قال الشيخ الألباني في إرواء الغليل 3/8:" روى الدارقطني ومن طريقه البيهقي (3/141) عن عطاء بن أبي رباح عن عائشةأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم". وقال: هذا إسناد صحيح. قلت: ورجاله كلهم ثقات غير ابن ثواب فإني لم أجد له ترجمة في " غير تاريخ بغداد " ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا فهو مجهول الحال كما سبق بيانه في حديث " لا يمس القرآن إلا طاهر " رقم ( 122 ) فلا تطمئن النفس لصحة هذا الحديث وهذا إذا كانت بلفظ : ( يتم ) و ( يصوم ) أي النبي صلى الله عليه وسلم كما وقع ذلك في السنن المطبوعة أما إذا كانت بلفظ " وتتم " و " تصوم " كما أورده الحافظ في ( التلخيص ) ( ص 128 ) مصرحا ومقيدا له بأنه بالمثناة من فوق فلا إشكال حينئذ لأن المعنى أن عائشة هي التي كانت تتم وهذا عنها صحيح كما سبق . ولكن فيما أورده الحافظ نظر عندي لأن الرواية في السنن كما ذكرنا بالمثناة التحتية وكذلك في " تحقيق ابن الجوزي" " ونصب الراية " للزيلعي (2/192) من طريق الدارقطني . ومن الغريب أن الحافظ مع إيراده ما سبق قال عقب ذلك : " وقد استنكره أحمد وصحته بعيدة فإن عائشة كانت تتم وذكر عروة أنها تأولت ما تأول عثمان كما في الصحيح فلو كان عندها عن النبي صلى الله عليه وسلم رواية لم يقل عروة عنها أنها تأولت وقد ثبت في الصحيحين خلاف ذلك "
لكن شيخ الإسلام يفند جواز الأمرين فيقول في مجموع الفتاوى ج24/ص97:" ومن قال يجوز الأمران فعمدتهم قوله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا قالوا وهذه العبارة إنما تستعمل في المباح لا في الواجب كقوله ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وقوله لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ونحو ذلك واحتجوا من السنة بما تقدم من أن النبي حسن لعائشة إتمامها وبما روى من أنه فعل ذلك واحتجوا بأن عثمان أتم الصلاة بمنى بمحضر الصحابة فأتموا خلفه وهذه كلها حجج ضعيفة".
وابن حزم يرى أن المسافر يقصر وراء المقيم وجوبا ذكر ذلك الشيخ الألباني في الصحيحة(ح2676):" هذا ولقد شذ في هذه المسألة ابن حزم كعادته في كثير غيرها ، فقد ذهب إلى وجوب قصر المسافر وراء المقيم ، واحتج بالأدلة العامة القاضية بأن صلاة المسافر ركعتان ، كما جاء في أحاديث كثيرة صحيحة. وليس بخاف على أهل العلم أن ذلك لا يفيد فيما نحن فيه".
وينقل الشوكاني حجج الفريقين في نيل الأوطار3/246:" ( احتج القائلون ) بوجوب القصر بحجج :
الأولى : ملازمته صلى الله عليه و سلم للقصر في جميع أسفاره كما في حديث ابن عمر المذكور في الباب ولم يثبت عنه صلى الله عليه و سلم أنه أتم الرباعية في السفر البتة كما قال ابن القيم وأما حديث عائشة الآتي المشتمل على أنه صلى الله عليه و سلم أتم الصلاة في السفر فسيأتي أنه لم يصح ويجاب عن هذه الحجة بأن مجرد الملازمة لا يدل على الوجوب كما ذهب إلى ذلك جمهور أئمة الأصول وغيرهم
الحجة الثانية: حديث عائشة المتفق عليه بألفاظ منها فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر وهو دليل ناهض على الوجوب لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها كما أنها لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر وقد أجيب عن هذه الحجة بأجوبة :
منها: أن الحديث من قول عائشة غير مرفوع وأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة وأنه لو كان ثابتا لنقل تواترا وقد قدمنا الجواب عن هذه الأجوبة في أول كتاب الصلاة في الموضع الذي ذكر فيه المصنف حديث عائشة
ومنها: أن المراد بقولها فرضت أي قدرت وهو خلاف الظاهر
ومنها: ما قال النووي أن المراد بقولها فرضت يعني لمن أراد الاقتصار عليهما فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتم وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار وهو تأويل متعسف لا يعول على مثله
ومنها: المعارضة لحديث عائشة بأدلتهم التي تمسكوا بها في عدم وجوب القصر وسيأتي ويأتي الجواب عنها
الحجة الثالثة: ما في صحيح مسلم عن ابن عباس أنه قال : ( إن الله عز و جل فرض الصلاة على لسان نبيكم على المسافر ركعتين وعلى المقيم أربعا والخوف ركعة ) فهذا الصحابي الجليل قد حكى عن الله عز و جل أنه فرض صلاة السفر ركعتين وهو أتقى لله وأخشى من أن يحكي أن الله فرض ذلك بلا برهان
والحجة الرابعة: حديث عمر عند النسائي وغيره : ( صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفجر ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة المسافر ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ) وهو يدل على أن صلاة السفر مفروضة كذلك من أول الأمر وأنها لم تكن أربعا ثم قصرت . وقوله : ( على لسان محمد ) تصريح بثبوت ذلك من قوله صلى الله عليه و سلم
الحجة الخامسة: حديث ابن عمر: ( أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر )
( واحتج القائلون ) بأن القصر رخصة والتمام أفضل بحجج :
الأولى منها: قول الله تعالى { ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } ونفي الجناح لا يدل على العزيمة بل على الرخصة وعلى أن الأصل التمام والقصر إنما يكون من شيء أطول منه . وأجيب بأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف لا في قصر العدد لما علم من تقدم شرعية قصر العدد . قال في الهدى وما أحسن ما قال : وقد يقال إن الآية اقتضت قصرا يتناول قصر الأركان بالتخفيف وقصر العدد بنقصان ركعتين وقيد ذلك بأمرين : الضرب في الأرض والخوف . فإذا وجد الأمران أبيح القصران فيصلون صلاة خوف مقصورا عددها وأركانها وإن انتفى الأمران وكانوا آمنين مقيمان انتفى القصران فيصلون صلاة تامة كاملة وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده فإن وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان واستوفى العدد وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق في الآية وإن وجد السفر والأمن قصر العدد واستوفيت الأركان وصليت صلاة أمن وهذا أيضا نوع قصر وليس بالقصر المطلق وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد وقد تسمى تامة باعتبار تمام أركانها وإن لم تدخل في الآية .
الحجة الثانية : قوله صلى الله عليه و سلم في حديث الباب : ( صدقة تصدق الله بها عليكم ) فإن الظاهر من قوله صدقة أن القصر رخصة فقط . وأجيب بأن الأمر بقبولها يدل على أنه لا محيص عنها وهو المطلوب
الحجة الثالثة: ما في صحيح مسلم وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنهم القاصر ومنهم المتم ومنهم الصائم ومنهم المفطر لا يعيب بعضهم على بعض كذا قال النووي في شرح مسلم ولم نجد في صحيح مسلم قوله (فمنهم القاصر ومنهم المتم ) وليس فيه إلا أحاديث الصوم والإفطار وإذا ثبت ذلك فليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وقررهم عليه وقد نادت أقواله وأفعاله بخلاف ذلك وقد تقرر أن إجماع الصحابة في عصره صلى الله عليه وآله وسلم ليس بحجة والخلاف بينهم في ذلك مشهور بعد موته وقد أنكر جماعة منهم علي وعثمان لما أتم بمنى وتأولوا له تأويلات
قال ابن القيم: أحسنها أنه كان قد تأهل بمنى والمسافر إذا أقام في موضع وتزوج فيه أو كان له به زوجة أتم وقد روى أحمد عن عثمان أنه قال: ( أيها الناس لما قدمت تأهلت بها وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: إذا تأهل رجل ببلد فليصل به صلاة مقيم ) ورواه أيضا عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده أيضا. وقد أعله البيهقي بانقطاعه وتضعيفه عكرمة بن إبراهيم وسيأتي الكلام عليه
الحجة الرابعة : حديث عائشة الآتي وسيأتي الجواب عنه وهذا النزاع في وجوب القصر وعدمه وقد لاح من مجموع ما ذكرنا رجحان القول بالوجوب . وأما دعوى أن التمام أفضل فمدفوعة بملازمته صلى الله عليه و سلم للقصر في جميع أسفاره وعدم صدور التمام عنه كما تقدم ويبعد أن يلازم صلى الله عليه و سلم طول عمره المفضول ويدع الأفضل".
وأما حديث عائشة قالت : ( خرجت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عمرة في رمضان فأفطر وصمت وقصر وأتممت فقلت: بأبي وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت فقال: أحسنت يا عائشة ) رواه الدارقطني وقال : هذا إسناد حسن
وعن عائشة: ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم ) رواه الدارقطني وقال : إسناد صحيح .
قال الشوكاني في نيل الأوطار:" الحديث الأول أخرجه أيضا النسائي والبيهقي بزيادة : (أن عائشة اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أتممت وقصرت ) الحديث . وفي إسناده العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي عنها والعلاء بن زهير قال ابن حبان: كان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الأثبات وقال ابن معين: ثقة. وقد اختلف في سماع عبد الرحمن منها فقال الدارقطني: أدرك عائشة ودخل عليها وهو مراهق. قال الحافظ : وهو كما قال ففي تاريخ البخاري وغيره ما يشهد لذلك. وقال أبو حاتم: أدخل عليها وهو صغير ولم يسمع منها. وادعى ابن أبي شيبة والطحاوي ثبوت سماعه منها وفي رواية الدارقطني عن عبد الرحمن عن أبيه عن عائشة. قال أبو بكر النيسابوري: من قال فيه عن عائشة فقد أخطأ واختلف قول الدارقطني فيه فقال في السنن: إسناده حسن وقال في العلل: المرسل أشبه. قال في البدر المنير: إن في متن هذا الحديث نكارة وهو كون عائشة خرجت معه في عمرة رمضان والمشهور أنه صلى الله عليه و سلم لم يعتمر إلا أربع عمر ليس منهن شيء في رمضان بل كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته فكان إحرامها في ذي القعدة وفعلها في ذي الحجة.
قال: هذا المعروف في الصحيحين وغيرهما قال: وتمحل بعض شيوخنا الحفاظ في الجواب عن هذا الإشكال فقال: لعل عائشة ممن خرج مع النبي صلى الله عليه و سلم في سفره عام الفتح وكان سفره ذلك في رمضان ولم يرجع من سفره ذلك حتى اعتمر عمرة الجعرانة فأشارت بالقصر والإتمام والفطر والصيام والعمرة إلى ما كان في تلك السفرة . قال : قال شيخنا وقد روي من حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه و سلم اعتمر في رمضان ثم رأيت بعد ذلك القاضي عياضا أجاب بهذا الجواب فقال : لعل هذه عملها في شوال وكان ابتداء خروجها في رمضان.
وظاهر كلام أبي حاتم ابن حبان أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر في رمضان فإنه قال في صحيحه : اعتمر صلى الله عليه و سلم أربع عمر الأولى عمرة القضاء سنة القابل من عام الحديبية وكان ذلك في رمضان ثم الثانية حيث فتح مكة وكان فتحها في رمضان ثم خرج منها قبل هوازن وكان من أمره ما كان فلما رجع وبلغ الجعرانة قسم الغنائم بها واعتمر منها إلى مكة وذلك في شوال واعتمر الرابعة في حجته وذلك في ذي الحجة سنة عشر من الهجرة . واعترض عليه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في كلام له على هذا الحديث وقال : وهم في هذا في غير موضع وذكر أحاديث في الرد عليه.
وقال ابن حزم : هذا حديث لا خير فيه وطعن فيه ورد عليه ابن النحوي . قال في الهدى بعد ذكره لهذا الحديث : وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول هذا حديث كذب على عائشة ولم تكن عائشة لتصلي بخلاف صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسائر الصحابة وهي تشاهدهم يقصرون ثم تتم هي وحدها بلا موجب كيف وهي القائلة فرضت الصلاة ركعتين فزيدت في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر فكيف يظن بها أنها تزيد على فرض الله وتخالف رسول الله وأصحابه.
وقال الزهري لهشام لما حدثه عن أبيه عنها بذلك : فما شأنها كانت تتم الصلاة قال : تأولت كما تأول عثمان فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد حسن فعلها فأقرها عليه فما للتأويل حينئذ وجه ولا يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير وقد أخبر ابن عمر: ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يزيد في السفر على ركعتين ولا أبو بكر ولا عمر ) أفيظن بعائشة أم المؤمنين مخالفتهم وهي تراهم يقصرون وأما بعد موته فإنها أتمت كما أتم عثمان وكلاهما تأول تأويلا والحجة في روايتهم لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له .
والحديث الثاني صحح إسناده الدارقطني كما ذكره المصنف قال في التلخيص: وقد استنكره أحمد وصحته بعيدة فإن عائشة كانت تتم . وذكر عروة أنها تأولت ما تأول عثمان كما في الصحيح فلو كان عندها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواية لم يقل عروة عنها أنها تأولت . قال في الهدى بعد ذكر هذا الحديث : وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول هو كذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : وقد روى كان يقصر وتتم الأول بالياء آخر الحروف والثاني بالتاء المثناة من فوق وكذلك يفطر وتصوم قال قال شيخنا وهذا باطل ثم ذكر نحو الكلام السابق من استبعاد مخالفة عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة .
( وقد استدل ) بحديثي الباب القائلون بأن القصر رخصة وقد تقدم ذكرهم ويجاب عنهم بأن الحديث الثاني لا حجة فيه لهم لما تقدم من أن لفظ تتم وتصوم بالفوقانية لأن فعلها على فرض عدم معارضته لقوله وفعله صلى الله عليه و سلم لا حجة فيه فكيف إذا كان معارضا للثابت عنه من طريقها وطريق غيرها من الصحابة .
وأما الحديث الأول فلو كان صحيحا لكان حجة لقوله صلى الله عليه و سلم في الجواب عنها ( أحسنت ) ولكنه لا ينتهض لمعارضة ما في الصحيحين وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة وهذا بعد تسليم أنه حسن كما قال الدارقطني فكيف وقد طعن فيه بتلك المطاعن المتقدمة فإنها بمجردها توجب سقوط الاستدلال به عند عدم المعارض ".
على أنه ينبغي أن يعلم أن من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن يتم المسافر إذا صلى وراء المقيم فقد أخرجمسلم ج1/ص479:" عن بن عَبَّاسٍ قال إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ الصَّلَاةَ على لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم على الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ وَعَلَى الْمُقِيمِ أَرْبَعًا وفي الْخَوْفِ رَكْعَةً
وحدثنا محمد بن الْمُثَنَّى وبن بَشَّارٍ قالا حدثنا محمد بن جَعْفَرٍ حدثنا شُعْبَةُ قال سمعت قَتَادَةَ يحدث عن مُوسَى بن سَلَمَةَ الْهُذَلِيِّ قال سَأَلْتُ بن عَبَّاسٍ كَيْفَ أُصَلِّي إذا كنت بِمَكَّةَ إذا لم أُصَلِّ مع الْإِمَامِ فقال رَكْعَتَيْنِ سُنَّةَ أبي الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم"
قال الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة (ح2676):" " تلك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم . يعني إتمام المسافر إذا اقتدى بالمقيم ، و إلا فالقصر " .
هذه السنة الصحيحة يرويها قتادة عن موسى بن سلمة الهذلي عن ابن عباس رضي الله عنه ويرويه عن قتادة جمع: الأول : أيوب عنه عن موسى قال : كنا مع ابن عباس بمكة، فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعا، و إذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين. قال : فذكره أخرجه أحمد ( 1 / 216 ) والسراج في " مسنده " (ق 120 / 1 ) والطبراني في " المعجم الأوسط"(1/ 278/1 - مصورة الجامعة الإسلامية ) و أبو عوانة في " مسنده " (2/340) من طريق محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، والطبراني أيضا (2/92/2) من طريق الحارث بن عمير كلاهما عن أيوب عنه به ، وزاد هو والسراج:" وإن رغمتم"، وقال:" لم يروه عن أيوب إلا الحارث بن عمير والطفاوي" .
الثاني: شعبة عنه به، ولفظه قال: سألت ابن عباس كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام فقال:ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم. أخرجه مسلم (2/143-144) والنسائي(1/212) وابن خزيمة في"صحيحه"(951) والبيهقي (3/153) وابن حبان (4/185/2744) وأحمد (1/290و337) وأبو عوانة والطحاوي (1/245) ولفظ البيهقي:" كم أصلي إذا فاتتني الصلاة في المسجد الحرام". والباقي مثله .
الثالث:سعيد بن أبي عروبة عنه نحوه.أخرجه مسلم(3/144)والنسائي،وأحمد (1/369)
الرابع: هشام الدستوائي. قال الطيالسي في "مسنده "( 2742 ) : حدثنا هشام عنه به . ولفظه: قلت لابن عباس: إذا لم أدرك الصلاة في المسجد الحرام كم أصلي بـ ( البطحاء) قال: ركعتين .. إلخ . وأخرجه أحمد ( 1 / 226 ): حدثنا يحيى عن هشام به .
الخامس: همام :أخبرنا قتادة به مثل لفظ هشام. أخرجه أحمد (1/290 ) . و قد صرح قتادة بالتحديث عنده في رواية شعبة . قلت : وفي الحديث دلالة صريحة على أن السنة في المسافر إذا اقتدى بمقيم أنه يتم ولا يقصر، وهو مذهب الأئمة الأربعة و غيرهم، بل حكى الإمام الشافعي في " الأم " (1/159 ) إجماع عامة العلماء على ذلك ، ونقله الحافظ ابن حجر عنه في " الفتح " (2/ 465 ) وأقره، وعلى ذلك جرى عمل السلف، فروى مالك في" الموطأ "(1/164 ) عن نافع: أن ابن عمر أقام بمكة عشر ليال يقصر الصلاة، إلا أن يصليها مع الإمام فيصليها بصلاته.وفي رواية عنه:أن عبد الله بن عمر كان يصلي وراء الإمام بمنى أربعا، فإذا صلى لنفسه صلى ركعتين.ورواه ابن خزيمة في " صحيحه "( 95) من طريق أخرى عن ابن عمر. وأخرجه الطحاوي في " شرح المعاني "(1/244 ) من طريق مالك، ومن قبله الإمام محمد في " موطئه " ( ص127-128) وقال:" وبهذا نأخذ إذا كان الإمام مقيما والرجل مسافر، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله". وقوله:" إذا كان الإمام مقيما." مفهومه - ومفاهيم المشايخ معتبرة عندهم أن الإمام إذا كان مسافرا فأتم- كما يفعل بعض الشافعية- أن المسافر المقتدي خلفه يقصر ولا يتم، وهذا خلاف ما فعله ابن عمر رضي الله عنهما، وتبعه على ذلك غيره من الصحابة، منهم عبد الله بن مسعود- الذي يتبنى الحنفية غالب أقواله – فإنه مع كونه كان ينكر على عثمان رضي الله عنه إتمامه الصلاة في منى، ويعيب ذلك عليه كما في " الصحيحين"، فإنه مع ذلك صلى أربعا كما في " سنن أبي داود " (1960 ) و" البيهقي " (3/ 144) من طريق معاوية بن قرة عن أشياخه أن عبد الله صلى أربعا، قال : فقيل له : عبت على عثمان ثم صليت أربعا ؟! قال : الخلاف شر . وهذا يحتمل أنه صلاها أربعا وحده ، و يحتمل أنه صلاها خلف عثمان ، و رواية البيهقي صريحة في ذلك ، فدلالتها على المراد دلالة أولوية ، كما لا يخفى على العلماء . ومنهم سلمان الفارسي ، فقد روى أبو يعلى الكندي قال: "خرج سلمان في ثلاثة عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، وكان سلمان أسنهم، فأقيمت الصلاة، فقالوا: تقدم يا أبا عبد الله فقال: ما أنا بالذي أتقدم أنتم العرب، ومنكم النبي صلى الله عليه وسلم، فليتقدم بعضكم، فتقدم بعض القوم، فصلى أربع ركعات، فلما قضى الصلاة، قال سلمان: ما لنا وللمربعة، إنما يكفينا نصف المربعة ". أخرجه عبد الرزاق (4283 ) وابن أبي شيبة (2/448 ) والطحاوي (1/242 ) بإسناد رجاله ثقات، ولولا أن فيه عنعنة أبي إسحاق السبيعي واختلاطه لصححت إسناده، فسكوت الشيخ عبد الله الغماري عنه في رسالته " الرأي القويم " ( ص 30 ) ليس بجيد، لاسيما وقد جزم بنسبته إلى سلمان في رسالته الأخرى " الصبح السافر " ( ص 42 ) !! هذا ولقد شذ في هذه المسألة ابن حزم كعادته في كثير غيرها، فقد ذهب إلى وجوب قصر المسافر وراء المقيم، واحتج بالأدلة العامة القاضية بأن صلاة المسافر ركعتان، كما جاء في أحاديث كثيرة صحيحة. وليس بخاف على أهل العلم أن ذلك لا يفيد فيما نحن فيه، لأن حديث الترجمة يخصص تلك الأحاديث العامة، بمختلف رواياته، بعضها بدلالة المفهوم، وبعضها بدلالة المنطوق. ولا يجوز ضرب الدليل الخاص بالعام، أو تقديم العام على الخاص، سواء كانا في الكتاب أو في السنة خلافا لبعض المتمذهبة. وليس ذلك من مذهب ابن حزم رحمه الله ، فالذي يغلب على الظن أنه لم يستحضر هذا الحديث حين تكلم على هذه المسألة ، أو على الأقل لم يطلع على الروايات الدالة على خلافه بدلالة المنطوق، وإلا لم يخالفها إن شاء الله تعالى، وأما رواية مسلم فمن الممكن أن يكون قد اطلع عليها ولكنه لم يرها حجة لدلالتها بطريق المفهوم، وليس هو حجة عنده خلافا للجمهور، ومذهبهم هو الصواب كما هو مبين في علم الأصول، فإن كان قد اطلع عليها فكان عليه أن يذكرها مع جوابه عنها، ليكون القاريء على بينة من الأمر. و إن من غرائبه أنه استشهد لما ذهب إليه بما نقله عن عبد الرزاق- وهو في "مصنفه "(2/519 )- من طريق داود بن أبي عاصم قال: " سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر ؟ فقال: ركعتان. قلت:كيف ترى ونحن ههنا بمنى ؟ قال: ويحك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنت به قلت :نعم. قال : فإنه كان يصلي ركعتين. فصل ركعتين إن شئت أو دع " . قلت : وسنده صحيح، وقال عقبه: " و هذا بيان جلي بأمر ابن عمر المسافر أن يصلي خلف المقيم ركعتين فقط ". قلت ( الألباني) : و هذا فهم عجيب، واضطراب في الفهم غريب، من مثل هذا الإمام اللبيب، فإنك ترى معي أنه ليس في هذه الرواية ذكر للإمام مطلقا، سواء كان مسافرا أم مقيما. وغاية ما فيه أن ابن أبي عاصم بعد أن سمع من ابن عمر أن الصلاة في السفر ركعتان، أراد أن يستوضح منه عن الصلاة وهم - يعني الحجاج - في منى: هل يقصرون أيضا ؟ فأجابه بالإيجاب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي فيها ركعتين. هذا كل ما يمكن فهمه من هذه الرواية، وهو الذي فهمه من خرجها، فأوردها عبد الرزاق في "باب الصلاة في السفر" في جملة أحاديث وآثار في القصر، وكذلك أورده ابن أبي شيبة في باب "من كان يقصر الصلاة " من " مصنفه " ( 2/451 ) . وداود بن أبي عاصم هذا طائفي مكي، فمن المحتمل أنه عرضت له شبهة من جهة كونه مكيا، والمسافة بينها وبين منى قصيرة، فأجابه ابن عمر بما تقدم، وكأنه يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر في منى هو ومن كان معه من المكيين الحجاج. و الله أعلم. وإن مما يؤكد خطأ ابن حزم في ذلك الفهم ما سبق ذكره بالسند الصحيح عن ابن عمر أنه كان إذا صلى في مكة ومنى لنفسه قصر، و إذا صلى وراء الإمام صلى أربعا. فلو كان سؤال داود عن صلاة المسافر وراء المقيم، لأفتاه بهذا الذي ارتضاه لنفسه من الإتمام في هذه الحالة، ضرورة أنه لا يعقل أن تخالف فتواه قوله ، و يؤيد هذا أنه قد صح عنه أنه أفتى بذلك غيره، فروى عبد الرزاق (2/542/4381 ) بسند صحيح عن أبي مجلز قال: قلت لابن عمر: أدركت ركعة من صلاة المقيمين وأنا مسافر ؟ قال: صل بصلاتهم . أورده في " باب المسافر يدخل في صلاة المقيمين". وذكر فيه آثارا أخرى عن بعض التابعين بمعناه ، إلا أن بعضهم فصل، فقال في المسافر يدرك ركعة من صلاة المقيمين في الظهر : يزيد إليها ثلاثا ، و إن أدركهم جلوسا صلى ركعتين. ولم يرو عن أحد منهم الاقتصار على ركعتين على كل حال كما هو قول ابن حزم ! وأما ما ذكره من طريق شعبة عن المغيرة بن مقسم عن عبد الرحمن بن تميم بن حذلم قال:" كان أبي إذا أدرك من صلاة المقيم ركعة وهو مسافر صلى إليها أخرى، وإذا أدرك ركعتين اجتزأهما"، وقال ابن حزم:" تميم بن حذلم من كبار أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه ". قلت: نعم، ولكنه مع شذوذه عن كل الروايات التي أشرت إليها في الباب وذكرنا بعضها، فإن ابنه عبد الرحمن ليس مشهورا بالرواية ، فقد أورده البخاري في " التاريخ " (3/1/265 ) وابن أبي حاتم (2/2/218) ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، و ذكر ابن أبي حاتم أنه روى عنه أبو إسحاق الهمداني أيضا ، و ذكره ابن حبان في " الثقات " (7/68) برواية المغيرة. وهذا قال فيه الحافظ في " التقريب" : " كان يدلس". وذكر أيضا من طريق مطر بن فيل عن الشعبي قال: " إذا كان مسافرا فأدرك من صلاة المقيم ركعتين اعتد بهما". ومطر هذا لا يعرف. وعن شعبة قال: سمعت طاووسا وسألته عن مسافر أدرك من صلاة المقيم ركعتين ؟ قال:" تجزيانه". قلت: وهذا صحيح إن سلم إسناده إلى شعبة من علة، فإن ابن حزم لم يسقه لننظر فيه. وجملة القول أنه إن صح هذا وأمثاله عن طاووس وغيره، فالأخذ بالآثار المخالفة لهم أولى لمطابقتها لحديث الترجمة و أثر ابن عمر وغيره. والله أعلم" .
|