والحاصل: أنَّ الدليل قد قام على قبول خبر العدل؛ إما عن نفسه بأن يخبر بـ"أنه ابن فلان" أو "أنَّ هذه داره أو جاريته"، فهذا لا كلام في قبول خبره عنه بالضرورة الشرعية، بل يقبل خبر الفاسق بذلك، بل أبلغ من هذا أنه يجب قبول قول الكافر "لا إله إلا الله" ويحقن دمه وماله ونعامله معاملة أهل الإيمان؛ لإخباره بالتوحيد وإن كان معتقداً لخلافه في نفس الأمر كالمنافق.
وإن كان خبره عن غيره كروايته للأخبار قُبِلَ أيضاً، وإن كان عن صفة غيره بأنه "عدل" أو "فاسق" قبل أيضاً، إذ الكل خبر عدل، وقبول خبره ليس تقليداً له، بل لما قام عليه من الدليل في قبول خبره، هذا تقرير كلام أهل الأصول وغيرهم، ولنا فيه بحث أشرنا إليه في أوائل حاشية ضوء النهار)).
وقال أيضاً في المصدر السابق [1/115]: ((قول العدل: "هذا حديث صحيح" في قوة: "هذا حديث عدلت نقلته وثبت إتقانهم في الضبط وسلم الحديث من الشذوذ والعلة". والعدل إذا عدّل غيره وجب قبول خبره، وإذا شهد له بالإتقان في حفظه وجب قبول خبره أيضاً، وقد بسطنا هذا في رسالتنا المسماة "إرشاد النقاد"، بسطاً شافياً. وبيِّنا أنَّ قول العدل: "فلان عدل" عبارة إجمالية معناها: "أنه آت بالواجبات، مجتنب للمقبحات ولما فيه خسة من الصغائر، محافظ على المروءة")).
وفي كتابه [إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد ص77-83] قال رحمه الله تعالى:
((رسمَ الحافظُ ابنُ حجر رحمه الله في كتابه نخبة الفكر الحديث الصحيح بأنه: ما نقله عدل تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ، وقال: وهو الصحيح لذاته، وقريب منه رسمَ ابنُ الصلاح وزينُ الدين بأنه: ما اتصل إسناده بنقل عدل ضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة قادحة.
إذا عرفتَ هذا؛ فهذه خمسة قيود: ثلاثة وجودية، واثنان عدميان، وكلها إخبار، كأنه قال الثقة حين قال "حديث صحيح": هذا الحديث رواته عدول مأمونون الضبط متصل إسنادهم لم يخالف فيه الثقة ما رواه الناس وليس فيه أسباب خفية طرأت عليه تقدح في صحته، وحينئذ قول الثقة "صحيح" يتضمن الإخبار بهذه الجمل الخمس، وقد تقرر بالبرهان الصحيح: أنَّ الواجب أو الراجح العمل بخبر العدل والقبول له، وتقرر أنَّ قبوله ليس من التقليد لقيام الدليل على قبول خبره.
فالتصحيح مثلاً والرواية للخبر قد اتفقا أنهما إخبار إما بالدلالة المطابقية أو التضمينية أو الإلزامية، أما قبول خبره الدال بالمطابقة فلا كلام فيه كقوله: زيد قائم، أما قبول خبره الدال بالتضمن أو الالتزام فيدل على قبوله أنهم جعلوا من طرق التعديل حكم مشترط العدالة بالشهادة وعمل العالم المشترط لها رواية من لا يروي إلا عن عدل، فإنهم صرحوا في الأصول وعلوم الحديث: أنَّ هذه طرق التعديل، ومعلوم أن دلالة هذه الصورة على عدالة الراوي والشاهد التزامية.
فقول الثقة "حديث صحيح" يتضمن الإخبار بالقيود الخمسة والرواية لها، ولا يقال: إنَّ إخباره بأنه صحيح إخبار على ظنه بحصول شرائط الصحة عند ظنه؛ كما يدل له: أنه صرح زين الدين وغيره بأنَّ قول المحدثين هذا حديث صحيح فمرادهم فيما ظهر لنا عملاً بظاهر الإسناد لا أنه مقطوع بصحته في نفس الأمر، لأنا نقول: إخبار الثقة بأنَّ زيداً عدل إخبار عن ظنه بأنه آت بالواجبات مجتنب للمقبحات بحسب ما رآه من ذلك وأخبر مع جواز أنه في نفس الأمر غير مسلم، لكن هذه التجويزات لا يخاطب بها المكلف.
فإن قلتَ: من شروط الصحيح السلامة من الشذوذ والعلة؛ وليس مدرك هذين الأمرين الإخبار، بل تتبع الطرق والأسانيد والمتون، كما أشار إليه السائل؟
قلتُ: أما أولاً فالشذوذ والعلة نادران والحكم للغالب لا للنادر؛ ألا ترى أنَّ الراجح العمل بالنص وإنْ جوز أنه منسوخ؛ عملاً بالأغلب وهو عدم النسخ، وبرهان ندورهما يعرف مَنْ تتبع كلام أئمة الحديث على طرق الأحاديث من مثل البدر المنير وتلخيصه، فإنهم يتكلمون على ما قيل في الحديث، فتجد القدح بالشذوذ والإعلال نادراً جداً، بل قال السيد محمد بن إبراهيم في التنقيح: ظاهر الحديث المعل السلامة من العلة حتى تثبت بطريق مقبولة.
أما ثانياً: فقول الثقة "هذا صحيح" أي غير شاذ ولا معلل؛ إخبار بأنه لم يقع في رواته راو ثقة خالف الناس فيه ولا وجدت فيه علة تقدح في صحته، وهذا إخبار عن حال الرواي بصفة زائدة على مجرد عدالته وحفظه، أو حال المتن بأن ألفاظه مصونة عن ذلك.
وليس هذا خبراً عن اجتهاد!؛ بل عن صفات الرواة والمتون، فإنه إخبار بأنه تتبع أحوال الرواة حتى علم من أحوالهم صفات زائدة على مجرد العدالة، وفي التحقيق: هذا عائدة إلى تمام الضبط وتتبع مروياتهم حتى أحاط بألفاظها، فالكل عائد إلى الإخبار عن الغير؛ لا عن الاجتهاد الحاصل عن دليل ينقدح له منه رأي!!.
وأنت إذا نظرتَ إلى الأئمة النقاد من الحفاظ كالحاكم أبي عبدالله وأبي الحسن الدارقطني وابن خزيمة ونحوهم كالمنذري وتصحيحهم لأحاديث وتضعيفهم لأحاديث واحتجاجهم على الأمرين مستنداً إلى كلام مَنْ تقدمهم كيحيى بن معين وأحمد بن حنبل وأبي عبدالله البخاري ومسلم وغيرهم من أئمة هذا الشأن، وأنه ثبت له عنهم أو عن أحدهم أنه قال: "فلان حجة" أو "ثبت" أو "عدل" أو نحوها من عبارات التعديل، وأنهم قالوا في غيره: إنه "ضعيف" أو "كذاب" أو "لا شيء" أو نحوها، ثم فرعوا على هذه الروايات صحة الحديث أو ضعفه باعتبار ما قاله من قبلهم.
فإنه تجنَّب ابن إسحاق مَنْ تجنبه من أهل الصحاح بقول مالك فيه؛ مع أنَّ ابن إسحاق إمام أهل المغازي، وقدحوا أيضاً في الحارث الأعور بكلام الشعبي فيه؛ ولم يلقوا ابن إسحاق ولا الحارث، بل قبلوا كلام مَنْ تقدم فيهم من الأئمة.
وإذا حققتَ: علمتَ أنَّ تصحيح البخاري ومسلم وغيرهما مبني على ذلك وكذلك تضعيفهما، فإنهما لم يلقيا إلا شيوخهما من الرواة، وبينهم وبين الصحابة وسائط كثيرون، اعتمدوا في ثقتهم وعدمها على الرواة من الأئمة قبلهم، فلم يعرفوا عدالتهم وضبطهم إلا من أخبار أولئك الأئمة.
فإذا كان الواقع من مثل البخاري في التصحيح تقليداً لأنه بناه على إخبار غيره عن أحوال مَنْ صحح أحاديثهم: كان كل قابل لخبر مَنْ تقدمه من الثقات مقلداً، وإنْ كان الواقع من البخاري من التصحيح اجتهاداً مع ابتنائه على خبر الثقات: فليكن قولنا بالصحة لخبر البخاري المتفرع عن إخبار الثقات اجتهاداً.
فإنه لا فرق بين الإخبار بأنَّ هؤلاء الرواة ثقات حفاظ، وبين الإخبار بأنَّ الحديث صحيح إلا بالإجمال والتفصيل؛ وكأنهم عدلوا عن التفصيل إلى الإجمال اختصاراً وتقريباً، لأنهم لو أعقبوا كل حديث بقولهم: "رواته عدول، حافظون، رواه متصلاً، ولا شذوذ فيه، ولا علة" لطالت مسافة الكلام، وضاق نطاق الكتاب الذي يؤلفونه عن استيفاء أحاديث الأحكام؛ فضلاً عما سواها من الأخبار؛ على أنَّ هذا التفصيل لا يخلو عن الإجمال؛ إذ لم يذكر فيه كل راو على انفراده بصفاته.
بل في التحقيق: أنَّ قولهم "عدل" معدول به عن: آت بالواجبات، مجتنب للمقبحات، محافظ على خصال المروءة، متباعد عن أفعال الخسة، فعدلوا عن هذه الإطالة إلى قولهم "عدل". فقولهم "عدل" خبر انطوت تحته عدة أخبار، كما انطوت تحت قولهم "صحيح".
وإذا عرفتَ هذا: تبين لك صحة قول صاحب "الروض الباسم"، وأنه الصواب فيما نقله السائل عنه، ومثله قوله في التنقيح: إنه إنْ نص على صحة الحديث أحد الحفاظ المرضيين المأمونين فيقبل ذلك منه للإجماع وغيره من الأدلة الدالة على قبول خبر الآحاد؛ كما بيَّن ذلك في موضعه، ولا يجوز ترك ذلك متى تعلق الحديث بحكم شرعي)).
قلتُ:
وحتى لا يفهم أحدٌ أنَّ الصنعاني بكلامه هذا يغلق باب الاجتهاد في تصحيح الأحاديث وتضعيفها؛ قال رحمه الله تعالى بعد كلامه السابق مباشرة [المصدر السابق ص84-87]: ((إذا عرفتَ ما قررناه؛ فاعلم أنه لا مانع لمن وجد في هذه الأعصار حديثاً لم يسبق عليه كلام إمام من الأئمة بتصحيح ولا غيره، فتتبع كلام ائمة الرجال في أحوال رواته، حتى حصل له من كلامهم ثقة روايته أو عدمها، فجزم بأيهما على الحديث، كما جزم من قبله من أئمة التصحيح والتضعيف من مثل البخاري وغيره، ومستنده في ذلك مستند من قبله كما أوضحناه، غاية الفرق أنه كثر الوسائط في حقه لتأخر عصره فكانوا أكثر من الوسائط في حق من تقدمه لقرب عصرهم، وهذا موجب لمشقة البحث عليه؛ لكثرة الرواة الذين يبحث عن أحوالهم، ولكن ربما كان ثوابهم أكثر لزيادة مشقة البحث.
هذا إن كانت طريق المتأخر هي الرواية وأراد معرفة أحوال شيوخه وتحقيقها حتى يبلغ إلى مؤلف الكتاب الذي قرأه.
أما إذا كانت طريقة الإيجازة أو الوجادة فإنه لا كثرة للوسائط أصلاً؛ بل هو كالقدماء في ذلك.
وحينئذ فيكون مجتهداً فيما حكم بصحته مثلاً؛ فإنه كما أنه لا محيص عن القول بأنَّ تصحيح الأئمة الأولين اجتهاد، فإنه إنما بنوه على ما بلغ إليهم من أحوال الرواة ففرعوا عليه التصحيح، وجعلوه عبارة عن ثقة الرواة وضبطهم، كذلك لا محيص عن القول بأنَّ ما صححه من بعدهم إلى يومنا هذا أو ضعفوه أو حسنوه حكمه حكم ما قاله الأولون من الأئمة، إذ الأصل في الكل واحد، وهو قبول إخبار من سلف عن أحوال الرواة وصفاتهم، وإلا كان القول بخلاف هذا تحكماً لا يقول به عالم.
وإذا عرفتَ هذا؛ عرفتَ ضعف ما قاله ابن الصلاح بل بطلانه من أنه ليس لنا الجزم بالتصحيح في هذه الأعصار، وقد خالفه النووي، ورجح زين الدين كلام النووي، وهو الحق.
ولعل القاضي شرف الدين أغتر بكلام ابن الصلاح في هذا الطرف، وأما قول القاضي إنَّ القول بتصحيح الأئمة الماضيين والعمل عليه تقليد لهم؛ فلا أعلم فيه سلفاً، بل الحق ما قدرنا لك من قول الإمام صاحب العواصم رحمه الله)).
وقال رحمه الله تعالى أيضاً في المصدر السابق [ص108-115]: ((فصل: في سبب اختلاف الأقوال في الجرح والتعديل؛ أما ما أشار إليه السائل دامت إفادته من أنه قد يختلف كلام إمامين من أئمة الحديث؛ فيُضعِّف هذا حديثاً، وهذا يصحِّحه، ويرمي هذا رجلاً من الرواة بالجرح وآخر يُعدِّله؛ فهذا مما يشعر بأنَّ التصحيح ونحوه من مسائل الاجتهاد الذي اختلفت فيه الآراء؟!
فجوابه: أنَّ الأمر كذلك؛ أي: أنه قد تختلف أقوالهم، فإنه قال مالك في ابن إسحاق: "إنه دجال من الدجاجلة"، وقال فيه شعبة: "إنه أمير المؤمنين في الحديث"، وشعبة إمام لا كلام في ذلك، وإمامة مالك في الدين معلومة لا تحتاج إلى برهان؛ فهذان إمامان كبيران اختلفا في رجل واحد من رواة الأحاديث.
ويتفرع على هذا الاختلاف في صحة حديث من رواية ابن إسحاق وفي ضعفه؛ فإنه قد يجد العالم المتأخر عن زمان هذين الإمامين كلام شعبة وتوثيقه لابن إسحاق فيصحح حديثاً يكون من رواية ابن إسحاق قائلاً قد ثبتت الرواية عن إمام من أئمة الدين وهو شعبة بأنَّ ابن إسحاق حجة في روايته وهذا خبر من شعبة يجب قبوله.
وقد يجد العالم الآخر كلام مالك وقدحه في ابن اسحاق القدح الذي ليس وراءه ورواء ويرى حديثاً من رواية ابن إسحاق فيضعِّف الحديث لذلك قائلاً قد روى لي إمام وهو مالك بأن ابن إسحاق غير مرضي الرواية ولا يساوي فلساً فيجب رد خبر فيه ابن إسحاق.
فبسبب هذا الاختلاف حصل اختلاف الأئمة في التصحيح والتضعيف؛ المتفرعين عن اختلاف ما بلغهم من حال بعض الرواة، وكل ذلك راجع إلى الرواية لا إلى الدراية، فهو ناشئ عن اختلاف الأخبار، فمن صحَّح أو ضعَّف فليس عن رأي ولا استنباط كما لا يخفى؛ بل عمل بالرواية، وكل من المصحِّح والمضعِّف مجتهد عامل برواية عدل، فعرفتَ: أنَّ الاختلاف في ذلك ليس مداره على الرأي!، ولا هو من أدلة أنَّ مسألة التصحيح وضده اجتهاد.
نعم وقد يأتي من له فحولة ونقادة ودراية بحقائق الأمور وحسن وسعة إطلاع على كلام الأئمة فإنه يرجع إلى الترجيح بين التعديل والتجريح؛ فينظر في مثل هذه المسألة إلى كلام الجارح ومخرجه فيجده كلاماً خرج مخرج الغضب الذي لا يخلو عنه البشر ولا يحفظ لسانه حال حصوله إلا من عصمه الله، فإنه لما قال ابن إسحاق: "اعرضوا عليَّ علم مالك فأنا بيطاره"، فبلغ مالكاً فقال تلك الكلمة الجافية؛ التي لولا جلالة من قالها وما نرجوه من عفو الله من فلتات اللسان عند الغضب لكان القدح بها فيمن قالها أقرب إلى القدح فيمن قيلت فيه، فلما وجدناه خرج مخرج الغضب لم نره قادحاً في ابن إسحاق، فإنه خرج مخرج جزاء السيئة بالسيئة، على أنَّ ابن إسحاق لم يقدح في مالك ولا في علمه، غاية ما أفاد كلامه: أنه أعلم من مالك وأنه بيطار علومه، وليس في ذلك قدح على مالك، ونظرنا كلام شعبة في ابن إسحاق فقدمنا قوله لأنه خرج مخرج النصح للمسلمين، ليس له حامل عليه إلا ذلك.
وأما الجامد في ذهنه الأبله في نظره فإنه يقول: قد تعارض هنا الجرح والتعديل فيقدم الجرح؛ لأنَّ الجارح أولى وإنْ كثر المعدلون، وهذه القاعدة لو أخذت كلية لم يبق لنا عدل إلا الرسل، فإنه ما سلم فاضل من طاعن من ذلك لا من الخلفاء الراشدين ولا أحد من أئمة الدين.
كما قيل:
فما سلم صديق من رافض ... ولا نجا من ناصبي علي
ما سلم الله من بريته... ولا نبي الهدى فكيف أنا؟!
القاعدة ظاهرية يعمل بها فيما تعارض فيه الجرح والتعديل من المجاهيل.
على أنه لك أن تقول: كلام مالك ليس بقادح في ابن إسحاق لما علمتَ أنه خرج مخرج الغضب لا مخرج النصح للمسلمين، فلم يعارض في ابن إسحاق جرح.
واعلم أنَّ ذكرنا لابن إسحاق والكلام فيه مثال وطريق يسلك منه إلى نظائره.
وإذا عرفتَ هذا؛ فهذا الترجيح لا يخرج عما ذكرناه عن كونه من باب قبول أخبار العدول، بل هو منه، إنما لما تعارض الخبران عندنا في حال هذا الراوي تتبعنا حقائق الخبرين ومحل صدورهما والباعث على التكلم بهما، فظهر الاعتماد على أحدهما دون الآخر، فهو من باب قبول الأخبار، فهكذا يلزم الناظر البحث عن حقائق الأحوال وعن الباعث عن صدورها من أفواه الرجال، فإنه يكون كلامه بعد ذلك أقوم قيلاً وأحسن دليلاً وأوفق نظراً وأجل قدراً.
فمن عمل برواية التعديل والتزكية، ومن عمل برواية القدح والتجريح وإنْ كان الكل قابلين لأخبار العدول عاملين بما يجب عليهم من قبول خبر المنقول، فالكل مجتهدون، ولكن تخالفت الآثار وتفاوتت الأنظار، ومن هنا ونحوه وقع اختلاف المجتهدين في عدة مسائل من أمهات الدين، والكل مأجورون بالنص الثابت، منهم من له أجر ومنهم من له أجران.
ومن هنا؛ علمتَ أنَّ اختلاف الأئمة في تصحيح خبر من إمام وتضعيفه من إمام آخر ناشئ عما تلقوه من أخبار العدول عن الرواة؛ فهذا الإمام لم يبلغه عن الرواة هذا الخبر الذي حكم بصحته إلا العدالة والضبط فصحح أخبارهم، ولهذا تجد من يتعقب بعض الأحاديث التي صححها إمام بقوله: كيف تصححه وفيه فلان كذاب؟ ونحو هذا، ومعلوم أنَّ مَنْ صحح هذا الحديث لم يبلغه أنَّ في رجاله كذاباً، وهذا الإمام بلغه من أحوال رواة ذلك الخبر أو بعضهم عدم العدالة وسوء الحفظ أو انقطاع الخبر أو شذوذه حكم عليه بعدم الصحة، وهذا معروف من جبلة العباد وطبائعهم، فمن الناس مَنْ يغلب عليه حسن الظن في الناس وتلقي أقوالهم بالصدق، ومن الناس مَنْ له نباهة وفطنة وطول خبرة لأحوال الناس فلا يكتفي بالظاهر بل يفتش عن الحقائق فيقع على الحق والصواب)).
أقول بعد هذا:
فهذه نقول صريحة جداً تبين أنَّ كلام علماء الجرح والتعديل المعتبرين هو من باب الأخبار، وهو مبني على الحفظ والخبرة والمعرفة، وليس مدار كلامهم على الرأي والاجتهاد المبني على تفاوت الأفهام واختلاف العقول.
وأنَّ ما يقع بينهم من خلاف؛ لا يخرج عن كونه اختلاف في الأخبار المنقولة؛ كاختلاف النقل فيما بلغهم من حال بعض الرواة ومروياتهم.
لكن:
نعم قد ترد كلمة اجتهاد أو ما يقاربها في كلام العلماء؛ فيذكرون أنَّ الاجتهاد واقع في كلام أئمة الجرح والتعديل، فيفهم البعض أنَّ مرادهم بذلك: أنَّ كلام علماء الجرح والتعديل في الرجال من قبيل الرأي والاستنباط، وليس الأمر كذلك، وإنما مرادهم: أنَّ علماء الجرح والتعديل ينظرون في الرواة وأحوالهم وسيرتهم ومروياتهم وكلام أهل الشأن فيهم جرحاً وتعديلاً، ثم يحكمون فيهم بحسب ما بلغهم من ذلك، وبحسب ما عندهم من حفظ وخبرة ومعرفة وشروط، ثم يعطون للراوي درجة نهائية يقتصرون فيها على كونه "ثقة" أو "ضعيفاً" أو أشباه هذه العبارات، وأيضاً من جهة: هل كون الجرح مؤثراً في الراوي أم لا؟، وما هي درجته في مراتب التعديل أو التجريح؟ ينظرون في ذلك، وهذا محل اجتهادهم، وهم في كل الأحوال مأجورون، وكل هذا بالتأكيد في حال اختلاف كلامهم في الراوي المعيَّن لا في حال الاتفاق على تضعيفه أو توثيقه، لكن يبقى أصل كلامهم في جرح الرواة أو تعديلهم هو من قبيل الأخبار والسماع والنقل.
قال العلامة عبد الرحمن المعلمي رحمه الله تعالى في رسالته [الاستبصار في نقد الأخبار ص40]: ((فإنَّ ما في كتب الجرح والتعديل من الكلام في الرواة المتقدمين غالباً من كلام مَنْ لم يدركهم، بل ربما كان بينه وبينهم نحو ثلاثمائة سنة، هذا الدارقطني المولود سنة 306ﻫ يتكلم في التابعين فيوثِّق ويضعِّف، قد يتوهم مَنْ لا خبرة له أنَّ كلام المحدِّث فيمن لم يدركه إنما يعتمد النقل عمن أدركه، فالمتأخِّر ناقل فقط أو حاكم بما ثبت عنده بالنقل، وهذا الحصر باطل؛ بل إذا كان هناك نقل فإنَّ المتأخر يذكره، فإنْ لم يذكره مرة ذكره أخرى، أو ذكره غيره.
والغالب فيما يقتصرون فيه على الحكم بقولهم: "ثقة" أو "ضعيف" أو غير ذلك، إنما هو اجتهاد منهم؛ سواء أكان هناك نقل يوافق ذاك الحكم أم لا، وكثيراً ما يكون هناك نقل يخالف ذاك الحكم.
واعتمادهم في اجتهادهم على طرق:
الطريقة الأولى: النظر فيمن روى عن الرجل، فإنْ لم يرو عنه إلا بعض المتهمين كابن الكلبي والهيثم بن عدي طرحوه ولم يشتغلوا به، وإنْ كان قد روى عنه بعض أهل الصدق نظروا في حال هذا الصدوق فيكون له واحدة من أحوال:
الأولى/ أن يكون يروي عن كل أحد حتى مَنْ عرف بالجرح المسقط .
الثانية/ كالأولى إلا أنه لم يرو عمن عرف بالجرح المسقط.
الثالثة/ كالأولى إلا أنه لم يعرف بالرواية عمن عرف بالجرح وإنما شيوخه بين عدول ومجاهيل، والمجاهيل في شيوخه كثير.
الرابعة/ كالثالثة إلا أنَّ المجاهيل من شيوخه قليل.
الخامسة/ أن يكون قد قال "شيوخي كلهم عدول" أو "أنا لا أحدث إلا عن عدل".
فصاحب الحال الأولى: لا تفيد روايته عن الرجل شيئاً، وأما الأربع الباقية فإنها تفيد فائدة ما، تضعف هذه الفائدة في الثانية، ثم تقوى فيما بعدها على الترتيب، فأقوى ما تكون في الخامسة.
الطريقة الثانية: النظر في القرائن، كأن يُوصَف التابعي بأنه كان من أهل العلم، أو من سادات الأنصار، أو إماماً في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو مؤذناً لعمر، أو قاضياً لعمر بن عبد العزيز، أو ذكر الراوي عنه أنه أخبره في مجلس بعض الأئمة وهو يسمع كما قال الزهري. وعكس هذا أن يوصف الرجل بأنه كان جندياً أو شرطياً أو نحو ذلك من الحرف التي يكثر في أهلها عدم العدالة.
الطريقة الثالثة: وهي أعم الطرق، اختبار صدقة وكذبه: بالنظر في أسانيد رواياته ومتونها، مع النظر في الأمور التي قد يستفاد منها تصديق تلك الروايات أو ضعفها.
فأما النظر في الأسانيد؛ فمنه أن ينظر تاريخ ولادته، وتاريخ وفاة شيخه الذي صرح بالسماع منه، فإنْ ظهر أنَّ ذلك الشيخ مات قبل مولد الراوي أو بعد ولادته بقليل بحيث لا يمكن عادة أن يكون سمع منه ووعى كذبوه، ومنه أن يسأل عن تاريخ سماعه من الشيخ فإذا بينه وتبين أنَّ الشيخ قد كان مات قبل ذلك كذبوه، ومنه أن يسأل عن موضع سماعه من الشيخ فإذا ذكر مكاناً يُعرف أنَّ الشيخ لم يأته قط كذبوه، وقريب من ذلك: أن يكون الراوي مكياً لم يخرج من مكة وصرح بالسماع من شيخ قد ثبت عنه أنه لم يأت مكة بعد بلوغ الأول سن التمييز وإن كان قد أتاها قبل ذلك، ومنه أن يحدث عن شيخ حي فيسأل الشيخ عن ذلك فيكذبه.
فإذا لم يوجد في النظر في حاله وحال سنده ما يدل على كذبه، نظر في حال شيوخه المعروفين بالصدق مع الشيوخ الذين زعم أنهم سمعوا منهم على ما تقدم. فإذا كان قد قال حدثني فلان أنه سمع فلاناً فتبين بالنظر أن فلاناً الأول لم يلق شيخه كذبوا هذا الراوي، وهكذا في بقية السند.
لكن إذا وقع شيء من هذا ممن عرفت عدالته وصدقه وكان هناك مظنة للخطأ حملوه على الخطأ، وقد يختلفون: فيكذبه بعضهم، ويقول غيره إنما أخطأ هو أو شيخه أو سقط في الإسناد رجل، أو نحو ذلك)) انتهى كلام المعلمي رحمه الله تعالى.
قلتُ:
ومَنْ تأمل كلامه رحمه الله تعالى لاحظ فيه: أنَّ كلام أئمة الجرح والتعديل المتأخرين في الرجال إما أن يوجد عندهم نقل وأخبار عن المتقدمين فيذكرون ذلك النقل، وإما أن لا يوجد عندهم شيء من النقل عن أولئك، فحينئذ يجتهدون، ويمكن التمييز بين ما أخذوه من المتقدمين من أحكام على الرواة وبين ما اجتهدوا فيه: أنَّ الغالب فيما يقتصرون فيه على الحكم بقولهم: "ثقة" أو "ضعيف" أو غير ذلك، إنما هو اجتهاد منهم.
وهذا الاجتهاد يدور على ثلاثة طرق: الأول: النظر فيمن روى عن الرجل، والثاني: النظر في القرائن المحيطة بالرواية، والثالث: النظر في أسانيد رواياته ومتونها؛ وهذه الأمور كلها من قبيل النظر في الخبر والنقل، وليست من قبيل الرأي والاستنباط، ومن هذه الجهة اختلف اجتهاد المحدثين عن اجتهاد الفقهاء، وإن كان الكل مجتهداً قد استفرغ وسعه في تحصيل الحق والصواب، وهم بين الأجر والأجرين، فلينتبه طالب العلم لهذا ولا يختلط عليه الأمر، ولا يُلبِّس عليه البعض ممَنْ يتتبع نتفاً من كلام أهل العلم مجرداً عن السياق ومراد أصحابه، والله الهادي إلى سواء السبيل.
ومن باب التنبيه أقول:
وكلام أهل الجرح والتعديل في الرجال تعديلاً أو تجريحاً ليس هو خبراً محضاً ولا حكماً محضاً، وإنما هو خبر يتضمن حكماً، فهو إخبار من العالم العارف بالجرح والتعديل بأنَّ فلاناً فيه من الصفات ما يوجب الجرح أو التعديل، وهو في نفس الوقت حكم على فلان بأنه مجروح أو عدل.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في [زاد المعاد 5/456-457]:
((المجهول إذا عدَّله الراوي عنه الثقة ثبتت عدالته؛ وإن كان واحداً على أصح القولين، فإنَّ التعديلَ من باب الإِخبار والحكم، لا من باب الشهادة؟ لا سيما التعديل في الرواية، فإنهُ يُكتفى فيه بالواحد، ولا يزيد على أصل نصاب الرواية، هذا مع أنَّ أحد القولين: إنَّ مجرد رواية العدل عن غيره تعديل له وإن لم يصرح بالتعديل!، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد، وأما إذا روى عنه وصرح بتعديله، فقد خرج عن الجهالة التي ترد لأجلها روايته، لا سيما إذا لم يكن معروفاً بالرواية عن الضعفاء والمتهمين)).
قلتُ:
ولما كان الكلام في تجريح الناس وتعديلهم قد يكون خبراً يتضمن حكماً منقولاً عن الغير، وقد يكون حكماً صادراً من المتكلِّم نفسه، وكذا قد يكون في الرواة، وقد يكون في الشهود، لهذا اختُلِفَ في كلام الجارح أو المعدِّل في الرواة؛ هل هو من قبيل الحكم أم الخبر أم الشهادة أم الرواية أم الفتوى؟!، وهل يُشترط فيه العدد أم يقبل فيه قول الواحد؟ وهل يفرَّق في مسألة التجريح والتعديل بين الرواية وبين الشهادة أم لا؟!
قال العلامة عبد الرحمن المعلمي رحمه الله تعالى في [الاستبصار في نقد الأخبار ص38]: ((الأقرب: أنَّ تزكية الشاهد شهادة، وأما تزكية المخبر: فإنْ كانت ممن جاوره أو صحبه مدة فالظاهر أنها خبر، وإنْ كانت ممن تأخر عليه كتعديل الإمام أحمد لبعض التابعين فقد يقال: إنها حكم؛ لأنَّ أئمة هذا الفن في معنى المنصوبين من الشارع أو من جماعة الأمة لبيان أحوال الرواة ورواياتهم، وقد يقال: إنها فتوى؛ لأنها خبر عما أدى إليه النظر والاجتهاد؛ وهو إنْ لم يكن حكماً شرعياً فتبنى عليه أحكام شرعية كما لا يخفى، والأقرب: أنها خبر أيضاً)).
قلتُ:
فإذا تبين لك أيها القارئ من كلام أهل العلم المتقدم أنَّ كلام علماء الجرح والتعديل في الرجال هو من قبيل أخبار الثقات، فاعلم أنَّ خبر الثقة واجب القبول كما صرَّح بذلك أئمة هذا الشأن.
وقد نقل الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في [الكفاية في علم الرواية ص31] عدة أدلة على وجوب الأخذ بخبر العدل؛ ثم قال: ((وعلى العمل بخبر الواحد كان كافة التابعين ومن بعدهم من الفقهاء الخالفين في سائر أمصار المسلمين إلى وقتنا هذا، ولم يبلغنا عن أحد منهم إنكار لذلك، ولا اعتراض عليه، فثبت أنَّ من دين جميعهم: وجوبه؛ إذ لو كان فيهم مَنْ كان لا يرى العمل به لنقل إلينا الخبر عنه بمذهبه فيه، والله اعلم)).
وبهذا نعلم؛ أنه إذا حكم عالم معتبر في رجل بأنه مبتدع أو ليس بسلفي وذكر ذلك بالأدلة والبراهين؛ فإنَّ الواجب قبول كلامه، لأنَّ كلامه في أهل البدع داخل في علم الجرح والتعديل كما تقدَّم، وما دام أنه ثقة، فيجب قبول كلامه، لأنَّ خبر الثقة واجب القبول. وأما إذا تبين لنا خلاف ما قاله - هذا العالم الثقة - بالأدلة العلمية والقرائن الصحيحة فلا يقبل كلامه فضلاً عن وجوب الأخذ به.
|