منتديات منابر النور العلمية

العودة   منتديات منابر النور العلمية > :: الـمـــنابـــر الـعـلـمـيـــة :: > المـــنـــــــــــــــــــــبـــــــــر الــــــــعـــــــــــــــــــــام > منبر الردود السلفية والمساجلات العلمية

آخر المشاركات ردود الصعافقة بعضهم على بعض وكشف بعضهم أسرار بعض ليست صحوة ضمير وإنما تنازع لصوص، واختلاف زعامات،... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          نموذج من بكائيات الصعافقة على ما فعلوه في أنفسهم من اللؤم ونكران الجميل! (محمد خليفة الداودي... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          من أفرد عاشوراء بالصوم فقط هل يحصل على ثواب تكفير السنة كاملة؟ (الكاتـب : أبو هريرة الكوني السلفي - )           »          والله إني لأتعجب من شدة وقاحة ووضاعة وصفاقة وجه الصعافقة(مثل نزار هاشم وفواز المدخلي وبلال السالمي... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          الصعفوق فواز المدخلي جاء ليدافع عن نزار هاشم السوداني في بدعته حول اسم الله الشافي فورط نفسه ومن... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          كشف شبهات المشبه الأشعري محمد رجب عريان الحسني (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          من عجائب زماننا وهو من عجائب الصعافقة وكيف كانوا يعيشون على المكر والخبث (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          كشف شبهات وأكاذيب الرويبضة (ذَنَب الكوري هدي) المدعو أبو يحيى مصطفى البيضاوي (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          التنبيه على (مكر عابر) لأحد مكرة الصعافقة المغاربة المدعو (فؤاد منجيب) (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          نموذج من تعالم الصعافقة وابتداعهم أقوالا للتبرير لشيوخ الفتنة عندهم (دفاع هوراز الكردي عن نزار... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طريقة عرض الموضوع
  #1  
قديم 04-01-2012, 12:09 AM
بلال الجيجلي بلال الجيجلي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الجزائر- ولاية جيجل - حرسها الله من كل سوء-
المشاركات: 941
شكراً: 13
تم شكره 43 مرة في 40 مشاركة
افتراضي التَّلْخِيصُ المُفْحِمُ في بَيانِ أنَّ حُكَمَ تجْرِيحِ المُبْتَدِعَةِ الصَادِرِمِنْ أهْلِ العِلْمِ المُعْتَبَرِينَ بِالأدِلةِوالبَرَاهِينَ أمْرٌ ملزم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَنْ سار على نهجه إلى يوم الدِّين؛ أما بعد:
فإنَّ من المسائل التي خلط فيها كثير من أهل الأهواء – سواء كانوا مميعة جفاة أو حدادية غلاة – في هذا العصر مسألة "الإلزام في تجريح المبتدعة".
فذهب دعاة التمييع وأنصارهم: إلى أنَّ تجريح المبتدعة غير ملزم، فلو بدَّع أحدٌ من أهل العلم المعتبرين رجلاً بالأدلة الواضحة والبراهين القاطعة فلا يلزم أن يُبدِّعه غيره ولو اطلع على تلك الأدلة والبراهين!!، ولا يحق له أن يُلزِم الآخرين بتجريح ذلك المبتدع، إلا بشرطين: الإجماع!، أو الإقناع!، أي: إنْ أجمع أهل العلم على جرح مبتدع فيكون ملزماً على الجميع تبديعه، وإنْ اختلفوا فلا يلزم الآخرين تبديعه إلا إذا اقتنعوا!.
وأما الحدادية الغلاة فذهبوا: إلى الإلزام بجرح المبتدعة مطلقاً ولو كان الجرح من غير ذكر الأسباب الموجبة له، فضلاً عن كونها معتبرة أو غير معتبرة، وهذا مع كونهم يُبدِّعون كل مَنْ وقع في بدعة دون تفصيل، بل ويُبدِّعون مَنْ لا يبدِّع مَنْ بدَّعوه وإنْ كان ممَنْ لم يطلع على حال مَنْ بدَّعوه أو لم يعرف أسباب تبديعه.
وهذا المذهبان باطلان؛ والحق وسط بينهما.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في [إغاثة اللهفان 1/182]: ((فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وخير الناس النمط الأوسط الذين ارتفعوا عن تقصير المفرِّطين، ولم يلحقوا بغلو المعتدين؛ وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطاً، وهي الخيار العدل، لتوسطها بين الطرفين المذمومين، والعدل: هو الوسط بين طرفي الجور والتفريط، والآفات إنما تتطرق إلى الأطراف، والأوساط محمية بأطرافها، فخيار الأمور أوساطها)).
وقد كتبتُ رسالة بعنوان [إعلام الدعاة بسمات المميعة والحدادية الغلاة] وهي منشورة في الشبكة العنكبوتية؛ بينتُ فيها سمات الطائفتين، فليطالعها مَنْ شاء التفصيل.
ولما كانت البدعة سبب من أسباب جرح الرواة عند علماء الجرح والتعديل، كان لعلم الجرح والتعديل وقواعده النصيب الأكبر في تشغيب هاتين الطائفتين وتلبيساتهم، لأنَّ هذا العلم يضبط مسألة التجريح بقواعد أصلها أئمة هذا العلم، فمَنْ تمسَّك بها سَلِمَ من الإفراط والتفريط.
ولما رأى هؤلاء – المميعة أو الحدادية – أنَّ هذه القواعد تُخالِف ما هم عليه من تأصيلات ومواقف، لهذا أقدموا على هذه القواعد: بالتعطيل تارة، وبالتشكيك تارة، وبإحداث قيود أو شروط أو فوارق أو أصول محدثة في هذا العلم تارة أخرى.
من ذلك: أنهم قالوا أنَّ علم الجرح والتعديل لا يوجد في أدلة الكتاب والسنة!، وقالوا: علم الجرح والتعديل انقطع في هذا الزمان!، وقالوا: الجرح والتعديل وجهته المرويات!، وقالوا: موضوع الجرح والتعديل المعاصر ليس له علاقة بموضوع الجرح والتعديل الماضي!، وفرَّق بعضهم بين جرح الرواة وجرح المبتدعة من حيث لزوم ذكر أسباب الجرح!، فزعموا أنَّ جرح الرواة يلزم فيه ذكر أسباب الجرح، أما جرح المبتدعة فلا يلزم، وقال بعضهم: أنَّ علم الجرح والتعديل المعاصر مرتبط بالبدع لا بالرواية!، وقال آخر: ينبغي التفريق بين عالم حديث وعالم عقيدة!؛ فعالم الحديث أعلم بعلم الجرح والتعديل المرتبط بالرواية، وعالم العقيدة أعلم بعلم الجرح والتعديل المرتبط بالبدع، وفرَّق آخر بين الإمامة في السنة والإمامة في الحديث!، وأنَّ الواجب أخذ قواعد المنهج والتعامل مع المخالف من أئمة السنة لا من أئمة الحديث، وقال آخر: أنَّ موضوع الجرح والتعديل خاص لأهل العلم، وعامة طلبة العلم ليس لهم علاقة بالجرح والتعديل!، وزعم أنَّ موقف عامة الطلبة إذا أجمع أهل العلم على تبديع واحد لا يسعهم أن يخالفوا؛ لكن بشرط إذا أجمعوا!؛ وذلك بدعوى أنه لا يُترك الرجل حتى يجتمع الجميع على تركه، وهذا يعني أنه في حال الخلاف لا إلزام بالجرح، بل صرح بعضهم قال: لا إلزام بالجرح المفسَّر المعتبر ولو كان بالأدلة الصريحة والبراهين القاطعة!!، وإنما شرط الإلزام هو الإقناع!، وأغلق بعضهم باب الجرح تماماً فقال: نصحح ولا نجرِّح!، أو نحذِّر من الأخطاء ولا نتعرض للأشخاص!، ومنهم مَنْ يشكك في قاعدة وجوب قبول خبر الثقة!، فزعم أنَّ خبر الثقة قد يقبل وقد لا يقبل، ومنهم مَنْ فرَّق بين خبر الثقة وبين حكم الثقة!، أو بين خبر الثقة وجرح الثقة، أو بين خبر الثقة في المسائل الشرعية وخبر الثقة في قضايا الأعيان، ومنهم مَنْ يزعم أنَّ كلام علماء الجرح والتعديل من قبيل الأحكام المبنية على الرأي والاستنباط!، فأحكامهم في الرواة جرحاً وتعديلاً ولو كان مفسَّراً فلا إلزام فيه على المخالف لهم، وصرَّح بعضهم: أنَّ الخلاف في الحكم على الرجال كخلاف الفقهاء في المسائل الاجتهادية؛ فلا إنكار ولا تشنيع، بل الأمر واسع.
أقول:
والذي يظهر أنَّ هؤلاء منهم مَنْ يحاولون إيقاف العمل بباب الجرح كلياً، من قبيل تطبيق قاعدة "ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه"، ومنهم مَنْ يحاول تعطيل أثره والإلزام به، ليبقى الأمر على الخيار!، من قبيل قاعدة: "لا نجعل خلافنا في مبتدع أو سني وقع في بدعة سبباً للخلاف فيما بيننا"، وهذه المحاولات يسعى إليها دعاة التمييع المعاصر بعد أن طالهم الجرح أو خشية أن يطولهم، وقد أشار إلى ذلك العلامة الشيخ مقبل رحمه الله تعالى في أثناء رده على عبد الله الأهدل الذي كان يقول: ((ليس عند السلفيين في منهجهم تعديل!, بل في منهجهم الجرح فقط))!، فردَّ عليه الشيخ مقبل رحمه الله تعالى في كتابه [فضائح ونصائح /ص144-147/ دار الحرمين بالقاهرة] قائلاً: ((مسألة الجرح قصمت ظهورهم, وكل واحد حتى وإنْ لم نجرحه فهو متوقع أن نجرحه اليوم أو غداً أو بعد غد!. في الصحيحين عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك"، ورب العزة يقول في كتابه الكريم: "لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ".
فهل معنى الجرح والتعديل مقصور على القرن الثالث وما بعده يكون حراماً؟!
فأين دليلك؟ والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
والجرح له أصل أصيل في الكتاب والسنة, فموسى يقول لصاحبه: "إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ"، ورب العزة يقول في كتابه الكريم: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ. وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث", فلما لم يقل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الآية حدها إلى القرن الثالث!, وما بعد القرن الثالث مثله كمثل الذي ألف كتاباً بعنوان: [أشد الجهاد في إبطال الاجتهاد], فما بقي اجتهاد بعد أصحاب المذاهب الأربعة, وفضل الله واسع ولا ينبغي أن ينكر.
والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول لمعاذ: "أفتان أنت يا معاذ؟" ويقول لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية".
فنحن إذا تركنا عبدالله بن فيصل الأهدل يسرح ويمرح وهو حرب على طلبة العلم المتمسكين بالسنة, فيا عبدالله بجانبك الصوفية يدعون غير الله, وهناك قوانين وضعية في اليمن وغيرها, وهناك جهل قد عم وطم:
بو بكر بن سالم يا بخت من زاره ..... ذي ما معه برهان ما عاشت أخباره
فلماذا لا تبدأ بتلك القباب المشيدة على القبور؟ والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر علي بن أبي طالب ألا يدع قبراً مشرفاً إلا سواه ولا صورة إلا طمسها, أم الأقدم محاربة أهل السنة.
ولماذا لا تبدأ بالمساجد المشيدة على القبور أيضاً؟ والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد, ألا فلا تتخذوا القبور مساجد, فإني أنهاكم عن ذلك".
معناه: أننا لا نجرح الصوفية!، ولا نجرح الشيعة!، ولا نجرح الشيوعية والبعثيين والناصريين!، ولا مبتدعاً!.
ومن فضل الله عليَّ - وعلى رغم أنفك - كان جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده يلقباني بمجدد العصر؛ وبعد أن خرجت أشرطة أبي عبدالرحمن - والفضل في هذا لله - وكتب مثل (منهج المدرسة العقلية في التفسير) و (دعوة جمال الدين الأفغاني في ميزان الإسلام).
لكن مسألة الأشرطة يأتي غير واحد ويقول: هؤلاء دخلوا في الماسونية من أجل أن يعرفوها, وهما من العلماء الأجلاء, ولا تتكلم فيهما، ولا محمد الغزالي, فإذا تكلمتَ في محمد الغزالي فتكلَّم في كتبه، ولا تتكلَّم في شخصيته!!.
فقلتُ: سأتكلم في شخصيته قبل هذا, لأنَّ كتبه قد أصبحت كالمجلات, كل أسبوع وهو يخرج لنا كتاباً, فليس عندي وقت كلما أخرج كتاباً أتكلم عليه!, محمد الغزالي مجدد أو داعية كبير ولكن إلى الضلال!.
وأنا أخشى يا عبدالله أن تكون صوفياً مدسوساً في صفوف السلفية, فكلامك ليس كلام رجل يخاف الله سبحانه وتعالى، ويعلم أنه محسوب عليه, فعليك أن تتوب إلى الله سبحانه وتعالى.
أما "مسألة الجرح والتعديل"؛ فأنت عندنا من المجروحين, ولا يصح أن يحضر دروسك أحدٌ، فقد أصبحت حرباً على السنة وعلى أهل السنة, وأشكر لإخواني في الله, وأسأل الله أن يبارك فيهم, فقد قالوا: إنه كان هناك عقد نكاح ورأى المسجد مملوءاً فأراد أن يغتنم الفرصة فصعد المنبر!, فذهب جميع الإخوان من بين يديه, ولم يبق معه إلا ثلاثة أو أربعة، فأقول: إنَّ الذي يجلس عند هؤلاء المحاربين للسنة يعتبر مكثراً لسوادهم ومعيناً لهم.
والمعتزلة قبلك يتألمون من مسألة الجرح والمبتدعة كذلك!!, حتى قال بكر بن حماد وليس بمبتدع:
ولابن معين في الرجال مقالة.....سيسأل عنها والمليك شهيد
فإن يك حقاً فهي في الحكم غيبة.....وإن يك زوراً فالحساب شديد
وأنا أسألك عن قول الذهبي - لأنه بعد القرون المفضلة - حين قال: "رتن، وما رتن؟ دجال من الدجاجلة، ادَّعى الصحبة بعد ستمائة عام", فهل تجاوز الإمام الذهبي ما ليس له؟, أم قال كلمة حق؟
وهكذا ما زال العلماء يحذِّرون من المبتدعة ومن أهل البدع, ولله در الإمام أحمد حيث يقول: "الرد على أهل البدع أفضل من الجهاد في سبيل الله", فالرد على مثلك وأمثالك نراها من أفضل القربات، وستحترق كما احترق أحمد المعلم، وعبدالمجيد الريمي، ومحمد المهدي، وعقيل المقطري)) انتهى كلام الشيخ مقبل.
أقول:
هذا حال المميعة الجفاة.
وأما الحدادية الغلاة فيسعون إلى فتح باب الجرح على مصراعيه لمَنْ هبَّ ودبَّ؛ لا فرق بين أهل العلم المعتبرين وبين الجهلة المقلِّدين، أو من غير التزام بالقواعد والضوابط التي وضعها علماء الجرح والتعديل في هذا الباب.
ومن هنا نلاحظ أنه من الأهمية بمكان أن نذكر كلمة في تعريف علم الجرح والتعديل وبيان نشأته وغايته وذكر أدلة مشروعيته وأهميته، قبل الشروع في ذكر وجوه الإلزام في جرح المبتدعة.
فأقول:
إنَّ أقدم تعريف اصطلاحي لعلم الجرح والتعديل هو ما ذكره الإمام ابن أبي حاتم الرازي رحمه الله تعالى؛ فقد أخرج الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في [الكفاية/38] بسنده إلى محمد بن الفضل العباس قال: ((كنا عند عبد الرحمن بن أبي حاتم وهو يقرأ علينا كتاب الجرح والتعديل، فدخل عليه يوسف بن الحسين الرازي فقال: يا أبا محمد ما هذا الذي تقرؤه على الناس؟ قال: كتاب صنَّفته في الجرح والتعديل، قال: وما الجرح والتعديل؟ قال: أُظهِرُ أحوالَ أهلِ العلمِ مَنْ كان منهم ثقةٌ أو غيرُ ثقةٍ)).
وقال العلامة صديق حسن القنوجي رحمه الله تعالى في كتابه [أبجد العلوم 2/211]: ((علم الجرح والتعديل: علمٌ يبحث فيه عن جرح الرواة وتعديلهم بألفاظ مخصوصة، وعن مراتب تلك الألفاظ؛ وهو فرع من فروع علم رجال الحديث)).
وأما نشأة علم الجرح التعديل: فقد نشأ هذا العلم في زمن مبكر من ظهور الإسلام والقرآن ينزل، فقد تكلَّم الله تعالى في الكفار والمنافقين وبعض ضعاف الإيمان في عدة آيات من كتابه العزيز، تكلَّم في أشخاصهم جملة وتعييناً، وتكلَّم على أعمالهم وأقوالهم وحذَّر منها، وعدَّل جل في علاه رسله والصالحين من الناس والصحابة الأخيار وأهل الإيمان والرضوان في عدة آيات أخر.
وقد قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ))، وقال تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى))، وقال تعالى: ((وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ))، وقال تعالى: ((يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ))، وقال تعالى: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)).
ففي الآية الأولى الأمر بالتثبت في خبر الفاسق؛ وقد أوجب الله تعالى على المسلمين التوقف في قبول خبره حتى يتبين صدقه من كذبه؛ وهذا لا يتم إلا بدراسة حياته وأحواله والكلام فيه، وهذا هو علم الجرح والتعديل.
ويفهم منها بمفهوم المخالفة: عدم التثبت في خبر الثقة؛ بل يجب قبول خبره ما لم يتبين خلافه بالأدلة العلمية والقرائن الصحيحة.
وكذلك يفهم منها: التوقف في خبر المجهول؛ لأننا لا ندري أثقة هو أم فاسق؟!.
وأما آيات الشهادة؛ فيطلب الله تعالى العدل والرضى في الشهود، والأخبار التي تنقل عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم تدخل فيها دخولاً أولياً، لأنَّ طلب الرضى والعدل في الخبر المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو دين للأمة وتشريع لها؛ أولى من أن يطلب ذلك في الشهادة في الأحكام.
وأما الآية الأخيرة؛ فينهى الله تعالى فيها عن قبول خبر الفاسق، ومن هنا يتبين أنَّ المجروحين ليسوا سواء، فمن الفسقة مَنْ يُرد حديثه، ومنهم مَنْ يُتثبَّت في حديثه، ذلك لأنَّ منهم المتأول المخطئ ومنهم المفرِّط غير المتأول.
وعلى هذا فقد أشارت الآيات إلى إجراء عملية الجرح والتعديل في حق نقلة الأخبار؛ حتى يصنفوا بعد تلك العملية إلى: عدول، ومجروحين، ومجاهيل؛ وهذا لا يمكن إلا عن طريق دراسة أخبار النقلة ومعرفة أحوالهم معرفة تامة.
وأما في السنة النبوية؛ فقد جرح صلى الله عليه وسلم وعدَّل أناس كثيرين تعميماً وتعييناً، فجرَّح صلى الله عليه وسلم الفرق الثنتين والسبعين الضالة، وقوماً تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، ودعاة من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا لكنهم على أبواب جهنم، وحكاماً ظلمة، وأئمة مضلين، وكل منافق عليم اللسان، والقدرية وأنهم مجوس هذه الأمة، ووصف الخوارج بأنهم كلاب أهل النار، وجرح المنافقين والفسقة من أهل الكبائر، وعدَّل صلى الله عليه وسلم صحابته الأبرار وأثنى عليهم جملة وأثنى على كثير من أعيانهم تصريحاً، وعدَّل أهل العلم ورثة الأنبياء، وأثنى على الأئمة والخلفاء العدول، وأثنى على أهل الصلاح والخير والعدل إلى قيام الساعة على مختلف أصنافهم وأعمالهم، وجرَّح صلى الله عليه وسلم رأس الخوارج في زمانه وأمر بقتال أتباعه إلى يوم الدِّين فقال: ((يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود))، وعدَّل أويساً القرني فقال: ((خير التابعين رجل من قرن يقال له أويس))، وأثنى على المهدي الذي يخرج آخر الزمان ووصفه بالعدل والصلاح، وقال لفاطمة بنت قيس عندما خطبها أبو جهم ومعاوية: ((أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، أنكحي أسامة))، وفي حديث أخر قال في أحد المنافقين: ((بئس أخو العشيرة))، ووثق صلى الله عليه وسلم ابن أم مكثوم حينما أمر فاطمة بنت قيس أ تعتد في بيته فقال: ((اعتدي في بيت ابن أم مكثوم؛ فانه رجل أعمى تضعين ثيابك))، وقال: ((جعيل خير من ملء الأرض من فلان)).
بل أمر صلى الله عليه وسلم بمعاملة الناس بحسب مراتبهم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ننزل الناس منازلهم))، وفي هذا تأسيس لمبدأ مراتب الرواة جرحاً وتعديلاً؛ والحكم على رواياتهم قبولاً ورداً.
بل وحمَّل صلى الله عليه وسلم أهل العلم أمانة عظيمة فقال: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله: ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين))، وفي هذا دليل على أنَّ أهل العلم أمناء ويجب عليهم أن يكشفوا للأمة الجاهلين والمبطلين والغالين.
وأسس صلى الله عليه وسلم مبدأ النقد نصحاً فقال: ((الدين النصيحة)) ثلاثاً، فلما سُئل لمَنْ؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)).
وكما أنَّ آيات الشهادة جعلت مدار قبولها العدالة، كذلك نبَّه صلى الله عليه وسلم إلى محل آخر لا بد أن يراعى في نقلة الأخبار؛ فقال: ((نضر الله امرءاً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه؛ فرب مبلَّغ أوعى من سامع))، وفي ذلك تأسيس إلى أنَّ محل النظر في أحوال الراوي مداره: العدالة والضبط، بل وفيه إشارة إلى التفريق بين الرواية والدراية.
وكما أنَّ الكتاب والسنة دلتا على مشروعية الجرح والتعديل؛ كذلك دلَّ الإجماع وعمل السلف:
فقد ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه [رياض الصالحين] المواضع التي تجوز فيها الغيبة، وقال: ((منها: جرح المجرحين من الرواة والشهود والمصنفين؛ وذلك جائز بالإجماع، بل واجب صوناً للشريعة))، وقال: ((ومنها: إذا رأيتَ متفقهاً يتردد إلى فاسق أو مبتدع يأخذ عنه علماً وخفت عليه ضرره؛ فعليك نصيحته ببيان حاله قاصداً النصيحة)).
وقال رحمه الله تعالى في شرحه على صحيح مسلم: ((اعلم أنَّ جرح الرواة جائز، بل هو واجب بالاتفاق للضرورة الداعية إليه، لصيانة الشريعة المكرمة، وليس هو من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يزل فضلاء الأمة وأخيارهم وأهل الورع منهم يفعلون ذلك)).
وقال العلامة ابن رجب رحمه الله تعالى في أول رسالته [الفرق بين النصيحة والتعيير]: ((اعلم أنَّ ذِكر الإنسان بما يكره محرم إذا كان المقصود منه مجرد الذمِّ والعيب والنقص. فأما إنْ كان فيه مصلحة لعامة المسلمين خاصة لبعضهم وكان المقصود منه تحصيل تلك المصلحة فليس بمحرم بل مندوب إليه.
وقد قرر علماء الحديث هذا في كتبهم في الجرح والتعديل، وذكروا الفرق بين جرح الرواة وبين الغيبة، وردُّوا على من سوَّى بينهما من المتعبدين وغيرهم ممن لا يتسع علمه.
ولا فرق بين الطعن في رواة حفَّاظ الحديث ولا التمييز بين من تقبل روايته منهم ومن لا تقبل، وبين تبيين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة وتأوَّلَ شيئاً منها على غير تأويله وتمسك بما لا يتمسك به، ليُحذِّر من الاقتداء به فيما أخطأ فيه، وقد أجمع العلماء على جواز ذلك أيضاً.
ولهذا نجد في كتبهم المصنفة في أنواع العلوم الشرعية من التفسير وشروح الحديث والفقه واختلاف العلماء وغير ذلك ممتلئة بالمناظرات وردِّ أقوال من تُضَعَّفُ أقواله من أئمة السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
ولم يترك ذلك أحد من أهل العلم ولا ادعى فيه طعناً على من ردَّ عليه قولَه ولا ذمَّاً ولا نقصاً؛ اللهم إلا أن يكون المصنِّف ممن يُفحش في الكلام ويُسيءُ الأدب في العبارة، فيُنكَر عليه فحاشته وإساءته دون أصل ردِّه ومخالفته، إقامةً للحجج الشرعية والأدلة المعتبرة.
وسبب ذلك أنَّ علماء الدين كلُّهم مجمعون على قصد إظهار الحق الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولأن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمته هي العليا، وكلُّهم معترفون بأن الإحاطة بالعلم كله من غير شذوذ شيء منه ليس هو مرتبة أحد منهم ولا ادعاه أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين، فلهذا كان أئمة السلف المجمع على علمهم وفضلهم يقبلون الحق ممن أورده عليهم وإن كان صغيراً، ويوصون أصحابهم وأتباعهم بقبول الحق إذا ظهر في غير قولهم)).
وقال بعدها: ((فحينئذٍ فرد المقالات الضعيفة وتبيين الحق في خلافها بالأدلة الشرعية ليس هو مما يكرهه أولئك العلماء بل مما يحبونه ويمدحون فاعله ويثنون عليه؛ فلا يكون داخلاً في الغيبة بالكلية.
فلو فرض أنَّ أحداً يكره إظهار خطئه المخالف للحق فلا عبرة بكراهته لذلك، فإنَّ كراهة إظهار الحق إذا كان مخالفاً لقول الرجل ليس من الخصال المحمودة، بل الواجب على المسلم أن يحب ظهور الحق ومعرفة المسلمين له سواءٌ كان ذلك في موافقته أو مخالفته، وهذا من النصيحة لله ولكتابه ورسوله ودينه وأئمة المسلمين وعامتهم وذلك هو الدين كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما بيان خطأ مَنْ أخطأ من العلماء قبله إذا تأدب في الخطاب وأحسن في الرد والجواب؛ فلا حرج عليه ولا لوم يتوجه إليه، وإن صدر منه الاغترار بمقالته فلا حرج عليه، وقد كان بعض السلف إذا بلغه قول ينكره على قائله يقول: "كذب فلان"، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كذب أبو السنابل" لما بلغه أنه أفتى أنَّ المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً لا تحل بوضع الحمل حتى يمضى عليها أربعة أشهر وعشر.
وقد بالغ الأئمة الوَرِعون في إنكار مقالات ضعيفة لبعض العلماء وردِّها أبلغ الردِّ كما كان الإمام أحمد ينكر على أبي ثور وغيره مقالات ضعيفة تفردوا بها، ويبالغ في ردها عليهم)).
وقال أخيراً: ((فأما أهل البدع والضلالة ومَنْ تشبَّه بالعلماء وليس منهم: فيجوز بيان جهلهم، وإظهار عيوبهم، تحذيراً من الاقتداء بهم)).
وأما عمل السلف؛ فأمره مشهور لا يحتاج إلى ذكر أمثلة عليه، ومصنَّفات أئمة هذا العلم في الجرح والتعديل والثقات والضعفاء والمجروحين والمدلسين معلومة، وقد قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في العلل في آخر كتاب السنن: ((وقد عاب بعض مَنْ لا يفهم على أهل الحديث الكلام في الرجال، وقد وجدنا غير واحد من الأئمة من التابعين قد تكلَّموا في الرجال، منهم: الحسن البصري، وطاووس تكلَّما في معبد الجهني، وتكلَّم سعيد بن جبير في طلق بن حبيب، وتكلَّم إبراهيم النخعي وعامر الشعبي فى الحارث الأعور، وهكذا روى عن أيوب السختياني وعبد الله بن عون وسليمان التيمي وشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وعبد الله بن المبارك ويحيى بن سعيد القطان ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من أهل العلم أنهم تكلموا في الرجال وضعَّفوا.
وإنما حملهم على ذلك عندنا والله أعلم النصيحة للمسلمين، لا يظن بهم أنهم أرادوا الطعن على الناس، أو الغيبة، إنما أرادوا عندنا أن يبينوا ضعف هؤلاء لكي يُعرفوا، لأنَّ بعض الذين ضُعِّفوا كان صاحب بدعة، وبعضهم كان متهماً في الحديث، وبعضهم كانوا أصحاب غفلة وكثرة خطأ، فأراد هؤلاء الأئمة أن يبينوا أحوالهم شفقة على الدين وتثبتاً، لأنَّ الشهادة في الدين أحق أن يتثبت فيها من الشهادة في الحقوق والأموال)).
وعلَّق العلامة ابن رجب رحمه الله تعالى على هذا الكلام في شرحه لعلل الترمذي فقال: ((مقصود الترمذي رحمه الله أن يبين أنَّ الكلام في الجرح والتعديل جائز، قد أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها، لما فيه من تمييز ما يجب قبوله من السنن مما لا يجوز قبوله)).
قلتُ:
وقد تصدَّى لهذا العلم جمع من الأئمة، وبرزوا في ذلك حتى كأنهم خُلِقوا له، منهم: شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيين، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وغيرهم من الأئمة.
قال الإمام أبو حاتم بن حبان رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه [المجروحين ص 21]: ((فهؤلاء الأئمة المسلمون، وأهل الورع في الدين، أباحوا القدح في المحدثين، وبينوا الضعفاء والمتروكين، وبينوا أنَّ السكوت عنه ليس مما يحل، وأنَّ إبداءه أفضل من الإغضاء عنه، وقدمهم فيه أئمة قبلهم، ذكروا بعضه، وحثوا على أخذ العلم من أهله)).
وقال الحافظ العراقي في كتابه [فتح المغيث 3/ 314]: ((واعِنْ بعلم الجرح والتعديل.... فإنه المرقاة للتفضيل، بين الصحيح والسقيم واحذر.... من غرض بالجرح أي خطر.
وكانت جماعة أهل الحديث عليهم رحمة الله، وعلى رأسهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتباعهم، أحق بهذا الأمر، فشمَّروا عن ساعد الجد، وآثروا قطع المفاوز في طلب السنن والآثار، كما تصدَّى هؤلاء لمعرفة الثقات والضعفاء في كل عصر حسب الحاجة إليها، فعدَّلوا وجرَّحوا ووثقوا، وأعطوا كل ذي حق حقه، وأنزلوا كلاً منزلته من غير مبالاة بشيء، ولا محاباة أحد، حتى لم يراعوا في هذا السبيل أباً ولا ابناً ولا رحماً وقريباً، ولا صديقاً وقريناً، وكتبوا القواعد في معرفة المقبول والمردود من الرواة والمرويات، ثم أفردوا التأليف في الجرح والتعديل، وكتابة تواريخ الرواة، ونقدوا الرجال في يقظة وعلم)).
أقول:
وكان كثير من المتعبِّدة يزعمون أنَّ الجرح لا يخرج عن الغيبة أو البهتان، وأنَّ الجارح لا ينجو من الحساب يوم القيامة؛ وكان أهل العلم يردُّون عليهم ذلك، ومن ذلك قول الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في [الكفاية ص54-56]: ((وليس الأمر على ما ذهبوا إليه؛ لأنَّ أهل العلم أجمعوا على أنَّ الخبر لا يجب قبوله إلا من العاقل الصدوق المأمون على ما يخبر به، وفي ذلك دليل على جواز الجرح لمن لم يكن صدوقاً في روايته)).
وقال العلامة ابن رجب رحمه الله تعالى في [شرح علل الترمذي 1/121]: ((وقد ظنَّ بعضُ مَنْ لا علم عنده أنَّ ذلك من باب الغيبة، وليس كذلك، فإنَّ ذكر عيب الرجل إذا كان فيه مصلحة ولو كانت خاصة كالقدح في شهادة شاهد الزور جائز بغير نزاع، فما كان فيه مصلحة عامة للمسلمين أولى))، ثم ذكر لبرهان ذلك عدة آثار عن أئمة هذا العلم.
ومما يدل على أهمية علم الجرح والتعديل ومكانته في الدين ووجوب معرفته ودراسته: أنَّ الحاجة ماسة جداً له للحكم على رجال الإسناد، وبالتالي لمعرفة مرتبة الحديث من حيث القبول والرد، لأنه لا يمكن أبداً دراسة الإسناد إلا بعد معرفة قواعد الجرح والتعديل التي اعتمدها أئمة هذا الفن، ومعرفة شروط الراوي المقبول، وكيفية ثبوت عدالته وضبطه، وما إلى ذلك من الأمور المتعلقة بهذه المباحث، لأنه لا يتصور أن يصل الباحث في الإسناد إلى نتيجة ما مهما قرأ في كتب التراجم عن رواة هذا الإسناد، إذا لم يكن عارفاً من قبل قواعد الجرح والتعديل، ومعنى ألفاظهما في اصطلاح أهل هذا الفن، ومراتب هذه الألفاظ من أعلى مراتب التعديل إلى أدنى مراتب الجرح.
يقول الإمام أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى في كتابه (الضعفاء): ((فلما وجب طاعته ومتابعته صلى الله عليه وسلم لزم كل عاقل ومخاطب الاجتهاد في التمييز بين صحيح أخباره وسقيم آثاره، وأن يبذل مجهوده في معرفة ذلك، واقتباس سنته وشريعته من الطريق المرضية والأئمة المهدية، وكان الوصول إلى ذلك متعذراً إلا بمعرفة الرواة والفحص عن أحوالهم وأديانهم، والبحث والكشف عن صدقهم وكذبهم وإتقانهم وضبطهم وضعفهم ودهائهم وخطئهم)).
وقال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في [الجامع لأخلاق الراوي 2/200]: ((لما كان أكثر الأحكام لا سبيل إلى معرفته إلا من جهة النقل لزم النظر في حال الناقلين، والبحث عن عدالة الراوين، فمن ثبتت عدالته جازت روايته، وإلا عدل عنه والتمس معرفة الحكم من جهة غيره؛ لأنَّ الأخبار حكمها حكم الشهادات في أنها لا تقبل إلا عن الثقات)).
ونقل الحافظ الرامهرمزي رحمه الله تعالى في [المحدث الفاصل ص320] عن علي بن المديني رحمه الله تعالى أنه قال: ((التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم)).
وقال ابن أبي حاتم الرازي رحمه الله تعالى في [الجرح والتعديل 1/2-3]: ((فإن قيل: كيف السبيل إلى معرفة ما ذكر من معاني كتاب الله عز وجل ومعالم دينه؟ قيل: بالآثار الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه النجباء الألباء الذين شهدوا التنزيل وعرفوا التأويل رضي الله عنه. فإنْ قيل: بم تعرف الآثار الصحيحة والسقيمة؟ قيل: بنقد العلماء الجهابذة الذين خصهم الله بهذه الفضيلة ورزقهم هذه المعرفة في كل دهر وزمان. حدثنا أبو محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي أخبرنا أبي قال: أخبرني عبدة بن سليمان المروزي قال: قيل لابن مبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟!! قال: يعيش لها الجهابذة)).
وقال في ص6: ((فلما لم نجد سبيلاً إلى معرفة شيء من معاني كتاب الله ولا من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من جهة النقل والرواية؛ وجب أن نميز بين عدول الناقلة والرواة وثقاتهم وأهل الحفظ والثبت والإتقان منهم، وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب واختراع الأحاديث الكاذبة.
ولما كان الدين هو الذي جاءنا عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم بنقل الرواة؛ حق علينا معرفتهم، ووجب الفحص عن الناقلة، والبحث عن أحوالهم، واثبات الذين عرفناهم بشرائط العدالة والثبت في الرواية، مما يقتضيه حكم العدالة في نقل الحديث وروايته، بأن يكونوا أمناء في أنفسهم، علماء بدينهم، أهل ورع وتقوى وحفظ للحديث وإتقان به وتثبت فيه، وان يكونوا أهل تمييز وتحصيل، لا يشوبهم كثير من الغفلات، ولا تغلب عليهم الأوهام فيما قد حفظوه ووعوه، ولا يشبه عليهم بالاغلوطات.
وان يعزل عنهم الذين جرحهم أهل العدالة، وكشفوا لنا عن عوراتهم في كذبهم، وما كان يعتريهم من غالب الغفلة وسوء الحفظ وكثرة لغلط والسهو والاشتباه، ليعرف به أدلة هذا الدين وأعلامه وأمناء الله في أرضه على كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم هؤلاء أهل العدالة، فيتمسك بالذي رووه، ويعتمد عليه، ويحكم به، وتجرى أمور الدين عليه، وليعرف أهل الكذب تخرصاً، وأهل الكذب وهماً، وأهل الغفلة والنسيان والغلط ورداءة الحفظ، فيكشف عن حالهم، وينبأ عن الوجوه التي كان مجرى روايتهم عليها، إنْ كذب فكذب، وإنْ وهم فوهم، وإنْ غلط فغلط، وهؤلاء هم أهل الجرح، فيسقط حديث من وجب منهم أن يسقط حديثه، ولا يعبأ به، ولا يعمل عليه، ويكتب حديث من وجب كتب حديثه منهم على معنى الاعتبار، ومن حديث بعضهم الآداب الجميلة والمواعظ الحسنة والرقائق والترغيب والترهيب هذا أو نحوه)).
وقال الحافظ أبو الوليد الباجي رحمه الله تعالى [التعديل والتجريح 1/282]: ((وإنما يجوز للمجرِّح أن يذكر المجرَّحَ بما فيه مما يرد حديثه؛ لما في ذلك من الذب عن الحديث، وكذلك ذو البدعة يذكر ببدعته لئلا تغتر به الناس؛ حفظاً للشريعة وذباً عنها)).
وقال الحافظ السيوطي في [تدريب الراوي]: ((وجُوِّز الجرح والتعديل صيانة للشريعة)).
أقول:
ولما كانت معرفة معاني الآيات والأحاديث وما يترتب عليها من اعتقادات وأحكام واجبة، كانت صيانتها واجبة، ثم لا يمكن صيانتها إلا بالنظر الدقيق في أحوال الرجال والتمييز بينهم، ولهذا كان تعلم هذا العلم واجباً أيضاً؛ وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقد قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في [الكفاية في علم الرواية ص35] باب "وجوب البحث والسؤال للكشف عن الأمور والأحوال": ((أجمع أهل العلم على أنه لا يقبل إلا خبر العدل كما أنه لا تقبل إلا شهادة العدل، ولما ثبت ذلك: وجب متى لم تعرف عدالة المخبر والشاهد أن يسأل عنهما أو يستخبر عن أحوالهما أهل المعرفة بهما، إذ لا سبيل إلى العلم بما هما عليه إلا بالرجوع إلى قول من كان بهما عارفاً في تزكيتهما فدل على أنه لابد منه ...، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنَّ في أمته ممن يجيء بعده كذَّابين، فحذَّر منهم، ونهى عن قبول رواياتهم، وأعلمنا أنَّ الكذب عليه ليس كالكذب على غيره، فوجب بذلك النظر في أحوال المحدثين والتفتيش عن أمور الناقلين؛ احتياطاً للدين، وحفظاً للشريعة من تلبيس الملحدين)).
وأختم هذه المقدمة بما قاله الإمام ابن حبان رحمه الله تعالى في أول كتابه [المجروحين 1/2] بعد خطبة الحاجة: ((فإنَّ أحسن ما يدخره المؤمن الخير في العقبى وأفضل ما يكتسب به الذخر في الدنيا حفظ ما يعرف به الصحيح من الآثار، ويميز بينه وبين الموضوع من الأخبار، إذ لا يتهيأ معرفة السقيم من الصحيح ولا استخراج الدليل من الصريح إلا بمعرفة ضعفاء المحدثين والثقات، وكيفية ما كانوا عليه من الحالات.
فأما الأئمة المرضيون والثقاة المحدثون فقد ذكرناهم بأسمائهم, وما نعرف من أنبائهم, وإني ذاكر ضعفاء المحدثين, وأضداد العدول من الماضين, ممن أطلق أئمتنا عليهم القدح, وصح عندنا فيهم الجرح, وأذكر السبب الذي من أجله جرح, والعلة التي بها قدح, ليرفض سلوك الاعوجاج, بالقول بأخبارهم عند الاحتجاج, وأقصد في ذلك ترك الإمعان والتطويل, وألزم الإشارة إلى نفس التحصيل, وبالله أستعين على السداد في المقال, وبه نتعوذ من الحيرة والضلال, إنه منتهى رجاء المؤمنين، وولي جزاء المحسنين)).
وبما قاله الشيخ مقبل رحمه الله تعالى في بيان وجوب القيام بعلم الجرح والتعديل في هذا العصر في كتابه [فضائح ونصائح ص37-39/ دار الحرمين بالقاهرة]: ((القوم يعرفون أنهم مجروحون, فهم يوافقون على الديمقراطية وحلق اللحية ولبس البنطلون والمجالس النيابية والتصويت والانتخابات ووِد مع الشيوعيين والفسقة؛ وقد أجمع مَنْ يعتد به: على الجرح والتعديل.
وإذا لم يقم أهل السنة العصريون بالجرح والتعديل فسيكون كلامك أيها السني الذي تقول: قال الله، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم, وكلام محمد الغزالي الذي يحارب السنة, وكلام الشعراوي الذي يتلون، وكلام علي طنطاوي واحداً.
بل كل منهم هو المقبول عند الحزبيين وعند العامة؛ لأنهم هم العلماء الذين يتكلمون في الإذاعة والتلفزيون، ويكتبون في الجرائد والمجلات, ومن أنت بجانبهم في نظر العامة ونظر الحزبيين؟!. فلا بد أن يقيم أهل السنة علم الجرح والتعديل.
ومَنْ الذي يقوم بالجرح والتعديل؟
إنه العالم البصير الذي يخاف الله؛ وليس كل أحد يتصدر للجرح والتعديل)).
وقال الشيخ ربيع حفظه الله تعالى في مقاله [أئمة الحديث ومن سار على نهجهم هم أعلم الناس بأهل الأهواء والبدع]: ((وكتب أئمة الجرح والتعديل زاخرة ببيان أهل البدع وبيان عقائدهم وأحوالهم, وكذا مؤلفات أئمة الحديث في العقائد مليئة ببيان أحوال أهل البدع طوائف وأفراداً وهم العلماء حقاً. قال الإمام أحمد: "الذي لا يميز بين صحيح الحديث من سقيمه: ليس بعالم".
فهل بقي مجال للقول: بأنَّ أهل البدع لا يدخلون في جرح أئمة الحديث ولا في أصولهم.
ولا يتنقص أهل الحديث وينتقص علومهم إلا جاهل ضال مفتر.
والجرح والتعديل هم أئمته، وهم مرجع علماء الأمة فيه؛ من مفسرين وفقهاء، وهم الذين تصدوا لأهل البدع فكشفوا عوارهم وبينوا ضلالهم؛ من خوارج وروافض ومعتزلة ومرجئة وقدرية وجبرية وصوفية, ولا يزالون قائمين بهذا الواجب العظيم.
ولا يزال باب الجرح والتعديل قائماً ومفتوحاً؛ ما دام هناك أهل حق وأهل باطل، وأهل ضلال وأهل هدى, ولا يزال الصراع قائماً بين الطائفة المنصورة ومن خالفها من أهل الضلال ومن خذلها, "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خلفهم حتى يأتي أمر الله".
ومن قال: إنَّ باب الجرح والتعديل قد انتهى؛ فقد غلط غلطاً كبيراً, ولا تزال أقلام أهل السنة تتدفق بنقد وبيان حال أهل البدع؛ من روافض وخوارج ومعتزلة وصوفية وأشعرية وأحزاب منحرفة, وبيان بدعهم وضلالاتهم)).
قلتُ:
وحامل لواء الجرح والتعديل في هذا العصر وبحق هو العلامة المجاهد الشيخ ربيع المدخلي حفظه الله تعالى بشهادة مجدد العصر الإمام المحدِّث الشيخ الألباني رحمه الله تعالى؛ على رغم أنوف أهل الأهواء.
قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في شريط [الموازنات بدعة العصر]: ((وباختصار أقول: إنَّ حامل راية الجرح والتعديل اليوم في العصر الحاضر وبحق هو: أخونا الدكتور ربيع، والذين يردون عليه لا يردون عليه بعلم أبداً، والعلم معه)).
ومَنْ أراد زيادة في كلام العلماء المعاصرين في مشروعية الجرح والتعديل في هذا العصر واستمراريته فليرجع إلى مقال [أقوال بعض أهل العلم في مسألة الجرح والتعديل في هذا الزمان] وهو منشور في شبكة سحاب.
أقول:
وبعد هذه المقدمة؛ نشرع في الكلام عن مسألة جرح المبتدعة هل هو ملزِم أم لا إلزام فيه؟!
أقول:
أثار بعض الناس في هذا العصر أنَّ جرح المبتدعة غير ملزم!، بمعنى: لو أنَّ عالماً معتبراً جرح شخصاً معيناً بالبدعة وذكر الأسباب التي أوجبت هذا الجرح بالأدلة الصريحة والبراهين القاطعة والتي لا تحتمل إلا البدعة، ولم يتبين - بالأدلة العلمية والقرائن الصحيحة - لنا خلاف ما ذكره هذا العالم، فليس تبديعه ملزم لغيره من الناس ولو اطَّلع على تلك الأسباب؛ بل لا يجوز أن نجعل خلافنا في مبتدع أو سني وقع في بدعة سبباً للاختلاف فيما بيننا مطلقاً.
ولنضرب مثالاً يوضِّح ذلك:
جرح جمع من أكابر أهل العلم سيد قطب بأدلة صريحة وبراهين قاطعة وذكروا أسباباً لا تحتمل إلا الجرح.
بينما عدَّله الشيخان بكر أو زيد وابن جبرين، مع أنهما اطَّلعا على أسباب تبديع العلماء له، ولم يقتنعا بذلك، وليس عندهما ما يخالِف أو يدفع تلك الأسباب، ودافعا عن سيد قطب بلا حجة ولا برهان، وتكلَّما في الجارح فيه بمجرد التهويل والطعن والانتقاص.
فما هو موقف السلفي من هذا التجريح والخلاف فيه؟
هل له أن يُنكِر ويشنِّع ويلزم المخالِف الذي توقَّف في تجريح سيد قطب؟
أم أنَّ له أن يُبدِّع سيد قطب لكن من غير إلزام ولا إنكار ولا تشنيع على المخالِف؛ سواء المتوقف فيه أو المدافع عنه؟!
هذا هو حقيقة الخلاف بين السلفيين وبين دعاة التمييع وأنصارهم اليوم.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 04-01-2012, 12:18 AM
بلال الجيجلي بلال الجيجلي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الجزائر- ولاية جيجل - حرسها الله من كل سوء-
المشاركات: 941
شكراً: 13
تم شكره 43 مرة في 40 مشاركة
افتراضي

وقد استدل هؤلاء المميعة بما ورد عن أئمة أهل الحديث والجرح والتعديل من اختلاف في جرح الرواة، فزعموا أنَّ هذا الاختلاف من قبيل اختلاف الفقهاء في المسائل الفقهية الاجتهادية؛ والتي يسوغ فيها الخلاف من غير إنكار، وبما أنَّ البدعة سبب من أسباب الجرح عند أئمة أهل الحديث، لهذا فالاختلاف في التبديع من قبيل الاختلاف في المسائل الفقهية الاجتهادية أيضاً.
ثم زعموا أنَّ كلام علماء الجرح والتعديل في الرواة – من حيث الأصل - هو من باب الاجتهاد المبني على الرأي والاستنباط، وليس هو من باب أخبار الثقات التي يجب قبولها ما لم يتبين خلافها.
وهذا الذي ذهبوا إليه واستدلوا به تأصيل باطل وفهم مغلوط، وبيان ذلك من ثلاثة أوجه:


الوجه الأول: أنَّ الانحراف من جهة البدعة أشد من الجرح من جهة الرواية.
لقد خلط كثيرٌ ممَنْ تكلَّم في مسألة الإلزام في التبديع – إثباتاً أو نفياً- بين مسألة تجريح المبتدعة وتجريح الرواة؛ فمنهم مَنْ فرَّق بين جرح المبتدعة وبين جرح الرواة، فأخرج البدعة من أسباب جرح الرواة وقواعد وتطبيق وكلام علماء الجرح والتعديل، فجعلوا التبديع غير داخل في ضوابط هذا العلم وقواعده، بل فرَّقوا بين علماء الحديث والجرح والتعديل وبين العلماء الآخرين، بدعوى أنَّ الأولين يعملون بقواعد الحديث في الرواية وأنَّ التمذهب بمذهب غير أهل السنة ليس جرحاً في الرواية، وأما العلماء الآخرون فيحيطون بقواعد الشريعة عامة، ويتكلمون في أهل البدع من جهة الاعتقاد، وفي هذا انتقاص ظاهر لعلماء الحديث، ولهذا قالوا: كل مَنْ وقع في بدعة فهو مبتدع دون تفصيل من جهة نوع البدعة ولا من جهة الواقع فيها، وإذا بدَّع أحد منهم رجلاً – وإنْ كان معروفاً بالسنة ومحاربة البدع ومشهوراً بالعلم والعمل- وجب على الجميع تبديعه ولو لم يذكر الجارح أسباب تبديعه بالأدلة والبراهين؛ تقليداً له، لأنهم لا يشترطون تفسير الجرح في أهل البدع، وإنما يشترطون ذلك في الرواة حصراً، ومَنْ لم يوافقه على تبديع ذلك الرجل فهو مبتدع، ولا يؤخذ العلم ولا يُقرأ في كتب مَنْ وقع في بدعة مطلقاً، بل لا يجوز الترحم عليه ولا الإشادة بعلمه ولا وصفه بالإمام أو العلامة ولو كان من أئمة أهل السنة وعلمائهم المعروفين؛ وهذا هو منهج الحدادية الغلاة.
وأما المميعة الجفاة فهم على صنفين في هذه المسألة، منهم مَنْ لا يفرِّق بين جرح المبتدعة وجرح الرواة، ويجعل الكلام في المبتدعة كالكلام في الرواة مطلقاً، بدعوى أنها كلها مسائل اجتهادية يسوغ الخلاف فيها والأخذ والرد من غير إلزام ولا إنكار ولا تشنيع، وصنفٌ آخر يفرِّق في التعامل مع أهل البدع بين منهج أئمة الحديث ومنهج أئمة السنة، وأنَّ الواجب التعامل مع أهل البدع بمنهج أهل السنة لا بمنهج أهل الحديث!، كما صرَّح بذلك مختار الطيباوي ومَنْ وافقه.
والحق وسط بين الطرفين:
فالتفريق بين جرح الرواة وجرح المبتدعة من جهة إخراج البدعة من أسباب التجريح وقواعد علماء الجرح والتعديل - وكذا التفريق بين علماء الجرح والتعديل أو علماء الحديث وبين علماء السنة - تفريقٌ باطل بيقين، بل أهل الحديث هم أهل السنة، وأئمة أهل الحديث هم أئمة أهل السنة، وقد ردَّ الشيخ ربيع حفظه الله تعالى في رسالته [أئمة الجرح والتعديل هم حماة الدين] على فاروق الغيثي – وهو من كبار دعاة الحدادية – أو غيره من المتعالمين ممَنْ ذكر عدة فروق باطلة متناقضة بين الأمرين، فمَنْ أراد معرفة وجوه إبطال هذا التفريق فليرجع إلى رسالة الشيخ المشار إليها؛ فإنها قيمة ونافعة، وكذلك ردَّ الشيخ ربيع حفظه الله تعالى على مختار الطيباوي لدعواه التفريق بين أئمة الحديث وأئمة السنة في مقال بعنوان [هدم أباطيل وتعصب وجهالات الطيباوي وبيان بعض تناقضاته الشنيعة].
وأما دعوى أنَّه لا فرق بين جرح الرواة وجرح المبتدعة؛ فصحيحة من جهة دخول البدع في أسباب الجرح، ومصنفات علماء الجرح والتعديل تشتمل على ذكر البدع وغيرها كأسباب لجرح الرواة.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في مقدمة [فتح الباري ص384]: ((فلا يقبل الطعن في أحد منهم إلا بقادح واضح؛ لأنَّ أسباب الجرح مختلفة، ومدارها على خمسة أشياء: البدعة، أو المخالفة، أو الغلط، أو جهالة الحال، أو دعوى الانقطاع في السند)).
لكنَّ الرواة المبتدعة أخطر من الرواة الضعفاء غير المبتدعة، لأنَّ جرحهم من جهتين: من جهة الرواية ومن جهة المعتقد، وإذا كان الإجماع قد وقع على وجوب جرح الرواة الضعفاء وغيرهم وبيان حالهم صيانة للشريعة من التبديل والتحريف، فجرح المبتدعة أوجب بلا ريب.
ولقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في [المجموع 28/231-232] السؤال الآتي:
((عن الغيبة؛ هل تجوز على أناس معينين أو يعين شخص بعينه؟ وما حكم ذلك؟ أفتونا بجواب بسيط؛ ليعلم ذلك الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، ويستمد كل واحد بحسب قوته بالعلم والحكم)).
فكان جوابه مبسوطاً؛ قال فيه:
((وأما الشخص المعيَّن فيُذكر ما فيه من الشر في مواضع: منها المظلوم له أن يذكر ظالمه بما فيه...، ومنها أن يكون على وجه النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم...، وإذا كان هذا في مصلحة خاصة فكيف بالنصح فيما يتعلق به حقوق عموم المسلمين من الأمراء والحكام والشهود والعمال؛ أهل الديوان وغيرهم؟!
فلا ريب أنَّ النصح في ذلك أعظم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة الدين النصيحة" قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"، وقد قالوا لعمر بن الخطاب في أهل الشورى: أمِّر فلاناً وفلاناً، فجعل يذكر في حق كل واحد من الستة - وهم أفضل الأمة - أمراً جعله مانعاً له من تعيينه.
وإذا كان النصح واجباً في المصالح الدينية الخاصة والعامة مثل نقلة الحديث الذين يغلطون أو يكذبون كما قال يحيى بن سعيد سألتُ مالكاً والثوري والليث بن سعد أظنه والأوزاعي عن الرجل يتهم في الحديث أو لا يحفظ فقالوا: بَيِّنْ أمره، وقال بعضهم لأحمد بن حنبل إنه يثقل علي أن أقول فلان كذا وفلان كذا، فقال: إذا سكتَّ أنت وسكتُّ أنا فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟
ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة؛ فإنَّ بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين؛ حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلى ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: "إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل"، فبيِّنَ أنَّ نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله.
إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين. ولولا مَنْ يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإنَّ هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء...
ثم قال: فإذا كان أقوام منافقون يبتدعون بدعاً تخالف الكتاب ويلبسونها على الناس ولم تبين للناس فسد أمر الكتاب وبدل الدين؛ كما فسد دين أهل الكتاب قبلنا بما وقع فيه من التبديل الذي لم ينكر على أهله. وإذا كان أقوام ليسوا منافقين لكنهم سماعون للمنافقين قد التبس عليهم أمرهم حتى ظنوا قولهم حقاً وهو مخالف للكتاب وصاروا دعاة إلى بدع المنافقين كما قال تعالى: "لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم"، فلا بد أيضاً من بيان حال هؤلاء؛ بل الفتنة بحال هؤلاء أعظم، فإنَّ فيهم إيماناً يوجب موالاتهم، وقد دخلوا في بدع من بدع المنافقين التي تفسد الدين، فلا بد من التحذير من تلك البدع وإن اقتضى ذلك ذكرهم وتعيينهم؛ بل ولو لم يكن قد تلقوا تلك البدعة عن منافق لكن قالوها ظانين أنها هدى وأنها خير وأنها دين ولم تكن كذلك: لوجب بيان حالها، ولهذا وجب بيان حال من يغلط في الحديث والرواية، ومن يغلط في الرأي والفتيا، ومن يغلط في الزهد والعبادة؛ وإن كان المخطئ المجتهد مغفوراً له خطؤه وهو مأجور على اجتهاده. فبيان القول والعمل الذي دل عليه الكتاب والسنة واجب؛ وإن كان في ذلك مخالفة لقوله وعمله.
ومن علم منه الاجتهاد السائغ؛ فلا يجوز أن يذكر على وجه الذم والتأثيم له؛ فإنَّ الله غفر له خطأه، بل يجب لما فيه من الإيمان والتقوى موالاته ومحبته والقيام بما أوجب الله من حقوقه من ثناء ودعاء وغير ذلك؛ وإن علم منه النفاق كما عرف نفاق جماعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عبد الله بن أبي وذويه وكما علم المسلمون نفاق سائر الرافضة عبد الله بن سبأ وأمثاله مثل عبد القدوس بن الحجاج ومحمد بن سعيد المصلوب؛ فهذا يذكر بالنفاق. وإن أعلن بالبدعة ولم يعلم هل كان منافقاً أو مؤمناً مخطئاً ذكر بما يعلم منه، فلا يحل للرجل أن يقفو ما ليس له به علم، ولا يحل له أن يتكلم في هذا الباب إلا قاصداً بذلك وجه الله تعالى وأن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله. فمن تكلم في ذلك بغير علم أو بما يعلم خلافه كان آثماً)).
قلتُ:
وبهذا يتبين لنا خطورة السكوت عن بيان البدع وحال أهلها؛ سواء وقعوا في البدعة عن نفاق وزندقة أو عن التباس وجهل أو عن غلط واجتهاد سائغ.
وكذلك نعلم أنَّ جرح أهل البدع والتحذير منهم واجب بإجماع المسلمين.
بل هو أولى من جرح الرواة الضعفاء؛ قال الشيخ ربيع حفظه الله تعالى في رسالته [أئمة الحديث ومن سار على نهجهم هم أعلم الناس بأهل الأهواء والبدع]: ((لم يشترط أحد من أئمة الجرح والتعديل تخصيص الجرح بالرواة فقط من حيث الرواية فقط، بل تناولوا الرواة من جهة الرواية ومن جهة المعتقد. فالراوي المبتدع أخطر عندهم من الراوي السليم من البدع؛ لذا ترى الأئمة لم يكتفوا بذكر أهل البدع في كتب الجرح والتعديل, بل ذهبوا ينتقدونهم ويجرحونهم ويبينون فساد عقائدهم ومناهجهم لشدة خطورتهم في كتب مستقلة وهي كثيرة معلومة لدى العلماء وطلاب العلم)).
وقال في آخر رسالته هذه: ((وختاماً: ليعلم كل مسلم طالب للحق أنَّ نقد أهل البدع من أعظم الجهاد، وأفضل من الضرب بالسيوف. ولأنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أعظم أبواب النصيحة لله، ولأنه ذب عن دين الله وحماية له؛ فهم أولى وأولى بالجرح من الرواة؛ فإنَّ الراوي إنْ كان صحيح العقيدة انتقد من جهة الرواية, وإنْ كان فاسد العقيدة انتقد من جهتين جهة العقيدة وجهة الرواية, وإنْ كان مع فساد عقيدته داعية فلا يروى عنه، وانتقد في بدعته وحُذِّر منه, وهذا هو المنهج الحق, وهو أمر واضح كالشمس في عمل أئمة الحديث في مواقفهم، وكتبهم في الرجال، وفي العقائد, وكان ذلك من اختصاصهم)).
قلتُ:
بل أجمع السلف – وذكر ذلك أئمتهم في مصنفات العقيدة والسنة - على وجوب معاداة أهل البدع وبيان حالهم وهجرهم والتشريد بهم والتحذير منهم؛ قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى في [شرح السنة 1/226 – 227]: ((قَدْ مَضىَ الصحابةُ والتابعونَ وأَتْباعُهم وعُلماءُ السُّنَةِ عَلَى معُاداةِ أَهلِ البِدَعِ ومُهاجَرَتهِم)).
وقال الإمام الصابوني رحمه الله تعالى في [عقيدة أصحاب الحديث ص112]: ((واتفقُوا مع ذلك على القول بِقَهر أَهلِ البدعِ، وإِذْلالِهِم، وإِخْزائهم، وإِبْعادهم، وإِقْصائهم، والتباعُد عَنهم، ومِن مصاحَبَتهم، ومُعاشرتهم، والتقرب إِلى الله عزَّ وجل بمجانبتهم ومُهاجرتهم)).
أقول:
وإنما يشتد النقد في حال كون المجروح من أهل البدع، لأجل أنَّ انحرافه يكون في مسائل عقدية ومنهجية، وهذا أعظم وأظهر من الغلط في الرواية، وإلى هذا أشار الشيخ ربيع حفظه الله تعالى في [نصيحته لأهل العراق ص25]: ((إنَّ أحكام الشيخ ربيع على الرجال، ليست مبنية على الاجتهاد، وإنما هي قائمة على دراسة واسعة لأقوال مَنْ ينتقدهم من المخالفين للمنهج السلفي وأهله، وفي مسائل أصولية؛ بعضها عقدي وبعضها منهجي)).
فهؤلاء المنتقدون مخالفون لأصول المنهج السلفي في مسائل عقدية ومنهجية، فلا يجوز السكوت عن بيان حالهم للناس، بل يلزم كل مَنْ عرف مخالفاتهم أن يبين حالهم لِمَنْ لا يعرفهم؛ ممَنْ قد يغتر بهم ويلتبس حالهم عليه، وهذا واجب، بل لا يمكن أن نتصور عالماً سلفياًَ يتوقف أو يعارض في تجريح مثل هؤلاء والتحذير منهم.
من أجل ذلك؛ قال الشيخ ربيع حفظه الله تعالى في نصيحته السابقة: ((إنَّ الأئمة الثلاثة الكبار لم يعارضوا الشيخ ربيعاً في أحد، بل أيدوه، وأيدوه إلى أن مضوا إلى رحمة الله, لأنَّ طريقتي ليست أحكاماً على فلان أو فلان، وإنما هي نقد لأقوال وأفكار, أُبيِّن باطلها بالحجج والبراهين, وعلماء المنهج السلفي كلهم يؤيدون ما أكتب, ولم يعارضوه, ولا أحد منهم, لأنه الحق الأبلج)).
أقول:
والعجيب أنه مع إجماع السلف على وجوب بيان حال المبتدعة والتحذير منهم، يأتي اليوم مَنْ يزعم أنَّ جرح المبتدعة غير ملزم للمخالِف، ويُفرِّقون في النظر إلى الحجة والبرهان بين أن يكون الجرح ملزماً للجارح نفسه وبين أن يكون ملزماً لغير الجارح!.
بل الأعجب من ذلك؛ أنهم يعلمون أنَّ المنتقدين عندهم مخالفات منهجية وعندهم بدع، ولكن لا يلزم تبديعهم، بل لو كان جرحهم مفسَّراً ومعتبراً، وعليه أدلة صريحة وبراهين قاطعة، مع هذا فلا إلزام في تبديعهم إلا بشرط الإقناع؛ أي: أن يقتنع المتوقِف أو المخالِف في تبديع أولئك.
فقد قال الحلبي في ملخص المسائل في أول مقدمة كتابه [منهج السلف الصالح]: ((الجرح يحتاج إلى أدلة وأسباب معتبرة مقنعة)).
قلتُ: فلو كان الجرح مفسراً معتبراً، فلا إلزام إلا بقيد (الإقناع)!.
وقال الحلبي في هامش كتابه: ((وهذا الكلام الجليل يبين حكم أمرين مهمين: الأول: لزوم بيان أسباب الجرح من قبل الجارح. الثاني: أنَّ هذا اللزوم ليس ذا صلة حتماً بوجوب قبول جرحه!؛ فقد لا يقتنع به فيُردُّ!)).
قلتُ: وهذا نص صريح في عدم الإلزام بقبول الجرح المفسَّر مطلقاً إلا بشرط قناعة المخالِف!.
وقال الحلبي: ((ألا ترى أنَّ هنالك مَنْ يتهم شيخنا الألباني بالإرجاء؟! فهذا سبب!، وهنالك مَنْ يتهمه رحمه الله بالنقيض بالخارجية؟! وهذا سبب أيضاً!، لكن أين هما من الحق والصواب والدليل والبرهان؟!، فلا بد من تقييد بيان الأسباب أو تفسير الجرح بـ"ما يُقنع")).
قلتُ: هذا محله في ثبوت الجرح المفسَّر واعتباره وصدوره من أهل المختصين، وليس محله قبول الجرح المفسَّر المعتبر الصادر من أهل الاختصاص والأهلية؛ هل يلزم أم لا؟!
وأما قوله ((أين هما من الحق والصواب والدليل والبرهان؟!))، قد يفهم منه البعض أنه يُلزم بالدليل والبرهان في الكلام في الرجال!، ويكتفي بذلك، وليس الأمر كذلك، وهذا ينقضه ما بعده؛ حيث قيَّد قبول ذلك بالإقناع، بل نقل الحلبي كلاماً للشيخ ربيع حفظه الله تعالى في هامش كتابه [منهج السلف الصالح] جاء في آخره ص259: ((عليكم أن تنظروا في الأدلة وتأخذوا بها كما فعل العلماء وطلاب الحق الصادقون، ولا يجوز لكم أن تخالفوا العلماء الذين حكموا على فلان أو فلان بالأدلة الواضحة والبراهين القاطعة؛ فهذا هو المنطق الذي قرره القرآن والسنة وعلماء الإسلام، بخلاف ما يقرره بعض الخارجين ويدعون إليه من التقليد الأعمى مخالفين في ذلك هذا المنهج العظيم)).
فعلَّق الحلبي على كلام الشيخ ربيع بقوله: ((قلتُ: قوله "بالأدلة الواضحة والبراهين القاطعة" أي إذا اقتنعوا بها وظهر لهم وجه الحق فيها كما تقدَّم تقييده بذلك مرارًا منه!، أما إذا لم يقتنعوا بها – وهذا ممكن جداً وإلا ما حصل اختلاف قط – فلا سبيل معهم إلا النصح والتفاهم والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وأما إلزامهم بما لم يقتنعوا به وأطرهم على أن يقولوا بما لم يؤمنوا به: فهذا وجه آخر لذلك التقليد، بل أقبح!!. ثم لو كان الجرح من حيث الواقع واضحاً قاطعاً لما اختلفوا فيه أصلاً، فتأمل)).
قلتُ:
وتقييد قبول الحجة بشرط الإقناع باطل؛ لأنَّ من المعلوم أنَّ قناعات الناس متفاوتة غير منضبطة، وإنما الأصل وضوح الدليل وظهوره في المراد، فإذا ظهرت الحجة وجب على الجميع الانقياد لها - وليس هذا من التقليد ألبتة - وليس الأمر متعلِّقاً بما يظهر للمخالِف – إيجاباً أو سلباً – أو ما لا يظهر!، أو ما يقتنع به وما لا يقتنع!. وكم ردت أدلة صريحة وتعطلت نصوص ظاهرة بمثل هذه التأصيلات؟!
وإنما الحجة في جرح المبتدعة هي تفسير الجرح وبيانه ليس إلا، وهذا ما كان يقوله الحلبي قبل التغيير!
فقد علَّق على عبارة للحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في مختصر علوم الحديث وهي قوله: ((وروى ابن الصلاح عن أحمد بن صالح المصري أنه قال: "لا يترك الرجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه")).
فقال الحلبي في [شرحه للباعث الحثيث في النوع الثالث والعشرين (معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل وبيان الجرح والتعديل) شريط رقم (39)] معلِّقاً: ((وهذا كلام في الحقيقة ليس بدقيق!!، بمعنى: أننا نرى بعض الكذَّابين قد ورد توثيق لهم؛ فهل نقول: هذا لا نترك حديثه لأنَّ الجميع لم يجتمعوا على ترك حديثه؟!، نقول: لا، وإنما الحجة في ذلك كله على ماذا؟ على البينة وتفسير الجرح!!!, فإذا جاءنا جرحٌ مفسر في راوٍ وثقَّه زيد أو عمرو من كبار أئمتنا!، فإنَّ الجرح المفسر مقدم على التعديل المبهم!!، بل نقول: مقدم على التعديل مطلقاً، لماذا؟ لإنَّ الجارح معه زيادة علم, ومعه بينة تزيد على الأصل في الراوي وهو الثقة)).
قلتُ:
فأين شرط الإقناع في تأصيلات الحلبي القديمة؟!

الوجه الثاني: أنَّ كلام علماء الجرح والتعديل في الرواة هو من قبيل أخبار الثقات
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه [إعلام الموقعين 2/254-255] أثناء رده على شبهات أهل التقليد:
((الوجه الستون: قولكم "وقد جاءت الشريعة بقبول قول القائف والخارص والقاسم والمقوم والحاكمين بالمثل في جزاء الصيد وذلك تقليد لهم محض"؟
أتعنون به أنه تقليد لبعض العلماء في قبول أقوالهم؟
أو تقليدهم فيما يخبرون به؟
فإنْ عنيتم الأول فهو باطل.
وإن عنيتم الثاني فليس فيه ما تستروحون إليه من التقليد الذي قام الدليل على بطلانه.
وقبول قول هؤلاء من باب قبول خبر المخبر والشاهد؛ لا من باب قبول الفتيا في الدين من غير قيام دليل على صحتها؛ بل لمجرد إحسان الظن بقائلها مع تجويز الخطأ عليه.
فأين قبول الإخبار والشهادات والأقارير إلى التقليد في الفتوى؟!
والمخبر بهذه الأمور يخبر عن أمر حسي؛ طريق العلم به: إدراكه بالحواس والمشاعر الظاهرة والباطنة.
وقد أمر الله سبحانه بقول خبر المخبر به؛ إذا كان ظاهر الصدق والعدالة.
وطرد هذا ونظيره: قبول خبر المخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه قال أو فعل.
وقبول خبر المخبر عمن أخبر عنه بذلك.
وهلم جراً.
فهذا حق لا ينازع فيه أحد!.
وأما تقليد الرجل فيما يخبر به عن ظنه: فليس فيه أكثر من العلم بأنَّ ذلك ظنه واجتهاده!، فتقليدنا له في ذلك بمنزلة تقليدنا له فيما يخبر به عن رؤيته وسماعه وإدراكه.
فأين في هذا ما يوجب علينا أو يسوِّغ لنا أن نفتي بذلك، أو نحكم به وندين الله به، ونقول هذا هو الحق وما خالفه باطل، ونترك له نصوص القرآن والسنة وآثار الصحابة وأقوال من عداه من جميع أهل العلم؟!
ومن هذا الباب:
تقليد الأعمى في القبلة ودخول الوقت لغيره؛ وقد كان ابن أم مكتوم لا يؤذن حتى يقلد غيره في طلوع الفجر ويقال له: أصبحت أصبحت. وكذلك تقليد الناس للمؤذن في دخول الوقت.
وتقليد من في المطمورة لمن يعلمه بأوقات الصلاة والفطر والصوم وأمثال ذلك.
ومن ذلك:
التقليد في قبول الترجمة في الرسالة والتعريف، والتعديل والجرح؛ كل هذا من باب الأخبار؛ التي أمر الله بقبول المخبر بها إذا كان عدلاً صادقاً.
وقد أجمع الناس على قبول خبر الواحد في الهدية، وإدخال الزوجة على زوجها، وقبول خبر المرأة ذمية كانت أو مسلمة في انقطاع دم حيضها لوقته، وجواز وطئها أو نكاحها بذلك، وليس هذا تقليد في الفتيا والحكم!!.
وإذا كان تقليداً؛ لها فإنَّ الله سبحانه شرع لنا أن نقبل قولها ونقلدها فيه، ولم يشرع لنا أن نتلقى أحكامه عن غير رسوله، فضلاً عن أن نترك سنة رسوله لقول واحد من أهل العلم ونقدم قوله على قول من عداه من الأمة)).
قلتُ:
وهذا ليس من باب التقليد، إنما هو من قبيل إتباع الحجة والعمل بالدليل، وهو الأمر بقبول خبر الثقة.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في المصدر السابق [4/257-258]:
((الوجه الثالث والستون: قولكم "قد أجمع الناس على تقليد الزوج لمن يهدي إليه زوجته ليلة الدخول، وعلى تقليد الأعمى في القبلة والوقت، وتقليد المؤذنين، وتقليد الأئمة في الطهارة وقراءة الفاتحة، وتقليد الزوجة في انقطاع دمها ووطئها وتزويجها"؟
فجوابه: ما تقدم؛ أنَّ استدلالكم بهذا من باب المغاليط!، وليس هذا من التقليد المذموم على لسان السلف والخلف في شيء، ونحن لم نرجع إلى أقوال هؤلاء لكونهم أخبروا بها؛ بل لأنَّ الله ورسوله أمر بقبول قولهم وجعله دليلاً على ترتب الأحكام، فإخبارهم بمنزلة الشهادة والإقرار.
فأين في هذا ما يسوغ التقليد في أحكام الدين والإعراض عن القرآن والسنن ونصب رجل بعينه ميزاناً على كتاب الله وسنة رسوله؟!)).
وقال العلامة الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه [توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار (2 / 118-119)]: ((والتزكية والجرح: من باب الأخبار؛ إذ مفاد قوله المزكي: "فلان عدل" أي: آتٍ بالواجبات تارك للمقبحات محافظ المروءة، وقوله جرحاً: "هو فاسق" لشربه الخمر مثلاً، الكل إخبار عدل، يجب قبوله لقيام الأدلة على العمل بخبر العدل، وليس تقليداً له.
كما سلف للمصنف رحمه الله نظيره في قول العدل: "هذا الحديث صحيح"، فإنه قال: إنه خبر عدل، وإنَّ قبوله ليس من التقليد، وإنْ كان ناقض نفسه في محل آخر، وقد قررنا الصحيح من كلاميه.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 04-01-2012, 12:21 AM
بلال الجيجلي بلال الجيجلي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الجزائر- ولاية جيجل - حرسها الله من كل سوء-
المشاركات: 941
شكراً: 13
تم شكره 43 مرة في 40 مشاركة
افتراضي

والحاصل: أنَّ الدليل قد قام على قبول خبر العدل؛ إما عن نفسه بأن يخبر بـ"أنه ابن فلان" أو "أنَّ هذه داره أو جاريته"، فهذا لا كلام في قبول خبره عنه بالضرورة الشرعية، بل يقبل خبر الفاسق بذلك، بل أبلغ من هذا أنه يجب قبول قول الكافر "لا إله إلا الله" ويحقن دمه وماله ونعامله معاملة أهل الإيمان؛ لإخباره بالتوحيد وإن كان معتقداً لخلافه في نفس الأمر كالمنافق.
وإن كان خبره عن غيره كروايته للأخبار قُبِلَ أيضاً، وإن كان عن صفة غيره بأنه "عدل" أو "فاسق" قبل أيضاً، إذ الكل خبر عدل، وقبول خبره ليس تقليداً له، بل لما قام عليه من الدليل في قبول خبره، هذا تقرير كلام أهل الأصول وغيرهم، ولنا فيه بحث أشرنا إليه في أوائل حاشية ضوء النهار)).
وقال أيضاً في المصدر السابق [1/115]: ((قول العدل: "هذا حديث صحيح" في قوة: "هذا حديث عدلت نقلته وثبت إتقانهم في الضبط وسلم الحديث من الشذوذ والعلة". والعدل إذا عدّل غيره وجب قبول خبره، وإذا شهد له بالإتقان في حفظه وجب قبول خبره أيضاً، وقد بسطنا هذا في رسالتنا المسماة "إرشاد النقاد"، بسطاً شافياً. وبيِّنا أنَّ قول العدل: "فلان عدل" عبارة إجمالية معناها: "أنه آت بالواجبات، مجتنب للمقبحات ولما فيه خسة من الصغائر، محافظ على المروءة")).
وفي كتابه [إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد ص77-83] قال رحمه الله تعالى:
((رسمَ الحافظُ ابنُ حجر رحمه الله في كتابه نخبة الفكر الحديث الصحيح بأنه: ما نقله عدل تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ، وقال: وهو الصحيح لذاته، وقريب منه رسمَ ابنُ الصلاح وزينُ الدين بأنه: ما اتصل إسناده بنقل عدل ضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة قادحة.
إذا عرفتَ هذا؛ فهذه خمسة قيود: ثلاثة وجودية، واثنان عدميان، وكلها إخبار، كأنه قال الثقة حين قال "حديث صحيح": هذا الحديث رواته عدول مأمونون الضبط متصل إسنادهم لم يخالف فيه الثقة ما رواه الناس وليس فيه أسباب خفية طرأت عليه تقدح في صحته، وحينئذ قول الثقة "صحيح" يتضمن الإخبار بهذه الجمل الخمس، وقد تقرر بالبرهان الصحيح: أنَّ الواجب أو الراجح العمل بخبر العدل والقبول له، وتقرر أنَّ قبوله ليس من التقليد لقيام الدليل على قبول خبره.
فالتصحيح مثلاً والرواية للخبر قد اتفقا أنهما إخبار إما بالدلالة المطابقية أو التضمينية أو الإلزامية، أما قبول خبره الدال بالمطابقة فلا كلام فيه كقوله: زيد قائم، أما قبول خبره الدال بالتضمن أو الالتزام فيدل على قبوله أنهم جعلوا من طرق التعديل حكم مشترط العدالة بالشهادة وعمل العالم المشترط لها رواية من لا يروي إلا عن عدل، فإنهم صرحوا في الأصول وعلوم الحديث: أنَّ هذه طرق التعديل، ومعلوم أن دلالة هذه الصورة على عدالة الراوي والشاهد التزامية.
فقول الثقة "حديث صحيح" يتضمن الإخبار بالقيود الخمسة والرواية لها، ولا يقال: إنَّ إخباره بأنه صحيح إخبار على ظنه بحصول شرائط الصحة عند ظنه؛ كما يدل له: أنه صرح زين الدين وغيره بأنَّ قول المحدثين هذا حديث صحيح فمرادهم فيما ظهر لنا عملاً بظاهر الإسناد لا أنه مقطوع بصحته في نفس الأمر، لأنا نقول: إخبار الثقة بأنَّ زيداً عدل إخبار عن ظنه بأنه آت بالواجبات مجتنب للمقبحات بحسب ما رآه من ذلك وأخبر مع جواز أنه في نفس الأمر غير مسلم، لكن هذه التجويزات لا يخاطب بها المكلف.
فإن قلتَ: من شروط الصحيح السلامة من الشذوذ والعلة؛ وليس مدرك هذين الأمرين الإخبار، بل تتبع الطرق والأسانيد والمتون، كما أشار إليه السائل؟
قلتُ: أما أولاً فالشذوذ والعلة نادران والحكم للغالب لا للنادر؛ ألا ترى أنَّ الراجح العمل بالنص وإنْ جوز أنه منسوخ؛ عملاً بالأغلب وهو عدم النسخ، وبرهان ندورهما يعرف مَنْ تتبع كلام أئمة الحديث على طرق الأحاديث من مثل البدر المنير وتلخيصه، فإنهم يتكلمون على ما قيل في الحديث، فتجد القدح بالشذوذ والإعلال نادراً جداً، بل قال السيد محمد بن إبراهيم في التنقيح: ظاهر الحديث المعل السلامة من العلة حتى تثبت بطريق مقبولة.
أما ثانياً: فقول الثقة "هذا صحيح" أي غير شاذ ولا معلل؛ إخبار بأنه لم يقع في رواته راو ثقة خالف الناس فيه ولا وجدت فيه علة تقدح في صحته، وهذا إخبار عن حال الرواي بصفة زائدة على مجرد عدالته وحفظه، أو حال المتن بأن ألفاظه مصونة عن ذلك.
وليس هذا خبراً عن اجتهاد!؛ بل عن صفات الرواة والمتون، فإنه إخبار بأنه تتبع أحوال الرواة حتى علم من أحوالهم صفات زائدة على مجرد العدالة، وفي التحقيق: هذا عائدة إلى تمام الضبط وتتبع مروياتهم حتى أحاط بألفاظها، فالكل عائد إلى الإخبار عن الغير؛ لا عن الاجتهاد الحاصل عن دليل ينقدح له منه رأي!!.
وأنت إذا نظرتَ إلى الأئمة النقاد من الحفاظ كالحاكم أبي عبدالله وأبي الحسن الدارقطني وابن خزيمة ونحوهم كالمنذري وتصحيحهم لأحاديث وتضعيفهم لأحاديث واحتجاجهم على الأمرين مستنداً إلى كلام مَنْ تقدمهم كيحيى بن معين وأحمد بن حنبل وأبي عبدالله البخاري ومسلم وغيرهم من أئمة هذا الشأن، وأنه ثبت له عنهم أو عن أحدهم أنه قال: "فلان حجة" أو "ثبت" أو "عدل" أو نحوها من عبارات التعديل، وأنهم قالوا في غيره: إنه "ضعيف" أو "كذاب" أو "لا شيء" أو نحوها، ثم فرعوا على هذه الروايات صحة الحديث أو ضعفه باعتبار ما قاله من قبلهم.
فإنه تجنَّب ابن إسحاق مَنْ تجنبه من أهل الصحاح بقول مالك فيه؛ مع أنَّ ابن إسحاق إمام أهل المغازي، وقدحوا أيضاً في الحارث الأعور بكلام الشعبي فيه؛ ولم يلقوا ابن إسحاق ولا الحارث، بل قبلوا كلام مَنْ تقدم فيهم من الأئمة.
وإذا حققتَ: علمتَ أنَّ تصحيح البخاري ومسلم وغيرهما مبني على ذلك وكذلك تضعيفهما، فإنهما لم يلقيا إلا شيوخهما من الرواة، وبينهم وبين الصحابة وسائط كثيرون، اعتمدوا في ثقتهم وعدمها على الرواة من الأئمة قبلهم، فلم يعرفوا عدالتهم وضبطهم إلا من أخبار أولئك الأئمة.
فإذا كان الواقع من مثل البخاري في التصحيح تقليداً لأنه بناه على إخبار غيره عن أحوال مَنْ صحح أحاديثهم: كان كل قابل لخبر مَنْ تقدمه من الثقات مقلداً، وإنْ كان الواقع من البخاري من التصحيح اجتهاداً مع ابتنائه على خبر الثقات: فليكن قولنا بالصحة لخبر البخاري المتفرع عن إخبار الثقات اجتهاداً.
فإنه لا فرق بين الإخبار بأنَّ هؤلاء الرواة ثقات حفاظ، وبين الإخبار بأنَّ الحديث صحيح إلا بالإجمال والتفصيل؛ وكأنهم عدلوا عن التفصيل إلى الإجمال اختصاراً وتقريباً، لأنهم لو أعقبوا كل حديث بقولهم: "رواته عدول، حافظون، رواه متصلاً، ولا شذوذ فيه، ولا علة" لطالت مسافة الكلام، وضاق نطاق الكتاب الذي يؤلفونه عن استيفاء أحاديث الأحكام؛ فضلاً عما سواها من الأخبار؛ على أنَّ هذا التفصيل لا يخلو عن الإجمال؛ إذ لم يذكر فيه كل راو على انفراده بصفاته.
بل في التحقيق: أنَّ قولهم "عدل" معدول به عن: آت بالواجبات، مجتنب للمقبحات، محافظ على خصال المروءة، متباعد عن أفعال الخسة، فعدلوا عن هذه الإطالة إلى قولهم "عدل". فقولهم "عدل" خبر انطوت تحته عدة أخبار، كما انطوت تحت قولهم "صحيح".
وإذا عرفتَ هذا: تبين لك صحة قول صاحب "الروض الباسم"، وأنه الصواب فيما نقله السائل عنه، ومثله قوله في التنقيح: إنه إنْ نص على صحة الحديث أحد الحفاظ المرضيين المأمونين فيقبل ذلك منه للإجماع وغيره من الأدلة الدالة على قبول خبر الآحاد؛ كما بيَّن ذلك في موضعه، ولا يجوز ترك ذلك متى تعلق الحديث بحكم شرعي)).
قلتُ:
وحتى لا يفهم أحدٌ أنَّ الصنعاني بكلامه هذا يغلق باب الاجتهاد في تصحيح الأحاديث وتضعيفها؛ قال رحمه الله تعالى بعد كلامه السابق مباشرة [المصدر السابق ص84-87]: ((إذا عرفتَ ما قررناه؛ فاعلم أنه لا مانع لمن وجد في هذه الأعصار حديثاً لم يسبق عليه كلام إمام من الأئمة بتصحيح ولا غيره، فتتبع كلام ائمة الرجال في أحوال رواته، حتى حصل له من كلامهم ثقة روايته أو عدمها، فجزم بأيهما على الحديث، كما جزم من قبله من أئمة التصحيح والتضعيف من مثل البخاري وغيره، ومستنده في ذلك مستند من قبله كما أوضحناه، غاية الفرق أنه كثر الوسائط في حقه لتأخر عصره فكانوا أكثر من الوسائط في حق من تقدمه لقرب عصرهم، وهذا موجب لمشقة البحث عليه؛ لكثرة الرواة الذين يبحث عن أحوالهم، ولكن ربما كان ثوابهم أكثر لزيادة مشقة البحث.
هذا إن كانت طريق المتأخر هي الرواية وأراد معرفة أحوال شيوخه وتحقيقها حتى يبلغ إلى مؤلف الكتاب الذي قرأه.
أما إذا كانت طريقة الإيجازة أو الوجادة فإنه لا كثرة للوسائط أصلاً؛ بل هو كالقدماء في ذلك.
وحينئذ فيكون مجتهداً فيما حكم بصحته مثلاً؛ فإنه كما أنه لا محيص عن القول بأنَّ تصحيح الأئمة الأولين اجتهاد، فإنه إنما بنوه على ما بلغ إليهم من أحوال الرواة ففرعوا عليه التصحيح، وجعلوه عبارة عن ثقة الرواة وضبطهم، كذلك لا محيص عن القول بأنَّ ما صححه من بعدهم إلى يومنا هذا أو ضعفوه أو حسنوه حكمه حكم ما قاله الأولون من الأئمة، إذ الأصل في الكل واحد، وهو قبول إخبار من سلف عن أحوال الرواة وصفاتهم، وإلا كان القول بخلاف هذا تحكماً لا يقول به عالم.
وإذا عرفتَ هذا؛ عرفتَ ضعف ما قاله ابن الصلاح بل بطلانه من أنه ليس لنا الجزم بالتصحيح في هذه الأعصار، وقد خالفه النووي، ورجح زين الدين كلام النووي، وهو الحق.
ولعل القاضي شرف الدين أغتر بكلام ابن الصلاح في هذا الطرف، وأما قول القاضي إنَّ القول بتصحيح الأئمة الماضيين والعمل عليه تقليد لهم؛ فلا أعلم فيه سلفاً، بل الحق ما قدرنا لك من قول الإمام صاحب العواصم رحمه الله)).
وقال رحمه الله تعالى أيضاً في المصدر السابق [ص108-115]: ((فصل: في سبب اختلاف الأقوال في الجرح والتعديل؛ أما ما أشار إليه السائل دامت إفادته من أنه قد يختلف كلام إمامين من أئمة الحديث؛ فيُضعِّف هذا حديثاً، وهذا يصحِّحه، ويرمي هذا رجلاً من الرواة بالجرح وآخر يُعدِّله؛ فهذا مما يشعر بأنَّ التصحيح ونحوه من مسائل الاجتهاد الذي اختلفت فيه الآراء؟!
فجوابه: أنَّ الأمر كذلك؛ أي: أنه قد تختلف أقوالهم، فإنه قال مالك في ابن إسحاق: "إنه دجال من الدجاجلة"، وقال فيه شعبة: "إنه أمير المؤمنين في الحديث"، وشعبة إمام لا كلام في ذلك، وإمامة مالك في الدين معلومة لا تحتاج إلى برهان؛ فهذان إمامان كبيران اختلفا في رجل واحد من رواة الأحاديث.
ويتفرع على هذا الاختلاف في صحة حديث من رواية ابن إسحاق وفي ضعفه؛ فإنه قد يجد العالم المتأخر عن زمان هذين الإمامين كلام شعبة وتوثيقه لابن إسحاق فيصحح حديثاً يكون من رواية ابن إسحاق قائلاً قد ثبتت الرواية عن إمام من أئمة الدين وهو شعبة بأنَّ ابن إسحاق حجة في روايته وهذا خبر من شعبة يجب قبوله.
وقد يجد العالم الآخر كلام مالك وقدحه في ابن اسحاق القدح الذي ليس وراءه ورواء ويرى حديثاً من رواية ابن إسحاق فيضعِّف الحديث لذلك قائلاً قد روى لي إمام وهو مالك بأن ابن إسحاق غير مرضي الرواية ولا يساوي فلساً فيجب رد خبر فيه ابن إسحاق.
فبسبب هذا الاختلاف حصل اختلاف الأئمة في التصحيح والتضعيف؛ المتفرعين عن اختلاف ما بلغهم من حال بعض الرواة، وكل ذلك راجع إلى الرواية لا إلى الدراية، فهو ناشئ عن اختلاف الأخبار، فمن صحَّح أو ضعَّف فليس عن رأي ولا استنباط كما لا يخفى؛ بل عمل بالرواية، وكل من المصحِّح والمضعِّف مجتهد عامل برواية عدل، فعرفتَ: أنَّ الاختلاف في ذلك ليس مداره على الرأي!، ولا هو من أدلة أنَّ مسألة التصحيح وضده اجتهاد.
نعم وقد يأتي من له فحولة ونقادة ودراية بحقائق الأمور وحسن وسعة إطلاع على كلام الأئمة فإنه يرجع إلى الترجيح بين التعديل والتجريح؛ فينظر في مثل هذه المسألة إلى كلام الجارح ومخرجه فيجده كلاماً خرج مخرج الغضب الذي لا يخلو عنه البشر ولا يحفظ لسانه حال حصوله إلا من عصمه الله، فإنه لما قال ابن إسحاق: "اعرضوا عليَّ علم مالك فأنا بيطاره"، فبلغ مالكاً فقال تلك الكلمة الجافية؛ التي لولا جلالة من قالها وما نرجوه من عفو الله من فلتات اللسان عند الغضب لكان القدح بها فيمن قالها أقرب إلى القدح فيمن قيلت فيه، فلما وجدناه خرج مخرج الغضب لم نره قادحاً في ابن إسحاق، فإنه خرج مخرج جزاء السيئة بالسيئة، على أنَّ ابن إسحاق لم يقدح في مالك ولا في علمه، غاية ما أفاد كلامه: أنه أعلم من مالك وأنه بيطار علومه، وليس في ذلك قدح على مالك، ونظرنا كلام شعبة في ابن إسحاق فقدمنا قوله لأنه خرج مخرج النصح للمسلمين، ليس له حامل عليه إلا ذلك.
وأما الجامد في ذهنه الأبله في نظره فإنه يقول: قد تعارض هنا الجرح والتعديل فيقدم الجرح؛ لأنَّ الجارح أولى وإنْ كثر المعدلون، وهذه القاعدة لو أخذت كلية لم يبق لنا عدل إلا الرسل، فإنه ما سلم فاضل من طاعن من ذلك لا من الخلفاء الراشدين ولا أحد من أئمة الدين.
كما قيل:
فما سلم صديق من رافض ... ولا نجا من ناصبي علي
ما سلم الله من بريته... ولا نبي الهدى فكيف أنا؟!
القاعدة ظاهرية يعمل بها فيما تعارض فيه الجرح والتعديل من المجاهيل.
على أنه لك أن تقول: كلام مالك ليس بقادح في ابن إسحاق لما علمتَ أنه خرج مخرج الغضب لا مخرج النصح للمسلمين، فلم يعارض في ابن إسحاق جرح.
واعلم أنَّ ذكرنا لابن إسحاق والكلام فيه مثال وطريق يسلك منه إلى نظائره.
وإذا عرفتَ هذا؛ فهذا الترجيح لا يخرج عما ذكرناه عن كونه من باب قبول أخبار العدول، بل هو منه، إنما لما تعارض الخبران عندنا في حال هذا الراوي تتبعنا حقائق الخبرين ومحل صدورهما والباعث على التكلم بهما، فظهر الاعتماد على أحدهما دون الآخر، فهو من باب قبول الأخبار، فهكذا يلزم الناظر البحث عن حقائق الأحوال وعن الباعث عن صدورها من أفواه الرجال، فإنه يكون كلامه بعد ذلك أقوم قيلاً وأحسن دليلاً وأوفق نظراً وأجل قدراً.
فمن عمل برواية التعديل والتزكية، ومن عمل برواية القدح والتجريح وإنْ كان الكل قابلين لأخبار العدول عاملين بما يجب عليهم من قبول خبر المنقول، فالكل مجتهدون، ولكن تخالفت الآثار وتفاوتت الأنظار، ومن هنا ونحوه وقع اختلاف المجتهدين في عدة مسائل من أمهات الدين، والكل مأجورون بالنص الثابت، منهم من له أجر ومنهم من له أجران.
ومن هنا؛ علمتَ أنَّ اختلاف الأئمة في تصحيح خبر من إمام وتضعيفه من إمام آخر ناشئ عما تلقوه من أخبار العدول عن الرواة؛ فهذا الإمام لم يبلغه عن الرواة هذا الخبر الذي حكم بصحته إلا العدالة والضبط فصحح أخبارهم، ولهذا تجد من يتعقب بعض الأحاديث التي صححها إمام بقوله: كيف تصححه وفيه فلان كذاب؟ ونحو هذا، ومعلوم أنَّ مَنْ صحح هذا الحديث لم يبلغه أنَّ في رجاله كذاباً، وهذا الإمام بلغه من أحوال رواة ذلك الخبر أو بعضهم عدم العدالة وسوء الحفظ أو انقطاع الخبر أو شذوذه حكم عليه بعدم الصحة، وهذا معروف من جبلة العباد وطبائعهم، فمن الناس مَنْ يغلب عليه حسن الظن في الناس وتلقي أقوالهم بالصدق، ومن الناس مَنْ له نباهة وفطنة وطول خبرة لأحوال الناس فلا يكتفي بالظاهر بل يفتش عن الحقائق فيقع على الحق والصواب)).
أقول بعد هذا:
فهذه نقول صريحة جداً تبين أنَّ كلام علماء الجرح والتعديل المعتبرين هو من باب الأخبار، وهو مبني على الحفظ والخبرة والمعرفة، وليس مدار كلامهم على الرأي والاجتهاد المبني على تفاوت الأفهام واختلاف العقول.
وأنَّ ما يقع بينهم من خلاف؛ لا يخرج عن كونه اختلاف في الأخبار المنقولة؛ كاختلاف النقل فيما بلغهم من حال بعض الرواة ومروياتهم.
لكن:
نعم قد ترد كلمة اجتهاد أو ما يقاربها في كلام العلماء؛ فيذكرون أنَّ الاجتهاد واقع في كلام أئمة الجرح والتعديل، فيفهم البعض أنَّ مرادهم بذلك: أنَّ كلام علماء الجرح والتعديل في الرجال من قبيل الرأي والاستنباط، وليس الأمر كذلك، وإنما مرادهم: أنَّ علماء الجرح والتعديل ينظرون في الرواة وأحوالهم وسيرتهم ومروياتهم وكلام أهل الشأن فيهم جرحاً وتعديلاً، ثم يحكمون فيهم بحسب ما بلغهم من ذلك، وبحسب ما عندهم من حفظ وخبرة ومعرفة وشروط، ثم يعطون للراوي درجة نهائية يقتصرون فيها على كونه "ثقة" أو "ضعيفاً" أو أشباه هذه العبارات، وأيضاً من جهة: هل كون الجرح مؤثراً في الراوي أم لا؟، وما هي درجته في مراتب التعديل أو التجريح؟ ينظرون في ذلك، وهذا محل اجتهادهم، وهم في كل الأحوال مأجورون، وكل هذا بالتأكيد في حال اختلاف كلامهم في الراوي المعيَّن لا في حال الاتفاق على تضعيفه أو توثيقه، لكن يبقى أصل كلامهم في جرح الرواة أو تعديلهم هو من قبيل الأخبار والسماع والنقل.
قال العلامة عبد الرحمن المعلمي رحمه الله تعالى في رسالته [الاستبصار في نقد الأخبار ص40]: ((فإنَّ ما في كتب الجرح والتعديل من الكلام في الرواة المتقدمين غالباً من كلام مَنْ لم يدركهم، بل ربما كان بينه وبينهم نحو ثلاثمائة سنة، هذا الدارقطني المولود سنة 306ﻫ يتكلم في التابعين فيوثِّق ويضعِّف، قد يتوهم مَنْ لا خبرة له أنَّ كلام المحدِّث فيمن لم يدركه إنما يعتمد النقل عمن أدركه، فالمتأخِّر ناقل فقط أو حاكم بما ثبت عنده بالنقل، وهذا الحصر باطل؛ بل إذا كان هناك نقل فإنَّ المتأخر يذكره، فإنْ لم يذكره مرة ذكره أخرى، أو ذكره غيره.
والغالب فيما يقتصرون فيه على الحكم بقولهم: "ثقة" أو "ضعيف" أو غير ذلك، إنما هو اجتهاد منهم؛ سواء أكان هناك نقل يوافق ذاك الحكم أم لا، وكثيراً ما يكون هناك نقل يخالف ذاك الحكم.
واعتمادهم في اجتهادهم على طرق:
الطريقة الأولى: النظر فيمن روى عن الرجل، فإنْ لم يرو عنه إلا بعض المتهمين كابن الكلبي والهيثم بن عدي طرحوه ولم يشتغلوا به، وإنْ كان قد روى عنه بعض أهل الصدق نظروا في حال هذا الصدوق فيكون له واحدة من أحوال:
الأولى/ أن يكون يروي عن كل أحد حتى مَنْ عرف بالجرح المسقط .
الثانية/ كالأولى إلا أنه لم يرو عمن عرف بالجرح المسقط.
الثالثة/ كالأولى إلا أنه لم يعرف بالرواية عمن عرف بالجرح وإنما شيوخه بين عدول ومجاهيل، والمجاهيل في شيوخه كثير.
الرابعة/ كالثالثة إلا أنَّ المجاهيل من شيوخه قليل.
الخامسة/ أن يكون قد قال "شيوخي كلهم عدول" أو "أنا لا أحدث إلا عن عدل".
فصاحب الحال الأولى: لا تفيد روايته عن الرجل شيئاً، وأما الأربع الباقية فإنها تفيد فائدة ما، تضعف هذه الفائدة في الثانية، ثم تقوى فيما بعدها على الترتيب، فأقوى ما تكون في الخامسة.
الطريقة الثانية: النظر في القرائن، كأن يُوصَف التابعي بأنه كان من أهل العلم، أو من سادات الأنصار، أو إماماً في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو مؤذناً لعمر، أو قاضياً لعمر بن عبد العزيز، أو ذكر الراوي عنه أنه أخبره في مجلس بعض الأئمة وهو يسمع كما قال الزهري. وعكس هذا أن يوصف الرجل بأنه كان جندياً أو شرطياً أو نحو ذلك من الحرف التي يكثر في أهلها عدم العدالة.
الطريقة الثالثة: وهي أعم الطرق، اختبار صدقة وكذبه: بالنظر في أسانيد رواياته ومتونها، مع النظر في الأمور التي قد يستفاد منها تصديق تلك الروايات أو ضعفها.
فأما النظر في الأسانيد؛ فمنه أن ينظر تاريخ ولادته، وتاريخ وفاة شيخه الذي صرح بالسماع منه، فإنْ ظهر أنَّ ذلك الشيخ مات قبل مولد الراوي أو بعد ولادته بقليل بحيث لا يمكن عادة أن يكون سمع منه ووعى كذبوه، ومنه أن يسأل عن تاريخ سماعه من الشيخ فإذا بينه وتبين أنَّ الشيخ قد كان مات قبل ذلك كذبوه، ومنه أن يسأل عن موضع سماعه من الشيخ فإذا ذكر مكاناً يُعرف أنَّ الشيخ لم يأته قط كذبوه، وقريب من ذلك: أن يكون الراوي مكياً لم يخرج من مكة وصرح بالسماع من شيخ قد ثبت عنه أنه لم يأت مكة بعد بلوغ الأول سن التمييز وإن كان قد أتاها قبل ذلك، ومنه أن يحدث عن شيخ حي فيسأل الشيخ عن ذلك فيكذبه.
فإذا لم يوجد في النظر في حاله وحال سنده ما يدل على كذبه، نظر في حال شيوخه المعروفين بالصدق مع الشيوخ الذين زعم أنهم سمعوا منهم على ما تقدم. فإذا كان قد قال حدثني فلان أنه سمع فلاناً فتبين بالنظر أن فلاناً الأول لم يلق شيخه كذبوا هذا الراوي، وهكذا في بقية السند.
لكن إذا وقع شيء من هذا ممن عرفت عدالته وصدقه وكان هناك مظنة للخطأ حملوه على الخطأ، وقد يختلفون: فيكذبه بعضهم، ويقول غيره إنما أخطأ هو أو شيخه أو سقط في الإسناد رجل، أو نحو ذلك)) انتهى كلام المعلمي رحمه الله تعالى.
قلتُ:
ومَنْ تأمل كلامه رحمه الله تعالى لاحظ فيه: أنَّ كلام أئمة الجرح والتعديل المتأخرين في الرجال إما أن يوجد عندهم نقل وأخبار عن المتقدمين فيذكرون ذلك النقل، وإما أن لا يوجد عندهم شيء من النقل عن أولئك، فحينئذ يجتهدون، ويمكن التمييز بين ما أخذوه من المتقدمين من أحكام على الرواة وبين ما اجتهدوا فيه: أنَّ الغالب فيما يقتصرون فيه على الحكم بقولهم: "ثقة" أو "ضعيف" أو غير ذلك، إنما هو اجتهاد منهم.
وهذا الاجتهاد يدور على ثلاثة طرق: الأول: النظر فيمن روى عن الرجل، والثاني: النظر في القرائن المحيطة بالرواية، والثالث: النظر في أسانيد رواياته ومتونها؛ وهذه الأمور كلها من قبيل النظر في الخبر والنقل، وليست من قبيل الرأي والاستنباط، ومن هذه الجهة اختلف اجتهاد المحدثين عن اجتهاد الفقهاء، وإن كان الكل مجتهداً قد استفرغ وسعه في تحصيل الحق والصواب، وهم بين الأجر والأجرين، فلينتبه طالب العلم لهذا ولا يختلط عليه الأمر، ولا يُلبِّس عليه البعض ممَنْ يتتبع نتفاً من كلام أهل العلم مجرداً عن السياق ومراد أصحابه، والله الهادي إلى سواء السبيل.
ومن باب التنبيه أقول:
وكلام أهل الجرح والتعديل في الرجال تعديلاً أو تجريحاً ليس هو خبراً محضاً ولا حكماً محضاً، وإنما هو خبر يتضمن حكماً، فهو إخبار من العالم العارف بالجرح والتعديل بأنَّ فلاناً فيه من الصفات ما يوجب الجرح أو التعديل، وهو في نفس الوقت حكم على فلان بأنه مجروح أو عدل.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في [زاد المعاد 5/456-457]:
((المجهول إذا عدَّله الراوي عنه الثقة ثبتت عدالته؛ وإن كان واحداً على أصح القولين، فإنَّ التعديلَ من باب الإِخبار والحكم، لا من باب الشهادة؟ لا سيما التعديل في الرواية، فإنهُ يُكتفى فيه بالواحد، ولا يزيد على أصل نصاب الرواية، هذا مع أنَّ أحد القولين: إنَّ مجرد رواية العدل عن غيره تعديل له وإن لم يصرح بالتعديل!، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد، وأما إذا روى عنه وصرح بتعديله، فقد خرج عن الجهالة التي ترد لأجلها روايته، لا سيما إذا لم يكن معروفاً بالرواية عن الضعفاء والمتهمين)).
قلتُ:
ولما كان الكلام في تجريح الناس وتعديلهم قد يكون خبراً يتضمن حكماً منقولاً عن الغير، وقد يكون حكماً صادراً من المتكلِّم نفسه، وكذا قد يكون في الرواة، وقد يكون في الشهود، لهذا اختُلِفَ في كلام الجارح أو المعدِّل في الرواة؛ هل هو من قبيل الحكم أم الخبر أم الشهادة أم الرواية أم الفتوى؟!، وهل يُشترط فيه العدد أم يقبل فيه قول الواحد؟ وهل يفرَّق في مسألة التجريح والتعديل بين الرواية وبين الشهادة أم لا؟!
قال العلامة عبد الرحمن المعلمي رحمه الله تعالى في [الاستبصار في نقد الأخبار ص38]: ((الأقرب: أنَّ تزكية الشاهد شهادة، وأما تزكية المخبر: فإنْ كانت ممن جاوره أو صحبه مدة فالظاهر أنها خبر، وإنْ كانت ممن تأخر عليه كتعديل الإمام أحمد لبعض التابعين فقد يقال: إنها حكم؛ لأنَّ أئمة هذا الفن في معنى المنصوبين من الشارع أو من جماعة الأمة لبيان أحوال الرواة ورواياتهم، وقد يقال: إنها فتوى؛ لأنها خبر عما أدى إليه النظر والاجتهاد؛ وهو إنْ لم يكن حكماً شرعياً فتبنى عليه أحكام شرعية كما لا يخفى، والأقرب: أنها خبر أيضاً)).
قلتُ:
فإذا تبين لك أيها القارئ من كلام أهل العلم المتقدم أنَّ كلام علماء الجرح والتعديل في الرجال هو من قبيل أخبار الثقات، فاعلم أنَّ خبر الثقة واجب القبول كما صرَّح بذلك أئمة هذا الشأن.
وقد نقل الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في [الكفاية في علم الرواية ص31] عدة أدلة على وجوب الأخذ بخبر العدل؛ ثم قال: ((وعلى العمل بخبر الواحد كان كافة التابعين ومن بعدهم من الفقهاء الخالفين في سائر أمصار المسلمين إلى وقتنا هذا، ولم يبلغنا عن أحد منهم إنكار لذلك، ولا اعتراض عليه، فثبت أنَّ من دين جميعهم: وجوبه؛ إذ لو كان فيهم مَنْ كان لا يرى العمل به لنقل إلينا الخبر عنه بمذهبه فيه، والله اعلم)).
وبهذا نعلم؛ أنه إذا حكم عالم معتبر في رجل بأنه مبتدع أو ليس بسلفي وذكر ذلك بالأدلة والبراهين؛ فإنَّ الواجب قبول كلامه، لأنَّ كلامه في أهل البدع داخل في علم الجرح والتعديل كما تقدَّم، وما دام أنه ثقة، فيجب قبول كلامه، لأنَّ خبر الثقة واجب القبول. وأما إذا تبين لنا خلاف ما قاله - هذا العالم الثقة - بالأدلة العلمية والقرائن الصحيحة فلا يقبل كلامه فضلاً عن وجوب الأخذ به.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 04-01-2012, 12:22 AM
بلال الجيجلي بلال الجيجلي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الجزائر- ولاية جيجل - حرسها الله من كل سوء-
المشاركات: 941
شكراً: 13
تم شكره 43 مرة في 40 مشاركة
افتراضي

الوجه الثالث: أنَّ مسائل الاجتهاد إذا ظهرت فيها الحجة في أحد الأقوال فيجب الانقياد لها؛ ولا يكون المرء فيها مخيراً بحسب ما يشتهيه هواه، وليس له سعة في اختيار أحد الأقوال.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في [الفتاوى الكبرى 1/164]: ((إنَّ مثل هذه المسألة أو نحوها من "مسائل الاجتهاد"؛ لا يجوز لمن تمسَّك فيها بأحد القولين أن ينكر على الآخر بغير حجة ودليل، فهذا خلاف إجماع المسلمين.
فقد تنازع المسلمون في جبن المجوس والمشركين؛ وليس لمن رجَّح أحد القولين أن ينكر على صاحب القول الآخر إلا بحجة شرعية، وكذلك تنازعوا في متروك التسمية، وفي ذبائح أهل الكتاب إذا سموا عليها غير الله، وفي شحم الثرب والكليتين، وذبحهم لذوات الظفر كالإبل والبط ونحو ذلك، مما حرمه الله عليهم، وتنازعوا في ذبح الكتابي للضحايا، ونحو ذلك من المسائل، وقد قال بكل قول طائفة من أهل العلم المشهورين.
فمن صار إلى قولٍ مقلِّدٍ لقائله لم يكن له أن ينكر على مَنْ صار إلى القول الآخر مقلد لقائله؛ لكن إنْ كان مع أحدهما حجة شرعية وجب الانقياد للحجج الشرعية إذا ظهرت، ولا يجوز لأحد أن يرجِّح قولاً على قول بغير دليل، ولا يتعصب لقول على قول ولا لقائل على قائل بغير حجة؛ بل مَنْ كان مقلدًا لزم حل التقليد فلم يرجح ولم يزيف ولم يصوِّب ولم يخطِّئ، ومن كان عنده من العلم والبيان ما يقوله سمع ذلك منه؛ فقبل ما تبين أنه حق ورد ما تبين أنه باطل ووقف ما لم يتبين فيه أحد الأمرين، والله تعالى قد فاوت بين الناس في قوى الأذهان كما فاوت بينهم في قوى الأبدان)).
قلتُ:
فمع كون كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في المسائل الاجتهادية، وقد ضرب عدة أمثلة من مسائل مختلف فيها بين فقهاء المسلمين، لكنه أوجب الانقياد إلى أحد الأقوال إذا ظهرت الحجة فيه.
فأين هذا من دعوى عدم الإلزام في مسائل الاجتهاد مطلقاً؟!
فلو أننا فرضنا أنَّ الكلام في الرجال من قبيل المسائل الاجتهادية الفقهية كما يزعم بعض المعاصرين؛ فإنَّ مسائل الاجتهاد إذا ظهرت الحجة فيها وجب الانقياد لها، وهذا يعني أنَّ الكلام في الرجال إذا ظهرت الحجة فيه يجب قبوله.
أقول:
ومن غريب صنائع القوم أنهم يساوون بين المسائل الخلافية وبين المسائل الاجتهادية؛ إما جهلاً وإما تلبيساً، فعندهم كل خلاف – ولو كان أوهن من بيت العنكبوت- هو من مسائل الاجتهاد التي لا إنكار فيها ولا إيجاب، بل صاروا يحتجون بالخلاف في رد الحجج والبراهين، ويتتبعون رخص العلماء بما يوافق أهواءهم وأراءهم، وكل ذلك مخالف لمنهج السلف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى الكبرى [6/92]: ((وقولهم: "مسائل الخلاف لا إنكار فيها" ليس بصحيح؛ فإنَّ الإنكار إما أن يتوجَّه إلى القول بالحكم، أو العمل. أما الأول: فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعًا قديمًا وجب إنكاره وفاقًا، وإنْ لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند مَنْ يقول "المصيب واحد" وهم عامة السلف والفقهاء. وأما العمل: فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضًا بحسب درجات الإنكار؛ كما ذكرناه من حديث شارب النبيذ "المختلف فيه"، وكما يُنقض حكم الحاكم إذا خالف سنة؛ وإنْ كان قد اتبع بعض العلماء!!. وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ: فلا ينكر على مَنْ عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا.
وإنما دخل هذا اللبس من جهة أنَّ القائل يعتقد: أنَّ مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد!!؛ كما اعتقد ذلك طوائف من الناس!.
والصواب الذي عليه الأئمة: أنَّ مسائل الاجتهاد لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا؛ مثل: حديث صحيح لا معارض من جنسه، فيسوغ له - إذا عُدم ذلك - فيها الاجتهاد؛ لتعارض الأدلة المتقاربة أو لخفاء الأدلة فيها.
وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعنٌ على مَنْ خالفها من المجتهدين؛ كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها، مثل: كون الحامل المتوفى عنها تعتد بوضع الحمل، وإنَّ الجِماع المجرد عن إنزال يوجب الغسل، وإنَّ ربا الفضل والمتعة حرام، وإنَّ النبيذ حرام، وإنَّ السنة في الركوع الأخذ بالركب، وإنَّ دية الأصابع سواء، وإنَّ يد السارق تقطع في ثلاثة دراهم ربع دينار، وإنَّ البائع أحق بسلعته إذا أفلس المشتري، وإنَّ المسلم لا يقتل بالكافر، وإنَّ الحاج يلبي حتى يرمي جمرة العقبة، وإنَّ التيمم يكفي فيه ضربة واحدة إلى الكوعين، وإنَّ المسح على الخفين جائز حضرًا وسفرًا؛ إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصى.
وبالجملة: مَنْ بلغه ما في هذا الباب من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها فليس له عند الله عذر (!) بتقليد مَنْ ينهاه عن تقليده ويقول: "لا يحل لك أن تقول ما قلتُ حتى تعلم من أين قلتُ" أو يقول: "إذا صح الحديث فلا تعبأ بقولي")).
أقول: فالمسائل الاجتهادية لها صورتان؛ تعارض الأدلة المتقاربة، أو خفاء الأدلة؛ كما قال شيخ الإسلام، وأما إذا كانت الأدلة واضحة والبراهين قاطعة فليست المسألة حينئذ من مسائل الاجتهاد التي لا إنكار فيها، وإنما من مسائل الخلاف التي يسوغ فيها الإنكار، بل يجب.
وقد تكلَّم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بعد كلامه السابق عن حرمة الحيل ثم قال: ((لو فرضنا أنَّ الحيل من مسائل الاجتهاد -كما يختاره في بعضها طائفة من أصحابنا وغيرهم!- فإنا إنما بينا الأدلة الدالة على تحريمها كما في سائر "مسائل الاجتهاد"، فأما جواز تقليد مَنْ يخالف فيها ويسوِّغ الخلاف فيها وغير ذلك فليس هذا من مواضع الكلام فيه!، وليس الكلام في هذا مما يختص هذا الضرب من المسائل!؛ فلا يحتاج إلى هذا التقرير أن يجيب عن السؤال بالكلية، وحينئذ: فمن وضح له الحق وجب عليه إتباعه!!، ومَنْ لم يتضح له الحق فحكمه حكم أمثاله في مثل هذه المسائل)).
أقول: فالمسألة مسألة وضوح الأدلة وظهور الحق؛ فمن وضح له الحق وجب عليه إتباعه، وصار ملزمًا بالأخذ به والعمل بمقتضاه، وتارك الواجب يستحق العقوبة كما لا يخفى.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في [الفتاوى الكبرى 6/92]: ((إنَّ الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكانة عليا، قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور: لا يجوز أن يتبع فيها!!، مع بقاء مكانته ومنزلته في قلوب المؤمنين؛ واعتبر ذلك بمناظرة الإمام عبد الله بن المبارك قال: "كنا بالكوفة فناظروني في ذلك يعني "النبيذ المختلف فيه" فقلتُ لهم: تعالوا فليحتج المحتج منكم عمَّنْ يشاء من أصحاب النبي ح بالرخصة، فإنْ لم يتبين الرد عليه عن ذلك الرجل بشدة صحت عنه، فاحتجوا، فما جاؤوا عن أحد برخصة إلا جئناهم بشدة، فلما لم يبق في يد أحد منهم إلا عبد الله بن مسعود وليس احتجاجهم عنه في شدة النبيذ بشيء يصح عنه، إنما يصح عنه أنه لم ينبذ له في الجَرِّ إلا حَذِرًا.
قال ابن المبارك: فقلتُ للمحتج عنه في الرخصة؛ يا أحمق عد إنَّ ابن مسعود لو كان ها هنا جالسًا فقال: هو لك حلال، وما وصفنا عن النبي ح وأصحابه في الشدة، كان ينبغي لك أن تحذر أو تجر أو تخشى؟
فقال قائلهم: يا أبا عبد الرحمن؛ فالنخعي والشعبي وسمى عدة معهما كانوا يشربون الحرام؟!!
فقلتُ لهم: عدوا عند الاحتجاج تسمية الرجال!؛ فربَّ رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا وعسى أن يكون منه زلة أفلأحد أن يحتج بها؟!
فإنْ أبيتم، فما قولكم في عطاء وطاووس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة؟
قالوا: كانوا خيارًا.
قلتُ: فما قولكم في الدرهم بالدرهمين يدًا بيد؟
فقالوا: حرام.
فقال ابن المبارك: إنَّ هؤلاء رأوه حلالاً؛ فماتوا وهم يأكلون الحرام؟!!
فبقوا وانقطعت حجتهم!.
قال ابن المبارك: ولقد أخبرني المعتمر بن سليمان قال: رآني أبي وأنا أنشد الشعر، فقال لي: يا بني لا تنشد الشعر، فقلت له: يا أبت كان الحسن ينشد وكان ابن سيرين ينشد!!، فقال لي: أي بني إنْ أخذت بشر ما في الحسن وبشر ما في ابن سيرين اجتمع فيك الشر كله!!".
وهذا الذي ذكره ابن المبارك متفق عليه بين العلماء، فإنه ما من أحد من أعيان الأمة من السابقين الأولين ومن بعدهم إلا لهم أقوال وأفعال خفي عليهم فيها السنة!!، وهذا باب واسع لا يحصى، مع أنَّ ذلك لا يغض من أقدارهم، ولا يسوغ إتباعهم فيها!!، كما قال سبحانه: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول"، قال ابن مجاهد والحكم بن عتيبة ومالك وغيرهم: "ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم"، وقال سليمان التيمي: "إنْ أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله"، قال ابن عبد البر: "هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً"، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في هذا المعنى ما ينبغي تأمله...)) [وذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى جملة من الآثار] ثم قال:
((وهذه آثار مشهورة رواها ابن عبد البر وغيره، فإذا كنا قد حُذِّرنا من "زلة العالم"!، وقيل لنا: أنها أخوف ما يخاف علينا، وأمرنا مع ذلك أنْ لا يرجع عنه!.
فالواجب على مَنْ شرح الله صدره للإسلام: إذا بلغته مقالة ضعيفة عن بعض الأئمة أن لا يحكيها لمن يتقلد بها، بل يسكت عن ذكرها إلى أن يتيقن صحتها، وإلا توقف في قبولها!، فما أكثر ما يحكى عن الأئمة ما لا حقيقة له!، وكثير من المسائل يخرجها بعض الأتباع على قاعدة متبوعة مع أنَّ ذلك الإمام لو رأى أنها تفضي إلى ذلك لما التزمها!!، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، ومن علم فقه الأئمة وورعهم علم أنهم لو رأوا هذه الحيل وما أفضت إليه من التلاعب بالدين لقطعوا بتحريم ما لم يقطعوا به أولاً)).
أقول: والبعض أيضاً يظن أنَّ مسائل الاجتهاد لا إنكار فيها مطلقاً؛ بينما شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول في [الفتاوى الكبرى 1/159]: ((ومسائل الاجتهاد لا يسوغ فيها الإنكار إلا ببيان الحجة وإيضاح المحجة؛ لا الإنكار المجرد المستند إلى محض التقليد فإنَّ هذا فعل أهل الجهل والأهواء)).
وقال في [منهاج السنة 1/44]: ((المسألة اجتهادية فلا تنكر إلا إذا صارت شعاراً لأمر لا يسوغ فتكون دليلاً على ما يجب إنكاره، وإنْ كانت نفسها يسوغ فيها الاجتهاد)).
قلتُ:
فإذا تبين ذلك؛ فإنه مما لا شك فيه أنَّ قاعدة وجوب قبول الجرح المفسَّر والإلزام به داخلة في أصل: وجوب الانقياد إلى الحجج إذا ظهرت.
وأقول:
ليس كل أحد يتصدَّر لمسألة النقد والكلام في الرجال، لأنَّ بعض الناس يحاول أن يعترض ويشكك في مسألة كون الكلام في الرجال من باب الأخبار، حيث زعم أنَّ الأمر لو كان من قبيل الخبر لاستطاع كل ثقة وإنْ لم يكن عالماً أن يتكلَّم في الرجال ويجب أن يُقبل كلامه، لأنَّ خبر الثقة واجب قبوله سواء صدر من عالم أو عامي!.
وجوابه أنَّ خبر الثقة يجب قبوله، لكن الذي يتكلَّم في الرجال له صفات أخرى غير كونه ثقة؛ قال العلامة عبد الرحمن المعلمي رحمه الله تعالى في مقدمة كتاب [الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي] تحت عنوان "النقد والنقاد": ((ليس نقد الرواة بالأمر الهين، فإنَّ الناقد لا بد أن يكون واسع الإطلاع على الأخبار المروية، عارفاً بأحوال الرواة السابقين وطرق الرواية، خبيراً بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب والموقعة في الخطأ والغلط، ثم يحتاج إلى أن يعرف أحوال الراوي متى ولد؟ وبأي بلد؟ وكيف هو في الدين والأمانة والعقل والمروءة والتحفظ؟ ومتى شرع في الطلب؟ ومتى سمع؟ وكيف سمع؟ ومع مَنْ سمع؟ وكيف كتابه، ثم يعرف أحوال الشيوخ الذين يحدث عنهم وبلدانهم ووفياتهم وأوقات تحديثهم وعادتهم في التحديث، ثم يعرف مرويات الناس عنهم ويعرض عليها مرويات هذا الراوي ويعتبرها بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه.
ويكون مع ذلك: متيقظاً، مرهف الفهم، دقيق الفطنة، مالكاً لنفسه، لا يستميله الهوى، ولا يستفزه الغضب، ولا يستخفه بادر ظن حتى يستوفي النظر ويبلغ المقر، ثم يحسن التطبيق في حكمه فلا يجاوز ولا يقصر.
وهذه المرتبة بعيدة المرام عزيزة المنال لا يبلغها إلا الأفذاذ، وقد كان من أكابر المحدثين وأجلتهم مَنْ يتكلم في الرواة فلا يعوَّل عليه ولا يلتفت إليه.
قال الإمام علي بن المديني وهو من أئمة هذا الشأن: "أبو نعيم وعفان صدوقان لا أقبل كلامهما في الرجال، هؤلاء لا يدعون أحداً إلا وقعوا فيه" وأبو نعيم وعفان من الأجلة، والكلمة المذكورة تدل على كثرة كلامهما في الرجال؛ ومع ذلك لا تكاد تجد في كتب الفن نقل شيء من كلامهما)).
أقول:
وبعض الناس يرفض قبول جرح العلماء لأهل البدع المعاصرين بذريعة أنَّ علماء الجرح والتعديل ثلاثة أقسام: منهم المعتدل، ومنهم المتساهل، ومنهم المتشدد، فيزعم أنَّ العالم الفلاني من المتشددين في الكلام على الرجال.
والجواب عن ذلك: أنَّه على فرض أنَّ العالم الفلاني متشدد في الكلام على الرجال، فإنَّ المتشدد من أئمة الجرح والتعديل لا يرد كلامه إلا بثلاثة شروط، قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في [ذكر مَنْ يعتمد قوله في الجرح والتعديل ص172] عندما ذكر أقسام أهل الجرح والتعديل: ((قسم منهم: متعنِّت في الجرح متثبِّت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، ويليِّن بذلك حديثه: فهذا إذا وثَّق شخصاً فعضَّ على قوله بناجذيك وتمسَّك بتوثيقه. وإذا ضعَّف رجلاً؛ فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإنْ وافقه ولم يوثق ذاك أحدٌ من الحذاق: فهو ضعيف. وإنْ وثَّقه أحد؛ فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسراً. يعني؛ لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلاً: هو ضعيف، ولم يوضِّح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يُتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب، وابن معين، وأبو حاتم، والجوزجاني، متعنتون. وقسم في مقابلة هؤلاء: كأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي بكر البيهقي، متساهلون. وقسم: كالبخاري، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وابن عدي، معتدلون منصفون)).
قلتُ:
فالمتشدد في التجريح لا يُرد قوله إلا بثلاثة شروط:
الأول: أن يُعرف عنه أنه يغمز بالغلطتين والثلاث، ويُليِّن بها.
الثاني: أن يخالفه في التجريح أحدُ الحذَّاق من أهل الصنعة.
الثالث: أن يجرح جرحاً غير مفسَّر.

فنقول لهؤلاء الذين يصفون بعض أهل العلم المعاصرين بالتشدد في التجريح:
هل هؤلاء العلماء يجرِّحون بالغلطتين والثلاث؟!
هل المخالِف لهم من الحذَّاق الذين يعرفون الناس المجروحين وأحوالهم؟!
هل العلماء المجرِّحين يذكرون أسباب الجرح بالأدلة الصريحة والبراهين القاطعة؟!
فإنْ تخلَّف شرط واحد من هذه الشروط وجب الأخذ بقول الجارح.
فكيف ونحن نرى في واقعنا اليوم:
أنَّ العلماء الموصوفين بالتشدد - مثل الشيخ ربيع حفظه الله تعالى - لا يتكلَّم بالرجال في غلطة أو غلطتين أو ثلاث!، بل يؤاخذهم بالأصول المخالفة لمنهج السلف الصالح، وبعد نصائح عدة، وصبر طويل؟!
وكيف ونحن نعرف أنَّ المخالِف له ممن يوثِّق مَنْ يجرحه الشيخ ربيع حفظه الله تعالى: إما أن يكون متساهلاً في التوثيق؛ يُعرف عنه توثيق المشتهرين بالبدعة والانحراف فضلاً عن غيرهم، وإما أنه لا يعرف حال المجروحين وما هم عليه من انحرافات وتغير وتلون؟!
ثم كيف ونحن نعلم أنَّ الشيخ ربيعاً حفظه الله تعالى يذكر عدة أسباب مفسَّرة معتبرة على الجرح؟!
وكيف ونحن نعلم أنَّ الشيخ ربيعاً حفظه الله تعالى قد وافقه في تجريح المشار إليهم جمع من أهل العلم والمشايخ المعروفين عند الجميع؟!
أفبعد هذا كله يُقال أنَّ الشيخ ربيعاً حفظه الله تعالى من المتشددين الذين لا يُقبل كلامهم في الرجال؟!
إذا كان كذلك؛ فكيف قال فيه إمام العصر في الحديث بلا منازع الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: ((إنَّ حامل راية الجرح والتعديل اليوم في العصر الحاضر وبحق هو: أخونا الدكتور ربيع، والذين يردون عليه لا يردون عليه بعلم أبداً، والعلم معه)).
وأخيراً؛ أختم هذه الوجوه الثلاثة التي تدل على لزوم الأخذ بجرح المبتدعة الصادر من أهل العلم المعتبرين بالأدلة والبراهين، بكلام حامل راية الجرح والتعديل في هذا العصر:
قال العلامة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله تعالى في رسالته القيمة [أئمة الجرح والتعديل هم حماة الدين ص23]: ((إذا اختلف عالمان من علماء الجرح والتعديل أو غيرهم في أمر ديني فالحكم في القضية لله لا للهوى وأهله الذين يأخذون بقول المخطئ ويردون قول المصيب.
والواجب فيما اختلف فيه من أمر الدين الرد إلى الله والرسول، قال تعالى: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً"، فينظر في قول المتنازعين في ضوء الشريعة وقواعدها المستمدة منها - لا المفتعلة -؛ فمن وافق قوله شريعة الله وجب الأخذ بقوله، ومَنْ خالفها رد قوله مع احترامه واعتقاد أنه مجتهد له أجر المجتهد المخطئ.
ولا يقف المسلم المتبع موقف أهل الأهواء فيقول: قد اختلف العلماء فلا يلزمني قول فلان وفلان!، ويذهب يتلاعب بعقول الناس، فإنَّ مثل هذا القول يجرئ الناس على رد الحق وإسقاط أهله، وصاحب الحجة يجب الأخذ بقوله إتباعاً لشرع الله وحجته لا لشخص ذلك الرجل وسواد عينيه)).
وقال في [المصدر السابق ص25] وهو يرد على أحد الحدادية المتعالمين: ((بناءً على قاعدتك في باب التبديع يلزمك تبديع الإمام البخاري!، لأنَّ الإمام محمد بن يحيى الذهلي وأصحابه قد بدَّعوا الإمام البخاري وآذوه، ولكنَّ العلماء وعلى رأسهم مسلم إلى يومنا هذا خالفوا الإمام محمد بن يحيى؛ فهل تبدعهم لأنهم لم يتبعوا محمد بن يحيى؟ّ!
وتقول: لماذا خالفوه؟
فأقول: لأنه ليس معه ولا مع أصحابه حجة.
والإمام أحمد نفسه خالف الناس في شريك بن عبد الله النخعي وأبي نعيم لأنه لم تُقدَّم له الحجة على تبديعهما، ولو قدموها له لقبلها والتزمها؛ كما عهدنا ذلك منه ومن أمثاله رحمهم الله.
فمدار القبول والرد: هو الحجة وعدمها لا الهوى؛ كما قررت أنت هنا في قضايا الاختلاف أي اختلاف أئمة الجرح والتعديل، ولا يبعد أن تقررها في كل القضايا كما يفعل أهل الأهواء الذين قلدتهم.
والإلحاق بالمبتدع ليس على إطلاقه عند السلف وأئمتهم بل هم فرقوا بين الداعية إلى البدعة وغير الداعية، فحذروا من الداعية ومن مجالسته وأخذ العلم عنه، بل إذا تمادى في العناد والدعوة إلى بدعته قد يحكمون بقتله؛ لأنه عندهم أضر من قطاع الطرق المحاربين لله ورسوله. وأما غير الداعية من الصادقين المأمونين فقد أخذوا منهم العلم حفاظاً على الشريعة وحذراً من أن يضيع شيء منها)).
وقال في إحدى نصائحه لفالح الحربي: ((وعند اختلافهم في الجرح سواء كان الجرح بالتبديع أو غيره: يوزن اختلافهم بميزان العدل؛ فمَنْ كان منهم معه الحجة والبرهان أُخذ بقوله، سواء كان متشدداً أو متوسطاً أو متساهلاً)).
أقول:
والخلاصة:
أنَّ جرح المبتدعة الصادر من أهل العلم المعتبرين إذا ظهرت الأدلة والبراهين على صحته فإنه ملزم لمَنْ بلغه ذلك وثبت عنده، وهذا يدل على بطلان أصل مَنْ قال: لا يلزمني تبديع مَنْ بدَّعه فلان من أهل العلم، ولازم هذا الأصل الفاسد أن لا يقبل صاحبه بتبديع العلماء للجهم بن صفوان ولا الحارث المحاسبي ولا حسين الكرابيسي ولا الجعد بن درهم ولا واصل بن عطاء ولا عمرو بن عبيد ولا بشر المريسي ولا لغيرهم من أهل البدع قديماً وحديثاً، ولازم عدم تبديع هؤلاء أنَّ أصولهم لا تخالف أصول السلف الصالح، ولهذا فهم لا يخرجون عن إطار أهل السنة والجماعة، وهذا من أبطل الباطل، بل هو داخل في تحريف الدين وتبديل الشرع المستبين.
وقد قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى لما سُئل عن حسين الكرابيسي: ((أخزى الله الكرابيسي، لا يُجالس ولا يُكلَّم، ولا تُكتب كتبه، ولا تُجالس مَنْ يجالسه))، وقال فيه: ((إياك، إياك، إياك وهذا الكرابيسي، لا تكلِّمه ولا تكلِّم مَنْ يكلِّمه)).
قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى في [الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء؛ مالك والشافعي وأبي حنيفة ص106]: ((أبو علي الحسين بن علي الكرابيسي؛ وكان عالمًا مصنفًا متقناً، وكانت فتوى السلطان تدور عليه، وكان نظاراً جدلياً، وكان فيه كبر عظيم، وكان يذهب إلى مذهب أهل العراق فلما قدم الشافعي وجالسه وسمع كتبه انتقل إلى مذهبه وعظمت حرمته، وله أوضاع ومصنفات كثيرة نحو من مائتي جزء، وكانت بينه وبين أحمد بن حنبل صداقة وكيدة، فلما خالفه في القرآن عادت تلك الصداقة عداوة، فكان كل واحد منهما يطعن على صاحبه، وذلك أنَّ أحمد بن حنبل كان يقول: "مَنْ قال القرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال القرآن كلام الله ولا يقول غير مخلوق ولا مخلوق فهو واقفي، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع"، وكان الكرابيسي وعبد الله بن كلاب وأبو ثور وداود بن علي وطبقاتهم يقولون: إنَّ القرآن الذي تكلَّم به الله صفة من صفاته لا يجوز عليه الخلق، وأنَّ تلاوة التالي وكلامه بالقرآن كسب له وفعل له وذلك مخلوق، وأنه حكاية عن كلام الله وليس هو القرآن الذي تكلم الله به، وشبهوه بالحمد والشكر لله وهو غير الله، فكما يؤجر في الحمد والشكر والتهليل والتكبير فكذلك يؤجر في التلاوة. وحكى داود في كتاب الكافي: أنَّ هذا كان مذهب الشافعي!، وأنكر ذلك أصحاب الشافعي وقالوا: هذا قول فاسد ما قاله الشافعي قط، وهجرت الحنبلية أصحاب أحمد بن حنبل حسيناً الكرابيسي وبدَّعوه وطعنوا عليه وعلى كل مَنْ قال بقوله في ذلك)).
أسأل الله تعالى أن يرزقنا الفهم السليم والقول السديد، وأن يجنبنا الظن وما تهوى الأنفس، والله الموفِّق.

كتبه
رائد آل طاهر
في مساء يوم الخميس 12 من شعبان 1432ﻫ
الموافق 14/7 /2011
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:11 PM.


powered by vbulletin