-وفي رواية: زَيِّنُوا- الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ، فإن الصَّوْتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا».
والنبي ﷺ كان يحب أن يسمع القرآن من غيره، وبكى عند سماعه قراءة عبدالله بن مسعودt.
وقيام الليل بالقرآن من أحسن القربات والطاعات، كما قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }[المزمل/20]
وقال جل وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ }[فاطر/29، 30]
ومما يزكي النفس: قراءة سيرة النبي ﷺ وتاريخ حياته، وما في سنته من العظات والعبر، وما قصه لنا النبيﷺ عن الأمم السابقة وأنبيائهم فيه تزكية للنفس وإحياء لها..
كذلك كتب الزهد والرقائق والتي تعتني بإصلاح النفس، والترغيب والترهيب، وشحذ الهمة، ورفع المعنويات مما ينبغي على الطالب أن يعتني به..
فيقرأ في كتاب «صحيح الترغيب والترهيب للمنذري» لشيخنا الألباني رَحِمَهُ اللهُ.
ورياض الصالحين للنووي(تحقيق: الشيخ الألبانِي) وينظر شرح شيخنا العثيمين.
كتاب العاقبة لعبدالحق الإشبيلي.
كتاب الداء والدواء، وإغاثة اللهفان، ومفتاح دار السعادة كلها لابن القيم..
كتاب ذكر الموت وقصر الأمل لابن أبي الدنيا
كذلك زيارة القبور الزيارة الشرعية لتذكر الموت والاتعاظ بدون شد رحل مما يزكي النفس.
كذلك العطف على اليتيم، ومسح رأسه، وإطعام المساكين، والصدقة، وأفعال البر، وصلة الأرحام، وزيارة الإخوة في الله، ومجالسة الصالحين الأخيار السلفيين الأبرار، وزيارة أهل العلم والفضل، والدعاء والإكثار منه، وكثرة الاستغفار، والتوبة، والذكر، والصلاة على النبيﷺ، والإكثار من نوافل الطاعات كنوافل الصلاة والصوم والحج والعمرة ..
كل ذلك مما يزكي النفس، ويهذبها، ويعطي لطلب العلم طعماً ولذة ..
أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، وأن يجعلني وإياكم من عباده المتقين ..
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
__________________
إذاعة منابر النور العلمية : http://m-noor.com/live/
الاخلاص والتحذير من الابتداع
للشيخ محمد الإمام حفظه الله
|