غِراسُ الجَنَّتينِ في بيانِ مَعنى حَديثُ السَبتيتينِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاكم الله خيرا على التنبيه لهذه المسألة التي قد غفل عنها كثير من الناس
وأود أن انقل لكم مقالة بعنوان (غراس الجنتين في بيان معنى حديث السبتيتين) لأحد مشايخنا طلاب العلم جزاه الله خيرا وهي تخص هذه المسألة
نسأل الله أن يوفقنا واياكم لما يحب ويرضى
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
غِراسُ الجَنَّتينِ
في
بيانِ مَعنى حَديثُ السَبتيتينِ
كتبه:
ابو حسام محمود الشمري
المقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الاحزاب:70-71]
أما بعد: فأن أصدق الحديث كلام الله, وخير الهدي هدي محمد (صلى الله عليه وسلم), وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد:
فقد روى ابن ماجة (رحمه الله) تعالى وغيره أحاديثاً عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في فضل إحياء سنته المطهرة بعدما يُميتها الناس بتركها وعدم العمل بها، حتى يصبح الداعي إليها غريباً كأنما يدعوا إلى أمر منكر, كما قال إبن مسعود رضي الله عنه: (كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَتَّخِذُهَا النَّاسُ سُنَّةً فَإِذَا غُيِّرَتْ، قَالُوا: غُيِّرَتِ السُّنَّةُ؟ " قِيلٌ: مَتَى ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: «إِذَا كَثُرَتْ قُرَّاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ أَمْوَالُكُمْ، وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ)(1) فالمتمسك بسنة الرسول (عليه الصلاة والسلام) والداعي إليها في مثل هكذا أزمنة بعدما تكون معالم السنة قد إخلولقت وتلاشت, لمن أعظم الناس ثواباً وأكثرهم جهاداً في سبيل تبليغ دين الله جل وعلا و إحياء سنة الرسول (عليه الصلاة والسلام).
قال ابن ماجة: [عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني حدثني أبي عن جدي أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (من أحيا سنة من سنتي فعمل بها الناس كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن ابتدع بدعة فعمل بها كان عليه أوزار من عمل بها لا ينقص من أوزار من عمل بها)(2).
فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتبعين للسنة العاملين بها الداعين إليها, فإن العمل بسنة رسول الله (عليه الصلاة والسلام) ودعوة الناس إليها خصوصاً في هذه الأزمنة التي قل فيها العلم وكثر الجهل وتكلم الرويبضة, لمن أفضل القربات إلى الله سبحانه وتعالى. ولابد أن يلحق الداعية بعض الأذى من اللمز والقيل والقال وغير ذلك، فلابد من الصبر والثبات, حتى يستريح بر أو يُستراح من فاجر.
وقد وعد رسول الله (عليه الصلاة والسلام) الغرباء المصلحون لما فسد من عقائد الناس وأعمالهم خيراً كثيراً.
فقد روى الإمام أحمد (رحمه الله) عن عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما) أنه قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ: «طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» ، فَقِيلَ: مَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أُنَاسٌ صَالِحُونَ، فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ»(3).
ومن السنن المهجورة في بلادنا وغيرها إلا من رحم الله والتي نسأل الله أن يعيننا على إحيائها هي سنة نزع النعال لمن أراد زيارة القبور والمشي بينها, فأن هذه السنة قد ثبتت بما لايقبل الشك من قول الصادق الصدوق (عليه الصلاة والسلام) كما في الحديث الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، وبفهم العلماء الراسخين بالعلم. وقد قمت بهذا العمل اليسير مشاركة بسيطة في خدمة سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم). نسأل الله الصدق والإخلاص في القول والعمل.
حديث بشير بن الخصاصية (رضي الله عنه).
• (عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ بَشِيرٍ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ زَحْمُ بْنُ مَعْبَدٍ، فَهَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَا اسْمُكَ؟» قَالَ: زَحْمٌ، قَالَ: «بَلْ، أَنْتَ بَشِيرٌ»، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أُمَاشِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: «لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا» ثَلَاثًا ثُمَّ مَرَّ بِقُبُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «لَقَدْ أَدْرَكَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا» وَحَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظْرَةٌ، فَإِذَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي الْقُبُورِ عَلَيْهِ نَعْلَانِ، فَقَالَ: «يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ، وَيْحَكَ أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ» فَنَظَرَ الرَّجُلُ فَلَمَّا عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَعَهُمَا فَرَمَى بِهِمَا)(4).
• وعند إبن ماجة : قَالَ: (بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «يَا ابْنَ الْخَصَاصِيَّةِ مَا تَنْقِمُ عَلَى اللَّهِ؟ أَصْبَحْتَ تُمَاشِي رَسُولَ اللَّهِ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا أَنْقِمُ عَلَى اللَّهِ شَيْئًا، كُلُّ خَيْرٍ قَدْ آتَانِيهِ اللَّهُ، " فَمَرَّ عَلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «أَدْرَكَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا» ثُمَّ مَرَّ عَلَى مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: «سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا» قَالَ: فَالْتَفَتَ، فَرَأَى رَجُلًا يَمْشِي بَيْنَ الْمَقَابِرِ فِي نَعْلَيْهِ، فَقَالَ: «يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ أَلْقِهِمَا» حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ يَقُولُ: حَدِيثٌ جَيِّدٌ وَرَجُلٌ ثِقَةٌ).(5)
• وعند أحمد (...كُنْتُ أُمَاشِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخِذًا بيده...)(6).
• وعند النسائي (... يمشي بين القبور ...) الحديث (7),(8)
معنى السبتيتين:
قال السندي: (السِّبْتِيَّتَيْنِ: بِكَسْرِ السِّينِ نِسْبَةً إِلَى السِّبْتِ وَهُوَ جُلُودُ الْبَقَرِ الْمَدْبُوغَةُ بِالْقَرَظِ يُتَّخَذُ مِنْهَا النِّعَالُ لِأَنَّهُ سُبِتَ شَعْرُهَا أَيْ حُلِقَ وَأُزِيلَ وَقِيلَ لِأَنَّهَا انْسَبَتَتْ بِالدِّبَاغِ أَيْ لَانَتْ وَأُرِيدَ بِهِمَا النَّعْلَانِ الْمُتَّخَذَانِ مِنَ السِّبْتِ).(9)
فوائد الحديث الفقهية:
• الفائدة الأولى:
عدم جواز لبس النعلين لمن أراد زيارة المقابر والمشي بين القبور، وأنه لافرق بين النعال السبتية وغيرها فالعلة في كافة أنواع النعال واحدة والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً, والشريعة لاتفرق بين متماثلين ولا تجمع بين متفرقين.
- قال الشوكاني (رحمه الله): (وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَشْيُ بَيْنَ الْقُبُورِ بِالنَّعْلَيْنِ وَلَا يَخْتَصُّ عَدَمُ الْجَوَازِ بِكَوْنِ النَّعْلَيْنِ سِبْتِيَّتَيْنِ لِعَدَمِ الْفَارِقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا).(10)
وقال في (بستان الأحبار مختصر نيل الأوطار): [قَوْلُهُ: (يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ) قَالَ الشَّارِحُ: ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَشْيُ بَيْنَ الْقُبُورِ بِالنَّعْلَيْنِ].(11)
- قال العلامة ابن باز (رحمه تعالى) جواباً على السؤال التالي:
س: حديث: «يا صاحب السبتيتين ألق سبتيتيك » لما رآه النبي صلى الله عليه وسلم يمشي في المقبرة بنعليه هل يعمل به؟ وهل ينكر على من مشى بنعليه في المقبرة؟
ج: (الحديث لا بأس به، ولا يجوز أن يمشى بالنعال في المقبرة إلا عند الحاجة، مثل وجود الشوك في المقبرة، أو الرمضاء الشديدة، أما إذا لم يكن هناك حاجة فينكر عليه، كما أنكر صلى الله عليه وسلم على صاحب السبتيتين، ويعلم الحكم الشرعي).(12)
وقال (رحمه الله) جواباً عن السؤال التالي:
س: ما قولكم في الأحاديث الواردة والناهية عن لبس النعلين حين دخول القبور أو المقبرة؟
ج: (جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: أنه رأى رجلا يمشي في نعليه بين القبور، فأمره بخلعها قال: «يا صاحب السبتيتين، ألقهما » احتج العلماء بأنه يكره المجيء إلى المقبرة بالنعال إلا عند الحاجة، إذا كان في المقبرة شوك، أو الشمس حارة في وقت الشمس فلا بأس، أما من غير حاجة فيكره ذلك المشي عليها، كما يكره الجلوس على القبر، أو الوطء عليه أو توسده، كل هذا ما يجوز: لا يطأ القبر، ولا يجلس عليه، ولا يتوسده، لأن الرسول نهى عن ذلك عليه الصلاة والسلام، ولا يجصص القبر، ولا يبنى عليه قبة ولا مسجد، كله منكر.(13)
- وأفتت اللجنة الدائمة جواباً على السؤال التالي بما يأتي :
س2: هل خلع النعال في المقابر من السنة أم بدعة؟
ج2: (يشرع لمن دخل المقبرة خلع نعليه؛ لما روى بشير بن الخصاصية قال: «بينا أنا أماشي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجل يمشي في القبور وعليه نعلان، فقال: يا صاحب السبتيتين، ألق سبتيتيك فنظر الرجل، فلما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم خلعهما فرمى بهما » رواه أبو داود، وقال أحمد: إسناد حديث بشير بن الخصاصية جيد أذهب إليه إلا من علة، والعلة التي أشار إليها أحمد رحمه الله كالشوك والرمضاء ونحوهما، فلا بأس بالمشي فيهما بين القبور لتوقي الأذى.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
الرئيس عبد العزيز بن عبد الله بن باز
نائب رئيس اللجنة عبد الرزاق عفيفي
عضو عبد الله بن غديان
فتاوى اللجنة الدائمة.(14)
- وقال الشيخ الألباني (رحمه الله):
(وقد ثبت أن الامام أحمد كان يعمل بهذا الحديث، فقال أبو داود في مسائله (ص 158): ((رأيت أحمد إذا تبع الجنازة فقرب من المقابر خلع نعليه)).فرحمه الله، ما كان أتبعه للسنة).(15)
• الفائدة الثانية :
هذا الحكم المتقدم يختص بالنعلين ولا يتعداهما الى غيرهما من الخفاف (الأحذية) أو الشمشكات أو مافي معناهما.
- قال إبن قدامة (رحمه الله تعالى):
(وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجِنَازَةِ لَبِسَ خُفَّيْهِ، مَعَ أَمْرِهِ بِخَلْعِ النِّعَالِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تَتَعَدَّى النِّعَالَ إلَى الشِّمْشِكَاتِ وَلَا غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ غَيْرُ مُعَلَّلٍ، فَلَا يَتَعَدَّى مَحَلَّهُ).(16)
• الفائدة الثالثة:
يستثنى من الحكم السابق وجود علة تمنع من المشي حافيا , كشوك أو حجر يؤذي الرجل أو إرتفاع حرارة الأرض وما يشابهها.
- قال ابن قدامة (رحمه الله):
(قَالَ أَحْمَدُ، فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْمَقَابِرَ وَفِيهَا شَوْكٌ يَخْلَعُ نَعْلَيْهِ: هَذَا يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ حَتَّى يَمْشِيَ الرَّجُلُ فِي الشَّوْكِ، وَإِنْ فَعَلَهُ فَحَسَنٌ، هُوَ أَحْوَطُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ رَجُلٌ. يَعْنِي لَا بَأْسَ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعُذْرَ يَمْنَعُ الْوُجُوبَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَالِاسْتِحْبَابُ أَوْلَى).(17)
- قال الشيخ الألباني (رحمه الله):
ونقل عن الامأم أحمد أنه قال: (حديث بشير إسناده جيد، أذهب إليه إلا من علة).(18)
• الفائدة الرابعة:
النهي عن لبس النعال مختص بالمشي بين القبور, أما إذا كان الزائر يقف عند حدود المقبرة لغرض العبرة والسلام على الأموات والدعاء لهم من غير مشي بين القبور , فلا يلحقه النهي عن لبس النعال.
- قال العلامة ابن باز (رحمه الله تعالى) جواباً على هذا السؤال:
س: ما هو الضابط في خلع النعال عند دخول المقبرة؟
ج: (يخلعها إذا كان يمر بين القبور، أما إذا لم يمر بين القبور فلا يخلعها مثل أن يقف عند أول المقبره ويسلم فلا يخلع).(19)
• الفائدة الخامسة:
بيان سبب خلع النعال: وهو إحترام أموات المسلمين وعدم إيذائهم بلبس النعال بين قبورهم.
- قال الشيخ الألباني (رحمه الله تعالى) بعدما فند تعليل النزع بأنه كان في النعلين قذر، وذكر قول ابن حزم الآتي في رد هذا التعليل؛ قال: (والأقرب أن النهي من باب احترام الموتى، فهو كالنهي عن الجلوس على القبر).(20)
- وقال ابن قدامة (رحمه الله تعالى):
(وَلَنَا، أَمْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَبَرِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ النَّدْبُ، وَلِأَنَّ خَلْعَ النَّعْلَيْنِ أَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ، وَزِيُّ أَهْلِ التَّوَاضُعِ، وَاحْتِرَامُ أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ).(21)
وقال عبد الرحمن بن قاسم (رحمه الله) معلقاً على قول الماتن في زاد المستقنع: (ويكره ....والمشي بالنعل فبها) قال: (أي في المقبرة، لقوله صلى الله عليه وسلم لبشير بن الخصاصية «ألق سبتيتيك» رواه أبو داود، وقال أحمد: إسناده جيد ولأن خلع النعلين أقرب إلى الخشوع، وزي أهل التواضع، واحترام أموات المسلمين، وذكر ابن القيم أن إكرامها عن وطئها بالنعال، من محاسن هذه الشريعة، وقال: من تدبر نهيه عن الجلوس على القبر، والإتكاء عليه، والوطء عليه، علم أن النهي إنما كان احترامًا لساكنها، أن يوطأ بالنعال على رؤوسهم).(22)
• الفائدة السادسة: وهي فائدة منهجية:
يتبين في هذه الفائدة شدة وسرعة إستجابة الصحابة (رضي الله عنهم) لإمر رسول الله عليه الصلاة والسلام, وذلك من خلال تصرف ذلك الصحابي (رضي الله عنه) عندما سمع نداء الرسول (عليه الصلاة والسلام) له (.. إخلع نعليك ..) فبادر الصحابي الى خلعهما ولم يكتف بذلك بل رماهما, فرضي الله عنهم ماكان أسرعهم وأطوعهم إلى تنفيذ شرع الله جل ذكره. وهم الأسوة والقدوة لنا, فحري بنا أن نحذوا حذوهم ونقول سمعنا وأطعنا, ولانضرب للسنة الأمثال ولا نعارضها بالآراء.
إعتراضات وردها على ماتقدم من دلالة الحديث على عدم جواز المشي بين القبور بالنعال:
أورد البعض إعتراضات على دلالة الحديث المتقدمة وعللوا النهي بعلل غير صحيحة نذكر منها مايأتي:
• الإعتراض الأول:
قولهم ثبت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) كما في حديث أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (العَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ،..) الحديث(23)
فقالوا هذا الحديث يدل على جواز لبس النعال في المقابر.
والجواب: أن يقال لهم هذا الحديث ورد بباب الإخبار وحديث النهي في باب الأمر فيقدم الأمر كما هو مقرر في أصول الفقه. ثم الإخبار لا يستفاد منه جواز ولا عدمه حتى يعارض به هذا الحديث.
- قال السندي (رحمه الله): (وَكَذَا قد يبْحَث فِي دلَالَة هَذَا الحَدِيث(24) على الْجَوَاز بِأَن يُقَال لَا يلْزم من ذَلِك جَوَاز مشيهم بهَا فَإِنَّهُ يجوز أَنه ذكر ذَلِك صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم على عادات النَّاس وَلَا يلْزم من هَذِه الْحِكَايَة من غير إِنْكَار تَقْرِير مشيهم بهَا سِيمَا إِذا سبق مِنْهُ النَّهْي الَّذِي تقدم فعلى تَقْدِير تَسْلِيم دلَالَة الحَدِيث الْمُتَقَدّم على النَّهْي لَا يُعَارضهُ هَذَا الحَدِيث وَلَا يدل على خلافه وَالله تَعَالَى أعلم).(25)
- قال ابن قدامة (رحمه الله): (وَإِخْبَارُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ لَا يَنْفِي الْكَرَاهَةَ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ هَذَا مِنْهُمْ، وَلَا نِزَاعَ فِي وُقُوعِهِ وَفِعْلِهِمْ إيَّاهُ مَعَ كَرَاهِيَتِهِ.(26)
- قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: (لَيْسَ فِي الحَدِيث(27) سوى الْحِكَايَة عَمَّن يدْخل الْمَقَابِر، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي إِبَاحَة وَلَا تَحْرِيمًا، وَيدل على أَنه أمره بِالْخلْعِ احتراما للقبور لِأَنَّهُ نهى عَن الِاسْتِنَاد وَالْجُلُوس عَلَيْهَا).(28)
- وقال الشيخ عبد المحسن العباد (حفظه الله) جواباً على السؤال التالي:
السؤال: كيف الجمع بين حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (يا صاحب السبتيتين اخلع نعليك فقد آذيت)، وبين قوله صلى الله عليه وسلم: (إنه ليسمع قرع نعالكم)؟
الجواب: (لا يوجد تنافي بين هذا وهذا؛ لأن الناس في المقابر يبدءون بحفر القبور من مكان متأخر إلى أن يصلوا إلى الباب، فالناس يقبرون في أماكن متأخرة عن الباب، ثم بعد ذلك يمشون إلى أن يصلوا إلى الباب، ومن المعلوم أنهم إذا قبروا صاحب القبر ورجعوا في هذا المكان الذي ليس فيه قبور يمشون بنعالهم، أيضاً للإنسان أن يمشي بين المقابر إذا كان هناك طريق ليس فيه قبور، وأما المشي بين المقابر ولم يكن هناك ضرورة تلجئ إليه من رمضاء أو شوك أو حصى يلحق ضرراً بالإنسان فإن على الإنسان ألا يمشي بالنعال كما جاء في حديث صاحب السبتيتين).(29)
- قلت : ويحتمل أنهم كانوا واقفين عند حدود المقبرة ولم يخلعوا نعالهم فلما رجعوا سمع قرع نعالهم أو أنهم خلعوا نعالهم ودخلوا في المقبرة وعندما عادوا لبسوها خارج حدود المقبرة فسمع قرعها.
وعلى كل حال فدلالة الحديث على النهي باقية ولا معارض لها .
• الإعتراض الثاني:
قولهم : يحتمل أنه كان في تلك النعلين نجاسة, ولذلك فقد أمر (عليه الصلاة والسلام) بخلعهما لعلة القذر الذي بهما, أما نحن فأذا لم تكن في نعالنا نجاسة فلا وجه لخلعها.
والجواب: أن هذا القول تحكم بدون دليل وتقييد لما أطلقه الشارع بالرأي المجرد, ونصوص الشرع لايصح أن تعارض بالأراء ولا بالقياس ولا تضرب لها الأمثال.
- قال ابن حزم (رحمه الله): (وَقَالَ بَعْضُ مَنْ لَا يُبَالِي بِمَا أَطْلَقَ بِهِ لِسَانَهُ فَقَالَ: لَعَلَّ تَيْنِكَ النَّعْلَيْنِ كَانَ فِيهِمَا قَذَرٌ؟
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ قَطَعَ بِهَذَا فَقَدْ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ قَوَّلَهُ مَا لَمْ يَقُلْ، وَمَنْ لَمْ يَقْطَعْ بِذَلِكَ فَقَدْ حَكَمَ بِالظَّنِّ، وَقَفَا مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَكِلَاهُمَا خُطَّتَا خَسْفٍ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُمَا؟).(30)
• الإعتراض الثالث:
قولهم أن هذا النوع من النعال (السبتية) هي من زي أهل الترف والتنعم فلا يناسب أن يلبسا بين القبور, فلذلك أمر (صلى الله عليه وسلم) بخلعهما.
والجواب:
أن يقال إن هذا تحكم بغير دليل، وتعليل لإمر الشارع بمجرد الرأي بل هو تعليل خاطيء تماماً، فان هذه النعال السبتية ليست من زي أهل الترف والتنعم, فقد كان ابن عمر (رضي الله عنهما) يلبسها وأخبر أنه رأى رسول الله (عليه الصلاة ولسلام) يلبسها.
فقد أخرج البخاري ومسلم (رحمهما الله تعالى): (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّهُ قَالَ: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَصْنَعُهَا، قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ: رَأَيْتُكَ لاَ تَمَسُّ مِنَ الأَرْكَانِ إِلَّا اليَمَانِيَّيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْهِلاَلَ وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَمَّا الأَرْكَانُ: فَإِنِّي لَمْ «أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمَسُّ إِلَّا اليَمَانِيَّيْنِ»، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ: فَإِنِّي «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ النَّعْلَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا»، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ: فَإِنِّي «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْبُغُ بِهَا، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا»، وَأَمَّا الإِهْلاَلُ: فَإِنِّي «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ»(31)
- قال ابن حجر (رحمه الله تعالى):
(وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْهُمَا لِمَا فِيهِمَا مِنَ الْخُيَلَاءِ فَإِنَّهُ مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ إبن عُمَرَ كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَيَقُولُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَلْبَسُهَا وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ).(32)
- وكذلك رد الشيخ الألباني (رحمه الله) في أحكام الجنائز التعليل بالخيلاء بما رده به ابن حجر.(33)
- وأقول أخيراً: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. فقد تبين بالدليل الصحيح أن لبس النعال والمشي بها بين قبور المسلمين غير جائز إلا من عذر, وأقل أحواله الكراهة, فرحم الله مسلماً عرف هذا الحكم وعمل به, وأحيا سنة من سنن الرسول (عليه الصلاة والسلام) بعدما هجرها الناس وصارت نسياً منسياً.
والحمد لله الذي بعمته تتم الصالحات.
أبوحسام
7/7/1433
_____________________________
1 )) أخرجه الحاكم (8570) وقال على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، والدارمي (191)، وإبن وضاح (264).
صحيح : تحريم آلات الطرب (ص 16).
2)) سنن ابن ماجة (209)، صحيح لغيره : صحيح وضعيف ابن ماجة (209).
3)) أخرجه أحمد (6650)، صحيح: الصحيحة (1619) وصحيح الجامع (3921).
4)) أخرجه أبو داود (3230).
5)) أخرجه إبن ماجة (1568).
6)) أخرجه أحمد (20787).
7)) أخرجه النسائي (2048).
8)) وأخرجه إبن حبان (3170) والحاكم في مستدركه (1380) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأبو داود الطيالسي (1220) وألفاظهم متقاربة.
وحسنه الشيخ الالباني في الأرواء (760) وأحكام الجنائز (88).
9 )) حاشية السندي على سنن ابن ماجة (1/475).
10 )) نيل الأوطار (1479).
11 )) بستان الأحبار (1/517).
12 )) مجموع فتاوى ابن باز (13/355).
13 )) فتاوى نور على الدرب لابن باز (14/176).
14 )) فتاوى اللجنة الدائمة (9/123).
15 )) أحكام الجنائز (200).
16 )) المغني (2/420).
17 )) المغني (2/420).
18 )) أحكام الجنائز (200).
19 )) مجموع فتاوى ابن باز (13/355).
20 )) أحكام الجنائز (200).
21 )) المغني (2/420).
22 )) حاشية الروض المربع (3/130).
23 )) أخرجه البخاري (1338).
24 )) أي حديث سماع الميت قرع النعال.
25 )) حاشية السندي على سنن النسائي (2049).
26 )) المغني (2/420).
27 )) حديث سماع قرع النعال.
28 )) عمدة القاري (8/147).
29 )) موقع الشيخ عبد المحسن العباد.
30 )) المحلى (3/360).
31 )) البخاري (166) ومسلم (1187).
32 )) فتح الباري (3/206).
33 )) أحكام الجنائز (200).
|