عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 07-27-2010, 08:20 AM
أبو الحسن الليبي أبو الحسن الليبي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: ليبيا بنغازي
المشاركات: 127
شكراً: 0
تم شكره 10 مرة في 9 مشاركة
افتراضي من درر شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

عن أبي حيان التيمي أنه قال‏:‏ العلماء ثلاثة‏:‏ فعالم باللّه ليس عالماً بأمر اللّه ، وعالم بأمر اللّه ليس عالماً باللّه ، وعالم باللّه عالم بأمر اللّه‏ .‏ فالعالم باللّه هو الذي يخافه ، والعالم بأمر اللّه هو الذي يعلم أمره ونهيه ‏.‏ وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال‏:‏ ‏"‏واللّه إني لأرجو أن أكون أخشاكم للّه ، وأعلمكم بحدوده‏"‏‏.‏
وإذا كان أهل الخشية هم العلماء الممدوحون في الكتاب والسنة ، لم يكونوا مستحقين للذم ، وذلك لا يكون إلا مع فعل الواجبات ، ويدل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏13، 14‏] ‏، وقوله‏:‏‏ {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏46‏]‏ ، فوعد بنصر الدنيا وبثواب الآخرة لأهل الخوف ، وذلك إنما يكون لأنهم أدوا الواجب ، فدل على أن الخوف يستلزم فعل الواجب ؛ ولهذا يقال للفاجر‏:‏ لا يخاف اللّه‏ .‏ ويدل على هذا المعنى قوله تعالى‏:‏‏ {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ}‏ ‏[‏النساء‏:‏17‏] ‏‏.‏
قال أبو العالية‏:‏ سألت أصحاب محمد عن هذه الآية ، فقالوا لي‏:‏ كل من عصى اللّه فهو جاهل ، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ‏.‏ وكذلك قال سائر المفسرين ‏.‏ قال مجاهد‏:‏ كل عاص فهو جاهل حين معصيته‏ .‏ وقال الحسن وقتادة وعطاء والسُّدِّي وغيرهم‏:‏ إنما سموا جهالاً لمعاصيهم ، لا أنهم غير مميزين ‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ ليس معنى الآية‏:‏ أنهم يجهلون أنه سوء ؛ لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءاً ، وإنما يحتمل أمرين‏:
‏أحدهما‏:‏ أنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه ‏.‏
والثاني‏:‏ أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة ، وآثروا العاجل على الآجل ، فسموا جهالاً لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة ، والعافية الدائمة ‏.‏ فقد جعل الزجاج الجهل إما عدم العلم بعاقبة الفعل ، وإما فساد الإرادة ، وقد يقال‏:‏ هما متلازمان ، وهذا مبسوط في الكلام مع الجهمية‏.‏
والمقصود هنا أن كل عاص للّه فهو جاهل ، وكل خائف منه فهو عالم مطيع للّه ، وإنما يكون جاهلاً لنقص خوفه من اللّه ؛ إذ لو تم خوفه من اللّه لم يعص ‏.‏ ومنه قول ابن مسعود رضي اللّه عنه ‏:‏ كفى بخشية اللّه علماً ، وكفى بالاغترار باللّه جهلاً ، وذلك لأن تصور المخوف يوجب الهرب منه ، وتصور المحبوب يوجب طلبه ، فإذا لم يهرب من هذا ، ولم يطلب هذا ، دل على أنه لم يتصوره تصوراً تاماً ، ولكن قد يتصور الخبر عنه ، وتصور الخبر وتصديقه وحفظ حروفه غير تصور المخبر عنه ، وكذلك إذا لم يكن المتصور محبوباً له ولا مكروهاً ، فإن الإنسان يصدق بما هو مخوف على غيره ومحبوب لغيره ، ولا يورثه ذلك هرباً ولا طلبا ‏.‏ وكذلك إذا أخبر بما هو محبوب له ومكروه ، ولم يكذب المخبر بل عرف صدقه ، لكن قلبه مشغول بأمور أخرى عن تصور ما أخبر به ، فهذا لا يتحرك للهرب ولا للطلب‏.‏
وفي الكلام المعروف عن الحسن البصري ويروى مرسلاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ‏:‏ "‏العلم علمان‏:‏ فعلم في القلب ، وعلم على اللسان ‏.‏ فعلم القلب هو العلم النافع ، وعلم اللسان حجة اللّه على عباده‏" .‏
وقد أخرجا في الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال‏:‏‏ "‏مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأُتْرُجَّة ، طعمها طَيِّب وريحها طيب‏.‏ ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة ، طعمها طيب ، ولا ريح لها‏.‏ ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ، ريحها طيب وطعمها مر‏ .‏ ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحَنْظَلَة ، طعمها مر ، ولا ريح لها‏" ‏‏.‏ وهذا المنافق الذي يقرأ القرآن يحفظه ويتصور معانيه ، وقد يصدق أنه كلام اللّه ، وأن الرسول حق ، ولا يكون مؤمنا ، كما أن اليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، وليسوا مؤمنين ، وكذلك إبليس وفرعون وغيرهما‏ .‏ لكن من كان كذلك ، لم يكن حصل له العلم التام والمعرفة التامة ‏.‏ فإن ذلك يستلزم العمل بموجبه لا محالة ؛ ولهذا صار يقال لمن لم يعمل بعلمه‏:‏ إنه جاهل، كما تقدم ‏.‏

المصدر :
كتاب الإيمان لابن تيميه - رحمه الله -
دراسة وتحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - رحمه الله -

التعديل الأخير تم بواسطة أبو الحسن الليبي ; 07-27-2010 الساعة 08:23 AM
رد مع اقتباس