عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 07-17-2013, 05:15 AM
بلال الجيجلي بلال الجيجلي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الجزائر- ولاية جيجل - حرسها الله من كل سوء-
المشاركات: 941
شكراً: 13
تم شكره 43 مرة في 40 مشاركة
افتراضي تروية البَحَّاثَة بكلام الأئمة الفقهاء في الموالاة بين العُمَر في السَّفْرَة الواحدة للشيخ عبد القادر الجنيد -حفظه الله-

تروية البَحَّاثَة بكلام الأئمة الفقهاء في الموالاة بين العُمَر في السَّفْرَة الواحدة


الحمد لله ربي وخالقي ورازقي، وأصلى وأسلم على النبي الهاشمي القرشي، وعلى آله وأصحابه السائرين على طريقه السوي، وعلى كل مؤمن تقي إلى يوم الجزاء الأبدي.
أما بعد:
فهذه مسألة فقهية تتعلق بباب الحج والعمرة، وموضوعها: "الموالاة بين العُمَر في سفرة واحدة" وقد استللتها وأظهرتها رغبة في الإفادة والاستفادة من شرح لي على باب الحج من كتاب "بلوغ المرام من أدلة الأحكام" للحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله-.
وأسال الله الكريم أن ينفع بها الكاتب والناشر والقارئ، إنه سميع مجيب.
وسيكون الكلام عن هذه المسألة في عدة وقفات:
الوقفة الأولى: عن صورة هذه الموالاة.
قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله- كما في "مجموع الفتاوى"(26/269-270):
الإكثار من الاعتمار والموالاة بينها، مثل:
أن يعتمر من يكون منزله قريباً من الحرم كل يوم، أو كل يومين، أو يعتمر القريب من المواقيت التي بينها وبين مكة يومان: في الشهر خمس عمر أو ست عمر، ونحو ذلك، أو يعتمر من يرى العمرة من مكة كل يوم عمرة أو عمرتين.اهـ
الوقفة الثانية: عن كلام أهل العلم في هذه المولاة.
وجدت لأهل العلم والفقه -رحمهم الله ومنَّ عليهم برضوانه- في مسألة المولاة بين العُمَر قولان:
القول الأول: أنها تكره أو لا تستحب.
قال الإمام ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه "المغني"(5/17):
فأما الإكثار من الاعتمار، والموالاة بينهما، فلا يستحب في ظاهر قول السلف الذي حكيناه، وكذلك قال أحمد: إذا اعتمر فلا بد أن يحلق أو يقصر وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس، فظاهر هذا أنه لا يستحب أن يعتمر في أقل من عشرة أيام، وقال في رواية الأثرم: إن شاء اعتمر في كل شهر، وقال بعض أصحابنا: يستحب الإكثار من الاعتمار، وأقوال السلف وأحوالهم تدل على ما قلناه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم ينقل عنهم الموالاة بينهما، وإنما نقل عنهم إنكار ذلك، والحق في اتباعهم.اهـ
وقال الإمام ابن تيمية -رحمه الله- كما في "مجموع الفتاوى"(26/269-270):
المسألة الثانية: في الإكثار من الاعتمار، والموالاة بينها، مثل: أن يعتمر من يكون منزله قريباً من الحرم كل يوم، أو كل يومين أو يعتمر القريب من المواقيت التي بينها وبين مكة يومان: في الشهر خمس عمر أو ست عمر، ونحو ذلك، أو يعتمر من يرى العمرة من مكة كل يوم عمرة أو عمرتين، فهذا مكروه باتفاق سلف الأمة، لم يفعله أحد من السلف، بل اتفقوا على كراهيته، وهو وإن كان استحبه طائفة من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد، فليس معهم في ذلك حجة أصلاً إلا مجرد القياس العام، وهو أن هذا تكثير للعبادات، أو التمسك بالعمومات في فضل العمرة، ونحو ذلك.اهـ
وقال أيضاً (26/290):
وأما المسألة الثالثة: فنقول: فإذا كان قد تبين بما ذكرناه من السنة واتفاق سلف الأمة أنه لا يستحب، بل يكره الموالاة بين العمرة لمن يحرم من الميقات، فمن المعلوم أن الذي يوالي بين العمر من مكة في شهر رمضان أو غيره أولى بالكراهة، فإنه يتفق في ذلك محذوران:
أحدهما: كون الاعتمار من مكة، وقد اتفقوا على كراهة اختيار ذلك بدل الطواف.
والثاني: الموالاة بين العمر، وهذا اتفقوا على عدم استحبابه، بل ينبغي كراهته مطلقاً -فيما أعلم- لمن لم يعتض عنه بالطواف، وهو الأقيس، فكيف بمن قدر على أن يعتاض بالطواف.اهـ
وقال العلامة ابن مفلح -رحمه الله- في كتابه "الفروع"(3/528):
ويكره الإكثار والموالاة بينهما باتفاق السلف.اهـ
وإلى هذا القول يميل:
ابن قيم الجوزية وعبد الله بن حميد والألباني وابن عثيمين -رحمهم الله-.
القول الثاني: أنها تجوز ولا تكره أو تستحب.
قال الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله- في كتابه "الاستذكار"(11/251):
والجمهور على جواز الاستكثار منها في اليوم والليلة، لأنه عمل بر، فلا يجب الامتناع منه إلا بدليل، ولا دليل أمنع منه، بل الدليل يدل عليه بقول الله -عز وجل-: { وافعلوا الخير }.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما )).اهـ
وهذا النقل قد يضعف من الاتفاق المنقول عن السلف الصالح في الكراهة، لا سيما والحافظ ابن عبد البر -رحمه الله-أقرب ممن نقلوه إلى القرون الأولى.
وقال النووي -رحمه الله- في كتابه "المجموع"(7/123):
لا يكره عمرتان وثلاث وأكثر في السنة الواحدة، ولا في اليوم الواحد، بل يستحب الإكثار منها بلا خلاف عندنا.اهـ
وقال الإمام ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه "المغني"(5/17): وقال بعض أصحابنا: يستحب الإكثار من الاعتمار.اهـ
وقال الإمام ابن تيمية -رحمه الله- كما في "مجموع الفتاوى"(26/270): استحبه طائفة من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد.اهـ
ومما احتج به لهذا القول:
ما أخرجه النسائي (2631) عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد )).
وسنده حسن.
وقد صححه جمع من أهل العلم، ومنهم:
الألباني وعبد المحسن العباد ومحمد علي آدم، وحسنه الوادعي.
وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(11196و11428) من طريق آخر عن ابن عباس.
وبنحوه عند أحمد (1/387) والترمذي (809) والنسائي (2632) من حديث ابن مسعود.
وقال الترمذي عقبه: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح غريب من حديث عبد الله بن مسعود.اهـ
وصححه: ابن حبان وابن خزيمة والبوصيري ومحمد علي آدم.
وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح.اهـ
وقال عبد المحسن العباد في "تبصير الناسك"(13): وإسناده عندهم حسن.اهـ
وحسنه الألباني ومقبل الوادعي.
وله شواهد أخرى بأسانيد فيها ضعف.
ووجه الاستدلال من هذا الحديث:
أن فيه الحث على الاستكثار من العُمَر بالمتابعة بينها من دون تقييد بين عمرة وأخرى بزمن أو سفر.
الوقفة الثالثة: عن بعض الآثار الواردة عن السلف الصالح والتي قد تؤيد عدم الكراهة.
ودونكم هذه الآثار:
أولاً: قال الإمام الشافعي -رحمه الله- كما في "المسند(778):
أحبرنا ابن عيينة عن ابن أبي حسين عن بعض ولد أنس بن مالك قال: (( كنا مع أنس بن مالك بمكة، فكان إذا حَمَّم رأسه خرج فاعتمر )).
وفي إسناده عدم تسمية ولد أنس، وهو تابعي، ويحكي أمراً جرى له مع أبيه -رضي الله عنه-.
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
قوله: (( حَمَّم رأسه )) أي: نبت بعد الحلق، وذلك حين يَسْوَدّ، يقال: قد حَمَّم الفَرْخ إذا اسْوَدَّ جلده من الريش، وكذلك تَحميم الرأْس، وهو أنْ يسودَّ من قبل أَن يطُول الشَعر.اهـ
ثانياً: قال ابن أبي شيبة -رحمه الله- في "مصنفه"(12726): حدثنا عبَّاد عن سعيد عن قتادة عن عكرمة، قال: (( اعتمر ما أمكنك )).
وفي كتاب "المناسك"(76) لسعيد بن أبي عروبة -رحمه الله-: عن قتادة أن عكرمة: (( كان لا يرى بأساً ما أمكنتك المُوسَى )). وإسناده صحيح.
وهذا يُشعر أن مدار الإكثار والموالاة بين العُمَر على وجود الشعر في الرأس، فيكون أمر المقصِّر أيسر من المحلِّق.
ثالثاً: جاء في كتاب "المناسك"(75) لسعيد بن أبي عروبة -رحمه الله-: عن قتادة: (( أنه اعتمر في رمضان مرتين عند قُدومه، ثم خرج فيه فاعتمر )). وإسناده صحيح.
رابعاً: قال إسحاق بن منصور الكوسج -رحمه الله- في "مسائله عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه"(1556): قلت: يعتمر الرجل في الشهر كما شاء؟.
قال: ما أمكنه، ليس لها وقت كوقت الحج.
قال إسحاق: كما قال، إلا أنه يعتمر في كل شهر أفضل، لكي يجمع الاختلاف، ويكون أمكن للحلق.اهـ
وقال الإمام ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه "المغني"(5/17):
قال أحمد: إذا اعتمر فلا بد أن يحلق أو يقصر وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس.اهـ
وهذا يُشعر بأن مدار الإكثار من الاعتمار والموالاة عند هذين الإمامين أحمد وإسحاق يدور على وجود الشعر في الرأس وعدمه، لا على كراهة السلف.
الوقفة الرابعة: عن أقوال بعض علماء أهل السنة المعاصرين التي تشير إلى عدم الكراهة.
ودونكم بعض من وقفت على كلامه منهم:
أولاً: قال العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله- كما في "مجموع فتاويه"(17/234رقم:237) إجابة على قول السائل:
هل يجوز تكرار العمرة في رمضان طلباً للأجر المترتب على ذلك؟:
لا حرج في ذلك، النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة )) متفق عليه.
فإذا اعتمر ثلاث أو أربع مرات فلا حرج في ذلك، فقد اعتمرت عائشة -رضي الله عنها- في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع عمرتين في أقل من عشرين يوماً.اهـ
وقال إجابة على هذا السؤال (17/440):
إذا اعتمرت وقضيت العمرة، هل يجوز لي العمرة عن من أريد من أقاربي علماً أنه ليس في الحج، وما هو المكان الذي أحرم منه عند ذلك؟:
لا أعلم مانعاً شرعياً من عمرتك لمن ترى من أقاربك بعد اعتمارك عن نفسك العمرة الواجبة، سواء كان ذلك في وقت الحج أو في غيره، أما ميقات العمرة لمن كان في داخل الحرم فهو الحل، كالتنعيم والجعرانة ونحوهما، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر عائشة بالاعتمار أمر عبد الرحمن أخاها أن يعمرها من خارج الحرم.اهـ
ثانياً: قال العلامة عبد الرزاق عفيفي -رحمه الله- كما في "فتاويه"(ص463-464س:22) إجابة على قول السائل:
هل كثرة العمرة في رمضان سنة أو أمر مستحب؟:
كلمة سنة أو مستحب كلها قريبة من بعض، وهى اصطلاحات بين الفقهاء، والعمرة في رمضان خير، وإن تكررت، ولا حرج في تكرارها، ولم أعلم إلا قليلاً من العلماء هم الذين يكرهون تكرار العمرة في السنة، وليس في رمضان وحده، ومن هؤلاء المالكية: يكرهون تكرار العمرة في رمضان وفى غيره من الشهور، بل وفي السنة، وليس معهم دليل على هذا الرأي.اهـ
ثالثاً: قال العلامة صالح بن فوزان الفوزان -سلمه الله- كما في فتاويه"(5/184رقم:286) إجابة على هذا السؤال:
إذا أحرمت لأداء العمرة لنفسها ثم بعد الانتهاء منها أرادت أن تؤدي عمرة لأبيها، وأخرى لعمها، فهل يكفي أن تطوف وتسعى فقط لكل واحد منهما وذلك بإحرامها الأول الذي عقدته في الميقات أم لابد من العودة للميقات والإحرام من جديد لكل واحد منهما؟:
تكرار العمرة في وقت متقارب فيه ما فيه من التوقف، فإن تكرار العمرة في وقت متقارب أنكره بعض العلماء، ولو أن المسلم إذا أدى العمرة يدعو لوالديه وأقاربه في طوافه وفي سعيه وفي غير ذلك في المسجد الحرام، فهذا يكفي إن شاء الله، ونرجو أن يصلهم نفعه وبره، لكن لو فعلت ما ذكرت من تكرار العمرة لوالدها، ثم لعمها وهكذا، فلا بأس بذلك ولو كان خلاف الأولى، لكن لو فعلته لابد من إحرام مستقل لكل عمرة بأن تخرج إلى الحل إلى التنعيم أو عرفات أو الجعرانة وتحرم بالعمرة من هناك، ولا تحرم بها من مكة ولا ترجع إلى الميقات.اهـ
الوقفة الخامسة: عن ما يورثه معرفة هذا الخلاف في المسألة بين العلماء.
إن دراسة مسائل العلم دراسة مستفيضة، وتحريرها تحريراً جيداً، وأخذها أخذاً عميقاً متيناً متأنياً ينفع طالب العلم نفعاً كبيراً، ويزينه كثيراً، ويجمله ويطيبه، ويجعله يخرج بفقه قوي متين لا يندم عليه إذا كبر وازداد في العلم وترقَّى، بل يفرح منه ويُسَّر،ويورثه عدم العجلة في الإفتاء أو الإنكار على من خالف ما يراه ويميل إليه من أقوال أهل العلم.
وهذه المسألة التي طرحتها في هذه الرسالة قد تباينت فيها أقوال أهل العلم كما تقدم في النقل عنهم تبايناً قد يجعل طالب العلم في حيرة منها، أو تردد أو توقف عن ترجيح أحد القولين على الآخر، أو هيبة من إفتاء الناس فيها، ناهيك عن الحكم بالبدعية.
وفي الختام لا يسعني إلا أن أقول:
إن أريد إلا الحق ما استطعت، فما كان من إصابة له فمن توفيق الله تعالى، وله وحده الفضل والمنة، وما كان من خطأ فأستغفر الله منه، وهو خير الراحمين.
وكتبه: عبد القادر بن محمد بن عبد الرحمن الجنيد.

المصدر:
http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=126445
__________________
ذكر ابن عبد الهادي في ذيله على ذيل ابن رجب على طبقات الحنابلة في ص 52: قال أخبرت عن القاضي علاء الدين ابن اللحام أنه قال: ذكرَ لنا مرة الشيخُ [ابن رجب] مسألة فأطنب فيها ، فعجبتُ من ذلك ، ومن إتقانه لها ، فوقعتْ بعد ذلك في محضر من أرباب المذاهب ، وغيرهم ؛ فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة ! فلما قام قلتُ له: أليس قد تكلمتَ فيها بذلك الكلام ؟! قال : إنما أتكلمُ بما أرجو ثوابه ، وقد خفتُ من الكلام في هذا المجلس .

التعديل الأخير تم بواسطة بلال الجيجلي ; 07-17-2013 الساعة 02:32 PM
رد مع اقتباس