عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 04-01-2012, 12:22 AM
بلال الجيجلي بلال الجيجلي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الجزائر- ولاية جيجل - حرسها الله من كل سوء-
المشاركات: 941
شكراً: 13
تم شكره 43 مرة في 40 مشاركة
افتراضي

الوجه الثالث: أنَّ مسائل الاجتهاد إذا ظهرت فيها الحجة في أحد الأقوال فيجب الانقياد لها؛ ولا يكون المرء فيها مخيراً بحسب ما يشتهيه هواه، وليس له سعة في اختيار أحد الأقوال.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في [الفتاوى الكبرى 1/164]: ((إنَّ مثل هذه المسألة أو نحوها من "مسائل الاجتهاد"؛ لا يجوز لمن تمسَّك فيها بأحد القولين أن ينكر على الآخر بغير حجة ودليل، فهذا خلاف إجماع المسلمين.
فقد تنازع المسلمون في جبن المجوس والمشركين؛ وليس لمن رجَّح أحد القولين أن ينكر على صاحب القول الآخر إلا بحجة شرعية، وكذلك تنازعوا في متروك التسمية، وفي ذبائح أهل الكتاب إذا سموا عليها غير الله، وفي شحم الثرب والكليتين، وذبحهم لذوات الظفر كالإبل والبط ونحو ذلك، مما حرمه الله عليهم، وتنازعوا في ذبح الكتابي للضحايا، ونحو ذلك من المسائل، وقد قال بكل قول طائفة من أهل العلم المشهورين.
فمن صار إلى قولٍ مقلِّدٍ لقائله لم يكن له أن ينكر على مَنْ صار إلى القول الآخر مقلد لقائله؛ لكن إنْ كان مع أحدهما حجة شرعية وجب الانقياد للحجج الشرعية إذا ظهرت، ولا يجوز لأحد أن يرجِّح قولاً على قول بغير دليل، ولا يتعصب لقول على قول ولا لقائل على قائل بغير حجة؛ بل مَنْ كان مقلدًا لزم حل التقليد فلم يرجح ولم يزيف ولم يصوِّب ولم يخطِّئ، ومن كان عنده من العلم والبيان ما يقوله سمع ذلك منه؛ فقبل ما تبين أنه حق ورد ما تبين أنه باطل ووقف ما لم يتبين فيه أحد الأمرين، والله تعالى قد فاوت بين الناس في قوى الأذهان كما فاوت بينهم في قوى الأبدان)).
قلتُ:
فمع كون كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في المسائل الاجتهادية، وقد ضرب عدة أمثلة من مسائل مختلف فيها بين فقهاء المسلمين، لكنه أوجب الانقياد إلى أحد الأقوال إذا ظهرت الحجة فيه.
فأين هذا من دعوى عدم الإلزام في مسائل الاجتهاد مطلقاً؟!
فلو أننا فرضنا أنَّ الكلام في الرجال من قبيل المسائل الاجتهادية الفقهية كما يزعم بعض المعاصرين؛ فإنَّ مسائل الاجتهاد إذا ظهرت الحجة فيها وجب الانقياد لها، وهذا يعني أنَّ الكلام في الرجال إذا ظهرت الحجة فيه يجب قبوله.
أقول:
ومن غريب صنائع القوم أنهم يساوون بين المسائل الخلافية وبين المسائل الاجتهادية؛ إما جهلاً وإما تلبيساً، فعندهم كل خلاف – ولو كان أوهن من بيت العنكبوت- هو من مسائل الاجتهاد التي لا إنكار فيها ولا إيجاب، بل صاروا يحتجون بالخلاف في رد الحجج والبراهين، ويتتبعون رخص العلماء بما يوافق أهواءهم وأراءهم، وكل ذلك مخالف لمنهج السلف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى الكبرى [6/92]: ((وقولهم: "مسائل الخلاف لا إنكار فيها" ليس بصحيح؛ فإنَّ الإنكار إما أن يتوجَّه إلى القول بالحكم، أو العمل. أما الأول: فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعًا قديمًا وجب إنكاره وفاقًا، وإنْ لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند مَنْ يقول "المصيب واحد" وهم عامة السلف والفقهاء. وأما العمل: فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضًا بحسب درجات الإنكار؛ كما ذكرناه من حديث شارب النبيذ "المختلف فيه"، وكما يُنقض حكم الحاكم إذا خالف سنة؛ وإنْ كان قد اتبع بعض العلماء!!. وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ: فلا ينكر على مَنْ عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا.
وإنما دخل هذا اللبس من جهة أنَّ القائل يعتقد: أنَّ مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد!!؛ كما اعتقد ذلك طوائف من الناس!.
والصواب الذي عليه الأئمة: أنَّ مسائل الاجتهاد لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا؛ مثل: حديث صحيح لا معارض من جنسه، فيسوغ له - إذا عُدم ذلك - فيها الاجتهاد؛ لتعارض الأدلة المتقاربة أو لخفاء الأدلة فيها.
وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعنٌ على مَنْ خالفها من المجتهدين؛ كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها، مثل: كون الحامل المتوفى عنها تعتد بوضع الحمل، وإنَّ الجِماع المجرد عن إنزال يوجب الغسل، وإنَّ ربا الفضل والمتعة حرام، وإنَّ النبيذ حرام، وإنَّ السنة في الركوع الأخذ بالركب، وإنَّ دية الأصابع سواء، وإنَّ يد السارق تقطع في ثلاثة دراهم ربع دينار، وإنَّ البائع أحق بسلعته إذا أفلس المشتري، وإنَّ المسلم لا يقتل بالكافر، وإنَّ الحاج يلبي حتى يرمي جمرة العقبة، وإنَّ التيمم يكفي فيه ضربة واحدة إلى الكوعين، وإنَّ المسح على الخفين جائز حضرًا وسفرًا؛ إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصى.
وبالجملة: مَنْ بلغه ما في هذا الباب من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها فليس له عند الله عذر (!) بتقليد مَنْ ينهاه عن تقليده ويقول: "لا يحل لك أن تقول ما قلتُ حتى تعلم من أين قلتُ" أو يقول: "إذا صح الحديث فلا تعبأ بقولي")).
أقول: فالمسائل الاجتهادية لها صورتان؛ تعارض الأدلة المتقاربة، أو خفاء الأدلة؛ كما قال شيخ الإسلام، وأما إذا كانت الأدلة واضحة والبراهين قاطعة فليست المسألة حينئذ من مسائل الاجتهاد التي لا إنكار فيها، وإنما من مسائل الخلاف التي يسوغ فيها الإنكار، بل يجب.
وقد تكلَّم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعد كلامه السابق عن حرمة الحيل ثم قال: ((لو فرضنا أنَّ الحيل من مسائل الاجتهاد -كما يختاره في بعضها طائفة من أصحابنا وغيرهم!- فإنا إنما بينا الأدلة الدالة على تحريمها كما في سائر "مسائل الاجتهاد"، فأما جواز تقليد مَنْ يخالف فيها ويسوِّغ الخلاف فيها وغير ذلك فليس هذا من مواضع الكلام فيه!، وليس الكلام في هذا مما يختص هذا الضرب من المسائل!؛ فلا يحتاج إلى هذا التقرير أن يجيب عن السؤال بالكلية، وحينئذ: فمن وضح له الحق وجب عليه إتباعه!!، ومَنْ لم يتضح له الحق فحكمه حكم أمثاله في مثل هذه المسائل)).
أقول: فالمسألة مسألة وضوح الأدلة وظهور الحق؛ فمن وضح له الحق وجب عليه إتباعه، وصار ملزمًا بالأخذ به والعمل بمقتضاه، وتارك الواجب يستحق العقوبة كما لا يخفى.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في [الفتاوى الكبرى 6/92]: ((إنَّ الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكانة عليا، قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور: لا يجوز أن يتبع فيها!!، مع بقاء مكانته ومنزلته في قلوب المؤمنين؛ واعتبر ذلك بمناظرة الإمام عبد الله بن المبارك قال: "كنا بالكوفة فناظروني في ذلك يعني "النبيذ المختلف فيه" فقلتُ لهم: تعالوا فليحتج المحتج منكم عمَّنْ يشاء من أصحاب النبي ح بالرخصة، فإنْ لم يتبين الرد عليه عن ذلك الرجل بشدة صحت عنه، فاحتجوا، فما جاؤوا عن أحد برخصة إلا جئناهم بشدة، فلما لم يبق في يد أحد منهم إلا عبد الله بن مسعود وليس احتجاجهم عنه في شدة النبيذ بشيء يصح عنه، إنما يصح عنه أنه لم ينبذ له في الجَرِّ إلا حَذِرًا.
قال ابن المبارك: فقلتُ للمحتج عنه في الرخصة؛ يا أحمق عد إنَّ ابن مسعود لو كان ها هنا جالسًا فقال: هو لك حلال، وما وصفنا عن النبي ح وأصحابه في الشدة، كان ينبغي لك أن تحذر أو تجر أو تخشى؟
فقال قائلهم: يا أبا عبد الرحمن؛ فالنخعي والشعبي وسمى عدة معهما كانوا يشربون الحرام؟!!
فقلتُ لهم: عدوا عند الاحتجاج تسمية الرجال!؛ فربَّ رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا وعسى أن يكون منه زلة أفلأحد أن يحتج بها؟!
فإنْ أبيتم، فما قولكم في عطاء وطاووس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة؟
قالوا: كانوا خيارًا.
قلتُ: فما قولكم في الدرهم بالدرهمين يدًا بيد؟
فقالوا: حرام.
فقال ابن المبارك: إنَّ هؤلاء رأوه حلالاً؛ فماتوا وهم يأكلون الحرام؟!!
فبقوا وانقطعت حجتهم!.
قال ابن المبارك: ولقد أخبرني المعتمر بن سليمان قال: رآني أبي وأنا أنشد الشعر، فقال لي: يا بني لا تنشد الشعر، فقلت له: يا أبت كان الحسن ينشد وكان ابن سيرين ينشد!!، فقال لي: أي بني إنْ أخذت بشر ما في الحسن وبشر ما في ابن سيرين اجتمع فيك الشر كله!!".
وهذا الذي ذكره ابن المبارك متفق عليه بين العلماء، فإنه ما من أحد من أعيان الأمة من السابقين الأولين ومن بعدهم إلا لهم أقوال وأفعال خفي عليهم فيها السنة!!، وهذا باب واسع لا يحصى، مع أنَّ ذلك لا يغض من أقدارهم، ولا يسوغ إتباعهم فيها!!، كما قال سبحانه: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول"، قال ابن مجاهد والحكم بن عتيبة ومالك وغيرهم: "ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم"، وقال سليمان التيمي: "إنْ أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله"، قال ابن عبد البر: "هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً"، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في هذا المعنى ما ينبغي تأمله...)) [وذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى جملة من الآثار] ثم قال:
((وهذه آثار مشهورة رواها ابن عبد البر وغيره، فإذا كنا قد حُذِّرنا من "زلة العالم"!، وقيل لنا: أنها أخوف ما يخاف علينا، وأمرنا مع ذلك أنْ لا يرجع عنه!.
فالواجب على مَنْ شرح الله صدره للإسلام: إذا بلغته مقالة ضعيفة عن بعض الأئمة أن لا يحكيها لمن يتقلد بها، بل يسكت عن ذكرها إلى أن يتيقن صحتها، وإلا توقف في قبولها!، فما أكثر ما يحكى عن الأئمة ما لا حقيقة له!، وكثير من المسائل يخرجها بعض الأتباع على قاعدة متبوعة مع أنَّ ذلك الإمام لو رأى أنها تفضي إلى ذلك لما التزمها!!، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، ومن علم فقه الأئمة وورعهم علم أنهم لو رأوا هذه الحيل وما أفضت إليه من التلاعب بالدين لقطعوا بتحريم ما لم يقطعوا به أولاً)).
أقول: والبعض أيضاً يظن أنَّ مسائل الاجتهاد لا إنكار فيها مطلقاً؛ بينما شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول في [الفتاوى الكبرى 1/159]: ((ومسائل الاجتهاد لا يسوغ فيها الإنكار إلا ببيان الحجة وإيضاح المحجة؛ لا الإنكار المجرد المستند إلى محض التقليد فإنَّ هذا فعل أهل الجهل والأهواء)).
وقال في [منهاج السنة 1/44]: ((المسألة اجتهادية فلا تنكر إلا إذا صارت شعاراً لأمر لا يسوغ فتكون دليلاً على ما يجب إنكاره، وإنْ كانت نفسها يسوغ فيها الاجتهاد)).
قلتُ:
فإذا تبين ذلك؛ فإنه مما لا شك فيه أنَّ قاعدة وجوب قبول الجرح المفسَّر والإلزام به داخلة في أصل: وجوب الانقياد إلى الحجج إذا ظهرت.
وأقول:
ليس كل أحد يتصدَّر لمسألة النقد والكلام في الرجال، لأنَّ بعض الناس يحاول أن يعترض ويشكك في مسألة كون الكلام في الرجال من باب الأخبار، حيث زعم أنَّ الأمر لو كان من قبيل الخبر لاستطاع كل ثقة وإنْ لم يكن عالماً أن يتكلَّم في الرجال ويجب أن يُقبل كلامه، لأنَّ خبر الثقة واجب قبوله سواء صدر من عالم أو عامي!.
وجوابه أنَّ خبر الثقة يجب قبوله، لكن الذي يتكلَّم في الرجال له صفات أخرى غير كونه ثقة؛ قال العلامة عبد الرحمن المعلمي رحمه الله تعالى في مقدمة كتاب [الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي] تحت عنوان "النقد والنقاد": ((ليس نقد الرواة بالأمر الهين، فإنَّ الناقد لا بد أن يكون واسع الإطلاع على الأخبار المروية، عارفاً بأحوال الرواة السابقين وطرق الرواية، خبيراً بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب والموقعة في الخطأ والغلط، ثم يحتاج إلى أن يعرف أحوال الراوي متى ولد؟ وبأي بلد؟ وكيف هو في الدين والأمانة والعقل والمروءة والتحفظ؟ ومتى شرع في الطلب؟ ومتى سمع؟ وكيف سمع؟ ومع مَنْ سمع؟ وكيف كتابه، ثم يعرف أحوال الشيوخ الذين يحدث عنهم وبلدانهم ووفياتهم وأوقات تحديثهم وعادتهم في التحديث، ثم يعرف مرويات الناس عنهم ويعرض عليها مرويات هذا الراوي ويعتبرها بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه.
ويكون مع ذلك: متيقظاً، مرهف الفهم، دقيق الفطنة، مالكاً لنفسه، لا يستميله الهوى، ولا يستفزه الغضب، ولا يستخفه بادر ظن حتى يستوفي النظر ويبلغ المقر، ثم يحسن التطبيق في حكمه فلا يجاوز ولا يقصر.
وهذه المرتبة بعيدة المرام عزيزة المنال لا يبلغها إلا الأفذاذ، وقد كان من أكابر المحدثين وأجلتهم مَنْ يتكلم في الرواة فلا يعوَّل عليه ولا يلتفت إليه.
قال الإمام علي بن المديني وهو من أئمة هذا الشأن: "أبو نعيم وعفان صدوقان لا أقبل كلامهما في الرجال، هؤلاء لا يدعون أحداً إلا وقعوا فيه" وأبو نعيم وعفان من الأجلة، والكلمة المذكورة تدل على كثرة كلامهما في الرجال؛ ومع ذلك لا تكاد تجد في كتب الفن نقل شيء من كلامهما)).
أقول:
وبعض الناس يرفض قبول جرح العلماء لأهل البدع المعاصرين بذريعة أنَّ علماء الجرح والتعديل ثلاثة أقسام: منهم المعتدل، ومنهم المتساهل، ومنهم المتشدد، فيزعم أنَّ العالم الفلاني من المتشددين في الكلام على الرجال.
والجواب عن ذلك: أنَّه على فرض أنَّ العالم الفلاني متشدد في الكلام على الرجال، فإنَّ المتشدد من أئمة الجرح والتعديل لا يرد كلامه إلا بثلاثة شروط، قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في [ذكر مَنْ يعتمد قوله في الجرح والتعديل ص172] عندما ذكر أقسام أهل الجرح والتعديل: ((قسم منهم: متعنِّت في الجرح متثبِّت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، ويليِّن بذلك حديثه: فهذا إذا وثَّق شخصاً فعضَّ على قوله بناجذيك وتمسَّك بتوثيقه. وإذا ضعَّف رجلاً؛ فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإنْ وافقه ولم يوثق ذاك أحدٌ من الحذاق: فهو ضعيف. وإنْ وثَّقه أحد؛ فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسراً. يعني؛ لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلاً: هو ضعيف، ولم يوضِّح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يُتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب، وابن معين، وأبو حاتم، والجوزجاني، متعنتون. وقسم في مقابلة هؤلاء: كأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي بكر البيهقي، متساهلون. وقسم: كالبخاري، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وابن عدي، معتدلون منصفون)).
قلتُ:
فالمتشدد في التجريح لا يُرد قوله إلا بثلاثة شروط:
الأول: أن يُعرف عنه أنه يغمز بالغلطتين والثلاث، ويُليِّن بها.
الثاني: أن يخالفه في التجريح أحدُ الحذَّاق من أهل الصنعة.
الثالث: أن يجرح جرحاً غير مفسَّر.

فنقول لهؤلاء الذين يصفون بعض أهل العلم المعاصرين بالتشدد في التجريح:
هل هؤلاء العلماء يجرِّحون بالغلطتين والثلاث؟!
هل المخالِف لهم من الحذَّاق الذين يعرفون الناس المجروحين وأحوالهم؟!
هل العلماء المجرِّحين يذكرون أسباب الجرح بالأدلة الصريحة والبراهين القاطعة؟!
فإنْ تخلَّف شرط واحد من هذه الشروط وجب الأخذ بقول الجارح.
فكيف ونحن نرى في واقعنا اليوم:
أنَّ العلماء الموصوفين بالتشدد - مثل الشيخ ربيع حفظه الله تعالى - لا يتكلَّم بالرجال في غلطة أو غلطتين أو ثلاث!، بل يؤاخذهم بالأصول المخالفة لمنهج السلف الصالح، وبعد نصائح عدة، وصبر طويل؟!
وكيف ونحن نعرف أنَّ المخالِف له ممن يوثِّق مَنْ يجرحه الشيخ ربيع حفظه الله تعالى: إما أن يكون متساهلاً في التوثيق؛ يُعرف عنه توثيق المشتهرين بالبدعة والانحراف فضلاً عن غيرهم، وإما أنه لا يعرف حال المجروحين وما هم عليه من انحرافات وتغير وتلون؟!
ثم كيف ونحن نعلم أنَّ الشيخ ربيعاً حفظه الله تعالى يذكر عدة أسباب مفسَّرة معتبرة على الجرح؟!
وكيف ونحن نعلم أنَّ الشيخ ربيعاً حفظه الله تعالى قد وافقه في تجريح المشار إليهم جمع من أهل العلم والمشايخ المعروفين عند الجميع؟!
أفبعد هذا كله يُقال أنَّ الشيخ ربيعاً حفظه الله تعالى من المتشددين الذين لا يُقبل كلامهم في الرجال؟!
إذا كان كذلك؛ فكيف قال فيه إمام العصر في الحديث بلا منازع الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: ((إنَّ حامل راية الجرح والتعديل اليوم في العصر الحاضر وبحق هو: أخونا الدكتور ربيع، والذين يردون عليه لا يردون عليه بعلم أبداً، والعلم معه)).
وأخيراً؛ أختم هذه الوجوه الثلاثة التي تدل على لزوم الأخذ بجرح المبتدعة الصادر من أهل العلم المعتبرين بالأدلة والبراهين، بكلام حامل راية الجرح والتعديل في هذا العصر:
قال العلامة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله تعالى في رسالته القيمة [أئمة الجرح والتعديل هم حماة الدين ص23]: ((إذا اختلف عالمان من علماء الجرح والتعديل أو غيرهم في أمر ديني فالحكم في القضية لله لا للهوى وأهله الذين يأخذون بقول المخطئ ويردون قول المصيب.
والواجب فيما اختلف فيه من أمر الدين الرد إلى الله والرسول، قال تعالى: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً"، فينظر في قول المتنازعين في ضوء الشريعة وقواعدها المستمدة منها - لا المفتعلة -؛ فمن وافق قوله شريعة الله وجب الأخذ بقوله، ومَنْ خالفها رد قوله مع احترامه واعتقاد أنه مجتهد له أجر المجتهد المخطئ.
ولا يقف المسلم المتبع موقف أهل الأهواء فيقول: قد اختلف العلماء فلا يلزمني قول فلان وفلان!، ويذهب يتلاعب بعقول الناس، فإنَّ مثل هذا القول يجرئ الناس على رد الحق وإسقاط أهله، وصاحب الحجة يجب الأخذ بقوله إتباعاً لشرع الله وحجته لا لشخص ذلك الرجل وسواد عينيه)).
وقال في [المصدر السابق ص25] وهو يرد على أحد الحدادية المتعالمين: ((بناءً على قاعدتك في باب التبديع يلزمك تبديع الإمام البخاري!، لأنَّ الإمام محمد بن يحيى الذهلي وأصحابه قد بدَّعوا الإمام البخاري وآذوه، ولكنَّ العلماء وعلى رأسهم مسلم إلى يومنا هذا خالفوا الإمام محمد بن يحيى؛ فهل تبدعهم لأنهم لم يتبعوا محمد بن يحيى؟ّ!
وتقول: لماذا خالفوه؟
فأقول: لأنه ليس معه ولا مع أصحابه حجة.
والإمام أحمد نفسه خالف الناس في شريك بن عبد الله النخعي وأبي نعيم لأنه لم تُقدَّم له الحجة على تبديعهما، ولو قدموها له لقبلها والتزمها؛ كما عهدنا ذلك منه ومن أمثاله رحمهم الله.
فمدار القبول والرد: هو الحجة وعدمها لا الهوى؛ كما قررت أنت هنا في قضايا الاختلاف أي اختلاف أئمة الجرح والتعديل، ولا يبعد أن تقررها في كل القضايا كما يفعل أهل الأهواء الذين قلدتهم.
والإلحاق بالمبتدع ليس على إطلاقه عند السلف وأئمتهم بل هم فرقوا بين الداعية إلى البدعة وغير الداعية، فحذروا من الداعية ومن مجالسته وأخذ العلم عنه، بل إذا تمادى في العناد والدعوة إلى بدعته قد يحكمون بقتله؛ لأنه عندهم أضر من قطاع الطرق المحاربين لله ورسوله. وأما غير الداعية من الصادقين المأمونين فقد أخذوا منهم العلم حفاظاً على الشريعة وحذراً من أن يضيع شيء منها)).
وقال في إحدى نصائحه لفالح الحربي: ((وعند اختلافهم في الجرح سواء كان الجرح بالتبديع أو غيره: يوزن اختلافهم بميزان العدل؛ فمَنْ كان منهم معه الحجة والبرهان أُخذ بقوله، سواء كان متشدداً أو متوسطاً أو متساهلاً)).
أقول:
والخلاصة:
أنَّ جرح المبتدعة الصادر من أهل العلم المعتبرين إذا ظهرت الأدلة والبراهين على صحته فإنه ملزم لمَنْ بلغه ذلك وثبت عنده، وهذا يدل على بطلان أصل مَنْ قال: لا يلزمني تبديع مَنْ بدَّعه فلان من أهل العلم، ولازم هذا الأصل الفاسد أن لا يقبل صاحبه بتبديع العلماء للجهم بن صفوان ولا الحارث المحاسبي ولا حسين الكرابيسي ولا الجعد بن درهم ولا واصل بن عطاء ولا عمرو بن عبيد ولا بشر المريسي ولا لغيرهم من أهل البدع قديماً وحديثاً، ولازم عدم تبديع هؤلاء أنَّ أصولهم لا تخالف أصول السلف الصالح، ولهذا فهم لا يخرجون عن إطار أهل السنة والجماعة، وهذا من أبطل الباطل، بل هو داخل في تحريف الدين وتبديل الشرع المستبين.
وقد قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى لما سُئل عن حسين الكرابيسي: ((أخزى الله الكرابيسي، لا يُجالس ولا يُكلَّم، ولا تُكتب كتبه، ولا تُجالس مَنْ يجالسه))، وقال فيه: ((إياك، إياك، إياك وهذا الكرابيسي، لا تكلِّمه ولا تكلِّم مَنْ يكلِّمه)).
قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى في [الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء؛ مالك والشافعي وأبي حنيفة ص106]: ((أبو علي الحسين بن علي الكرابيسي؛ وكان عالمًا مصنفًا متقناً، وكانت فتوى السلطان تدور عليه، وكان نظاراً جدلياً، وكان فيه كبر عظيم، وكان يذهب إلى مذهب أهل العراق فلما قدم الشافعي وجالسه وسمع كتبه انتقل إلى مذهبه وعظمت حرمته، وله أوضاع ومصنفات كثيرة نحو من مائتي جزء، وكانت بينه وبين أحمد بن حنبل صداقة وكيدة، فلما خالفه في القرآن عادت تلك الصداقة عداوة، فكان كل واحد منهما يطعن على صاحبه، وذلك أنَّ أحمد بن حنبل كان يقول: "مَنْ قال القرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال القرآن كلام الله ولا يقول غير مخلوق ولا مخلوق فهو واقفي، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع"، وكان الكرابيسي وعبد الله بن كلاب وأبو ثور وداود بن علي وطبقاتهم يقولون: إنَّ القرآن الذي تكلَّم به الله صفة من صفاته لا يجوز عليه الخلق، وأنَّ تلاوة التالي وكلامه بالقرآن كسب له وفعل له وذلك مخلوق، وأنه حكاية عن كلام الله وليس هو القرآن الذي تكلم الله به، وشبهوه بالحمد والشكر لله وهو غير الله، فكما يؤجر في الحمد والشكر والتهليل والتكبير فكذلك يؤجر في التلاوة. وحكى داود في كتاب الكافي: أنَّ هذا كان مذهب الشافعي!، وأنكر ذلك أصحاب الشافعي وقالوا: هذا قول فاسد ما قاله الشافعي قط، وهجرت الحنبلية أصحاب أحمد بن حنبل حسيناً الكرابيسي وبدَّعوه وطعنوا عليه وعلى كل مَنْ قال بقوله في ذلك)).
أسأل الله تعالى أن يرزقنا الفهم السليم والقول السديد، وأن يجنبنا الظن وما تهوى الأنفس، والله الموفِّق.

كتبه
رائد آل طاهر
في مساء يوم الخميس 12 من شعبان 1432ﻫ
الموافق 14/7 /2011
رد مع اقتباس