أخـطــاء خطيرة للدكتور " طـلـعـت زهــران " في بحثه عن << الاسـتـحـلال >>
الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا ً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وبعد /
فقد ناولني بعض الإخوة منذ عدة أشهر بحثا ًً مطبوعا ً بعنوان : " الاستحلال " كتبه الدكتور طلعت زهران فقرأته متفحصا ً فلم أجده بحثا ً موفقا ً ووافيا ً في موضوعه ؛ وإنما غلب عليه العجلة والتسرع وعدم التحقيق للمسائل والاعتماد على ما ينشر في الشبكة العنكبوتية دون تمحيص ورجوع لكتب أهل العلم ، فألقيته جانبا ً وقلت في نفسي سيُنسى هذا البحث ويترك الناس مافيه ويعودوا إلى كتب الأئمة ففيها غنية إن شاء الله لكل طالب علم .
إلا أنه بلغني عن بعض طلبة العلم أنه أثنى عليه وصار يعول عليه في مسألة الاستحلال وفهمها فأسفت لذلك أشد الأسف ورأيت أنه لابد من تنبيه صاحبه والإخوة لبعض الأخطاء الموجودة فيه حتى يحذروها ولا يقعوا فيها نصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين .
وأنقل لك ـ أخي الكريم ـ عنوانا ً للدكتور طلعت وضع تحته تأصيلا ً به بعض الأخطاء العقدية وأقوم إن شاء الله بالتنبيه عليها وكل ما كان باللون الأحمر فهو نص كلام للدكتور طلعت زهران ...... يقول في الصفحة الثانية من بحثه :
( * الاعتقاد محله القلب ،
وهذا يعني أن ما يرجع التكفير به للاعتقاد فيشترط فيه معرفة الاعتقاد بالتصريح لا بالالجتهاد [ كذا ] . فلا يكفر صاحب الكبيرة إلا بعد أن يصرح هو بلسانه أنه يعتقد الحل في قرارة قلبه .
وهناك مكفرات يكفر صاحبها بمجرد قيامها بالجوارح دون اعتقاد : كسب الله تعالى والاستهزاء بالنبي ، صلى الله عليه وسلم والسجود للصنم . فالكفر في هذه الأمثلة يعلق بالجوارح لا بالقلب .
وبطريقة أخرى :
أهل السنة يرون أنه لا كفر في الظاهر = الجوارح إلا ومعه كفر في الباطن = القلب .
لكنهم عندما يكفرون بالأمور المكفرة فإنهم يعلقون التكفير بالجوارح لا بالاعتقاد ، فقولهم بالتلازم بين الظاهر والباطن إنما هو تفسير لحال الرجل وليس لتعليق التكفير بالاعتقاد .
أما الجهمية فترى أنه لم يكفر إلا لاعتقاده ، لا لعمل جوارحه .
الخلاف ليس في وجود الفساد في الباطن ، فهذا أمر تتفق فيه الجهمية مع أهل السنة .
الخلاف في تعليق الكفر بالباطن في الأمور المكفرة بالجوارح .
مثلا ً :
ساب الله تعالى كافر عند أهل السنة وعند الجهمية وهو فاسد الظاهر والباطن عند الجميع لكن أهل السنة يعلقون التكفير بالظاهر = الجوارح فيقولون : مع أنه سبه لله تعالى يدل على استهانته بالذات الإلهية : إلا أنه كافر بمجرد صدور السب منه ولو لم يستحل ذلك .
والجهمية تعلق التكفير بالاعتقاد فتقول :
هو كافر ، لأن سبه لله تعالى قرينة على أنه مستهين بالذات الإلهية في قرارة قلبه .
فسبب كفره عند أهل السنة : السب .
وسبب كفره عند الجهمية: قرينة الاعتقاد الباطن، فالسب عندهم ليس كفرا ً لكنه دليل على كفر الباطن .) انتهى كلام الدكتور طلعت زهران .
وهذا الكلام عند التأمل ملئ بالتناقضات والخلط بين اعتقاد أهل السنة واعتقاد الجهمية وإليك البيان مفصلا ً بنقل نص كلامه والتعليق عليه :
[ 1 ] يقول الدكتور :
" ( * الاعتقاد محله القلب ، "
قلت ُ :
هذه العبارة خاطئة وهي قول الجهمية ، فالاعتقاد عند أهل السنة يكون بالقول والعمل ؛ قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح كما ذكر شيخ الإسلام في الواسطية فليس الاعتقاد بالقلب فقط كما يقول الدكتور وهذا سيجره إلى أخطاء أخرى تأتي لاحقا ً .
[ 2 ] يقول الدكتور :
" وهذا يعني أن ما يرجع التكفير به للاعتقاد فيشترط فيه معرفة الاعتقاد بالتصريح لا بالالجتهاد [كذا] . "
قلت ُ :
وهذه أيضا ً عبارة خاطئة مبنية على الخطإ الأول ، فالكفر عند أهل السنة يكون بالقول والفعل والاعتقاد ، أما التكفير فلابد من وجود شروط وانتفاء موانع .
فأهل السنة يفرقون بين الفعل والفاعل ، فعندهم الكفر يكون بالقول والفعل والاعتقاد ، إلا أنهم وضعوا قاعدة وهي : " ليس كل من وقع في الكفر وقع الكفر عليه " ، فانطباق الحكم بالتكفير على المعين لابد له من شروط وهي :
1 ـ العلم .
2 ـ العمد .
3 ـ الاختيار .
ولابد من انتفاء موانع وهي :
1 ـ الجهل .
2 ـ الإكراه .
3 ـ التأول .
ولذلك قال أئمة السنة : " ومن ثبت إسلامه بيقين لا يزول عنه إلا بيقين مثله ، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة " ، فهذه ضوابط الكفر والتكفير عند أهل السنة لا كما ذكر الدكتور طلعت في كلامه .
[ 3 ] يقول الدكتور :
" فلا يكفر صاحب الكبيرة إلا بعد أن يصرح هو بلسانه أنه يعتقد الحل في قرارة قلبه " .
قلت ُ :
هذا فيه تفصيل ، وليس كما يقول الدكتور ، فصاحب الكبيرة يقول عنه أهل السنة : " ولا نكفر أحدا ً من أهل القبلة بكل ذنب مالم يستحله " ، والاستحلال عندهم أنواع :
1 ـ اعتقاد الحرام حلال ، أو اعتقاد الحلال حرام .
2 ـ أن يعلم ما حرمه الله ورسوله ثم يمتنع من التزام هذا التحريم ، ويعاند المحرِّم ، فهذا أشد كفرا ً
من النوع الأول .
فإذا اقترن مع الكبيرة اعتقاد حلها وعدم اعتقاد تحريمها فهو كفر ، وإن اقترن معها إباء واستكبار وبغض لما حرم الله ورسوله فهو كفر أشد من النوع الأول ، بل إذا استحل الكبيرة بأحد نوعي الاستحلال فإنه يكفر وإن لم يفعلها .
[ 4 ] يقول الدكتور :
" وهناك مكفرات يكفر صاحبها بمجرد قيامها بالجوارح دون اعتقاد : كسب الله تعالى والاستهزاء بالنبي ، صلى الله عليه وسلم والسجود للصنم . فالكفر في هذه الأمثلة يعلق بالجوارح لا بالقلب ".
قلت ُ :
وهذه أيضا ً عبارة خاطئة ناشئة من عدم تصور وفهم مسائل الإيمان والتكفير عند أهل السنة والجماعة وإليك صوابه محررا ً أولا ً ثم نناقش مافيها من أخطاء .
صواب العبارة أن يقال : هناك مكفرات يكفر صاحبها بمجرد قيامها بالجوارح دون استحلال : كسب الله تعالى والاستهزاء بالنبي ، صلى الله عليه وسلم والسجود للصنم . فالكفر في هذه الأمثلة يعلق بالجوارح لانتفاء التعظيم والانقياد من القلب .
وهذا التأصيل يدرسه صغار الطلبة في أوائل كتب الاعتقاد ، فمن درس كتاب : " أعلام السنة المنشورة " [ 200 سؤال في العقيدة ] يرى أكثر من سؤال يوضح ذلك منها :
( س : ما هو كفر العناد والاستكبار ؟
ج : هو ما كان بعد الانقياد للحق مع الإقرار به ، ككفر إبليس إذ يقول الله تعالى فيه : ( إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ) ، وهو لم يمكنه جحود أمر الله بالسجود ولا إنكاره ، وإنما اعترض عليه وطعن في حكمة الآمر به وعدله ، وقال : ( ءأسجد لمن خلقت طينا ً ) ، وقال : ( لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون ) ، وقال : ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) .
س : وإذا قيل لنا : هل السجود للصنم والاستهانة بالكتاب وسب الرسول والهزل بالدين ونحو ذلك هذا كله من الكفر العملي فيما يظهر ، فلم كان مخرجا ً من الدين وقد عرفتم الكفر الأصغر بالعملي ؟
ج : اعلم أن هذه الأربعة وما شاكلها ليس هي من الكفر العملي إلا من جهة كونها واقعة بعمل الجوارح فيما يظهر للناس ، ولكنها لا تقع إلا مع ذهاب عمل القلب من نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده لا يبقى معها شئ من ذلك ، فهي وإن كانت عملية في الظاهر فإنها مستلزمة للكفر الاعتقادي ولابد ، ولم تكن هذه لتقع إلا من منافق مارق أو معاند مارد ، وهل حمل المنافقين في غزوة تبوك على أن : ( قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا ) إلا ذلك مع قولهم لما سُئلوا : ( إنما كنا نخوض ونلعب ) قال الله تعالى : ( قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) ونحن لم نعرف الكفر الأصغر بالعملي مطلقا ً ، بل بالعملي المحض الذي لم يستلزم الاعتقاد ولم يناقض قول القلب ولا عمله .
فكما ترى أخي الكريم : الكفر في هذه الأمثلة يعلق بعمل الجوارح وعمل القلب لا كما يقول الدكتور طلعت : ( فالكفر في هذه الأمثلة يعلق بالجوارح لا بالقلب ) .
[ 5 ] ثم قال الدكتور طلعت :
وبطريقة أخرى :
أهل السنة يرون أنه لا كفر في الظاهر = الجوارح إلا ومعه كفر في الباطن = القلب .
قلت ُ :
هذه العبارة منه تنقض ما سبق من كلامه حيث أثبت ارتباط الكفر الظاهر بالكفر الباطن كما سبق وأبنتـُه لك آنفا ً في الفقر السابقة [ 4 ] .
[ 6 ] إلا أن الدكتور طلعت عاد وناقض نفسه ثالثا ً فقال :
" لكنهم عندما يكفرون بالأمور المكفرة فإنهم يعلقون التكفير بالجوارح لا بالاعتقاد ، فقولهم بالتلازم بين الظاهر والباطن إنما هو تفسير لحال الرجل وليس لتعليق التكفير بالاعتقاد " .
قلت ُ :
يا سبحان الله .... انظر أخي الكريم كيف أصل أصلا ً بدعيا ً في [ 4 ] وعاد فنقضه في [ 5 ] ثم عاد ونقض النقض في [ 6 ] وعاد إلى القول القديم .
من قال من أهل السنة أن كفر الظاهر لا يرتبط بكفر الباطن كما يقول الدكتور طلعت ، ولذلك شعر بوهاء وضعف قوله فعاد مرة ثانية يفسر كلام أهل السنة في التلازم تفسيرا ً مغلوطا ً فقال : " فقولهم بالتلازم بين الظاهر والباطن إنما هو تفسير لحال الرجل وليس لتعليق التكفير بالاعتقاد " .
وهذا كما وضحت من قبل يدل على عدم فهم الدكتور لارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب ، فكلما زادت أعمال القلوب زادت أعمال الجوارح ، وكلما ظهرت الذنوب والمعاصي على الجوارح كان دليلا ً على ضعف أعمال القلوب لحديث : " ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب " فالظاهر يرتبط بالباطن زيادة ً وضعفا ً ، وإذا ظهر الكفر على أقوال وأعمال الإنسان فهو دليل على ذهاب قول القلب أو عمله أو هما معا ً .
[ 7 ] ثم قال الدكتور طلعت :
" أما الجهمية فترى أنه لم يكفر إلا لاعتقاده ، لا لعمل جوارحه .
الخلاف ليس في وجود الفساد في الباطن ، فهذا أمر تتفق فيه الجهمية مع أهل السنة .
الخلاف في تعليق الكفر بالباطن في الأمور المكفرة بالجوارح " .
قلت ُ :
وهذه أيضا ً عبارة خاطئة مجملة ، فإن الجهمية تعلق الكفر بانتفاء التصديق الباطن ونحن ذكرنا أن الاعتقاد يشمل قول القلب وعمل القلب فلا اتفاق بين أهل السنة والجهمية في هذه النقطة ولذلك أخطأ الدكتور طلعت حين قال : " الخلاف ليس في وجود الفساد في الباطن ، فهذا أمر تتفق فيه الجهمية مع أهل السنة " . ، فلا اتفاق بين أهل السنة والجهمية في هذه النقطة .
ثم ذكر الدكتور طلعت مثالا ً لتوضيح كلامه خلّط فيه أيضا ً أيما تخليط ،
[ 8 ] فقال الدكتور طلعت :
" مثلا ً :
ساب الله تعالى كافر عند أهل السنة وعند الجهمية وهو فاسد الظاهر والباطن عند الجميع لكن أهل السنة يعلقون التكفير بالظاهر = الجوارح فيقولون : مع أنه سبه لله تعالى يدل على استهانته بالذات الإلهية : إلا أنه كافر بمجرد صدور السب منه ولو لم يستحل ذلك .
والجهمية تعلق التكفير بالاعتقاد فتقول :
هو كافر ، لأن سبه لله تعالى قرينة على أنه مستهين بالذات الإلهية في قرارة قلبه " .
قلت ُ :
الدكتور لم يفهم مذهب الجهمية فظن أنهم يتفقون مع أهل السنة في تكفير الساب وليس كذلك ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى ج 7 ص 188 : " ومن هنا يظهر خطأ قول " جهم بن صفوان " ومن اتبعه حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه لم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنا كامل الإيمان بقلبه وهو مع هذا يسب الله ورسوله ويعادي الله ورسوله ويعادي أولياء الله ويوالي أعداء الله ويقتل الأنبياء ويهدم المساجد ويهين المصاحف ويكرم الكفار غاية الكرامة ويهين المؤمنين غاية الإهانة قالوا : وهذه كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن " .
فهذا معتقد وكلام الجهمية نقله شيخ الإسلام ابن تيمية وكما ترى أخي الكريم مخالف تماما ً لما ذكره الدكتور طلعت .
إلا أن الدكتور عاد فقال عجيبة من الأعاجيب حيث قال : " والجهمية تعلق التكفير بالاعتقاد فتقول :
هو كافر ، لأن سبه لله تعالى قرينة على أنه مستهين بالذات الإلهية في قرارة قلبه " .
فهذه أعجوبة جديدة من الدكتور طلعت لأن الجهمية لا تعلق التكفير بالاستهانة ، بل بانتفاء التصديق كما وضحت آنفا ً وإليك هذا النقل من شيخ الإسلام في نفس الموضع السابق ج 7 ص 189: " إذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة قالوا : فهذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قلبه فالكفر عندهم شيء واحد وهو الجهل والإيمان شيء واحد وهو العلم أو تكذيب القلب وتصديقه " فلم تقل الجهمية أبدا ً بالتكفير بسبب الاستهانة وإنما قال بذلك أهل السنة كما شرحته لك في الفقرة رقم [ 4 ] ونقلت لك كلام الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله تعالى .
وبعد أخي الكريم ، فهذا نقض لنصف صفحة من بحث الدكتور طلعت زهران رأيت فيه أخطاء الدكتور في عقيدة أهل السنة بل وفي عقيدة الجهمية ، وعدم فهمه لأصول هذه المسائل ، فاحذر هذا البحث وعليك بكتب الأئمة الكبار فانهل منها وارتع فيها عسلا ً ولبنا ً مصفى ً سائغا ً للشاربين .
وأرجو من الدكتور طلعت أن يرجع عن كلامه ذاك ، ويعلن براءته من هذا البحث ، وأن يلزم غرز أئمة السنة ويقول بقولهم ، والله من وراء القصد ، وهو يهدي السبيل ، والحمد لله رب العالمين
وكتبه
أبو عبدالله إيهاب البديوي
الاسكندرية
|