تابع... برهان البركان ضد مقررات مؤتمر الشيشان (4)
قولي –سلمك الله-: "فهذا قد يُفهم منه أنه يثبت الصفات السبع فقط على طريقة الأشاعرة، لكن إذا أكملت قراءة المنظومة وجدت أنه لم يكتفِ بإثبات هذه الصفات السبع، بل أثبت كذلك الصفات الخبرية والأفعال الاختيارية كما يأتي من كلامه في شرحه كذلك"، ليس المقصود به هذا البيت:
وَلَيْسَ رَبُّنَا بِجَوْهَرٍ وَلَا ... عَرَضٍ وَلَا جِسْمٍ تَعَالَى ذُو الْعُلَى
وقد بيّنت بعبارة واضحة: "أن وقوع السفاريني في بعض عبارات المتكلِّمين الأشاعرة هذا أمرٌ مقررٌ قرَّره العلماء الذين تعرضوا لمنظومته وشرحها بالشرح والتعليق والاستدراك، نحو المشايخ الأجلة: عبدالرحمن بن القاسم، وابن مانع، ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ، وسليمان بن سحمان –رحم الله الجميع-".
إنما كلامي واضح في الإشارة إلى الأبيات التالية في إثباته لبقية الصفات على طريقة أهل السنة، فلم يقتصر على الصفات السبع؛ حيث قال:
سُبْحَانَهُ قد اسْتَوَى كَمَا ورد ... من غير كَيفَ قد تَعَالَى أَن يحد
فَلَا يُحِيط علمنَا ب ذَاته ... كَذَاك لَا يَنْفَكّ عَن صِفَاته
فَكل مَا قد جَاءَ فِي الدَّلِيل ... فثابت من غير مَا تَمْثِيل
من رَحْمَة وَنَحْوهَا ك وَجهه ... وَيَده وكل مَا من نهجه
وعينه وَصفَة النُّزُول... وخلقه فاحذر من النُّزُول
وإن كان قوله –رحمه الله-:
وَلَيْسَ رَبُّنَا بِجَوْهَرٍ وَلَا ... عَرَضٍ وَلَا جِسْمٍ تَعَالَى ذُو الْعُلَى
فإنه يحتمل وجهًا صحيحًا على طريقة أهل السنة، كما قال الشيخ ابن عثيمين –رحمه الله- في "شرح العقيدة السفارينية" (ص223):
"هذا الكلام من المؤلف رحمه الله يحتمل وجهين:
الوجه الأول: "ولسنا نقول: - ربّنا - جوهرًا أو عرَضًا أو جسمًا"، يعني لا نقول بذلك بل نسكت، وهذا الوجه صحيح، يعني لا يجوز لنا أن ننفي أن الله جوهر أو عرض أو جسم، كما لا يجوز لنا أن نثبت ذلك؛ لأنه لم يرد في القرآن ولا السنة إثبات ذلك ولا نفيه، والمعتمد في صفات الله هو الكتاب والسنة، فإذا لم يرد فيهما إثبات ولا نفي وجب علينا أن لا نقول بالإثبات ولا بالنفي.
الوجه الثاني لكلام المؤلف: نفي الجوهر لا نفي القول به، وعلى هذا الوجه يكون معناه القول بنفي الجوهر، يعني إننا نقول: إنه ليس بجوهر.
والفرق بين الوجهين ظاهر".
وإن كان الشيخ –رحمه الله- رجّح الوجه الثاني، حيث قال: "وأما الوجه الثاني وهو القول بأنه ليس بجوهر فهذا غير صحيح، وهو ظاهر كلام المؤلف، فالمؤلف - رحمه الله - يرى أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يقولون: إن الله ليس بجوهر ولا عرض ولا جسم، ولا شك أن هذا النفي ليس بصحيح، ولم يقل أهل السنة بذلك، وليس هذا مذهبهم؛ لأنهم لا يجزمون بنفي شيء أو إثباته إلا بدليل، وهذا ليس فيه دليل، لا إثباتًا ولا نفيًا.
والجوهر: هو ما قام بنفسه، والعرض: هو ما قام بغيره، والجسم: يعني ما له تمثال، يعني أنه شيء ملموس أو قائم مجسم.
فالمؤلف رحمه الله يرى أن من عقيدتنا أن ننفي هذه الثلاثة عن الله عز وجل، ولكن هذا ليس بصحيح وليس من مذهب أهل السنة والجماعة وذلك أن هذه الألفاظ ألفاظ حادثة لم تكن معروفة عند السلف فلا يوجد في أقوال السلف قول يقول: إن الله جسم ولا أنه ليس بجسم، ولا أن الله عرض ولا أنه ليس بعرض، ولا أن الله جوهر ولا انه ليس بجوهر، لا في القرآن ولا في السنة ولا في كلام السلف.
لكن المتكلِّمين لما حدثت فتنتهم صاروا يذكرون هذه الكلمات للتوصل بنفيها إلى نفي الصفات عن الله، فمثلا يقولون: النزول لا يكون إلا بجسم والله تعالى ليس بجسم، وإذا انتفى الملزوم انتفى اللازم، إذن لا ينزل الله إلى السماء الدنيا، كذلك الاستواء على العرش حقيقة يستلزم أن يكون الله جسمًا، والله تعالى ليس بجسم، إذن فنفي استواء الله على العرش، وهكذا أتى المتكلمون بمثل هذه العبارات ليتوصلوا بها إلى نفي صفات الله عز وجل، وإلا فليس لهم غرض في نفي هذا أو إثباته إلا هذه المسألة".
قلت: لكن السفاريني –رحمه الله- ما قصد هذه المعاني الباطلة التي أرادها المتكلِّمون، بدليل أنه أنكر كلامهم إنكارًا شديدًا في شرحه "لوامع الأنوار البهية"، وأثبت هذه الصفات إثباتًا واضحًا، وإن كان أخطأ في العبارة السابقة.
وكان مِمَّا قاله في "لوامع الأنوار البهية" (1/190): "((قَدِ اسْتَوَى)) عَلَى عَرْشِهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتِهِ اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِذَاتِهِ ((كَمَا وَرَدَ)) فِي الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَالنُّصُوصِ السَّلَفِيَّةِ، مِمَّا لَا يُحْصَى وَيَتَعَذَّرُ أَنْ يُسْتَقْصَى، فَهَذَا كِتَابُ اللَّهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ عَامَّةُ كَلَامِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - ثُمَّ كَلَامُ سَائِرِ أَئِمَّةِ الدِّينِ مِمَّنْ تُلْوَى عَلَى كَلَامِهِمُ الْخَنَاصِرُ، وَلَا يُنَازِعُ فِيهِ إِلَّا كُلُّ مُعَانِدٍ وَمُكَابِرٍ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَتِلْمِيذُهُ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الْجُيُوشِ الْإِسْلَامِيَّةِ: هَذَا كِتَابُ اللَّهِ. وَذَكَرَ مِثْلَ مَا ذَكَرْنَا...".
قلت: لكن وقع منه –رحمه الله- في إثباته صفة الرحمة شيء من التأويل الموافق للأشاعرة، وإن كان ردَّ عليهم بعض ما قالوه في تأويل الرحمة، فقال كما في لوامع الأنوار البهية (1/32): "وَرَحْمَةُ اللَّهِ - جَلَّ شَأْنُهُ وَتَعَالَى سُلْطَانُهُ - صِفَةٌ قَدِيمَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ - تَعَالَى - تَقْتَضِي التَّفْضِيلَ وَالْإِنْعَامَ، وَأَمَّا تَفْسِيرُهَا بِرِقَّةٍ فِي الْقَلْبِ تَقْتَضِي التَّفْضِيلَ، فَالتَّفْضِيلُ غَايَتُهَا، فَيُرَادُ مِنْهَا غَايَتُهَا".
وقال في (1/221): "قَالَ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى عِبَارَةً عَمَّا يَخْلُقُهُ مِنَ النِّعْمَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ رَحْمَتَهُ إِرَادَتَهُ لِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ الرَّحْمَةَ لُغَةً رِقَّةُ الْقَلْبِ وَانْعِطَافِهِ، وَذَلِكَ مِنَ الْكَيْفِيَّاتِ التَّابِعَةِ لِلْمِزَاجِ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْهَا، فَالْمُرَادُ بِهَا فِي حَقِّهِ إِرَادَةُ الْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى مَنْ يَرْحَمُهُ، فَإِنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى تُؤْخَذُ بِاعْتِبَارِ الْغَايَاتِ الَّتِي هِيَ أَفْعَالٌ، دُونَ الْمَبَادِئِ الَّتِي هِيَ انْفِعَالَاتٌ".
قال العلامة ابن عثيمين –رحمه الله- في شرح السفارينية (ص247): "فهم –أي الأشاعرة- يثبتون الإرادة؛ ولذلك يفسرون الرحمة بإرادة الإحسان، فيقولون: الرحمن الرحيم: يعني المريد للاحسان، أو المحسن، فيفسرون الرحمة بلازمها ومقتضاها، ولا شك أن هذا تحريف.
والرد عليهم في ذلك بأن يقال: ما دام أثبتم الإرادة فليس هناك ما يمنع أن تثبتوا الرحمة، وما زعمتم من أن الرحمة رقة ولين وضعف فالجواب عن هذا بأمرين:
الأول: منع أن تكون الرحمة دالة على الرقة واللين والضعف.
والثاني: لو قدر أن هذا مقتضاها باعتبار رحمة المخلوق، فإن ذلك لن يكون مقتضاها باعتبار رحمة الخالق".اهـ
قلت: وأكرر أن البحث ليس في وقوع بعض عبارات الأشاعرة المتكلّمين في كلام السفاريني، لكن دون قصد منه لالتزام أصولهم، إنما البحث في الاستشكال التالي، ألا وهو:
هل السفاريني يعتبر أصول المنهج الأشعري والماتريدي في التأويل تدخل في نطاق أصول أهل السنة، ومن ثَمَّ أدخل الأشاعرة والماتريدية في حيز أهل السنة أم لا ؟!وهذا الذي أراد شيخ الأزهر ومَن تابعه الاستشهاد به من كلام السفاريني.
وقد بيَّنت بجلاء الإجابة عن هذا السؤال في التقرير السابق، فلا حاجة للإعادة، والله المستعان.