عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 10-01-2016, 02:53 PM
الصورة الرمزية أسامة بن عطايا العتيبي
أسامة بن عطايا العتيبي أسامة بن عطايا العتيبي غير متواجد حالياً
المشرف العام-حفظه الله-
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 5,414
شكراً: 2
تم شكره 272 مرة في 212 مشاركة
افتراضي

تابع
بركان البرهان ضد مقررات مؤتمر الشيشان (3)
إن وقوع السفاريني في بعض عبارات المتكلِّمين الأشاعرة هذا أمرٌ مقررٌ قرَّره العلماء الذين تعرضوا لمنظومته وشرحها بالشرح والتعليق والاستدراك، نحو المشايخ الأجلة: عبدالرحمن بن القاسم، وابن مانع، ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ، وسليمان بن سحمان –رحم الله الجميع-.
ووقوعه –رحمه الله- في هذا له أسبابه منها تأثره بالبيئة التي حوله، كما حدث للحافظ ابن حجر –رحمه الله-.
أو كما قال العلامة عبدالرحمن بن القاسم –رحمه الله- في حاشيته: "وإن كان أدخل فيها من آراء المتكلمين ما لعله لم يتفطن لها، مما سننبه عليه - إن شاء الله تعالى - ويقع كثيرا من غيره، يذكرون عبارات لم يتفطنوا لها ولو نهبوا لتنبهوا لذلك".
ومن المواضع الموهمة في منظومته، وهو قوله:
36 - (لَهُ الْحَيَاة وَالْكَلَام وَالْبَصَر ... سمع إِرَادَة وَعلم واقتدر)
37 - (بـ قدرَة تعلّقت بممكن ... كَذَا إِرَادَة فعي واستبن)
38 - (وَالْعلم وَالْكَلَام قد تعلقا ... بِكُل شَيْء يَا خليلي مُطلقًا)
39- وسَمعه سُبْحَانَهُ كـ الْبَصَر ... بِكُل مسموع وكل مبصر)
فهذا قد يُفهم منه أنه يثبت الصفات السبع فقط على طريقة الأشاعرة، لكن إذا أكملت قراءة المنظومة وجدت أنه لم يكتفِ بإثبات هذه الصفات السبع، بل أثبت كذلك الصفات الخبرية والأفعال الاختيارية كما يأتي من كلامه في شرحه كذلك.
لكن البحث ليس في هذا، إنما البحث في الاستشكال التالي، ألا وهو:
هل السفاريني يعتبر أصول المنهج الأشعري والماتريدي في التأويل تدخل في نطاق أصول أهل السنة، ومن ثَمَّ أدخل الأشاعرة والماتريدية في حيز أهل السنة أم لا ؟!
وهذا الذي أراد شيخ الأزهر ومَن تابعه الاستشهاد به من كلام السفاريني.
والجواب نجده في كلام السفاريني نفسه في شرحه "لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية" حيث قال (1/257):
"وَلَمَّا كَانَ أَهْلُ الْمِلَّةِ مُخْتَلِفَةً فَمِنْهُمْ، مَنْ نَفَى الصِّفَاتَ مِنْ أَصْلِهَا وَأَثْبَتَ الْأَسْمَاءَ، وَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَى الصِّفَاتَ الْخَبَرِيَّةَ وَالْأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ أَنْ تَقُومَ بِذَاتِهِ تَعَالَى، وَأَثْبَتَ السَّبْعَ الصِّفَاتَ كَالْأَشْعَرِيَّةِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَكَانَ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَسَائِرِ الْأَئِمَّةِ وَجُمْهُورِ الْأُمَّةِ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ وَصِفَاتِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى حَثَّكَ عَلَى الِاتِّبَاعِ لِسَلَفِ الْأُمَّةِ، وَحَذَّرَكَ مِنَ الِابْتِدَاعِ وَمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَأَعْيَانِ الْأَئِمَّةِ، فَقَالَ (فَاحْذَرْ مِنَ النُّزُولِ) مِنْ ذُرْوَةِ الْإِيمَانِ، وَسَنَامِ الدِّينِ وَالْإِيقَانِ، وَأَوْجِ الرِّفْعَةِ وَالْعِرْفَانِ إِلَى حَضِيضِ الِابْتِدَاعِ وَقَاذُورَاتِ الِاخْتِرَاعِ، فَإِنَّ السَّلَامَةَ كُلَّ السَّلَامَةِ فِي اتِّبَاعِ الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ، وَالسِّرْبِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوِّلُ لَا مَا ابْتَدَعَتْهُ فُرُوخُ الْجَهْمِيَّةِ وَانْتَحَلَتْهُ أَسَاطِينُ الْفَلَاسِفَةِ مِنْ فِرَقِ الْمَشَّائِيَةِ وَالْإِشْرَاقِيَّةِ".
لكن قوله بعد ذلك: "(فَسَائِرُ الصِّفَاتِ) الذَّاتِيَّةِ مِنَ الْحَيَاةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعِلْمِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِهَا وَسَائِرُ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ مِنَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالْقَدَمِ، وَالْعَيْنَيْنِ وَنَحْوِهَا ((وَ)) سَائِرُ صِفَاتِ ((الْأَفْعَالِ)) مِنَ الِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ وَالْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ وَالتَّكْوِينِ وَنَحْوِهَا ((قَدِيمَةٌ لِلَّهِ)) أَيْ هِيَ صِفَاتٌ قَدِيمَةٌ عِنْدَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ لِلَّهِ ((ذِي الْجَلَالِ)) وَالْإِكْرَامِ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ مُحْدَثٌ وَإِلَّا لَكَانَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ وَمَا حَلَّ بِهِ الْحَادِثُ فَهُوَ حَادِثٌ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ".
هذا وافق فيه ابن كُلاَّب والأشعري، والذي يوهم نفيه للأفعال الاختيارية المتعلّقة بالمشيئة، حيث جعل جنس الأفعال من جنس الصفات الذاتية والخبرية بوصفها بالقدم، أي أنها ليست متجددة الآحاد، وهذه شبهة الكلابية التي تابعه عليها الأشعري، رغم أنه أثبت الأفعال الاختيارية في كلامه السابق، بقوله: " وَكَانَ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَسَائِرِ الْأَئِمَّةِ وَجُمْهُورِ الْأُمَّةِ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ وَصِفَاتِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ لِلَّهِ..."، إلا أن إثباته لها من باب إثبات كونها قديمة النوع ليست متعلقة بالمشيئة.
لكن الشاهد من كلامه أنه بيّن بعبارة واضحة مباينة منهج الأشعري القائم على التأويل منهج السلف وجمهور الأمة، حيث قال: "وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَى الصِّفَاتَ الْخَبَرِيَّةَ وَالْأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ أَنْ تَقُومَ بِذَاتِهِ تَعَالَى، وَأَثْبَتَ السَّبْعَ الصِّفَاتَ كَالْأَشْعَرِيَّةِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَكَانَ مَذْهَبُ السَّلَفِ وَسَائِرِ الْأَئِمَّةِ وَجُمْهُورِ الْأُمَّة .... إلخ"، وقوله: "كَالْأَشْعَرِيَّةِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ"، يدخل فيه الماتريدية بلا شك، فهذا نصُّ كلامه الموافق للنقولات السابقة عنه في أول كتابه التي تثبت بلا أدنى ريب تعظيمه لمنهج السلف الصالح القائم على الآثار والإثبات دون الرأي والتعطيل، وأنه يعتبر الأشعرية ومن وافقهم –وهم الماتريدية- هم من نفاة الصفات الخبرية والأفعال الاختيارية، ومن ثَمَّ ليسوا على مذهب السَّلَفِ وَسَائِرِ الْأَئِمَّةِ وَجُمْهُورِ الْأُمَّة.
بل لقد أبطل السفاريني في غير ما موضع أصول الأشاعرة والماتريدية في تأويل بعض الصفات التي يدَّعون أن إثباتها على حقيقتها يفضي إلى التنقص من الله عز وجل والتمثيل له بمخلوقاته، ومن ثَمَّ احتاجوا إلى تأويلها وصرفها عن ظاهرها يرومون التنزيه –زعموا!-.
ومن هذا قوله في (1/100): "وَكَذَلِكَ الرِّضَا وَالْغَضَبُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ الْعَظِيمُ وَالنَّبِيُّ الْكَرِيمُ، فَسَلَفُ الْأُمَّةِ وَعُلَمَاءُ الْأَئِمَّةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيُثْبِتُونَهُ لِلَّهِ - تَعَالَى - بِالْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ - تَعَالَى - مَعَ اعْتِقَادِهِمُ التَّنْزِيهَ وَالتَّقْدِيسَ، عَنِ التَّشْبِيهِ وَالتَّنْقِيصِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ رَحْمَةَ اللَّهِ وَحُبَّهُ -تَعَالَى- عِبَارَةً عَمَّا يَخْلُقُهُ مِنَ النِّعْمَةِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ إِثْبَاتَ هَذَا تَشْبِيهٌ؛ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ رِقَّةٌ تَلْحَقُ الْمَخْلُوقَ، وَالرَّبُّ مُنَزَّهٌ عَنْ مِثْلِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، (فَالْجَوَابُ) إِنَّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ يَلْزَمُ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِنَّ الْإِرَادَةَ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ مَيْلُهُ إِلَى مَا يَنْفَعُهُ، وَدَفْعُ مَا يَضُرُّهُ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - مُنَزَّهٌ عَنِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى عِبَادِهِ، وَهُمْ لَا يَبْلُغُونَ ضَرَّهُ وَلَا نَفْعَهُ، بَلْ هُوَ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ.
فَإِنْ قِيلَ: الْإِرَادَةُ الَّتِي نُثْبِتُهَا لِلَّهِ لَيْسَتْ مِثْلَ إِرَادَةِ الْمَخْلُوقِينَ، كَمَا أَنَّا قَدِ اتَّفَقْنَا وَسَائِرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ - تَعَالَى - حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، وَلَيْسَ هُوَ مِثْلَ سَائِرِ الْأَحْيَاءِ الْعُلَمَاءِ الْقَادِرِينَ، (فَالْجَوَابُ) أَنَّا نَقُولُ: وَكَذَلِكَ الرَّحْمَةُ وَالْمَحَبَّةُ الَّتِي نُثْبِتُهَا لِلَّهِ - تَعَالَى - لَيْسَتْ مِثْلَ رَحْمَةِ الْمَخْلُوقِ وَمَحَبَّةِ الْمَخْلُوقِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نَعْقِلُ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ إِلَّا هَذَا، قَالَ لَكَ نُفَاةِ الصِّفَاتِ: وَنَحْنُ لَا نَعْقِلُ مِنَ الْإِرَادَةِ إِلَّا هَذَا. وَقُلْنَا نَحْنُ -مَعْشَرَ أَهْلِ الْأَثَرِ-: لَا يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ فَهِيمٍ، وَلَا مُؤْمِنٍ سَلِيمٍ أَنَّ إِرَادَتَنَا وَمَحَبَّتَنَا، وَرَحْمَتَنَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا، وَإِرَادَتَهُ -تَعَالَى- وَمَحَبَّتَهُ، وَرَحْمَتَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، فَكَمَا أَنَّ ذَاتَهُ لَا تُشْبِهُ ذَوَاتِنَا، وَحَيَاتَهُ لَا تُشْبِهُ حَيَاتَنَا، فَرَحْمَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَرِضَاهُ وَغَضَبُهُ كَذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، فَكَيْفَ تُثْبِتُ لَهُ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ، وَتَنْفِي عَنْهُ الْأُخْرَى مَعَ وُرُودِ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ؟ وَلَيْسَ فِي الْعَقْلِ، وَلَا فِي السَّمْعِ مَا يُوجِبُ التَّفْرِيقَ...".
وتأمَّل أيضًا ذمَّه لمذهب الْمَرِيسِيَّةِ، والذي قامت على أصوله الأشعرية الكلامية والماتريدية، حيث قال في (1/24-25): "وَقَدْ أَجْمَعَ أَئِمَّةُ الْهُدَى عَلَى ذَمِّ الْمَرِيسِيَّةِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ كَفَّرَهُمْ وَضَلَّلَهُمْ، وَيُعْلَمُ بِمُطَالَعَةِ كِتَابِ ابْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ السَّارِيَ فِي هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ تَسَمَّوْا بِالْخَلَفِ هُوَ مَذْهَبُ الْمَرِيسِيَّةِ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَمَذْهَبُ السَّلَفِ حَقٌّ بَيْنَ بَاطِلَيْنِ، وَهُدًى بَيْنَ ضَلَالَيْنِ، قَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا يُوصَفُ اللَّهُ- تَعَالَى- إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ-: مَذْهَبُ السَّلَفِ أَنَّهُمْ يَصِفُونَ اللَّهَ - تَعَالَى - بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، فَالْمُعَطِّلُ يَعْبُدُ عَدَمًا، وَالْمُمَثِّلُ يَعْبُدُ صَنَمًا، وَالْمُسَلِّمُ يَعْبُدُ إِلَهَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ".
قلت: فانظر إلى تعظيمه كلام أحمد وابن تيمية –رحمهما الله- الذي ينصر معتقد السلف، ويهدم منهج التأويل.
وتأمل كذلك قوله بعد ذلك: "مَذْهَبُ السَّلَفِ هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُورُ، وَالْحَقُّ الثَّابِتُ الْمَأْثُورُ، وَأَهْلُهُ هُمُ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ، وَالطَّائِفَةُ الْمَرْحُومَةُ الَّتِي هِيَ بِكُلِّ خَيْرٍ فَائِزَةٌ، وَلِكُلِّ مَكْرُمَةٍ رَاجِيَةٌ، مِنَ الشَّفَاعَةِ وَالْوُرُودِ عَلَى الْحَوْضِ، وَرُؤْيَةِ الْحَقِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَلَامَةِ الصَّدْرِ وَالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ، وَالتَّسْلِيمِ لِمَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ، فَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الْخَالِفُونَ أَعْلَمَ مِنَ السَّالِفِينَ، كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ مَنْ لَا تَحْقِيقَ لَدَيْهِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ قَدْرَ السَّلَفِ، وَلَا عَرَفَ اللَّهَ - تَعَالَى - وَلَا رَسُولَهُ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ بِهِ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا مِنْ أَنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ أَسْلَمُ، وَطَرِيقَةَ الْخَلَفِ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَهَؤُلَاءِ إِنَّمَا أُتُوا مِنْ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ هِيَ مُجَرَّدُ الْإِيمَانِ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ فِقْهِ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّيِّينَ، وَأَنَّ طَرِيقَةَ الْخَلَفِ هِيَ اسْتِخْرَاجُ مَعَانِي النُّصُوصِ الْمَعْرُوفَةِ عَنْ حَقَائِقِهَا بِأَنْوَاعِ الْمَجَازَاتِ وَغَرَائِبِ اللُّغَاتِ، فَهَذَا الظَّنُّ الْفَاسِدُ أَوْجَبَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ الَّتِي مَضْمُونُهَا نَبْذُ الْإِسْلَامِ وَرَاءَ الظُّهُورِ، وَقَدْ كَذَبُوا وَأَفَكُوا عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ، وَضَلُّوا فِي تَصْوِيبِ طَرِيقَةِ الْخَلَفِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ بَاطِلَيْنِ: الْجَهْلِ بِطَرِيقَةِ السَّلَفِ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِمْ، وَالْجَهْلِ وَالضَّلَالِ بِتَصْوِيبِ طَرِيقَةِ غَيْرِهِمْ...".
قلت: وأنا في صدد البحث والتنقيب عن الأصول الخطية لشرح السفاريني؛ كي أحاول أن أدرسها دراسة كوديكولوجية لعلِّي أظفر ببغيتي، والله الموفِّق.
ولم أحصل حتى الآن إلا على المخطوطة الأزهرية، ووجدت النص ثابتًا فيها غير مقحم، لكن ما زال كلامه في هذا الموضع (1/73) يتنافى في نقدي مع سابقه ولاحقه، ويؤكد هذا إنكاره في موضع لاحق له إدخال الأشعرية والماتريدية في الفرقة الناجية، وأن لفظ حديث الفرق ينافي التعدد في الفرقة الناجية بل هي واحدة، وهي فرقة أهل الأثر أي أصحاب الحديث، حيث قال في (1/176): "قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هُمْ يَعْنِي الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ، أَهْلُ الْحَدِيثِ، يَعْنِي الْأَثَرِيَّةَ وَالْأَشْعَرِيَّةَ وَالْمَاتُرِيدِيَّةَ، قُلْتُ: وَلَفْظُ الْحَدِيثِ يَعْنِي قَوْلَهُ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً يُنَافِي التَّعَدُّدَ، وَلِذَا قُلْتُ:
(وَلَيْسَ هَذَا النَّصُّ جَزْمًا يُعْتَبَرْ فِي فِرْقَةٍ إِلَّا عَلَى أَهْلِ الْأَثَرْ)
(وَلَيْسَ هَذَا النَّصُّ) الْمَذْكُورُ عَنْ مَنْبَعِ النُّورِ وَمِصْبَاحِ الدَّيْجُورِ (جَزْمًا) يَحْتَمِلُ الْمَصْدَرِيَّةَ، أَيْ أَجْزِمُ بِهِ جَزْمًا، أَوْ أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ، أَيْ مِنْ جِهَةِ الْجَزْمِ وَالْيَقِينِ (يُعْتَبَرْ) أَيْ يُسْتَدَلُّ بِهِ وَيُوَافِقُ (فِي فِرْقَةٍ) أَيْ لَا يَنْطِقُ وَيَصْدُقُ عَلَى فِرْقَةٍ مِنَ الثَّلَاثِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً (إِلَّا عَلَى) فِرْقَةِ (أَهْلِ الْأَثَرْ) وَمَاعَدَاهُمْ مِنْ سَائِرِ الْفِرَقِ قَدْ حَكَّمُوا الْعُقُولَ، وَخَالَفُوا الْمَنْقُولَ عَنِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالْوَاجِبُ أَنْ يُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ، فَأَنَّى يَصْدُقُ عَلَيْهِمُ الْخَبَرُ، أَوْ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِمُ الْأَثَرُ".
قلت: ومهما كان، فكلام السفاريني ككلام غيره من العلماء ليس وحيًا منزلاً، بل هو عُرْضة للخطأ والصواب، ولا يعرف خطؤه من صوابه إلا بأن يُعرَض على النصوص المحكمة من الكتاب والسنة.
ولكنَّا في معرض الحجاج ضد خصوم لهم صيت يخطف القلوب الضعيفة التي قد لا تسلِّم بسهولة لهذا الأصل الأصيل بسبب ما ران على قلوبهم من التعلق بالرجال والتقديس لأقوالهم، ومن ثَمَّ نحاول أن نزيل الشبهات العالقة بكلام هؤلاء العلماء الذين يريدون أن يجعلوا كلامهم حجة على باطلهم، بأن نبين لهم أن هؤلاء العلماء أنفسهم الذين تحتجون بكلامهم، هم على خلاف ما تريدون، فإن أردتم الاحتجاج بهم، فاحتجوا بما أتوا به من الحق، ولا تتعلَّقوا بعبارة وردت في كلامهم خطأ أو لا تصح نسبتها إليهم.
وهذه طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الحجاج مع المخالفين لمَن خَبِر طريقته.
  • وجاء أيضًا في البيان الذي نشره المركز الإعلامي بالأزهر تعقيبًا على مقررات مؤتمر الشيشان: "واستدل “الطيب” بقول العلَّامة مرتضى الزَّبيدي: "والمراد بأهل السُّنة هم أهل الفِرَق الأربعة: المحدِّثون، والصُّوفية، والأشاعرة، والماتريدية"، معبرًا بذلك عن مذهب الأزهر الواضح في هذه القضية".
قلت: العلامة محمد مرتضى بن محمد بن محمد بن عبدالرزاق الحسيني العلوي، الزَّبيديُّ النَّسب، وكنيته أبو الفيض، أو أبي الوقت، ترجم له العلامة المسند محمد عبدالحي الكتاني في "فهرس الفهارس" (1/526-528) ([1])، ومما ذكره في التعريف به: "الواسطي العراقي أصلاً، الهندي مولدًا، الزَّبيدي تعلُّمًا وشهرة، المصري وفاةً، الحنفي مذهبًا، القادري إرادًة، النقشبندي سلوكًا، الأشعري عقيدة، هكذا يصف نفسه في كثير من إجازاته التي وقفت عليه بخطِّه".
قلت: وهذا تصريح واضح منه بأنه أشعري صوفي نقشبندي قادري، فماذا تنتظر منه؟
وهو من المتأخرين حيث كانت وفاته في عام 1205هـ، أي في أول القرن الثالث عشر، فكيف تقدم شهادته على شهادة أئمة القرون المفضَّلة الأولى الذين لم يعرفوا الأشاعرة ولا الماتريدية، وكان معتقد أهل السنّة قد دُوِّن في المصنَّفات قبل مولد الأشعري والماتريدي؟!
.... يتَّبع إن شاء الله.
وكتب
أبو عبدالأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري

([1]) وانظر ترجمة مفصَّله له، والتي ترجم له بها: نظام محمد صالح اليعقوبي، ومحمد ناصر العجمي في تحقيقهما لـ "المعجم المختص للزّبيدي، ويليه المعجم الصغير لشيوخه، وإجازاته للعلامة محمد سعيد السويدي" (ط دار البشائر)، وكذلك محمد عدنان البخيت، ونوفان رجا السوارية في تحقيقهما للكتاب نفسه لكن دون المعجم الصغير والإجازات (ط مركز الملك فيصل).

رد مع اقتباس