النصيحة الخامسة: أغرِقي الأخطاء في بحر المحبة
الله تعالى لما خلق الزوجين الذكر والأنثى وشرع بينهما الاتصال بالتزواج بما أحل سبحانه وتعالى، جعل بينكِ وبينه الحب والمودة، قال عز وجل: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"(1).
فطباع الناس ورغباتهم يندر أن تتفق كامل الاتفاق، ولكن تبادل الحب والرحمة والمودة ليس بعسير على من وفقه الله للخير.
إذا تقرر ذلك فإنك تجتمعين برجل لم يتربَّ تحت سقف بيتك -غالباً- له عاداته وطباعه التي جبله الله تعالى عليها، وأنتِ بالنسبة له كذلك، فليس من لوازم صحة العشرة الزوجية توافق الرغبات والعادات، ولكن أهم لوازمها صدق المحبة والمشاعر والمودات، فكراهتك لشيءٍ من أخلاقه لا يعني مقت سائرها، ولا يحتم عليكِ رفضه مطلقاً وغمر ما عنده من محاسن، ولو فاصلنا بين كل من لا يوافق ذوقه أذواقنا، وميوله ما نميل إليه لما صَفَا لنا من البشر أحدٌ حتى الوالدان، والإخوان والأخوات؛ فالكمال عزيز.
وتأملي في تعاملكِ مع إخوانك في بيتك، هل ترين أنهم كلهم في السلوك والطبع سواء؟!
ذاك كريم ولكن عيبه كيت وكيت، وذاك شجاع ولكن عيبه كيت وكيت، وذاك رحيم ولكن عيبه كيت وكيت، فغضِّي الطرف عن تلك العيوب وحاولي علاجها، ومدي عينيكِ إلى محاسنهم وأشكريهم عليها.
وهكذا زوجك: فمهما ظهر لكِ من خلقٍ تكرهينه لا يصل إلى درجة الإجرام والحرام، فغضي طرفك عنه مع حسن النصيحة، واغمري هذه الزلة في بحر المحبة له.
وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يفرك مؤمنٌ مؤمنةً إن كره منها خُلقاً رضي منها آخر"(2).
والمعنى: أن المؤمن -وكذلك المؤمنة- لا يكره أحدهما من صاحبه خلقاً إلا أحب فيه خلقاً آخر.
وهكذا فيما يحصل منه خطأ مباشر عليكِ من كلام وتصرفات، لا تجعلي ذلك إعلان حربٍ أهلية داخلية، وتنصبي له العداء بهذا التصرف، فقبل أن تبادريه بالرد -كلاماً أو هجراً أو غير ذلك- اسألي نفسك بنفسك:
أليس هذا هو الذي أحببته من قلبي من قبل؟
أليس هذا الذي سعِدت معه أياماً لا أحصيها؟
واذكري المدة الطويلة التي قضيتيها معه في سعادة ومودة ورحمة، وزنِيها بميزان العدل.
فهل يُعقل أن يخف وزنها من أجل زلّة؟
وأن يذهب جمال عشرت زوجية مضت بـــ: كلمةٍ خرجت من فرط خطأ أو سوء خلق؟
فالتغاضي عن الزلل مع السعي على الإصلاح من سمات عقلاء البشر، كما قال الشاعر:
ليس الغبي بسيدٍ في قومه.... لكن سيد قومه المتغابي
والمعنى: أن تغضي الطرف عن الزلة، وتضبطي نفسك عند الغضب، حتى لا تتكلمي بما لا يليق، وتندمي عليه فيما بعد.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"(3).
حتى لو بلغ بينك وبينه من تنافر القلوب وقت الغضب فلا ينفر لسانك بما يدينك ويحفظ عليك، فالظلم ظلمات يوم القيامة، كأن تقولي بعد مدة من المودة والرحمة: أنا لم أحبك قط! ولم أهنأ بحياتي معك قط!!
فإن هذا قد يقطع على حياتكم الزوجية طريق الرجوع لبرِّ الأمان، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب"(4).
فلا تظلميه بما ليس فيه، ولا تظلمي نفسك بما يحرقك الندم عليه في المستقبل.
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أحبِب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما" (5).
فإذا أبغضتيه ساعة من الساعات فعلى هونك، لا تظهري له كل علامات الغضب وعباراته، فما يدريك لو صَفَتِ الأمور بينكِ وبينه بعد لحظات، وعادت الأمور إلى مجاريها كما يقال، فكيف بحالك معه في ذلك الحين وقد قلتِ وتصرفتِ تلك الأقوال والتصرفات؟!
فلا تعذبي نفسك بموجبات الندم، ولا تجبري وجهك على مواطن الحسرة والخجل، وعليك بالكلام العدل في الرضا والغضب، وفقني الله وإياكِ لذلك.
--------------------
(1): [الروم:21].
(2): أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3): متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4): رواه النسائي.
(5): أخرجه الترمذي.