عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 08-06-2013, 07:53 PM
بلال الجيجلي بلال الجيجلي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الجزائر- ولاية جيجل - حرسها الله من كل سوء-
المشاركات: 941
شكراً: 13
تم شكره 43 مرة في 40 مشاركة
افتراضي

هم جماعة من الناس بقتلي

وهذا الحدث فيه عبرة لمن اعتبر. فإني أصبت بداء الربو في تطوان واشتد علي ففرح المشركون عباد القبور وأصحاب الطرائق وقالوا إن الولي الأكبر رئيس الأولياء في تطوان واسمه السعيدي وله ضريح عليه قبة يعبده كثير من الناس، وإذا قحطوا يذهبون إليه ويسألونه المطر ويوافقهم سفهاؤهم الذين يسمونهم فقهاء.

فبينما أنا مريض ملازم للفراش في بيت منفرد خارج تطوان وزجاج طاقته مكسور، فمن أراد أن يرميني برصاصة لا يحتاج إلا إلى حجر واحد يضعه إلى جانب الجدار فيطل علي ويرميني، بينما أنا كذلك جاءني أحد تلامذتي- وهو السيد محمد العبودي- فقال لي: إن فلان جاءني وقال لي: إنه هو وأمير قبيلة بني عروس وجماعة معهم وعدد الجميع خمسة وعشرون رجلا قد اجتمعوا في بيت أحدهم وتعاهدوا على قتلك وجمعوا الدية حتى إذا كان لك ورثة يدفعونها لهم، وقال لي:

إن صاحبكم في حكم الأموات فعما قريب نقتله ونريح الناس من شره، لأن الوقاحة بلغت به إلى أن طعن في جدنا القطب عبد السلام بن مشيش، قال لي ذلك وأنا مريض ملازم للفراش كما تقدم فقلت:) قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ( [التوبة: 51-52].

ولما أصبحت تحملت كلفة المشي إلى الزعيم عبد الخالق الطريس رحمه الله وأخبرته الخبر فقال لي: إن هذا الرجل ومن معه هم أتباع وأقارب خالد الريسوني أمير العرائش وقد أطلق المستعمرون يده يفعل ما يشاء ففوض أمرك إلى الله وتوكل عليه، فقلت: له هذا هو الرأي الذي عزمت عليه وإنما قصدت إخبارك.

ومضت على ذلك سنتان وأنا أقاسي ألم الربو وأبيت الليالي الطوال جالساً أسعل وألهث، وكلما اشتدت نوبة الربو تخور عزيمتي وأقرر في نفسي أنني متى أقلعت عني هذه النوبة أذهب إلى القنصل الفرنسي واستسلم وأطلب العفو، لأني أعلم بواسطة الأطباء أن دوائي هو الهواء الناشف، والأراضي الشمالية التي بأيدي الإسبانيين كلها رطبة قريبة من البحر الذي كان يسمى بحر الروم، ويسمى الآن عبد الأوربيين ومن تبعهم بما معناه البحر الأبيض المتوسط وهو الذي عليه مراسي شمال المغرب والجزائر وتونس وطرابلس- التي تسمى اليوم ليبيا- والإسكندرية وبيروت ومراسي أوروبا والبلاد التركية، فأعرض مكان في هذا القسم من المغرب لا يزيد عرضه على ثلاثين ميلا وهو مستطيل من الغرب إلى الشرق، ولكني حين تزول عني نوبة الربو تعود إلى شجاعتي وتجلدي. بقيت على ذلك ثلاث سنين ونصفا إلى أن يسر الله لي الرجوع إلى العراق ولم أستسلم، وتقدمت محاورتي مع القنصل الفرنسي في تطوان، وفررت من الرطوبة إلى غرناطة من بلاد الأندلس وأقمت فيها أربعة أشهر، ولكنها هي أيضا ليست بعيدة من البحر.

ثم رجعت إلى تطوان وقيل لي إن مدينة شفشاون على جبل عال ثم إنها بعيد من البحر نحو خمسة عشر ميلا فلو جربت الإقامة بها، فسافرت إليها يرافقني تلميذي الحاج أحمد هارون بارك الله فيه، فلما أردنا أن نأخذ غرفة في الفندق الجميل المخصص للسائحين امتنع صاحبه- وهو نصراني إسباني- أن يعطينا غرفة لما رآني أسعل وألهث وأبصق في كل حين، ورأى أن لم ذلك يتقزز منه النازلون في الفندق وكلهم من المترفين، فبقيت في مكتب الفندق جالسا على كرسي أفكر أين أنزل، فجاءني رجل أبيض أشيب تدل هيئته على أنه من أعيان البلد، فقال لي: تعرفني؟ قلت: لا. فقال لي: أنا أحمد الريسوني، وأنا من المحبين لك وأنا مستعد لإنزالك في بيتي على الرحب والسعة وسأكون سعيدا بإقامتك عندي ما شئت من الزمن، ولكن الحكومة سنت قانونا يمنعنا من إنزال الضيوف عندنا في الليلة الأولى، ويوجد هنا فندق حقير يمكن أن تمضي فيه هذه الليلة وفي الغد تنزل في بيتي فقلت له: جزاك الله خيرا، فأمضيت تلك الليلة في ذلك الفندق الذي أخبرني به ثم نزلت عنده وبقيت عنده بضعة أشهر وأكرمني غاية الإكرام.

وحين استقررت في بيته حكى لي حكاية المؤامرة على قتلي بالتفصيل فقال لي: بلغنا أنك تطعن في كرامات الأولياء وولايتهم وتطعن بالخصوص في جدنا مولاي عبد السلام بن مشيش، فغضبنا لذلك وعزمنا على قتلك وجمعنا أن نشاور رئيسنا سيدي خالد الريسوني فذهبنا إليه ثلاثتنا وتكلم أمير بني عروس وهو يبكي وقال: يا بن العم لا خير في الحياة بعد أن نسمع القدح والطعون في شيخ الشيوخ وإمام العارفين جدنا عبد السلام بن مشيش والذي يطعن فيه وينتهك حرمته رجل غريب حقير وهو فلان- وسماني- وقد عزمنا على قتله وجمعنا ديته وما بقي لنا إلا إذنك، فأيدت أنا وفلان كلامه وإذا بالأمير خالد يتكلم ويقول: إن محمدا تقي الدين الهلالي عالم من خيرة العلماء وأنتم لا تعرفونه وأنا أعرفه، وجدنا عبد السلام عالم فاتركوا العلماء إذا تكلموا بعضهم في بعض فليس للجهال أن يتعرضوا لهم. ثم قال لنا: أيكم سمع طعنه في جدنا؟ فقلنا: هذا متواتر على ألسنة الناس، فقال الناس: يكذبون ويفسدون في الأرض ولا يصلحون. كل منكم ينصرف إلى شأنه واتركوا هذا الأمر فهذا ليس من شأنكم.

قال: فأما أمير بني عروس فقد رضي بقوله ولم يبق في قلبه شيء وقال: يا بن عمي أنت عالم ونحن جهال إذا أخطأنا تردنا إلى الصواب قال: أما أنا وفلان- ولم أسمه لأنه حي يرزق ولم يبلغني ندمه على ذلك- فإننا لم نقتنع بما قاله لنا سيدي خالد ولكننا لا نستطيع أن نعمل شيئا بدون رضاه، قال: فتفرقنا فانطلق فلان إلى أهله وتوجهت أنا إلى تطوان لا ألوي على شيء حتى لقيت وزير الأوقاف محمد بن موسى، فقلت: أيها الوزير أما تخاف الله كيف تعطي من أوقاف المسلمين خمسمائة بسيطة لهذا الضال المضل الهلالي الذي ما ترك أحد إلا طعن فيه؟! طعن في مذهب الإمام مالك ورجاله وطعن في الأولياء كلهم وأنكر كرامتهم وبلغت به الوقاحة إلى أن طعن في جدنا القطب عبد السلام بن مشيش قال: فقال لي: لا ينبغي لنا أن نحكم بقيل، وقال: إنه يلقي ثلاثة دروس في كل أسبوع فماذا يضرك أن تحضر دروسه وتسمع كلامه قال: فقلت: أفعل إن شاء الله.

قال: وأقمت أسبوعا في تطوان حضرت دروسك فيه فما سمعت إلا خيرا وندمت على ما كان مني. وقد مضت على سنتان طالما هممت أن آتيك وأطلب منك العفو فلم أوفق إلى أن سنحت لي هذه الفرصة السعيدة، فحياك الله وأهلا وسهلا بك.

ووجدت أن هواء شفتاون خصوصا في الصيف أقل ضررا من هواء تطوان فبقيت فيها خمسة أشهر إلى أن حدثت الحادثة الآتي ذكرها إن شاء الله.
__________________
ذكر ابن عبد الهادي في ذيله على ذيل ابن رجب على طبقات الحنابلة في ص 52: قال أخبرت عن القاضي علاء الدين ابن اللحام أنه قال: ذكرَ لنا مرة الشيخُ [ابن رجب] مسألة فأطنب فيها ، فعجبتُ من ذلك ، ومن إتقانه لها ، فوقعتْ بعد ذلك في محضر من أرباب المذاهب ، وغيرهم ؛ فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة ! فلما قام قلتُ له: أليس قد تكلمتَ فيها بذلك الكلام ؟! قال : إنما أتكلمُ بما أرجو ثوابه ، وقد خفتُ من الكلام في هذا المجلس .
رد مع اقتباس