الشعراوي كما عرفته تجاوز الله عنه
الأستاذ محمد متولي شعراوي كان أحد أساتذتي بكليّة الشّريعة بمكة وهي أوّل كُلِّيّة للتعليم العالي في جزيرة العرب ، قبل أن تتحول قبل عشرين سنة إلى ( جُزْئية ) من جزئيات الملك عبد العزيز شطر مكة ، ثم إلى جزئية من جزئيّات جامعة أم القرى بمكة المباركة . وكان تجاوز الله عنه خفيف الظّل مؤهّل للخطابة وللوعظ القصصي المبتدع . وكان يدرّسنا البلاغة منذ عام 1337 هـ ، ويمزج درسه ببعض ما قرأه عن الفنون العصرية ، وكأنّما كان يحرص على الإبتعاد عمّا كان يعرفه النّاس عن الأزهريّين من الإقتصار على العلوم الشّرعيّة . أذكر مرّة في درس البلاغة الفنّ الوحيد الذي تخصّص في تدريسه أنّه ترك البلاغة بلا سبب ظاهر وأخذ يشرح لنا بالقول والرّسم كيف تطير الطائرة وعلاقة ذلك بالرّيح ّوالمراوح ( لم يكن للنّفّاثات وجود يومها ) ، كانت معلوماته كثيرة ومتناثرة وذاكرته قويّة ولكنّه لم يكن يفرِّق بين الحديث الصّحيح والضّعيف والموضوع ، ولا بين السّنّة والبدعة ، ولا بين التّوحيد ( دعاء الله وحده ) والشّرك ، ولا بين التّفسير الشرعي للقرآن بالمأثور عن النّبي صلى الله عليه وسلم وهو المكلّف ببيانه : { لتبيّن للنّاس ما نزّل إليهم } ، وعن صحابته والتّابعين لهم بإحسان في القرون الخيِّرة ، وبين التّفسير البدْعي المبنيّ على الفكر ( في القرن الماضي بخاصة ) بل كان أكثر اعتماده ( إن لم يكن كلّه ) على هذا النّهج الضالّ عمّا كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم :
1 ) مما أذكره من خروجه عن نهج السّلف : تفسير كلمة ( ذرّة ) في مثل قول الله تعالى : { لا يعزب عنه مثقال ذرّة } بما وُصِف حديثاً بأنّه أصغر جزء في التّفاعل الكيميائي (atom) ، وهذا بلا شكّ مخالف لبيان النّبيّ صلى الله عليه وسلم وفهْم أصحابه ، وتفسير لليقين بالظّنّ .
2 ) ويقول الشعراوي تجاوز الله عنه : أنّه يمكن الوصول إلى الجنّة بأحد طريقين : الطريق المعروف ( أن تعبد الله تعالى طمعاً في جنّته وخوفاً من ناره ) وطريق رابعة العدويّة التي تقول : اللهم إن كنت أعبدك طمعاً في جنّتك فاحرمني منها ، وإن كنت أعبدك خوفاً من نارك فأدخلني فيها . والله تعالى يقول لعباده : { وادعوه خوفاً وطمعاً } .
3) ولم أره مرّة أنكر ما عليه أكثر المبتدعة من الشرك الأكبر بصرف شيء من العبادة لغير الله ، وعندما يمرّ على آية تأمر بإفراد الله بالعبادة وتنهى عن دعاء غير الله معه : { وأنّ المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً } { ومن أضلّ ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة } { فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره } لا يكاد يذكر شيئاً عن أوّل ما أمر الله ورسله به ولا عن أوّل ما نهى الله ورسله عنه ، مع كثرة استطراداته وشطحاته . بل كان يدرّس عدد سنين في وثن باسم الحسين رضي الله عنه فلا ينهى من يطوف بالوثن ويطلب المدد ، وعندما نبّهه أحد الدّعاة إلى الله قال : إنّ الذي يطوف ويدعوا لا يقصد إلا الله وإنّما يتقرّب بالحسين إلى الله ، وهذه حجّة المشركين : { ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى } .
4) ومنذ عرفناه لم نثق بما يقول في التّوحيد ولا في التّفسير ولا في الحديث ولا في الفقه ولا في أيّ علم أو فنٍّ غير البلاغة ، فهو مثل كلّ أو أكثر الواعظين القصّاصين يخلط بين الغثّ والسّمين والفكر والوحي واليقين والظّنّ .
5 ) ومن أمثلة القول على الله بغير علم : قوله في تفسير { قل انظروا ماذا في السّماوات والأرض } : الشمس تبعد عنّا 8 دقائق ضوئية والثانية الضوئية تساوي ( 300،000 ) كيلو متر . وفي تفسير { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم } : ( ومن العجب أن من العناصر المكوِّنة للإنسان هي نفسها المكوِّنة لطين التّربة الخصبة مما يدلّ على تأكيد الصّدق في أنّ الله خلقنا من طين … وأهمّ هذه العناصر الأوكسجين ، الكربون ، الهدروجين ، النّتروجين ) وعدّ 14 عنصراً ، وهو لا يعرف عن هذا الأمر أكثر من : سمعت الناس يقولون شيئاً فَقُلْتُه والحقيقة أنّ كلّ من افترى على التّفسير ما سُمِّيَ : الإعجاز العلمي في القرآن من طنطاوي جوهري إلى مصطفى محمود ومن تبعهم مثل الزّنداني وزغلول النّجّار وعبد الله المصلح قاصرون في العلم الشرعي والعلوم العصريّة ( النّظريّات الكونيّة ) ، وقد بهرهم الفكر الأروبي فحسبوا أنّهم يحسنون صنعاً بربطهم هذا الظنّ بيقين القرآن تجاوز الله عنهم وكفى الإسلام والمسلمين شرّهم .
6 ) ومن إحساني الظنّ بأستاذي الشعراوي ظننت أنه لم يُرِدْ لدرسه في التفسير للعامّة وباللغة العامّية المصريّة أن يُطْبَع وتزاد كتب التفسير الظنّي ، ولكن بعض مؤيّديه تولى كِبْر هذا الأمر جهلاً بما يوجبه عليه شرع الله من المحافظة على كتابه والنصيحة له وللمسلمين فترجمه للغة العربيّة الدّارجة ، ولعلّ الله أن يعذرهم بجهلهم .
7 ) وفي الختام إلى القارئ الكريم كلمات من التّفسير الشعراوي تؤيّد حسن ظنّي في الفقرة ( 6 ) : { إنّ ربكم الله الذي خلق السّماوات والأرض } ( … لم يدّع أحد لنفسه مسألة الرّبوبيّة لأنّها جائت بنفع لهم ، لكن الألوهيّة دخلت بمنهج : إفعل ولا تفعل ) والأولى للقارئ أن يُكْمِلَ النّص ص 996 .
سعد الحصين
01/05/1434
المصدر:
http://www.saadalhusayen.com/?p=2892