عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 08-28-2012, 12:39 PM
بلال الجيجلي بلال الجيجلي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الجزائر- ولاية جيجل - حرسها الله من كل سوء-
المشاركات: 941
شكراً: 13
تم شكره 43 مرة في 40 مشاركة
افتراضي

الوقفة الخامسة / عن الجهر بالدعاء بعد صلاة الفريضة.

الدعاء بعد الانتهاء من صلاة الفريضة يكون بين الإنسان وبين نفسه، ولا يجهر به.
ويدل على هذا ما يأتي:
أولاً: قول الله تعالى في سورة الإسراء: { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا }.
وقد أخرج البخاري (6327) ومسلم (447) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ في قوله عز وجل: (( { وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا } قَالَتْ: أُنْزِلَ هَذَا فِي الدُّعَاءِ )).
وقال الإمام محمد بن إدريس الشافعي القرشي ـ رحمه الله ـ في كتابه "الأم"(1/242):
يعنى: والله تعالى أعلم الدعاء، ولا تجهر: ترفع، ولا تخافت حتى لا تسمع نفسك.اهـ
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي البغدادي ـ رحمه الله ـ في كتابه "فتح الباري"(5/ 238-239):
وأما الدعاء، فالسنة إخفاؤه.
وفي "الصحيحين" عن عائشة في قوله تعالى: (( { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} أنها نزلت في الدعاء )).
وكذا روي عن ابن عباس وأبي هريرة، وعن سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة وعروة ومجاهد وإبراهيم وغيرهم.
وقال الإمام أحمد: ينبغي أن يسر دعاءه، لهذه الآية. قال: وكان يكره أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء.
وقال الحسن: (( رفع الصوت بالدعاء بدعة )).
وقال سعيد بن المسيب: (( أحدث الناس الصوت عند الدعاء )).
وكرهه مجاهد وغيره.
وروى وكيع عن الربيع عن الحسن، والربيع عن يزيد بن أبان عن أنس: (( أنهما كرها أن يُسمع الرجل جليسه شيئاً من دعائه )).
وورد فيه رخصةٌ من وجهٍ لا يصح.اهـ
ثانياً: ما أخرجه البخاري (2992) واللفظ له، ومسلم (2704) عن أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: (( كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَيْسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهُوَ مَعَكُمْ )).
قال أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال المالكي ـ رحمه الله ـ " شرح صحيح البخاري"(5/152):
قال الطبري:
في هذا الحديث من الفقه: كراهية رفع الصوت بالدعاء، وهو قول عامة السلف من الصحابة والتابعين.اهـ
وقال أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج ـ رحمه الله ـ في كتابه "المدخل"(2/280):
وأما الدعاء في السر فهو جائز أو مندوب بحسب الحال، وعلى هذا درج السلف والخلف ـ رضي الله عنهم ـ.اهـ
وقال أبو زكريا محي الدين يحيى بن شرف النووي الشافعي ـ رحمه الله ـ في "شرح صحيح مسلم"(17/ 29-30 عند حديث رقم:2704):
فيه الندب إلى خفض الصوت بالذكر إذا لم تدع حاجة إلى رفعه، فإنه إذا خفضه كان أبلغ في توقيره وتعظيمه.اهـ
وقال في كتابه "المجموع"(3/469):
وهكذا قال أصحابنا: أن الذكر والدعاء بعد الصلاة يستحب أن يسر بهما إلا أن يكون إماماً يريد تعليم الناس فيجهر ليتعلموا، فإذا تعلموا وكانوا عالمين أسرَّه، واحتج البيهقي وغيره في الإسرار بحديث أبي موسى الأشعري ...اهـ
وقال علي بن سليمان المرداوي الحنبلي ـ رحمه الله ـ في " تصحيح الفروع"(1/ 455 ـ مع الفروع):
وقال المجد في "شرحه":
ويستحب للإمام أن يخفي الدعاء عَقِيب الصلاة لظاهر هذا الخبر، وذَكَرَه، ولقوله تعالى: { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً } وقوله تعالى: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً } وإن جهر به أو ببعضه أحياناً ليعلمه من يسمعه، أو لقصد صحيح سوى ذلك فحسن.اهـ
وقال ابن أبي شيبة ـ رحمه الله ـ في "مصنفه"(29671و8461):
حدثنا وكيع عن مبارك عن الحسن، قال: (( كَانُوا يَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاءِ وَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا )).
وإسناده حسن.
وقال أيضاً (29669و8458):
حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي هاشم عن مجاهد: (( أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي الدُّعَاءِ فَرَمَاهُ بِالْحَصَى )).
وإسناده صحيح.
ثالثاً: أن الجهر بالدعاء بعد الصلاة لا يصح به حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أثر عن السلف الصالح وعلى رأسهم الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ.
فقد قال الحافظ ابن رجب الحنبلي البغدادي ـ رحمه الله ـ في كتابه "فتح الباري"(5/ 254-255):
وقد ذكرنا فيما تقدم حديث دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عقب الصلاة جهراً، وأنه لا يصح، ولم يصح في ذلك شيءٌ عن السلف.
والمنقول عن الإمام أحمد أنه كان يجهر ببعض الذكر عقب الصلاة، ثم يسر بالباقي، ويعقد التسبيح والتكبير والتحميد سراً، ويدعو سراً.اهـ
وقال أيضاً (5/ 239-240):
وورد فيه رخصةٌ من وجهٍ لا يصح.
خرَّجه الطبراني من رواية أبي موسى: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح يرفع صوته حتى يسمع أصحابه، يقول: اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري - ثلاث مرات - اللهم أصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي - ثلاث مرات ـ اللهم أصلح لي آخرتي التي جعلت إليها مرجعي ـ ثلاث مراتٍ - )) وذكر دعاء آخر.
وفي إسناده: يزيد بن عياضٍ، متروك الحديث. وإسحاق بن طلحة، ضعيفٌ.
فأما الحديث الذي خرَّجه مسلم وغيره عن البراء بن عازب قال: (( كنا إذا صلينا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه ليقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: رب قني عذابك يوم تبعث عبادك )).
فهذا ليس فيه أنه كان يجهر بذلك حتى يسمعه الناس، إنما فيه أنه كان يقوله بينه وبين نفسه، وكان يسمعه منه أحياناً جليسه، كما كان يسمع منه من خلفه الآية أحياناً في صلاة النهار.اهـ
وقال الإمام ابن تيمية الحرَّاني ـ رحمه الله ـ كما في " مختصر الفتاوى المصرية"(ص40):
وكذلك التثويب بين الأذان والإقامة لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بل كرهه أكثر الأئمَّة والسَّلف وعدوة بدعة، وكذلك الجهر بالدُّعاء عقيب الصلوات.اهـ

الوقفة السادسة / عن دعاء الإمام للمأمومين بعد الانتهاء من صلاة الفريضة وتأمينهم على دعائه.

قال شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي المصري المالكي ـ رحمه الله ـ في كتابه "الفروق"(4/444 عند الفرق رقم:274):
كما كره مالك وجماعة من العلماء ـ رحمهم الله ـ لأئمة المساجد والجماعات الدعاء عقيب الصلوات المكتوبات جهراً للحاضرين.اهـ
وقال الحافظ ابن رجب البغدادي الحنبلي ـ رحمه الله ـ في كتابه "فتح الباري"(5/ 255):
ومن الفقهاء من يستحب للإمام الدعاء للمأمومين عقب كل صلاة، وليس في ذلك سنة، ولا أثر يتبع، والله أعلم.اهـ
وقال الإمام ابن تيمية الحرَّاني ـ رحمه الله ـ كما في "جامع المسائل"(4/ 316 طبعة: دار عالم الفوائد، تمويل مؤسسة الراجحي):
ومنهم: من يدعو هو والمأمومون رافعين أيديهم وأصواتهم، وهذا أيضًا خلافُ السنة.اهـ
وقال العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المالكي ـ رحمه الله ـ في "الفتاوى"(ص:127-128):
إن دعاء الإمام للجماعة في أدبار الصلوات ليس في السنة ما يعضده، بل فيها ما ينافيه، فإن الذي يجب الاقتداء به سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، والذي ثبت عنه من العمل بعد الصلوات:
إما ذكر مجرد لا دعاء فيه، كقوله: (( اللهم لا مانع لما لا أعطيت )) وأشباه ذلك.
وإما دعاء يخص به نفسه، كقوله: (( اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت )) وأشباهه.
ولم يثبت أنه دعا للجماعة، وما زال كذلك مدة عمره، ثم الخلفاء الراشدون بعده، ثم السلف الصالح.اهـ
وقال في كتابه "الاعتصام"(2/ 452-454):
لأن حاله - عليه السلام - في أدبار الصلوات مكتوبات أو نوافل كانت بين أمرين:
إما أن يذكر الله تعالى ذكراً هو في العرف غير دعاء، فليس للجماعة منه حظ إلا أن يقولوا مثل قوله أو نحواً من قوله، كما في غير أدبار الصلوات، كما جاء أنه كان يقول في دبر كل صلاة: " لا أله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير ...". ونحو ذلك، فإنما كان يقوله في خاصة نفسه، كسائر الأذكار، فمن قال مثل قوله فحسن، ولا يمكن في هذا كله هيئة اجتماع.
وإن كان دعاء، فعامة ما جاء من دعائه - عليه السلام - بعد الصلاة مما سُمع منه إنما كان يخص به نفسه دون الحاضرين، كما في الترمذي ...اهـ
ثم ذكر خمسة من الأدعية التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقولها بعد سلامه من الصلاة، وقال:
فتأملوا سياق هذا الأدعية كلها مساق تخصيص نفسه بها دون الناس.اهـ
وقال الإمام محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ في كتابه "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة"(6/ 60 رقم:2544):
وجملة القول:
إنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه بعد الصلاة إذا دعا.
وأما دعاء الإمام وتأمين المصلين عليه بعد الصلاة، كما هو المعتاد اليوم في كثير من البلاد الإسلامية، فبدعة لا أصل لها، كما شرح ذلك الإمام الشاطبي في "الاعتصام" شرحاً مفيداً جداً لا أعرف له نظيراً، فليراجع من شاء البسط والتفصيل.اهـ
وقال الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز ـ رحمه الله ـ كما في "فتاوى نور على الدرب"(9/ 179-180) إجابة على سؤال نصه:
" الإمام يدعو والجماعة يقولون: آمين، فما حكم ذلك في الشرع؟".
الجواب: لا نعلم له أصلاً في الشرع، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك إذا صلى الفجر أو الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء، ما كان يفعل هذا الذي سألت عنه، وهو: "رفع اليدين، والدعاء من الإمام والمأمومين".
هذا شيء لا أساس له، ولا يشرع، بل هو بدعة، إذ لو كان مشروعاً لنقله الصحابة، وبينوه لنا عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ،.
ثم لو كان مشروعاً قد فعله النبي صلى الله عليه وسلم لفعله الصحابة أيضاً، كالخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة، ولم يثبت عنهم فيما نعلم أنهم فعلوا ذلك، ولا أنهم نقلوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فوجب تركه.
والإنسان إذا أحب أن يدعو، يدعو بينه وبين نفسه، من دون رفع اليدين، ومن دون الاجتماع مع الإمام، بل كما جاءت به الأحاديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا بعد السلام بالذكر المعروف عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ، لكنه لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه بعد السلام من الفريضة، ولا أنه دعا وأمَّن معه المأمومون، والخير في اتباعه ـ عليه الصلاة والسلام ـ.
وهذه أمور ظاهرة يعلمها الناس، ويراها الناس، فلو فعل شيئاً من هذا لنقله الصحابة وعرفوه ـ رضي الله عنهم وأرضاهم ـ فالواجب ترك ذلك، لأنه لم ينقل عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، والخير في اتباعهم وسلوك سبيلهم ـ رضي الله عنهم ـ.اهـ
وقال الإمام محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ كما في "مجموع فتاوى ورسائل فضيلته"(13/ 258):
وأما الدعاء أدبار الصلوات ورفع اليدين فيه فإن كان على وجه جماعي، بحيث يفعله الإمام ويؤمن عليه المأمومون، فهذا بدعة بلا شك.
وإن كان على وجه انفرادي فما ورد به النص فهو سنة، مثل الاستغفار ثلاثاً، فإن الاستغفار طلب المغفرة وهو دعاء، ومثل قول: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"، عند من يرى أن ذلك بعد السلام، ومثل قول: "رب أجرني من النار سبع مرات" بعد المغرب والفجر، إلى غير ذلك مما وردت به السنة.اهـ
وقال أيضاً (13/273-274):
دعاء الإمام بعد الصلاة بصوت جهوري، وتأمين المأمومين عليه من البدع المنكرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفاءه الراشدين، وسائر الأئمة، والمحققين من أتباعهم لم يفعلوها ولم يروها مشروعة.اهـ
وقال العلامة محمد علي آدم الإتيوبي ـ سلمه الله ـ في "شرح سنن النسائي"(15/385 رقم:1347):
وأما ما اعتاده الناس في كثير من البلدان:
من الدعاء الجماعي بعد الصلاة، بأن يدعو الإمام أو غيره ويؤمن القوم، فلم يصح له دليل، ولا هو منقول عن السلف، كما تقدم عن الحافظ ابن رجب ـ رحمه الله تعالى ـ فالحذر كل الحذر من إحداث ما لم يكن في عهد السلف، فإن ذلك بلا ريب سبب التلف.اهـ

الوقفة السابعة / عن تخصيص الدعاء بعد الفريضة بصلاتين لا تنفل بعدهما وهما العصر والفجر.

قال العلامة أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي الشافعي ـ رحمه الله ـ في كتابه "المجموع"(3/ 465):
وأما ما اعتاده الناس أو كثير منهم من تخصيص دعاء الامام بصلاتي الصبح والعصر فلا أصل له، وإن كان قد أشار إليه صاحب "الحاوي" فقال: إن كانت صلاة لا يتنفل بعدها كالصبح والعصر استدبر القبلة واستقبل الناس ودعا، وان كانت مما يتنفل بعدها كالظهر والمغرب والعشاء فيختار أن يتنفل في منزله، وهذا الذى أشار إليه من التخصيص لا أصل له، بل الصواب استحبابه في كل الصلوات.اهـ
وقال الإمام محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية ـ رحمه الله ـ في كتابه "زاد المعاد في هدي خير العباد"(1/ 249):
وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر فلم يفعل ذلك هو، ولا أحد من خلفائه، ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان، رآه من رآه عوضاً من السنة بعدهما، والله أعلم.اهـ
وقال الإمام ابن تيمية الحرَّاني ـ رحمه الله ـ كما في "مجموع الفتاوى"(22/ 517):
ومنهم من يستحب ذلك عقيب الفجر والعصر، كما ذكر ذلك طائفة من أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم، ولم يكن معهم في ذلك سنة يحتجون بها، وإنما احتجوا بكون هاتين الصلاتين لا صلاة بعدهما.اهـ
وقال ابن سيّد الناس اليعمري الشافعي ـ رحمه الله ـ في كتابه " النفح الشذي شرح جامع الترمذي"(4/ 563):
قد ذكرنا استحباب الذكر والدعاء للإمام والمأموم المنفرد، وهو مستحب عقيب الصلوات كلها بلا خلاف، وأما من خص ذلك بصلاتي الصبح والعصر فلا أصل له.اهـ
وقال العلامة شمس الدين ابن مفلح المقدسي الحنبلي ـ رحمه الله ـ في كتابه "الفروع"(1/ 454):
ويدعو الإمام بعد الفجر والعصر لحضور الملائكة فيها، فيؤمنون على الدعاء، والأصح وغيرهما، جزم به صاحب "المحرر" وغيره.اهـ
ويؤكد بطلان هذا التخصيص:
ما أخرجه الإمام أحمد (22119و22126) والبخاري في "الأدب المفرد"(690) واللفظ له، وأبو داود (1522) والنسائي (1303) وابن خزيمة (751) والحاكم (1010 و 5194 ) وابن حبان (2021) عن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: (( أَخَذَ بِيَدِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ، قُلْتُ: وَأَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّكَ، قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهَا فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاتِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ )).
وقد صححه:
ابن خزيمة والحاكم وابن حبان والنووي والذهبي وابن حجر العسقلاني وابن الخطيب الشربيني وابن باز والألباني والوادعي ومحمد علي آدم الإتيوبي.
وقال الهيثمي - رحمه الله -: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير موسى بن طارق وهو ثقة.اهـ
وقال عبد الرحمن بن قاسم – رحمه الله -: سنده جيد.اهـ
ووجه الاستدلال منه:
أن قوله صلى الله عليه وسلم: (( تَقُولُهَا فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاتِكَ )) عام، فتدخل فيه جميع الصلوات الخمس المكتوبة، التي يُتنفل بعدها والتي لا يتنفل، لأن "كل" من صيغ العموم.

الوقفة الثامنة / عن رفع اليدين عند الدعاء بعد الانتهاء من صلاة الفريضة.

وجدت لأهل العلم في رفع اليدين عند الدعاء بعد الانتهاء من صلاة الفريضة ثلاثة مسالك:
المسلك الأول: أن الأيدي ترفع.
وإلى هذا المسلك ذهب: القسطلاني في "إرشاد الساري شرح صحيح البخاري"(ص:73- من كتاب "نُزل الأبرار بالعلم بالمأثور من الأدعية والأذكار") والحلواني الحنفي كما في "مراقي الفلاح شرح متن نور الإيضاح"(ص:119-120) وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر بافضل الحضرمي السعدي الشافعي في "المقدمة الحضرمية"(ص73) ومحمد صديق حسن خان القنوجي البخاري في رسالته: "الفاكهة العريضة في جواز رفع اليدين عند الدعاء بعد الفريضة"(ص:521-527 ـ من كتابه "دليل الطالب على أرجح المطالب") وفي كتابه: "نزل الأبرار بالعلم بالمأثور من الأدعية والأذكار"(ص73) وأبي العلا المباركفوري في كتابه "تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي"(2/170-174 عند حديث رقم:299) ومحمد هاشم التَّتوي السندي في رسالته: "التحفة المرغوبة في أفضلية الدعاء بعد المكتوبة" ومحمد بن عبد الرحمن الأهدل الزبيدي في رسالته: "سنية رفع اليدين بعد الصلوات المكتوبة".
واحتج أهل هذا المسلك بعموم أحاديث الرفع ومطلقاتها التي تشمل ما بعد الفريضة حتى يقوم دليل على إخراجها.
ومن هذه الأحاديث:
أولاً: ما أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه"(1015) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } وَقَالَ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ )).
ثانياً: ما أخرجه الإمام أحمد (23715) وأبو داود (1488) واللفظ له، والترمذي (3556) وابن ماجه (3865) وابن حبان (876) والحاكم (1830و 1832) وغيرهم عن سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ، أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا )).
وقال الترمذي والبغوي ـ رحمهما الله ـ عقبه: حديث حسن غريب.اهـ
وقال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في كتابه" بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية"(4/502):
رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن غريب، قال: ورواه بعضهم ولم يرفعه، وهذا لا يضر.اهـ
وقال ابن حجر العسقلاني ـ رحمه الله ـ في "فتح الباري"(11/143): وسنده جيد.اهـ
وقال في "الأمالي الحلبية"(3) عقب حديث جابر:
هذا حديث غرِيب من هذا الوجه والمتن حسن.اهـ
وقال المناوي ـ رحمه الله ـ في "التيسير بشرح الجامع الصغير" (1/251): إسناده جيد.اهـ
وصححه: الحاكم وابن حبان والذهبي والألباني وابن باز.
وقال ابن رجب الحنبلي ـ رحمه الله ـ في كتابه "جامع العلوم والحكم"(1/270 عند الحديث العاشر):
وروي نحوه من حديث أنس وجابر وغيرهما.اهـ
ومن كلام أهل هذا المسلك:
ما قاله العلامة صديق حسن القَنوجي البخاري الهندي ـ رحمه الله ـ في رسالة له طبعت في كتابه "دليل الطالب على أرجح المطالب"(ص:525-526) بعنوان:
" الفاكهة العريضة في جواز رفع اليدين عند الدعاء بعد الفريضة ":
رفع اليدين في الدعاء ثابت بكل من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله مطلقاً، لا مقيداً بالفريضة لا نفياً ولا إثباتاً، فعموم الأدلة ومطلقاتها تشمل الفريضة حتى يقوم دليل على تخصيصها.اهـ
وقال في كتابه: "نزل الأبرار بالعلم بالمأثور من الأدعية والأذكار"(ص73):
والحاصل أن رفع اليدين في الدعاء، أيّ دعاء كان، وفي أي وقت كان، بعد الصلوات الخمس أو غيرها، أدب من أحسن الآداب، دلَّت عليه الأحاديث عموماً وخصوصاً، ولا يضر ثبوت هذا الأدب عدم رواية الرفع في الدعاء بعد الصلاة، لأنه كان معلوماً لجميعهم، فلم يعتنوا بذكره في هذا الحين.اهـ
ومن باب الزيادة:
فقد جاء في كتاب "البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة"(17/ 132) لأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي المالكي ـ رحمه الله:
في رفع اليدين في الدعاء قال مالك:
(( رأَيت عامر بن عبد الله بن الزبير يرفع يديه وهو جالس بعد الصلاة يدعو )).
فقيل له: أَترى بذلك بأساً؟ قال: لا أرى بذلك بأساً.
قال الإمام القاضي:
إجازة مالك في هذه الرواية لرفع اليدين في الدعاء عند خاتمة الصلاة نحو قوله في "المدونة"، لأنه أَجاز فيها رفع اليدين في الدعاء، في مواضع الدعاء، كالاستسقاء، وعرفة، والمشعر الحرام، لأن خاتمة الصلاة موضع للدعاء.
واختلف قوله في "المدونة" في المقامين عند الجمرتين، فرآه في كتاب "الصلاة" من مواضع الدعاء ترفع الأيدي فيهما، ولم يره في كتاب "الحج الأول" من مواضع الدعاء التي ترفع الأيدي فيها.
وسئل: في رسم يتخذ الخرقة لفرجه من سماع ابن القاسم من كتاب "الصلاة" عن رفع اليدين في الدعاء؟. فقال: ما يعجبني.
فظاهره خلاف لما في هذه الرواية، ولما في "المدونة"، وقد يحتمل أن يتأول ذلك على أنه إنَّما أراد الدعاء في غير مواضع الدعاء، ولذلك قال: إِنَّه لا يعجبه رفع اليدين في ذلك.اهـ
المسلك الثاني: أنها لا ترفع.
واختاره: الإمام ابن تيمية الحرَّاني ـ كما في "جامع المسائل"(4/ 316 طبعة: دار عالم الفوائد، تمويل مؤسسة الراجحي) وتلميذه العلامة ابن قيم الجوزية كما في كتاب: "نزل الأبرار بالعلم بالمأثور من الأدعية والأذكار"(ص:73) وعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب وابنه عبد اللطيف وسليمان بن سحمان وصالح بن محمد الشثري كما في "الدرر السَّنية في الأجوبة النجدية"(4/ 315-317) وعبد العزيز بن عبد الله بن باز كما في "فتاوى نور على الدرب"(9/ 179-178 و196 و207) ومحمد ناصر الدين الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة وأثرها السيء على الأمة"(6/ 60 رقم:2544) ومحمد بن صالح بن عثيمين كما في "مجموع فتاوى ورسائل فضيلته"(13/ 281) وصالح بن فوزان الفوزان في كتابه "الملخص الفقهي"(1/ 159) وبكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه "تصحيح الدعاء"(ص:437و438) وعبد المحسن بن حمد العباد كما في شرحه على "سنن أبي داود".
ووجهة أهل هذا المسلك:
إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُنقل عنه أنه رفع يديه في هذا الموضع، ولو رفع لنقل، واشتهر العمل به في القرون المفضلة، وتناقله الناس عن أهلها، لأن هذا الأمر مما تتداعى الهمم لنقله، لأنه يفعل أمام المصلين كل يوم عدة مرات، والمصلون خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلف أصحابه كثر جداً.
ومن كلام أهل هذا المسلك:
أولاً: قال الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز ـ رحمه الله ـ كما في "فتاوى نور على الدرب"(9/ 141):
لأن النبي ما كان يفعل ذلك ـ عليه الصلاة والسلام ـ، لم يحفظ عنه أنه بعد الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء أو الفجر رفع يديه بالدعاء، فلا ينبغي رفعهما، لأن علينا أن نتأسى به صلى الله عليه وسلم في الفعل والترك.اهـ
وقال أيضاً (9/ 180):
لكنه لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه بعد السلام من الفريضة، ولا أنه دعا وأمَّن معه المأمومون، والخير في اتباعه ـ عليه الصلاة والسلام ـ.
وهذه أمور ظاهرة يعلمها الناس، ويراها الناس، فلو فعل شيئاً من هذا لنقله الصحابة وعرفوه ـ رضي الله عنهم وأرضاهم ـ فالواجب ترك ذلك، لأنه لم ينقل عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، والخير في اتباعهم وسلوك سبيلهم ـ رضي الله عنهم ـ.اهـ
وقال أيضاً (9/207):
ولو كان هذا واقعاً لنقله الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فإنهم نقلوا كل شيء، فهم أمناء.اهـ
وقال أيضاً كما في "مجموع فتاويه"(9/239):
هكذا الدعاء بعد الفرائض الخمس الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ما كان صلى الله عليه وسلم يرفع يديه بعد شيء منها, فالسنة في مثل هذا ألا ترفع الأيدي، بل الرفع في هذا بدعة، لأنه لم يثبت عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ، ولا عن أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ, ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا خير إلا دَلَّ الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه.اهـ
ثانياً: قال الإمام محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ في كتابه "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة"(6/ 60 رقم:2544):
وجملة القول:
إنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه بعد الصلاة إذا دعا.اهـ
المسلك الثالث: عدم الإنكار على من رفع يديه.
قال العلامة عبد الله بن عبد الرحمن البابطين النجدي الحنبلي ـ رحمه الله ـ كما في "الدرر السنية في الأجوبة النجدية"(4/315 ):
الدعاء بعد الفرائض، إن فعله إنسان بينه وبين الله فحسن، وأما رفع الأيدي في هذه الحال فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم، ومثل هذا ما أرى الإنكار على فاعله، ولو رفع يديه.اهـ
__________________
ذكر ابن عبد الهادي في ذيله على ذيل ابن رجب على طبقات الحنابلة في ص 52: قال أخبرت عن القاضي علاء الدين ابن اللحام أنه قال: ذكرَ لنا مرة الشيخُ [ابن رجب] مسألة فأطنب فيها ، فعجبتُ من ذلك ، ومن إتقانه لها ، فوقعتْ بعد ذلك في محضر من أرباب المذاهب ، وغيرهم ؛ فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة ! فلما قام قلتُ له: أليس قد تكلمتَ فيها بذلك الكلام ؟! قال : إنما أتكلمُ بما أرجو ثوابه ، وقد خفتُ من الكلام في هذا المجلس .
رد مع اقتباس