( 3 )
للعظة والاعتبار .. .. ..
عن صفية أمّ المؤمنين ـ رضي الله عنها ـ أنها جاءتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم تزُورُه في اعتكافِه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدّثتْ عنده ســــــاعة ثم قامت تنقلب ، فقام النبي " صلى الله عليه وسلم " يقلّبُها حتى إذا بلغت بابَ المسجد عند باب أمّ سلمة ، مرّ رجلان من الأنصار فسلّمَا على رسول الله " صلى الله عليه وسلم " ، فقال لهما النبي " صلى الله عليه و سلم " : ( على رَسْلِكُمَا إنما هي صفية بنت حيي ، فقالا : سبحان الله يا رسول الله وكبُر عليهما ، فقال النبي " صلى الله عليه وسلم " : إنّ الشيطان يبلغ من الانسان مبلغ الدم وإني خشيتُ أن يقذِفَ في قلوبكما شيئاً ) . رواه البخاري ومسلم وغيرهما .
قال العلامة "عبد الحميد بن باديس " ـ رحمه الله تعالى ـ : ( على المسلم أن يقي عرضَه من طعنات الألسن بالسوء عليه ، أن يقيه من هواجس النفوس به ، فإنّ الهواجس مبادئ الظنون ، والظنون مطايا الأقوال ، والأقوال سهامٌ نافذة ، وقلّما يثبت عرض على كثرة الرّمي . ومن خسر عرضَه خسر قيمته وخسر كل شيء ، فلِخَطَر هذه النهاية لزم الاحتفاظ على العرض من تلك البداية .
فلا ينبغي للمســـــلم أن يُرى حيث تقع في أمره شبهة وتتوجّه عليه تهمة ولو كان عند نفسِه بريئا ، وعما يُرمى به بعيدا .
فليس الإنسان يعيش في هذه الدنيا لنفسه بل يعيش لنفسه ولإخوانه ، وإذا تعرّضَ للتُّهم خسر نفسَه وخسر إخوانَه وأدخل على نفسه البلاء منهم ، وأدخل البلاء عليهم به ، فكانت مصيبته على الجميع وضرره عائدا على الإسلام وجماعة المسلمين خصوصا إذا كان المرء ممن يُقتدى به ويُرجَع إليه ، فإن زوال الثقة به خسارة كبرى وهدم لأركانِ الدين وتعطيل لانتفاع الناس بالعلم وانتفاعه هو بعلمه ، وإذا وقف الإنسانُ موقفاً مشروعا وخاف أن تتطرق إليه في خواطر الناس شبهة كان عليه أن يُبادر للتصريح بحقيقة حاله والتعريف بمشروعية موقفه .
وليس لأحد ، بعد رسول الله " صلى الله عليه وسلم " ، أن يغترَّ بمنزلتِه عند الناس فلا يبالي بما قد يخطر لهم . بل ذو المنزلة أحقّ بالتبيين والتصريح لعظيم حاجة الناس إلى بقاء ثقتهم به وتوقّفِ استفادتهم منه وقيامه بما ينفعهم على تلك الثقة .
قال الإمام ابن دقيق العيد ـ رحمه الله ـ : " في الحديث دليلٌ على التحرّز مما يقع في الوهم نسبة الإنسان إليه مما لا ينبغي. وهذا متأكَّد في حق العلماء ومن يُقتدى بهم ، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلا يوجب ظنَّ السوء بهم وإن كان لهم فيه مخلص ، لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم " ) .
|