عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 04-01-2012, 12:18 AM
بلال الجيجلي بلال الجيجلي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الجزائر- ولاية جيجل - حرسها الله من كل سوء-
المشاركات: 941
شكراً: 13
تم شكره 43 مرة في 40 مشاركة
افتراضي

وقد استدل هؤلاء المميعة بما ورد عن أئمة أهل الحديث والجرح والتعديل من اختلاف في جرح الرواة، فزعموا أنَّ هذا الاختلاف من قبيل اختلاف الفقهاء في المسائل الفقهية الاجتهادية؛ والتي يسوغ فيها الخلاف من غير إنكار، وبما أنَّ البدعة سبب من أسباب الجرح عند أئمة أهل الحديث، لهذا فالاختلاف في التبديع من قبيل الاختلاف في المسائل الفقهية الاجتهادية أيضاً.
ثم زعموا أنَّ كلام علماء الجرح والتعديل في الرواة – من حيث الأصل - هو من باب الاجتهاد المبني على الرأي والاستنباط، وليس هو من باب أخبار الثقات التي يجب قبولها ما لم يتبين خلافها.
وهذا الذي ذهبوا إليه واستدلوا به تأصيل باطل وفهم مغلوط، وبيان ذلك من ثلاثة أوجه:


الوجه الأول: أنَّ الانحراف من جهة البدعة أشد من الجرح من جهة الرواية.
لقد خلط كثيرٌ ممَنْ تكلَّم في مسألة الإلزام في التبديع – إثباتاً أو نفياً- بين مسألة تجريح المبتدعة وتجريح الرواة؛ فمنهم مَنْ فرَّق بين جرح المبتدعة وبين جرح الرواة، فأخرج البدعة من أسباب جرح الرواة وقواعد وتطبيق وكلام علماء الجرح والتعديل، فجعلوا التبديع غير داخل في ضوابط هذا العلم وقواعده، بل فرَّقوا بين علماء الحديث والجرح والتعديل وبين العلماء الآخرين، بدعوى أنَّ الأولين يعملون بقواعد الحديث في الرواية وأنَّ التمذهب بمذهب غير أهل السنة ليس جرحاً في الرواية، وأما العلماء الآخرون فيحيطون بقواعد الشريعة عامة، ويتكلمون في أهل البدع من جهة الاعتقاد، وفي هذا انتقاص ظاهر لعلماء الحديث، ولهذا قالوا: كل مَنْ وقع في بدعة فهو مبتدع دون تفصيل من جهة نوع البدعة ولا من جهة الواقع فيها، وإذا بدَّع أحد منهم رجلاً – وإنْ كان معروفاً بالسنة ومحاربة البدع ومشهوراً بالعلم والعمل- وجب على الجميع تبديعه ولو لم يذكر الجارح أسباب تبديعه بالأدلة والبراهين؛ تقليداً له، لأنهم لا يشترطون تفسير الجرح في أهل البدع، وإنما يشترطون ذلك في الرواة حصراً، ومَنْ لم يوافقه على تبديع ذلك الرجل فهو مبتدع، ولا يؤخذ العلم ولا يُقرأ في كتب مَنْ وقع في بدعة مطلقاً، بل لا يجوز الترحم عليه ولا الإشادة بعلمه ولا وصفه بالإمام أو العلامة ولو كان من أئمة أهل السنة وعلمائهم المعروفين؛ وهذا هو منهج الحدادية الغلاة.
وأما المميعة الجفاة فهم على صنفين في هذه المسألة، منهم مَنْ لا يفرِّق بين جرح المبتدعة وجرح الرواة، ويجعل الكلام في المبتدعة كالكلام في الرواة مطلقاً، بدعوى أنها كلها مسائل اجتهادية يسوغ الخلاف فيها والأخذ والرد من غير إلزام ولا إنكار ولا تشنيع، وصنفٌ آخر يفرِّق في التعامل مع أهل البدع بين منهج أئمة الحديث ومنهج أئمة السنة، وأنَّ الواجب التعامل مع أهل البدع بمنهج أهل السنة لا بمنهج أهل الحديث!، كما صرَّح بذلك مختار الطيباوي ومَنْ وافقه.
والحق وسط بين الطرفين:
فالتفريق بين جرح الرواة وجرح المبتدعة من جهة إخراج البدعة من أسباب التجريح وقواعد علماء الجرح والتعديل - وكذا التفريق بين علماء الجرح والتعديل أو علماء الحديث وبين علماء السنة - تفريقٌ باطل بيقين، بل أهل الحديث هم أهل السنة، وأئمة أهل الحديث هم أئمة أهل السنة، وقد ردَّ الشيخ ربيع حفظه الله تعالى في رسالته [أئمة الجرح والتعديل هم حماة الدين] على فاروق الغيثي – وهو من كبار دعاة الحدادية – أو غيره من المتعالمين ممَنْ ذكر عدة فروق باطلة متناقضة بين الأمرين، فمَنْ أراد معرفة وجوه إبطال هذا التفريق فليرجع إلى رسالة الشيخ المشار إليها؛ فإنها قيمة ونافعة، وكذلك ردَّ الشيخ ربيع حفظه الله تعالى على مختار الطيباوي لدعواه التفريق بين أئمة الحديث وأئمة السنة في مقال بعنوان [هدم أباطيل وتعصب وجهالات الطيباوي وبيان بعض تناقضاته الشنيعة].
وأما دعوى أنَّه لا فرق بين جرح الرواة وجرح المبتدعة؛ فصحيحة من جهة دخول البدع في أسباب الجرح، ومصنفات علماء الجرح والتعديل تشتمل على ذكر البدع وغيرها كأسباب لجرح الرواة.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في مقدمة [فتح الباري ص384]: ((فلا يقبل الطعن في أحد منهم إلا بقادح واضح؛ لأنَّ أسباب الجرح مختلفة، ومدارها على خمسة أشياء: البدعة، أو المخالفة، أو الغلط، أو جهالة الحال، أو دعوى الانقطاع في السند)).
لكنَّ الرواة المبتدعة أخطر من الرواة الضعفاء غير المبتدعة، لأنَّ جرحهم من جهتين: من جهة الرواية ومن جهة المعتقد، وإذا كان الإجماع قد وقع على وجوب جرح الرواة الضعفاء وغيرهم وبيان حالهم صيانة للشريعة من التبديل والتحريف، فجرح المبتدعة أوجب بلا ريب.
ولقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في [المجموع 28/231-232] السؤال الآتي:
((عن الغيبة؛ هل تجوز على أناس معينين أو يعين شخص بعينه؟ وما حكم ذلك؟ أفتونا بجواب بسيط؛ ليعلم ذلك الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، ويستمد كل واحد بحسب قوته بالعلم والحكم)).
فكان جوابه مبسوطاً؛ قال فيه:
((وأما الشخص المعيَّن فيُذكر ما فيه من الشر في مواضع: منها المظلوم له أن يذكر ظالمه بما فيه...، ومنها أن يكون على وجه النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم...، وإذا كان هذا في مصلحة خاصة فكيف بالنصح فيما يتعلق به حقوق عموم المسلمين من الأمراء والحكام والشهود والعمال؛ أهل الديوان وغيرهم؟!
فلا ريب أنَّ النصح في ذلك أعظم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة الدين النصيحة" قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"، وقد قالوا لعمر بن الخطاب في أهل الشورى: أمِّر فلاناً وفلاناً، فجعل يذكر في حق كل واحد من الستة - وهم أفضل الأمة - أمراً جعله مانعاً له من تعيينه.
وإذا كان النصح واجباً في المصالح الدينية الخاصة والعامة مثل نقلة الحديث الذين يغلطون أو يكذبون كما قال يحيى بن سعيد سألتُ مالكاً والثوري والليث بن سعد أظنه والأوزاعي عن الرجل يتهم في الحديث أو لا يحفظ فقالوا: بَيِّنْ أمره، وقال بعضهم لأحمد بن حنبل إنه يثقل علي أن أقول فلان كذا وفلان كذا، فقال: إذا سكتَّ أنت وسكتُّ أنا فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟
ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة؛ فإنَّ بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين؛ حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلى ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: "إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل"، فبيِّنَ أنَّ نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله.
إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين. ولولا مَنْ يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإنَّ هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء...
ثم قال: فإذا كان أقوام منافقون يبتدعون بدعاً تخالف الكتاب ويلبسونها على الناس ولم تبين للناس فسد أمر الكتاب وبدل الدين؛ كما فسد دين أهل الكتاب قبلنا بما وقع فيه من التبديل الذي لم ينكر على أهله. وإذا كان أقوام ليسوا منافقين لكنهم سماعون للمنافقين قد التبس عليهم أمرهم حتى ظنوا قولهم حقاً وهو مخالف للكتاب وصاروا دعاة إلى بدع المنافقين كما قال تعالى: "لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم"، فلا بد أيضاً من بيان حال هؤلاء؛ بل الفتنة بحال هؤلاء أعظم، فإنَّ فيهم إيماناً يوجب موالاتهم، وقد دخلوا في بدع من بدع المنافقين التي تفسد الدين، فلا بد من التحذير من تلك البدع وإن اقتضى ذلك ذكرهم وتعيينهم؛ بل ولو لم يكن قد تلقوا تلك البدعة عن منافق لكن قالوها ظانين أنها هدى وأنها خير وأنها دين ولم تكن كذلك: لوجب بيان حالها، ولهذا وجب بيان حال من يغلط في الحديث والرواية، ومن يغلط في الرأي والفتيا، ومن يغلط في الزهد والعبادة؛ وإن كان المخطئ المجتهد مغفوراً له خطؤه وهو مأجور على اجتهاده. فبيان القول والعمل الذي دل عليه الكتاب والسنة واجب؛ وإن كان في ذلك مخالفة لقوله وعمله.
ومن علم منه الاجتهاد السائغ؛ فلا يجوز أن يذكر على وجه الذم والتأثيم له؛ فإنَّ الله غفر له خطأه، بل يجب لما فيه من الإيمان والتقوى موالاته ومحبته والقيام بما أوجب الله من حقوقه من ثناء ودعاء وغير ذلك؛ وإن علم منه النفاق كما عرف نفاق جماعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عبد الله بن أبي وذويه وكما علم المسلمون نفاق سائر الرافضة عبد الله بن سبأ وأمثاله مثل عبد القدوس بن الحجاج ومحمد بن سعيد المصلوب؛ فهذا يذكر بالنفاق. وإن أعلن بالبدعة ولم يعلم هل كان منافقاً أو مؤمناً مخطئاً ذكر بما يعلم منه، فلا يحل للرجل أن يقفو ما ليس له به علم، ولا يحل له أن يتكلم في هذا الباب إلا قاصداً بذلك وجه الله تعالى وأن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله. فمن تكلم في ذلك بغير علم أو بما يعلم خلافه كان آثماً)).
قلتُ:
وبهذا يتبين لنا خطورة السكوت عن بيان البدع وحال أهلها؛ سواء وقعوا في البدعة عن نفاق وزندقة أو عن التباس وجهل أو عن غلط واجتهاد سائغ.
وكذلك نعلم أنَّ جرح أهل البدع والتحذير منهم واجب بإجماع المسلمين.
بل هو أولى من جرح الرواة الضعفاء؛ قال الشيخ ربيع حفظه الله تعالى في رسالته [أئمة الحديث ومن سار على نهجهم هم أعلم الناس بأهل الأهواء والبدع]: ((لم يشترط أحد من أئمة الجرح والتعديل تخصيص الجرح بالرواة فقط من حيث الرواية فقط، بل تناولوا الرواة من جهة الرواية ومن جهة المعتقد. فالراوي المبتدع أخطر عندهم من الراوي السليم من البدع؛ لذا ترى الأئمة لم يكتفوا بذكر أهل البدع في كتب الجرح والتعديل, بل ذهبوا ينتقدونهم ويجرحونهم ويبينون فساد عقائدهم ومناهجهم لشدة خطورتهم في كتب مستقلة وهي كثيرة معلومة لدى العلماء وطلاب العلم)).
وقال في آخر رسالته هذه: ((وختاماً: ليعلم كل مسلم طالب للحق أنَّ نقد أهل البدع من أعظم الجهاد، وأفضل من الضرب بالسيوف. ولأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أعظم أبواب النصيحة لله، ولأنه ذب عن دين الله وحماية له؛ فهم أولى وأولى بالجرح من الرواة؛ فإنَّ الراوي إنْ كان صحيح العقيدة انتقد من جهة الرواية, وإنْ كان فاسد العقيدة انتقد من جهتين جهة العقيدة وجهة الرواية, وإنْ كان مع فساد عقيدته داعية فلا يروى عنه، وانتقد في بدعته وحُذِّر منه, وهذا هو المنهج الحق, وهو أمر واضح كالشمس في عمل أئمة الحديث في مواقفهم، وكتبهم في الرجال، وفي العقائد, وكان ذلك من اختصاصهم)).
قلتُ:
بل أجمع السلف – وذكر ذلك أئمتهم في مصنفات العقيدة والسنة - على وجوب معاداة أهل البدع وبيان حالهم وهجرهم والتشريد بهم والتحذير منهم؛ قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى في [شرح السنة 1/226 – 227]: ((قَدْ مَضىَ الصحابةُ والتابعونَ وأَتْباعُهم وعُلماءُ السُّنَةِ عَلَى معُاداةِ أَهلِ البِدَعِ ومُهاجَرَتهِم)).
وقال الإمام الصابوني رحمه الله تعالى في [عقيدة أصحاب الحديث ص112]: ((واتفقُوا مع ذلك على القول بِقَهر أَهلِ البدعِ، وإِذْلالِهِم، وإِخْزائهم، وإِبْعادهم، وإِقْصائهم، والتباعُد عَنهم، ومِن مصاحَبَتهم، ومُعاشرتهم، والتقرب إِلى الله عزَّ وجل بمجانبتهم ومُهاجرتهم)).
أقول:
وإنما يشتد النقد في حال كون المجروح من أهل البدع، لأجل أنَّ انحرافه يكون في مسائل عقدية ومنهجية، وهذا أعظم وأظهر من الغلط في الرواية، وإلى هذا أشار الشيخ ربيع حفظه الله تعالى في [نصيحته لأهل العراق ص25]: ((إنَّ أحكام الشيخ ربيع على الرجال، ليست مبنية على الاجتهاد، وإنما هي قائمة على دراسة واسعة لأقوال مَنْ ينتقدهم من المخالفين للمنهج السلفي وأهله، وفي مسائل أصولية؛ بعضها عقدي وبعضها منهجي)).
فهؤلاء المنتقدون مخالفون لأصول المنهج السلفي في مسائل عقدية ومنهجية، فلا يجوز السكوت عن بيان حالهم للناس، بل يلزم كل مَنْ عرف مخالفاتهم أن يبين حالهم لِمَنْ لا يعرفهم؛ ممَنْ قد يغتر بهم ويلتبس حالهم عليه، وهذا واجب، بل لا يمكن أن نتصور عالماً سلفياًَ يتوقف أو يعارض في تجريح مثل هؤلاء والتحذير منهم.
من أجل ذلك؛ قال الشيخ ربيع حفظه الله تعالى في نصيحته السابقة: ((إنَّ الأئمة الثلاثة الكبار لم يعارضوا الشيخ ربيعاً في أحد، بل أيدوه، وأيدوه إلى أن مضوا إلى رحمة الله, لأنَّ طريقتي ليست أحكاماً على فلان أو فلان، وإنما هي نقد لأقوال وأفكار, أُبيِّن باطلها بالحجج والبراهين, وعلماء المنهج السلفي كلهم يؤيدون ما أكتب, ولم يعارضوه, ولا أحد منهم, لأنه الحق الأبلج)).
أقول:
والعجيب أنه مع إجماع السلف على وجوب بيان حال المبتدعة والتحذير منهم، يأتي اليوم مَنْ يزعم أنَّ جرح المبتدعة غير ملزم للمخالِف، ويُفرِّقون في النظر إلى الحجة والبرهان بين أن يكون الجرح ملزماً للجارح نفسه وبين أن يكون ملزماً لغير الجارح!.
بل الأعجب من ذلك؛ أنهم يعلمون أنَّ المنتقدين عندهم مخالفات منهجية وعندهم بدع، ولكن لا يلزم تبديعهم، بل لو كان جرحهم مفسَّراً ومعتبراً، وعليه أدلة صريحة وبراهين قاطعة، مع هذا فلا إلزام في تبديعهم إلا بشرط الإقناع؛ أي: أن يقتنع المتوقِف أو المخالِف في تبديع أولئك.
فقد قال الحلبي في ملخص المسائل في أول مقدمة كتابه [منهج السلف الصالح]: ((الجرح يحتاج إلى أدلة وأسباب معتبرة مقنعة)).
قلتُ: فلو كان الجرح مفسراً معتبراً، فلا إلزام إلا بقيد (الإقناع)!.
وقال الحلبي في هامش كتابه: ((وهذا الكلام الجليل يبين حكم أمرين مهمين: الأول: لزوم بيان أسباب الجرح من قبل الجارح. الثاني: أنَّ هذا اللزوم ليس ذا صلة حتماً بوجوب قبول جرحه!؛ فقد لا يقتنع به فيُردُّ!)).
قلتُ: وهذا نص صريح في عدم الإلزام بقبول الجرح المفسَّر مطلقاً إلا بشرط قناعة المخالِف!.
وقال الحلبي: ((ألا ترى أنَّ هنالك مَنْ يتهم شيخنا الألباني بالإرجاء؟! فهذا سبب!، وهنالك مَنْ يتهمه رحمه الله بالنقيض بالخارجية؟! وهذا سبب أيضاً!، لكن أين هما من الحق والصواب والدليل والبرهان؟!، فلا بد من تقييد بيان الأسباب أو تفسير الجرح بـ"ما يُقنع")).
قلتُ: هذا محله في ثبوت الجرح المفسَّر واعتباره وصدوره من أهل المختصين، وليس محله قبول الجرح المفسَّر المعتبر الصادر من أهل الاختصاص والأهلية؛ هل يلزم أم لا؟!
وأما قوله ((أين هما من الحق والصواب والدليل والبرهان؟!))، قد يفهم منه البعض أنه يُلزم بالدليل والبرهان في الكلام في الرجال!، ويكتفي بذلك، وليس الأمر كذلك، وهذا ينقضه ما بعده؛ حيث قيَّد قبول ذلك بالإقناع، بل نقل الحلبي كلاماً للشيخ ربيع حفظه الله تعالى في هامش كتابه [منهج السلف الصالح] جاء في آخره ص259: ((عليكم أن تنظروا في الأدلة وتأخذوا بها كما فعل العلماء وطلاب الحق الصادقون، ولا يجوز لكم أن تخالفوا العلماء الذين حكموا على فلان أو فلان بالأدلة الواضحة والبراهين القاطعة؛ فهذا هو المنطق الذي قرره القرآن والسنة وعلماء الإسلام، بخلاف ما يقرره بعض الخارجين ويدعون إليه من التقليد الأعمى مخالفين في ذلك هذا المنهج العظيم)).
فعلَّق الحلبي على كلام الشيخ ربيع بقوله: ((قلتُ: قوله "بالأدلة الواضحة والبراهين القاطعة" أي إذا اقتنعوا بها وظهر لهم وجه الحق فيها كما تقدَّم تقييده بذلك مرارًا منه!، أما إذا لم يقتنعوا بها – وهذا ممكن جداً وإلا ما حصل اختلاف قط – فلا سبيل معهم إلا النصح والتفاهم والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وأما إلزامهم بما لم يقتنعوا به وأطرهم على أن يقولوا بما لم يؤمنوا به: فهذا وجه آخر لذلك التقليد، بل أقبح!!. ثم لو كان الجرح من حيث الواقع واضحاً قاطعاً لما اختلفوا فيه أصلاً، فتأمل)).
قلتُ:
وتقييد قبول الحجة بشرط الإقناع باطل؛ لأنَّ من المعلوم أنَّ قناعات الناس متفاوتة غير منضبطة، وإنما الأصل وضوح الدليل وظهوره في المراد، فإذا ظهرت الحجة وجب على الجميع الانقياد لها - وليس هذا من التقليد ألبتة - وليس الأمر متعلِّقاً بما يظهر للمخالِف – إيجاباً أو سلباً – أو ما لا يظهر!، أو ما يقتنع به وما لا يقتنع!. وكم ردت أدلة صريحة وتعطلت نصوص ظاهرة بمثل هذه التأصيلات؟!
وإنما الحجة في جرح المبتدعة هي تفسير الجرح وبيانه ليس إلا، وهذا ما كان يقوله الحلبي قبل التغيير!
فقد علَّق على عبارة للحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في مختصر علوم الحديث وهي قوله: ((وروى ابن الصلاح عن أحمد بن صالح المصري أنه قال: "لا يترك الرجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه")).
فقال الحلبي في [شرحه للباعث الحثيث في النوع الثالث والعشرين (معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل وبيان الجرح والتعديل) شريط رقم (39)] معلِّقاً: ((وهذا كلام في الحقيقة ليس بدقيق!!، بمعنى: أننا نرى بعض الكذَّابين قد ورد توثيق لهم؛ فهل نقول: هذا لا نترك حديثه لأنَّ الجميع لم يجتمعوا على ترك حديثه؟!، نقول: لا، وإنما الحجة في ذلك كله على ماذا؟ على البينة وتفسير الجرح!!!, فإذا جاءنا جرحٌ مفسر في راوٍ وثقَّه زيد أو عمرو من كبار أئمتنا!، فإنَّ الجرح المفسر مقدم على التعديل المبهم!!، بل نقول: مقدم على التعديل مطلقاً، لماذا؟ لإنَّ الجارح معه زيادة علم, ومعه بينة تزيد على الأصل في الراوي وهو الثقة)).
قلتُ:
فأين شرط الإقناع في تأصيلات الحلبي القديمة؟!

الوجه الثاني: أنَّ كلام علماء الجرح والتعديل في الرواة هو من قبيل أخبار الثقات
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه [إعلام الموقعين 2/254-255] أثناء رده على شبهات أهل التقليد:
((الوجه الستون: قولكم "وقد جاءت الشريعة بقبول قول القائف والخارص والقاسم والمقوم والحاكمين بالمثل في جزاء الصيد وذلك تقليد لهم محض"؟
أتعنون به أنه تقليد لبعض العلماء في قبول أقوالهم؟
أو تقليدهم فيما يخبرون به؟
فإنْ عنيتم الأول فهو باطل.
وإن عنيتم الثاني فليس فيه ما تستروحون إليه من التقليد الذي قام الدليل على بطلانه.
وقبول قول هؤلاء من باب قبول خبر المخبر والشاهد؛ لا من باب قبول الفتيا في الدين من غير قيام دليل على صحتها؛ بل لمجرد إحسان الظن بقائلها مع تجويز الخطأ عليه.
فأين قبول الإخبار والشهادات والأقارير إلى التقليد في الفتوى؟!
والمخبر بهذه الأمور يخبر عن أمر حسي؛ طريق العلم به: إدراكه بالحواس والمشاعر الظاهرة والباطنة.
وقد أمر الله سبحانه بقول خبر المخبر به؛ إذا كان ظاهر الصدق والعدالة.
وطرد هذا ونظيره: قبول خبر المخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه قال أو فعل.
وقبول خبر المخبر عمن أخبر عنه بذلك.
وهلم جراً.
فهذا حق لا ينازع فيه أحد!.
وأما تقليد الرجل فيما يخبر به عن ظنه: فليس فيه أكثر من العلم بأنَّ ذلك ظنه واجتهاده!، فتقليدنا له في ذلك بمنزلة تقليدنا له فيما يخبر به عن رؤيته وسماعه وإدراكه.
فأين في هذا ما يوجب علينا أو يسوِّغ لنا أن نفتي بذلك، أو نحكم به وندين الله به، ونقول هذا هو الحق وما خالفه باطل، ونترك له نصوص القرآن والسنة وآثار الصحابة وأقوال من عداه من جميع أهل العلم؟!
ومن هذا الباب:
تقليد الأعمى في القبلة ودخول الوقت لغيره؛ وقد كان ابن أم مكتوم لا يؤذن حتى يقلد غيره في طلوع الفجر ويقال له: أصبحت أصبحت. وكذلك تقليد الناس للمؤذن في دخول الوقت.
وتقليد من في المطمورة لمن يعلمه بأوقات الصلاة والفطر والصوم وأمثال ذلك.
ومن ذلك:
التقليد في قبول الترجمة في الرسالة والتعريف، والتعديل والجرح؛ كل هذا من باب الأخبار؛ التي أمر الله بقبول المخبر بها إذا كان عدلاً صادقاً.
وقد أجمع الناس على قبول خبر الواحد في الهدية، وإدخال الزوجة على زوجها، وقبول خبر المرأة ذمية كانت أو مسلمة في انقطاع دم حيضها لوقته، وجواز وطئها أو نكاحها بذلك، وليس هذا تقليد في الفتيا والحكم!!.
وإذا كان تقليداً؛ لها فإنَّ الله سبحانه شرع لنا أن نقبل قولها ونقلدها فيه، ولم يشرع لنا أن نتلقى أحكامه عن غير رسوله، فضلاً عن أن نترك سنة رسوله لقول واحد من أهل العلم ونقدم قوله على قول من عداه من الأمة)).
قلتُ:
وهذا ليس من باب التقليد، إنما هو من قبيل إتباع الحجة والعمل بالدليل، وهو الأمر بقبول خبر الثقة.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في المصدر السابق [4/257-258]:
((الوجه الثالث والستون: قولكم "قد أجمع الناس على تقليد الزوج لمن يهدي إليه زوجته ليلة الدخول، وعلى تقليد الأعمى في القبلة والوقت، وتقليد المؤذنين، وتقليد الأئمة في الطهارة وقراءة الفاتحة، وتقليد الزوجة في انقطاع دمها ووطئها وتزويجها"؟
فجوابه: ما تقدم؛ أنَّ استدلالكم بهذا من باب المغاليط!، وليس هذا من التقليد المذموم على لسان السلف والخلف في شيء، ونحن لم نرجع إلى أقوال هؤلاء لكونهم أخبروا بها؛ بل لأنَّ الله ورسوله أمر بقبول قولهم وجعله دليلاً على ترتب الأحكام، فإخبارهم بمنزلة الشهادة والإقرار.
فأين في هذا ما يسوغ التقليد في أحكام الدين والإعراض عن القرآن والسنن ونصب رجل بعينه ميزاناً على كتاب الله وسنة رسوله؟!)).
وقال العلامة الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه [توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار (2 / 118-119)]: ((والتزكية والجرح: من باب الأخبار؛ إذ مفاد قوله المزكي: "فلان عدل" أي: آتٍ بالواجبات تارك للمقبحات محافظ المروءة، وقوله جرحاً: "هو فاسق" لشربه الخمر مثلاً، الكل إخبار عدل، يجب قبوله لقيام الأدلة على العمل بخبر العدل، وليس تقليداً له.
كما سلف للمصنف رحمه الله نظيره في قول العدل: "هذا الحديث صحيح"، فإنه قال: إنه خبر عدل، وإنَّ قبوله ليس من التقليد، وإنْ كان ناقض نفسه في محل آخر، وقد قررنا الصحيح من كلاميه.
رد مع اقتباس