عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 08-06-2013, 07:46 PM
بلال الجيجلي بلال الجيجلي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الجزائر- ولاية جيجل - حرسها الله من كل سوء-
المشاركات: 941
شكراً: 13
تم شكره 43 مرة في 40 مشاركة
افتراضي

* الحدث الثاني في تطوان ونواحيها*

وضعت حاشية على كتاب كشف الشبهات لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وطبعتها ونشرتها، ولكنني استعملت في ذكر اسمه ما يسمى في مصطلح الحديث بتدليس الشيوخ، وهو جائز بل مستحسن إذا أريد به الإصلاح، وذلك أن الشيخ يكون له اسمان اشتهر بأحدهما ولم يشتهر بالآخر فيذكره الراوي عنه بالاسم الذي لم يشتهر به لمصلحة في ذلك، أما إذا فعل ذلك، ليوهم الناس علو سنده وترفعه عن الراوية عنه ليوهم الناس أنه لا يتنزل للرواية عن مثله لصغر سنه أو عدم شهرته وغير ذلك من حظوظ النفس الأمارة فهو مذموم، وقد سميت الشيخ محمد عبد الوهاب بن سليمان الدرعي فنسبته إلى جده ثم نسبته إلى الدرعية وذلك حق فهي بلدته ولكن لم يشتهر بذلك، وزاد الأمر غموضا أن في المغرب كورة تسمي (درعة) والنسبة إليها درعي، فنجحت فيما قصدته من ترويج الكتاب، فقد طبعت ألف نسخة فبيعت في وقت قصير، ولم يتفطن أحدا لذلك حتى الشيخ أحمد بن الصديق مع سعة إطلاعه وعلو همته في البحث وكثرة ما في خزائنه من الكتب بقي في حيرة لأنه بحث في تاريخ المنسوبين إلى (درعة) فلم يجد أحدا منهم يسمى بذلك ولا أثر عنه هذا الكتاب، فبعث إلي يسألني عن هذا المؤلف من هو فأخبرته بالحقيقة، ولما اطلع العلم الأجل مفتي المملكة العربية السعودية وشيخ شيوخها الشيخ محمد بن إبراهيم رحمة الله عليه على هذا العمل استحسنه كل الاستحسان. وإنما فعلت ذلك لأن المتأخرين من رجال الدولة العثمانية حرضوا شرار العلماء في جميع البلاد الإسلامية على تشويه سمعة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وكذبوا عليه، وأوهموا أتباعهم أنه جاء بدين جديد، وأنه يتنقص جانب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ويكفر المسلمين، إلى غير ذلك من الأكاذيب. وقد تبين لأكثر الناس بطلان تلك الدعوى وعلموا علم اليقين أن محمد بن عبد الوهاب من كبار المصلحين الذين فتح الله بدعوتهم عيونا عميا وآذانا صما، وأنه أحيا العمل بكتاب الله وسنة رسوله في جزيرة العرب بعدما كاد يندثر. وإلى الآن لا يزال بعض الغربان ينعقون بسبه كالغراب الذي تقدم ذكره، وذلك لا يضره: إن كانوا مسلمين فإن سبهم له يجعل حسناتهم في صحيفته وإن كانوا مشركين فإن الله يزيدهم عذابا.

ولما طبع هذا الكتاب غضب عباد القبور وأصحاب الطرائق وخطب كثير من أئمة المساجد خطبة الجمعة ونبهوا المستمعين إلى ما في هذا الكتاب من الضلال بزعمهم، لأن توحيد الله عندهم أعظم الضلال ولكن لم يستمع لهم أحد، أما العلماء المحققون، كالأستاذ محمد الطنجي والأستاذ المجاهد عبد السلام المرابط والأستاذ العبقري عبد الله كنون فإنهم رحبوا بطبع هذا الكتاب وأثنوا عليه وعلى مؤلفه وناشره، ولا يضر السحاب نبح الكلاب.

ماضر بدر السما في الأفق تنبحه سود الكلاب وقد مشى على مهل

ثم طبعت رسالة زيارة القبور مع حواش قليلة لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية وسميته أحمد عبد الحليم الحراني، ولم اذكر لفظ ابن تيمية للعلة السابقة الذكر، فراج الكتاب وانتشر ونفع الله به المسلمين، ولما بعثت من كل من الكتابين نسخة إلى الشيخ محمد بن إبراهيم رحمة الله عليه فرح بنشرهما واستحسن الطريقة التي سلكتها لبعد نظره ووفور عقله وحكمته.

وقد جربت في بلاد المغرب في الشمال والجنوب أن نشر كتب التوحيد واتباع السنة يتوقف على نجاح الدعوة إلى الله في المساجد فإذا درس الداعي كتابا من كتب التوحيد وبين للمستمعين ما فيه من كنوز العلم والحكمة يرغب المستمعون في اقتناء ذلك الكتاب، وبقراءته تتسع معرفتهم للحق ويزدادون اطمئنانا ويقوى إيمانهم وتندفع عنهم الشبهات. فمن ذلك: أنني درست في الجامع الكبير كتاب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وختمته في ذلك المسجد مرتين، فانتشر هذا الكتاب انتشارا عظيما حتى أني طلبت من جلالة الملك الفيصل جزاه الله عنا وعن المسلمين أحسن الجزاء، بواسطة فضيلة الشيخ عبد الملك بن إبراهيم بارك الله في حياته أن يمدني بنسخ من فتح المجيد، فأمر بإرسال ثلاثمائة وثلاث وأربعين نسخة بالبريد الجوي، فبدا لي أن لا أوزعها مجانا لأمرين: أحدهما: أنني لا آمن أن تقع بعض النسخ في أيدي أعداء التوحيد فيحرقوها، وقد رأيناهم يفعلون ذلك في المشرق والمغرب فإذا فرضنا أن شخصا أو أشخاصا بلغ بهم التعصب إلى أن يشتروا الكتاب ويحرقوه فإن ذلك لا يضرنا، لأننا نجمع دراهمه ونطبعه مرة أخرى ولا شك أنه لا يفعل ذلك منهم إلا قليل، لأن الناس مجبولون على حب المال والبخل به ولا يبذلونه إلا فيما هو أحب منه إليهم، الأمر الثاني: ما قاله المؤلف الإنكليزي الطائر الصيت (برنارد شو) أن الكتاب الذي لا يدفع ثمنه لا يقرأ.

فبيعت تلك النسخ كلها إلا قليلا منها منحته للمستحقين ولم آخذ منهم لعلمي بفقرهم وصدقهم. بيعت في مدة قصيرة وصار الكتاب في حكم المفقود، وكنت أبيع النسخة بستة دراهم فقط، ولم يكن يروج إلا في البلدان التي تلقى فيها دروس التوحيد كمكناس وتطوان وأرفود، أما مكناس وأرفود فإنني ألقي فيهما دروسا في التوحيد وأما تطوان فقد تقدم أني دعوت إلى التوحيد فيها. وفي هذا الزمان يوجد فيها داع وهو أخي الأستاذ محمد العربي الهلالي، وصار الناس في هذه النواحي يبحثون عن هذا الكتاب ليشتروه بضعف ثمنه فلم يجدوا منه شيئا، ولما ذكرت ذلك لصاحب السماحة الأستاذ الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز أمتع الله المسلمين بطول بقائه وأخبرته أنني جمعت من بيع تلك النسخ ألفا وثمانمائة وخمسين ريالا سعوديا قال: لي وأنا أتبرع بستمائة ريال تضاف إلى ذلك ونشترك في طبعه من جديد، والكتاب الآن تحت الطبع، وذكرت ذلك أيضا للعالم الجليل بقية السلف الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ أمتع الله المسلمين بطول بقائه فوعدني بتحصيل ألف نسخة، وهو كريم لا شك أنه يفي بوعده. وهذا الكتاب مع وجود الداعي الناجح في دعوته يساعد على نشر الدعوة مساعدة عظيمة لا ينقضي منها العجب. أما البلد الذي ليس فيد ذاع فإنه لا يروج فيه أصلا، فقد بعثت خمس نسخ إلى مدينة مشهورة في المغرب فبيع منها في سنة ثلاث نسخ فقط.
__________________
ذكر ابن عبد الهادي في ذيله على ذيل ابن رجب على طبقات الحنابلة في ص 52: قال أخبرت عن القاضي علاء الدين ابن اللحام أنه قال: ذكرَ لنا مرة الشيخُ [ابن رجب] مسألة فأطنب فيها ، فعجبتُ من ذلك ، ومن إتقانه لها ، فوقعتْ بعد ذلك في محضر من أرباب المذاهب ، وغيرهم ؛ فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة ! فلما قام قلتُ له: أليس قد تكلمتَ فيها بذلك الكلام ؟! قال : إنما أتكلمُ بما أرجو ثوابه ، وقد خفتُ من الكلام في هذا المجلس .
رد مع اقتباس