
01-30-2012, 05:54 PM
|
|
موقوف - هداه الله -
|
|
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 1,340
شكراً: 0
تم شكره 33 مرة في 31 مشاركة
|
|
من الهدي النَّبوي : والـنُّصح لكل مسلم [ درر وعبر ... ]
من الهدي النَّبوي : والـنُّصح لكل مسلم
درر وعبر ...
بسم الله الرحمن الرحيم
في الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال :
" بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السَّمع والطاعة فيما استطعت ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والنُّصح لكل مسلم "
أولاً : آداب النصيحة :
إسداء النَّصيحة لأئمة المسلمين ، وعامَّتهم مبدأٌ له آدابه وضوابطه كما دلَّت على ذلك نصوص الكتاب والسُّنَّة ، وأهمُّ آدابه :
أن يكون النُّصح برفق وتلطُّف ، وعلمٍ وحكمة ، وأن يكون سرًّا ، حتَّى يؤتِي ثماره ويحقِّق مقصوده ، وقد أنشد الشافعي رحمه الله في بيان هذا المعني :
تَعمَّدني بنُصحك في انفرادي /// وجنَّبني النَّصيحة في الجماعه
فإنَّ النُّصح بيْن النَّاس نوعٌ /// من التوبيخ لا أرْضي اسْتِماعَهْ
وإن خالفْتَني وعَصيْتَ قولي /// فلا تَجْزع إذا لَـمْ تُعط طاعَهْ (1)
يقول الحافظ ابن رجب : " وكان السَّلف إذا أرادوا نصيحة أحد ، وعظوه سرًّا ، حتَّى قال بعضهم : من وعظ أخاه فيما بينه وبينه ، فهي نصيحة ، ومن وعظه على رؤوس النَّاس فإنَّما وبَّخه ".
وقال الفُضيل :" المؤمن يَسْتُر وينصح ، والفاجر يهتك ويُعيِّر " (2)
وهذا معلوم عند الجميع ، فإنَّ إبداء النَّصيحة جهرًا وعلنًا أمام الأشهاد خلاف المقصود منها ، وخلاف الهدي النَّبوي ، لأنَّه فَضْحٌ للمنصوح وتشهير بخطئه وعيوبه دون مصلحة مرجوَّة ...
درر وعبر :
بيان الثِّمار الطَّيبة لقبول النَّصيحة ، والآثار السَّيِّئة للتَّهاون في شأنه :
هذه بعض النَّماذج من السُّنَّة النَّبوية ، والآثار السَّلفية ، ففيها من المعاني ، والعبر ، ما يكفي كلَّ لبيب عاقل ، ناصح لنفسه ، محبِّ للخير لأمَّته
ففي الصحيحين من حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : " بينما أنا عند البيت بين النَّائم واليقظان فأتيت بطِسْتٍ ( وذكر قصَّة الإسراء والمعراج الطَّويلة ، وفيها عروجه إلى السماء ، ولُقيُّه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
فأتينا على السماء السادسة ... فأتيت على موسى فسلمت عليه ، فقال : مرحبا بك من أخ ونبي ، فلما جاوزت بكى ، فقيل : ما أبكاك ؟
قال : يارب ، هذا الغلام الذي بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أفضل مما يدخل من أمتى ...
ثم رفعت لي سدرة المنتهى ... ثم رفع لى البيت المعمور ..
ثم فرضت على الصلاة خمسين صلاة كل يوم ، فرجعت على موسى ، فقال : ما صنعت ؟ قلت : فرضت على خمسون صلاة ، فقال : أنا أعلم بالناس منك ، إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم ، وإني والله قد جريت النَّاس قبلك ، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة ، وإن أمتك لا تطيق ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك .
فرجعت فوضع عنى عشرا ، فرجعت إلى موسى فقال مثله ، فرجعت فوضع عنى عشرًا ، فرجعت إلى موسى فقال مثله ، فرجعت فوضع عنى عشرًا ، فرجعت إلى موسى فقال مثله ، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم ، فرجعت فقال مثله ، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم ، فرجعت إلى موسى فقال : بما أمرت ؟ قلت : أمرت بخمس صلوات كل يوم .
قال : إنَّ أمتك لا تستطيع خمس صلوات كلَّ يومٍ ، وإني قد جربت النَّاس قبلكَ ، وعالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة ، فارجع إلى ربك فسأله التَّخفيف لأمَّتك ، قال : سألت ربي حتَّى استحيْيتُ ، ولكن أرضَى وأسَلِّمُ .
قال : فلمَّا جاوزتُ نادَى منادٍ : أمْضيَتُ فَريضَتي ، وخففتُ عن عبادي ، واجزي الحسنة عشرًا " (3)
فهذا كليم الله موسى عليه السلام ، النَّاصح الأمين لأمَّته في عهده ، يُسدي النَّصيحة الغالية والرَّائقة لخاتم الأنبياء - عليه الصَّلاة والسَّلام - ، وللأمَّة الإسلامية جمعا ، رحمةً بها ، وشفقة عليها ... فما أعظمها من نصيحة
ولكن ، كيف كان موقف نبيِّنا صلى الله عليه وسلم ؟
هل ترددَّ في قبول هذه النَّصيحة ؟ أم هل قال : أنا خاتم الأنبياء ، وأفضل الرُّسل ، وشريعتي خاتمة الشَّرائع ، والمهيمنة عليها كلّها ، فهي الأفضل ؟
هل قال : إنَّ أمَّتي ليست كباقي الأمم ، شرفًا ، والتزامًا ، وجهادًا .. ؟ أم هل قال .. ؟ أم هل قال ...؟
كلُّ هذا لم يكن ، بل قبل صلى الله عليه وسلم النَّصيحة من المجرب الحكيم ، ورجع إلى ربِّ العزَّة سبحانه وتعالى ، وراجعه في هذا التَّشريع العظيم ، مرار وتكرار : خمس مرَّات يسمع نصح موسى عليه السلام ويراجع ربَّه عزَّوجل ، ثمَّ في المرَّة السَّادسة ما منعه من الرُّجوع إلاَّ الحياء من الله سبحانه وتعالى ، فقال صلى الله عليه وسلم : " سألت ربي حتَّى استحيْيتُ ، ولكن أرضَى وأسَلِّمُ "
هكذا كان هديه عليه الصلاة والسلام وهو القدوة والأسوة : قبول النُّصح بكلِّ تواضع .. فما هي الثَّمرة والفائدة ؟
أن أمضى الله تعالى فريضته ، وخفَّف على عباده ..
هذه هي الثِّمار اليانعة لقبول النُّصح جنيُ الفوائد ، وتعميم الخير ، وترسيخ الإصلاح وتحصيل الدَّرجات العُلا ، وتقليل الفساد
ووالله لو لم يكن في مبدأ النُّصح وقبوله إلاَّ مثل هذه الفائدة العظيمة على الأمَّة الإسلاميَّة ، لكفتها في تَبيّن مقدار وأهميَّة إحياء مبدأ النَّصيحة ، إسداءً وقبولاً.
وبالمقابل ، فإنَّ عدم قبول النَّصيحة ، وذلك خلاف الهدي النَّبوي ، لا يجني منه الفرد ، والأمَّة إلاَّ الهوان ، والفتن ، وما لا تُحمد عقباه ، وفي تاريخ هذه الأمَّة الطَّيبة قصص وعبر بعضًا منها :
قصَّة الحسين بن علي رضي الله عنهما
يُتبع إن شاء الله ...
مقتطفات من مقال : " والنُّصح لكل مسلم "
للدكتور الشَّيخ صالح عومار وفقه الله
مستل من مجلتنا الغراء الإصلاح العدد العاشر
|