عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 07-25-2012, 03:27 PM
بلال الجيجلي بلال الجيجلي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الجزائر- ولاية جيجل - حرسها الله من كل سوء-
المشاركات: 941
شكراً: 13
تم شكره 43 مرة في 40 مشاركة
افتراضي

فقه الحديث
فهذا النَّصُّ النَّبويُّ يشير إلى أصل في الشَّريعة عظيم، وهو النَّهي عن التَّشبُّه بغير المسلمين، فلا يجوز التَّشبُّه بالكفَّار والمنافقين والمبتدعة والعصاة والفسَّاق، وأنَّ التَّشبُّه المطلوب إنَّما هو بأهل الصَّلاح والخير والسَّداد ظاهرًا وباطنًا.
قال ابن رجب رحمه الله: «هذا يدلُّ على أمرين:
أحدهما: التَّشبُّه بأهل الشَّرِّ مثل أهل الكفر والفسوق والعصيان، وقد وبَّخ الله من تشبَّه بهم في شيء من قبائحهم، فقال تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ﴾ [التوبة:69]، وقد نهى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عن التَّشبُّه بالمشركين وأهل الكتاب...
الثَّاني: التَّشبُّه بأهل الخير والتَّقوى والإيمان والطَّاعة، فهذا حسنٌ مندوبٌ إليه، ولهذا يُشرع الاقتداء بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته وآدابه وأخلاقه، وذلك مقتضَى المحبَّة الصَّحيحة، فإنَّ المرء مع من أحبَّ، ولا بدَّ من مشاركتِه في أصلِ عمله، وإن قصَّر المحبُّ عن دَرجته...»([4]).
وقال شيخ الإسلام: «وهذا الحديث أقلُّ أحواله أن يقتضي تحريم التَّشبُّه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كُفرَ المتشبِّه بهم، كما في قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾»([5]).
قال ابن كثير رحمه الله: «فيه دلالة على النَّهي الشَّديد والتَّهديد والوعيد على التَّشبُّه بالكفَّار في أقوالهم وأفعالهم ولباسهم وأعيادهم وعباداتهم، وغير ذلك من أمورهم الَّتي لم تُشرع لنا ولا نُقرّر عليها»([6]).
ومن أراد أن يشبع نهمته ويقف على عظم هذا الموضوع وأهمِّيته وكيف حرص الإسلام على شخصيَّة المسلم وحماها من التَّميُّع والتَّفسُّخ وأرادها معتزَّة مميَّزة شامخة، فليرجع إلى كتاب شيخ الإسلام الموسوم بـ«اقتضاء الصِّراط المستقيم» فإنَّه ذكر فيه ما يزيد على ثلاثين آية من القرآن الكريم، وقرَّر عقب كلِّ آية وجه الدِّلالة منها على موضوع التَّشبُّه.
ثمَّ ذكر من الأحاديث النَّبويَّة الدَّالَّة على تحريم مشابهة أهل الكتاب ما يقارب من المائة حديث، مع التَّعليق عليها وذكر وجه الدِّلالة.
ثمَّ ذكر الإجماع على التَّحريم، وأعقب ذلك بالآثار، ثمَّ ذكر الاعتبار ما في بعضه كفاية؛ فحريٌّ بكلِّ مسلم طالب للنَّجاة والاستقامة أن يطالع هذا الكتاب فإنَّه مفيد جدًّا.
وإن كنتُ ـ أيَّها القارئ الحبيب ـ قد أحلتك على مليء إلاَّ أنَّ هذا لا يعفيني من أن أوجز لك بعض ما يمكن الظَّفر به من هذا الحديث من فوائد؛ فمن ذلك:
أنَّه مقتضى الاستقامة على الصِّراط المستقيم الَّذي يسأله العبد ربَّه كلَّ يوم في صلاته سبع عشرة مرَّة في الفرائض دون النَّوافل، فيقرأ قول الله تعالى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين﴾، فمعنى هذه الاستقامة هو لزوم طاعة الله ورسوله كما جاء ذلك واضحًا صريحًا في الآية الَّتي بيَّنت من هم هؤلاء المنعَم عليهم، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:69]، ومن علامات هذا الصِّراط أنَّه متميِّز وطريق مستقيم لا عِوَجَ فيه وسطٌ بين الغلوِّ والجفاء، وبين الإفراط والتَّفريط، قال العلماء: وأكَّد الله تعالى هذا التَّميُّز بـ «لا» ولم يكتف بالعطف، ليدلَّ على فساد كلاَ الطَّريقين سواء طريق اليهود أم طريق النَّصارى، «وللفرق بين الطَّريقتين، لتجتنب كلٌّ منهما؛ فإنَّ طريقة أهل الإيمان مشتملةٌ على العلمِ بالحقِّ والعملِ به، واليهود فقَدوا العمل، والنَّصارى فقدوا العلمَ؛ ولهذا كان الغضبُ لليهود، والضَّلال للنَّصارى؛ لأنَّ من علم وترك استحقَّ الغضب، بخلاف من لم يعلَم؛ والنَّصارى لمَّا كانوا قاصدين شيئًا لكنَّهم لا يهتدون إلى طريقه؛ لأنَّهم لم يأتُوا الأمرَ من بابه، وهو اتِّباع الرَّسول الحقِّ، ضلُّوا، وكلٌّ من اليهود والنَّصارى ضالٌّ مغضوبٌ عليه، لكن أخصُّ أوصاف اليهود الغضب كما قال فيهم: ﴿مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:60]، وأخصُّ أوصاف النَّصارى الضَّلال كما قال: ﴿قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيل﴾ [المائدة:77]» قاله ابن كثير في «تفسيره» (1/141).
وفي حديث عديّ بن حاتم قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اليَهُودَ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّ النَّصَارَى ضُلاَّلٌ»([7]) لأجل هذا تتابعت الأحاديث على الأمر بمخالفة هاتين الأمَّتين المنحرفتين عن الصِّراط السَّويِّ في أمور كثيرة عديدة، فمثلا قال صلى الله عليه وسلم: «خَالِفُوا المُشْرِكِينَ احْفُوا الشَّوَارِبَ، وَأرْخُوا اللِّحَى»، وقال: «إنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى لاَ يَصْبِغُونَ فَخَالِفُوهُمْ»...
فلم يكتف النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالنَّهي عن مشابهتهم بل أمر بمخالفتهم، وهذا يقتضي أن يكونَ جنسُ مخالَفتِهم أمرًا مقصودًا للشَّارع ـ كما قال شيخُ الإسلام ـ، بل هو مُقتضَى الاستقامةِ على الصِّراطِ المستقيم([8]).
لهذا حرص النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم نفسه على مخالفة اليهود وسائر المشركين في كلِّ أمورهم؛ ففي «صحيح مسلم» (302): أنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا بلغه صنيعهم مع المرأة الحائض قال: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلاَّ النِّكَاح»، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يُريد هذا الرَّجلُ أن يَدع من أمرنا شيئًا إلاَّ خالَفنا فيه».
فلم يكن صلى الله عليه وسلم يدع شيئًا ممَّا يمكنه مخالفتهم إلاَّ خالفهم فيه وأظهر المخالفةَ، لذا ينبغي لكلِّ مسلم مُعتزٍّ بدينه أن يقصد مخالفة الكفَّار من اليهود والنَّصارى وغيرهم في كلِّ ما يُمكنه أن يخالفَهم فيه ولا يتشبَّه بهم أبدًا خاصَّة فيما هو من خصائصهم ومميِّزاتهم وشعاراتهم، ليتميَّز المسلم بشخصيَّته الفذَّة.
ومع توارد هذه النُّصوص النَّاهية الزَّاجرة عن مشابهتهم والآمرة بإظهار مخالفتهم إلاَّ أنَّ الواقف على حال الأمَّة اليوم يجد أكثر المسلمين قد تهافتوا على كلِّ ما يأتيهم من الغرب الكافر الملحد من غثٍّ وسمين وفُتِنُوا بكلِّ ما تَدُرُّ عليهم مخابرُ أوربا وأمريكا من أنواع (الموضة) والأزياء والهيئات حتَّى غدونا لا نفرِّق بين مسلم وكافر في الظَّاهر لشدَّة الموافقة والمشابهة والمشاكلة والمطابقة؛ فانظر إلى أنواع الألبسة وألوانها الَّتي تزيَّا بها شبابُنا وفَتياتنا، وأنواع القصَّات الشَّعريَّة الَّتي رسموا بها رؤوسهم وأحيانًا لحاهم في صور تتقزَّز منها النُّفوس السَّويَّة والأذواق المستقيمة، فما كان بالأمس محلّ هزء وسخريَّة يصير اليوم (موضة)، وما هو اليوم موضة يصير بعد غد شيئًا باليا مطّرحا، وهكذا دواليك..، وشبابنا منساقون وراء هذا السَّراب، بل مروِّجون لكلِّ هذا الخراب، فأعلنُوا القطيعَةَ مع الأصَالة، ورفعُوا شِعار العَصرنة والحَدَاثة، لا يرونَ الحياةَ تَسعدُ إلاَّ إذا كانت على النَّمط الغربيِّ الأوربي، ومُتابعتِه في كلِّ ما يأتي ويَذَرُ، وهم بهذا يتحقَّق فِيهم ما أخْبر به الصَّادق المصدوق صلى الله عليه وسلم حيث قال: «لتتَّبعنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ؛ قالوا: يا رسُول الله! اليهودَ والنَّصارى؟ قال: فَمَنْ!؟»([9]).
والسَّنَنُ: هو الطَّريق، قال النَّوويُّ: «والمرادُ بالشِّبر والذِّراع وجحر الضَّبِّ: التَّمثيل بشدَّة الموافقة لهم في المعَاصي والمخَالَفات».
فانظر ـ رحمك الله ـ إلى واقعنا اليوم لتعلم يقينًا صدق هذا الخبر النَّبوي الكريم، حيث صار تقليد اليهود والنَّصارى ومشابهتهم في هيئاتهم وملابسهم وأشكالهم هو السِّمة الظَّاهرة والعادة المنتشرة، فأضحى المتمسِّك بالمظاهر الإسلاميَّةِ من ملبس وهيئة وسَمْتٍ يعدُّ شاذًّا مخالفًا لعُموم النَّاس، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله من تقلُّب الأحوال، وتحوُّل الأفهام.
إلاَّ أنَّ المتمسِّكَ بسنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم والسَّائرَ على هديه ينبغِي أن لا يهينَ قلبُه ولا يَلين عزمُه وأن يثبُتَ على دَربه، ولا يغترَّ بكثرةِ الواقِعين في حَمْأة المشابهة للكفَّار، ولا يَستوحش بقلَّة المعتزِّين بمظاهر الإسلام، ويَستأنس بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ الله وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ»([10]).
قال ابن تيمية رحمه الله: «فعُلم بخبرِه الصِّدقِ أن لا بدَّ أن يكون في أمَّته قومٌ متمسِّكين بهديه الَّذي هو دينُ الإسلام محضًا، وقومٌ منحرفين إلى شُعبة من شُعَب دين اليهودِ أو إلى شُعبة من شُعَب دين النَّصَارى، وإن كان الرَّجلُ لا يكفُر بهذا الانحراف، بل وقد لا يفسُق أيضًا، بل قد يكونُ الانحراف كفرًا، وقد يكونُ فسقًا، وقد يكون سيِّئةً، وقد يكون خطأً.
وهذا الانحراف أمرٌ تتقاضاه الطِّباع، ويُزيِّنُه الشَّيطان، فلذلك أُمِر العبدُ بدوامِ دُعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامةِ الَّتي لا يهوديَّةَ فيها، ولا نَصرانيَّةَ أصلاً»([11]).
والَّذي يدعو إلى العَجَبِ أنَّه كيف آثر المسلمون اليوم النُّزول من الأعلى إلى الأدنى، ورضوا لأنفسهم الذُّلَّ والهوان، وأبوْا إلاَّ أن يشابهوا الكفَّار الفجَّار في هيئاتهم وألبستهم وأشكالهم وشعاراتهم، وحقَّروا أمر هذا النَّوع من التَّشبُّه، وما علم هؤلاء المستهينون بهذا التَّشبُّه الظَّاهري أنَّه داء قاتل للشَّخصيَّة الإسلاميَّة؛ لأنَّه يَسْري إلى القلب والعَقل والبَاطن، فيصيب الإيمان والفكر والتَّصوُّر؛ وإليك أخي القارئ بعض المفاسد الَّتي عدَّدها العلماء من جرَّاء هذا التَّشبُّه في الظَّاهر:
ـ أنَّ المشابهة في الهدي الظَّاهر ـ وهو المظهر والسُّلوك ـ تُورِثُ المشابهة في الباطن؛ قال ابن القيِّم رحمه الله: «وَسِرُّ ذلك: أَنَّ المشَابَهَةَ في الهدي الظَّاهِرِ ذَرِيعَةٌ إلَى الموَافَقَةِ في القَصْدِ وَالعَمَلِ»([12]).
وقال السَّعدي رحمه الله في «بهجة قلوب الأبرار» (ص146): «فإنَّ التَّشبُّه الظَّاهر يدعو إلى التَّشبُّه الباطن، والوسائل والذَّرائع إلى الشُّرور قَصَد الشَّارعُ حَسمها من كلِّ وجه».
ـ أنَّ المشابهة في الظَّاهر تولِّد في نفس المتشَبِّه حبًّا للمتشبَّه به ومودَّةً، وهذا يخدش في أصل عظيم من أصول عقيدة المؤمن وهو قاعدة الولاء والبراء.
ـ أنَّ المشاركة في الهدي الظَّاهر تورث تناسبًا وتشَاكُلاً بين المتشابهين تعود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال وهذا أمر محسوس؛ فإنَّ لابس ثياب الرِّياضيِّين مثلاً يجد من نفسِه نوعَ انضمام إليهم، ولابس ثياب الجند المقاتلة مثلاً يجد من نفسه نوع تخلُّق بأخلاقهم، وتصير طبيعته منقادة لذلك إلاَّ أن يمنعه مانع([13]).
ـ أنَّ المخالفة في الهدي الظَّاهر تُوجب مبايَنةً ومفارقةً توجب الانقطاع عن موجباتِ الغضب وأسباب الضَّلال والانعطاف على أهل الهدى والرِّضوان.
ـ أنَّ مشاركتهم في الهدي الظَّاهر تُوجب الاختلاطَ الظَّاهر حتَّى يرتفعَ التَّمييز ظاهرًا بين أهل الإسلام المهديِّين المرضيِّين، وبين أهل الكفر المغضوب عليهم والضَّالِّين.
ـ أنَّ نفس المخالفة لهم في الهدي الظَّاهر مصلحةٌ ومنفعةٌ لعباد الله المؤمنين، لما في مخالفتهم من المجانبة والمباينة الَّتي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم.
وأخيرًا أقول: إنَّ الَّذي يدفع بالمسلم اليوم ليتشبَّه بغيره من الكفَّار هو شعوره بـ(الدُّونيَّة) و(الانهزاميَّة) الَّتي ضربت بأطنابها على النُّفوس، وسبب ذلك أمران:
ـ الانبهار بالحضارة الغربية.
ـ والجهل بحقائق الإسلام.
ولو رجعنا بحقٍّ وصدق إلى ديننا لأعزَّنا الله بعزِّه، ورفع عنَّا كلَّ ذُلٍّ أحاط بنا بقدرته، فالله تعالى أخبر عن الكفَّار فقال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُون﴾ [الروم:7]، فلا يعدو علمهم أن يكون ظاهرًا من الحياة الدُّنيا الفانية الزَّائلة، وقال تعالى عنهم: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُون﴾ [الأنفال:59]، وقال تعالى: ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَد مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَاد﴾[آل عمران: 196 ، 197].
فمن نوَّر الله قلبه بنور العلم والإيمان وحقائق الإسلام سيظهر له سوء الكفر وبشاعته، وأنَّه مرض ضرره أشدُّ من ضرر أمراض البدن، فالمصلحة كلَّ المصلحة في عدم التَّشبُّه بالمغضوب عليهم والضَّالين.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ عدمَ التَّشبُّه بالكفَّار لا يَعني عدم الاستفادة ممَّا عندهم اليوم من صناعات متطوِّرة، وعلوم حديثة، وتكنولجيا عالية، بل هذا أمر آخر لا علاقة له بموضوع التَّشبُّه؛ لأنَّها ليست ممَّا اختصُّوا به، بل هي علوم مشتركَةٌ بين جميع البشر يحُوزها من حَرص عليها وجدَّ واجتهد في تحصيلها لا فرق في ذلك بين مسلم وكافر.
كما لا يمنع أبدًا أن نستوردَ منتوجاتهم ونقتنيَ سِلَعهم وآلاتهم المباحة النَّافعة، ونتعامل معهم في ذلك، وإنَّما المحذور أن نستورد عاداتهم وأخلاقهم وأعيادهم وسلوكاتهم، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله.
([1]) انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (1/ 319) .
([2]) انظر: «العلل» للدَّارقطني (9/ 272).
([3]) انظر: «سؤالات الآجري لأبي داود» (1682).
([4]) «الحكم الجديرة بالإذاعة» (ص50-56).
([5]) «اقتضاء الصِّراط المستقيم» (ص270).
([6]) «تفسير ابن كثير» (1/ 374).
([7]) أخرجه التِّرمذي (2954)، وقال: «حسن غريب»؛ وصحَّحه الألباني في «صحيح الجامع» (8202).
([8]) لأجل هذا سمَّى شيخ الإسلام رحمه الله كتابه «اقتضاءُ الصِّراطِ المستقِيم مخالفةَ أصحَابِ الجَحيم».
([9]) أخرجه البخاري (3269)، ومسلم (2669).
([10]) أخرجه البخاري (3442).
([11]) «اقتضاء الصِّراط المستقيم» (ص6).
([12]) «إعلام الموقِّعين» (3/ 152).
([13]) «اقتضاء الصِّراط المستقيم» (1/ 79).

منقول من موقع راية الإصلاح.
رد مع اقتباس