عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 01-26-2011, 09:21 AM
أبو عبيدة إبراهيم الأثري أبو عبيدة إبراهيم الأثري غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 390
شكراً: 1
تم شكره 24 مرة في 21 مشاركة
افتراضي

س8:ما هي أهمية الدراسة والتتلمذ بين يدي العلماء لطالب العلم؟ ثم هل تغني هذه الشروحات والمحاضرات المسجلة وكذلك الكتب المفرغة والمسطرة عن هذه المميزات خاصة لمن كان بعيدًا عنهم؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فإن أهمية دراسة العلم على الشيوخ مما هو معلوم من كتاب الله وسنة النبيﷺ، وهو حال أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، وحال أصحاب الأنبياء، وحال العلماء وطلاب العلم في قديم الدهر وحديثه..
فالله جل وعلا اصطفى ملكاً من أكرم ملائكته، بل خير الملائكة على الإطلاق ليكون معلماً لرسول اللهﷺ، ومبلغاً الوحي من رب العالمين، وكان رسول اللهﷺ يعرض القرآن كاملاً على جبريل في رمضان، إلا في العام الذي توفي فيهﷺ عرضه عليه مرتين..
وجبريل عليه السلام علَّم النبيﷺ كيفية الوضوء والصلاة، وجاء جبريل عليه السلام معلماً ومظهراً آداب طالب العلم في الحديث الطويل الذي سأل فيه النبيﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأشراطها..
والنبيﷺ والأنبياء جميعاً كانوا معلمين لأممهم، وأمر الله جل وعلا بالاقتداء بهم : {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام/90]
وقال الله جل وعلا: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب/21].
وكان النبي ﷺ معلماً للخير، ضرب المثل الأسمى في أدب العالم، وتعامله من تلاميذه وأصحابه، وبين للأمة الآداب التي ينبغي على العالم والطالب أن يراعيها..
وهذا كان أصحاب رسول اللهﷺ ورضي عنهم مقتفين لأثر نبيهمﷺ، فكانوا نعم المعلمين والمربينy، وكانوا لأتباعهم من المؤدبين والموجهين، وهكذا من جاء بعدهم، يأخذون العلم كابراً عن كابر، وحفظ من كلامهم:
ما كان عمر t يقوله : « ألا إن أصدق القيل قيل الله ، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها ، ألا إن الناس لم يزالوا بخير ما أتاهم العلم عن أكابرهم »
وقال عبد الله بن مسعودt : « لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم ، فإذا أخذوه عن أصاغرهم ، وشرارهم هلكوا » والمراد بالأصاغر أهل البدع والأهواء، وأهل الجهل والسفه والطيش..
وقد قال النبي ﷺ: «البركة مع أكابركم».
وقال أبو زيد سعيد بن أوس: «خذوا العلم عن أفواه الرجال، فإن الرجل يكتب أحسن ما يسمع، ويختار أحسن ما يكتب، ويحفظ أحسن ما يختار».
وقال الأوزاعي: «كان هذا العلم شيئاً شريفاً إذا كان من أفواه الرجال يتلاقونه ويتذاكرونه، فلما صار في الكتب ذهب نوره وصار إلى غير أهله».
فأخذ العلم عن أهله هو مسلك الصالحين قبلنا، بل هو مما عليه أهل الدين والدنيا في جميع الأعصار.
فالعالم يؤخذ عنه العلم، وما تفرق وتشتت في الكتب، ويؤخذ عنه الفقه في الدين، والفهم لمسائل الشرع وما هو يعلمه ويدرسه، ويؤخذ عنه الهدي والسَّمت الحسن، ويؤخذ عنه الحث والتحفيز وشحذ الهِمَّة.
وهذا إنما يكون إذا وفِّق لمعلِّمٍ موفَّقٍ، والله الموفق.
ولا يصار إلى طلب العلم بدون شيخ إلا عند الضرورة، فإذا وجدت الضرورة وما كان بيد طالب العلم حيلة إلا السماع من الأشرطة، أو القراءة من الكتب فلا يكلف الله نفساً إلا وسعهاً، ومن اتقى الله علمه الله، وفهمه.
وفي فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: «س2: هل حقيقة إن العلم لا يؤخذ إلا من أفواه العلماء، مشافهة في مجالس الدرس، أم أنه يؤخذ أيضًا من مظانه الأخرى: (الكتب والأشرطة السمعية)، دون التلقي المباشر من المشايخ والعلماء- يعني بطريقة عصامية؟»
فأجابت اللجنة : «ج2: يجب أخذ العلم عن طريق العلماء العاملين، لا عن مجرد الكتب والأشرطة؛ لأن العلماء يوضحون الغامض، ويشرحون المشْكل، ويوجهون إلى الفهم الصحيح، والكتب والأشرطة العلمية مجرد وسائل يستعان بها على طلب العلم، إذا كانت كتبًا وأشرطة موثوقة، صادرة عن علماء، لكن لا يقتصر عليها».
فطالب العلم لابد أن يكون همه أخذ العلم على يد أهل العلم، وعليه أن يتحلى بآداب طالب العلم، فحضور الدروس يحتاج إلى حضور الذهن، واستجماع الفِكْر، واهتمام النفس، ويقظة القلب، وإشغال اليد بالكتابة والتقييد للشوارد والفوائد، والتصبر، والرضى بما تيسر من الخير، والطموح إلى المزيد..
وإن تفريغ الدروس له أهميته في طلب العلم، فهو استماع وتأمل، وكتابة وتعلُّم، ومراجعة للدرس وتفَهُّمْ..
ويحيي في الطالب ملكة النظر والبحث والاستشكال-للمُشْكِلِ- للبحث عن الجواب..
وأخيراً: أنبه إلى أن المعلم والمدرس إنما يعطيك مفاتيح العلوم، وطريقة البحث، وكيفية الاستنباط، ويربي في الطالب ملكة الفهم والتدبر الصحيح، ثم إن طالب العلم ينمي مواهبه، ويُكّثِّر محفوظاته، ويوسع اطلاعه وقراءته، وهذا يكون بالحث العلمي للمسائل، وجمع أقوال العلماء فيها، والترجيح بينها إذا صار عنده مَلَكَةُ الترجيح بعد وجود مقوماته..
والله الموفق
رد مع اقتباس