منتديات منابر النور العلمية

العودة   منتديات منابر النور العلمية > :: الـمـــنابـــر الـعـلـمـيـــة :: > المـــنـــــــــــــــــــــبـــــــــر الــــــــعـــــــــــــــــــــام

آخر المشاركات ردود الصعافقة بعضهم على بعض وكشف بعضهم أسرار بعض ليست صحوة ضمير وإنما تنازع لصوص، واختلاف زعامات،... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          نموذج من بكائيات الصعافقة على ما فعلوه في أنفسهم من اللؤم ونكران الجميل! (محمد خليفة الداودي... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          من أفرد عاشوراء بالصوم فقط هل يحصل على ثواب تكفير السنة كاملة؟ (الكاتـب : أبو هريرة الكوني السلفي - )           »          والله إني لأتعجب من شدة وقاحة ووضاعة وصفاقة وجه الصعافقة(مثل نزار هاشم وفواز المدخلي وبلال السالمي... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          الصعفوق فواز المدخلي جاء ليدافع عن نزار هاشم السوداني في بدعته حول اسم الله الشافي فورط نفسه ومن... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          كشف شبهات المشبه الأشعري محمد رجب عريان الحسني (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          من عجائب زماننا وهو من عجائب الصعافقة وكيف كانوا يعيشون على المكر والخبث (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          كشف شبهات وأكاذيب الرويبضة (ذَنَب الكوري هدي) المدعو أبو يحيى مصطفى البيضاوي (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          التنبيه على (مكر عابر) لأحد مكرة الصعافقة المغاربة المدعو (فؤاد منجيب) (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          نموذج من تعالم الصعافقة وابتداعهم أقوالا للتبرير لشيوخ الفتنة عندهم (دفاع هوراز الكردي عن نزار... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طريقة عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-21-2013, 08:53 PM
بلال الجيجلي بلال الجيجلي غير متواجد حالياً
العضو المشارك - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: الجزائر- ولاية جيجل - حرسها الله من كل سوء-
المشاركات: 941
شكراً: 13
تم شكره 43 مرة في 40 مشاركة
افتراضي تِبْيَانُ الطَّالِبِ الصَّغِيْرِ غَلَطَ الْعَالِمِ الكَبِيْرِ للشيخ معاذ الشمري -وفقه الله-

بسم الله الرّحمن الرّحيم
تِبْيَانُ الطَّالِبِ الصَّغِيْرِ غَلَطَ الْعَالِمِ الكَبِيْرِ


إنّ الحمدَ للهِ؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، مَنْ يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلِلْ فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلاّ الله؛ وحده لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمّدًا عبده ورسوله.

أمّا بعد:

فإنّ طالبَ العلم إذا كتب في تبيان غلطٍ للشّيخ فُلانٍ أو فُلان؛ توجّهت نحوَه انتقادات بعض النّاس؛ يقولون: كيف تُبيّنُ غلطَه وأنت طالبٌ صغيرٌ وهو عالمٌ كبير؟!.

وأنا لا أريد الإطالةَ في مُناقَشَةِ هؤلاء الإخوة بـــــبيان أنّ العُلماءَ عُرْضَةٌ للْغَلَطِ كغيرهم، أو بــــــبيان أنّ بيان غلط العالم ليس طعنًا فيه، أو بـــــبيان أنّ (الحقَّ بدَلائِله لا بقائله)، أو بــــبيان أنّ العلمَ أكبرُ من العالم ومن المتعلّم..، أو غيرِ ذلك من قواعد التَّجَرُّدِ الّتي هي من بدهيّات المنهج السّلفيّ..

ولكنّي سأذكُرُ-ابتغاءًا للاختصار-بعضَ أخبار مَن سَلَف؛ ممّن كانوا يُعَظِّمون العلم ويعرفون قَدْرَه، وقد جمع شيئًا مِنْ هذه المواقف غيرُ واحدٍ؛ فأنتقي منها شيئًا وأزيدُ عليها أشياء؛ فلتُتَأمّل:

1- قال البخاريّ في "صحيحه": حدّثنا موسى بنُ إسماعيل: حدّثنا أبو عَوانة؛ عن أبي بشر؛ عن سعيد بن جُبَير؛ عن ابن عبّاسٍ؛ قال: كان عمر يُدخِلُني مع أشياخ بدر؛ فكأنّ بعضهم وَجَد في نفسه؛ فقال: لِمَ تُدْخِلُ هذا مَعَنا ولنا أبناءٌ مثله؟!.

فقال عمر: إنّه مَنْ قد علمتم؛ فدعاه-ذاتَ يوم-؛ فأدخله معهم؛ فما رُئيتُ أنه دعاني يومئذٍ إلاّ ليُريهم؛ فقال: ما تقولون في قول الله-عزّ وجلّ-: (( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ))؟.

فقال بعضُهم: أُمِرْنا أن نَحمدَ اللهَ ونستغفره إذا نُصِرنا وفُتِح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا.

فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عبّاس؟.

فقلت: لا.

فقال: فما تقول؟.

فقلت: هو أَجَلُ رسول الله-صلّى الله عليه وسلّم-أَعْلَمَه له؛ قال: ((إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)): فذلك علامةُ أجلك، ((فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)).

فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلاّ ما تقول.

رواه البخاريّ في "صحيحه" في موضعين؛ هذا أحدهما، ورواه غيره، وهو حديثٌ مشهورٌ؛ يدُلُّ على أنّ العلمَ ليس بالسّنّ، وعلى وجوب توقير صاحب العلم ولو كان صغير السّنّ، وعلى وجوب قَبول الحقّ ممّن جاء به ولو كان سِنُّه صغيرًا، وعلى أنّ الصّغير يردّ على الكبير إذا كان يردّ بالعلم.

2- وقال ابنُ العربيّ المالكيّ-غفر اللهُ لنا وله-في "أحكام القرآن:1/182": ((أخبرني محمّد بن قاسمٍ العُثمانيّ-غير مرّةٍ-قال:

وصلتُ الفُسْطاط-مرّةً-؛فجئت مجلس الشّيخ أبي الفضل الجوهريّ, وحضرت كلامه على النّاس؛ فكان ممّا قال-في أوّل مجلسٍ جلستُ إليه-: ((إنّ النّبيّ-صلّى الله عليه وسلّم- طلّق وظاهر وآلى؛ فلمّا خرج تَبِعْتُه حتّى بلغتُ معه إلى منزله في جماعة، وجلس معنا في الدِّهْلِيز، وعرَّفهم أمري؛ فإنه رأى إشارة الغربة ولم يَعرف الشّخص قبل ذلك في الواردين عليه؛ فلمّا انفضّ عنه أكثرُهم قال لي: أراك غريبًا!؛ هل لك من كلام؟.

قلت: نعم.

قال لجلسائه: أفرجوا له عن كلامه.

فقاموا وبقِيْتُ وحدي معه؛ فقلت له: حضرتُ المجلس اليوم متبركاً بــــك [قلتُ: التّبرّك به لا يجوز!]؛ وسمعتُك تقول: ((آلى رسول الله-صلّى الله عليه وسلّم-))؛ وصــــدَقتَ, ((وطـــــــــــلّق رسول الله-صلّى الله عليه وسلّم-))؛ وصدقت, وقلتَ: ((وظاهر رسول الله-صلّى الله عليه وسلّم-))؛ وهذا لم يكن، ولا يصحّ أن يكون؛ لأنّ الظّهار مُنْكَرٌ من القول وزور, وذلك لا يجوز أن يقع من النّبيّ-صلّى الله عليه وسلم-؛ فضمّني إلى نفسه، وقَبَّلَ رأسي، وقال لي: أنا تائبٌ من ذلك؛ جزاك الله عنّي من معلمٍ خيرًا.

ثم انقلبتُ عنه، وبكَّرت إلى مجلسه في اليوم الثّاني؛ فألفيتُه قد سبقني إلى الجامع، وجلس على المنبر؛ فلمّا دخلتُ من باب الجامع ورآني نادى بأعلى صوته: مرحباً بمعلّمي! أفسحوا لمعلّمي!!.

فتَطَاوَلَتْ الأعناق إليَّ، وحدّقت الأبصار نحوي...، وتبادر النّاسُ إليَّ يرفعونني على الأيدي، ويتدافعونني؛ حتّى بلغتُ المنبر؛ وأنا لَعظيمُ الحياء؛ لا أعرف في أيّ بُقْعَةٍ أنا من الأرض، والجامع غاصٌّ بأهله، وأسال الحياءُ بَدَنِي عرقًا، وأقبل الشّيخ على الخلق؛ فقال لهم: أنا معلّمكم وهذا معلّمي؛ لـمّا كان بالأمس؛ قلت لكم: آلى رسولُ الله-صلّى الله عليه وسلّم-وطلّق وظاهر؛ فما أحدٌ منكم فَقُهَ عنّي ولا ردَّ عليَّ؛ فاتّبعني إلى منزلي وقال لي: كذا وكذا-وأعاد ما جرى بيني وبينه-؛ وأنا تائبٌ عن قولي بالأمس، راجعٌ عنه إلى الحقّ؛ فمن سمعه ممّن حضر فلا يعوِّلُ عليه، ومن غاب فليبلّغه من حضر؛ فجزاه الله خيرًا, وجعل يحفل في الدّعاء، والخلق يؤَمِّنون)).

ثمّ علّق ابن العربي قائلاً: ((فانظروا-رحمكم الله-إلى هذا الدّين المتين، والاعتراف بالعلم لأهله على رؤوس الملإ؛ من رجلٍ ظهرت رياسته، واشتهرت نفاسته؛ لغريبٍ مجهول العين، لا يُعْرَف مَنْ؟، ولا مِنْ أين؟؛ فاقتدوا به ترشدوا)).

3- وفي "تهذيب السّاري: 479"، و "تغليق التّعليق: 5/368"، وترجمة البخاريّ في"طرح التّثريب": قال الفِربريّ: سمعتُ محمّدَ بنَ أبي حاتمٍ ورّاقَ البُخاريّ يقول: سمعت البخاريّ يقول: أُلهمِتُ حفظ الحديث وأنا في الكّتّاب.

قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك؟.

فقال: عشر سنينٍ، أو أقلّ.

ثمّ خرجت من الكُتّاب؛ فجعلتُ أختَلِفُ إلى الدّاخليّ وغيره؛ فقال-يومًا-فيما كان يقرأ للنّاس: سفيان عن أبي الزّبير عن إبراهيم!.

فقلت: إنّ أبا الزّبير لم يرْوِ عن إبراهيم!.

فانتهرني!.

فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك؛ فدخل فنظر فيه؛ ثمّ رجع؛ فقال: كيف هو يا غلام؟.

فقلت: هو الزّبير؛ وهو: ابن عديٍّ عن إبراهيم.

فأخذ القلم، وأصلح كتابه، وقال لي: صدقت.

قال: فقال له إنسانٌ: ابنُ كم حين رددت عليه؟.

فقال: ابن إحدى عشرة سنة!)).

4- وقال الخطيب البغداديّ في "تاريخ بغداد: 4/301": في ترجمة الإمام أبي بكرٍ محمّد بن القاسم الأنباريّ إنّ الإمام أبا الحسن الدّارقطنيّ: ((حضره في مجلسٍ أملاه يوم جمعة؛ فصحّف اسمًا أورده في إسناد حديثٍ-إمّا كان (حبّان) فقال: (حيّان)، أو (حيّان) فقال: (حبّان)-؛ قال أبو الحسن: فأعظمتُ أن يُحْمَل عن مثله في فضله وجلالته وَهَمٌ، وهِبْتُه أن أُوْقفه على ذلك.

فلمّا انقضى الإملاء تقدَّمتُ إلى الـمُستَملِي، وذكرتُ له وَهَمَه، وعرّفتُه صوابَ القول فيه، وانصرفت.

ثمّ حضرت الجمعة الثّانيةَ مجلسه؛ فقال أبو بكرٍ للمستملي: ((عرِّف جماعةَ الحاضرين أنّا صحّفنا الاسم الفلانيّ لـمّا أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية، ونبَّهَنا ذلك الشّابّ على الصّواب، وهو كذا، وعَرِّف ذلك الشّاب أنّا رجــــــــعنا إلى الأصــــل فوجدناه كما قال)).

5- وقال صدّيق حسن خان في "أبجد العلوم: 3/107"؛ متحدّثًا عن شيخ الإسلام: ((وعُنِيَ الشّيخُ تقيّ الدّين بالحديث، ونسخ جُمْلَةً من الكتب، وتعلّم الخطّ والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، ثمّ أقبل على الفقه، وقرأ أيّامًا في العربيّة على ابن عبد القويّ، ثمّ فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه حتّى فهمه، وبرع في النّحو، وأقبل على التّفسير إقبالاً كُلِّيًّا؛ حتّى سبق فيه، وأحكم أصول الفقه؛ كلّ هذا وهو ابن بضع عشرة سنة!.

فانبهر الفضلاء من فرط ذكائه، وسَيَلان ذهنه، وقوّة حافظته وإدراكه.

ونشأ في تصوّنٍ تامٍّ وعفافٍ، وتعبُّدٍ، واقتصادٍ في الملبس والمأكل.

وكان يحضر المدارس والمحافل في صِغَرِه؛ فيُناظِرُ ويُفْحِمُ الكبار، ويأتي بما يتحيّرون منه، وأفتى وله أقلّ من تسع عشرة سنة، وشرع في الجمع والتّأليف، ومات والده وله إحدى وعشرون سنة، وبَعُدَ صِيْتُه في العالم؛ فطبق ذكره الآفاق، وأخذ في تفسير الكتاب العزيز أيّام الجمع على كرسيٍّ مِنْ حِفْظِه؛ فكان يُورِدُ المجلس ولايتلعثم، وكذلك الدّرس؛ بتؤدةٍ وصوتٍ جَهْوَرِيٍّ فصيح؛ يقول في المجلس أزيد من كرّاسين، ويكتب على الفتوى في الحال عدّة أوصال؛ بخطٍّ سريع؛ في غاية التّعليق والإغلاق‏)).

أقول: وتعرفُ نبوغ هذا الإمام مبكّرًا إذا طالعتَ تصنيفه العجيب="الصّارم المسلول"؛ الّذي صنّفه وله اثنتان وثلاثون سنةً؛ وقد حشاه بأصناف العلوم في العقيدة، والفِرَقِ والنِّحَل، والتّفسير، والحديث، والرّجال، والفقه، والفتاوى، والتّاريخ، واللّغة، وغير ذلك، وتعرّضَ فيه للرّدّ على بعض كِبارِ الأئمّة؛ كأبي يعلى الحنبليّ وغيره.

6- وهذا تلميذه الحافظُ الشّجاعُ ابنُ عبد الهادي؛ الّذي مات وله من العُمر تسعةٌ وثلاثون عامًا؛ حتّى كان شيخُنا الألبانيُّ يُلقّبه بـــ (الحافظ الشّابّ)؛ وهو صاحب الرّدّ الشّهير على (شيخ القُضاةِ) السُّبكيّ؛ أعني كتابَه: "الصّارمُ الـمُنكيّ في الرّدّ على السّبكيّ"؛ الّذي أظهر فيه من الشّجاعة الأَسَدِيَّة، والتّجرّد العلميّ السّلفيّ ما لا يخفى؛ ولم يقُــــــــــــلْ أحدٌ:

أين شيخُ الإسلام؟، وأينَ كبارُ تلاميذه؟؛ حتّى يتصدّى أحدُ الشّباب للرّدّ على مثل السُّبكيّ في شهرته وسُلطته وسنّه و(سُمعته العلميّة!)!.

وقد ذكر ابنُ رجبٍ في "ذيل طبقات الحنابلة:5/ 120" مِنْ تصانيفِ هذا الشّابّ الحافظ في الرّدّ على بعض كبار العلماء ما يلي:

- "الرّدّ على أبي بكرٍ الخطيب الحافظ في مسألة الجهر بالبسملة " مجلّد.

- "الكلام على حديث أبي سفيان ((ثلاثٌ أَعْطِينهنّ يا رسول الله))، والرّدّ على ابن حزمٍ في قوله: إنّه موضوع!".

- "جزءٌ منتقى من "مختصر المختصر" لابن خزيمة، ومناقشته على أحاديث أخرجها فيه؛ فيها مقالٌ" مجلّد.

- "ما أُخِذَ على تصانيف أبي عبد اللّه الذّهبي الحافظ" شيخه؛ عدّة أجزاء.

- "جزءٌ في الرّدّ على أبي حيّان النّحويّ فيما ردّه على ابن مالكٍ وأخطأ فيه".

- وله ردٌّ على ابن طاهرٍ، وابن دحية، وغيرهما.

والله أعلم كَمْ كان عمر هذا الإمام لـمّا كَتَبَ كُلّ هذه الرّدود.

قال الصّفديّ في ترجمته: ((لو عاش كان آيةً؛ كنتُ إذا لقِيْتُه سألته عن مسائل أدبيّةٍ وفوائدَ عربيّةٍ؛ فيتحدّر كالسّيل، وكنتُ أراه يُوافقُ المزّيّ في أسماء الرّجال ويردُّ عليه؛ فيقبل منه)).

والحافظُ المزّيّ أحدُ شيوخ ابن عبد الهادي، وقد روى عنه هو وشيخه الآخر: الذّهبيّ؛ كعادة العلماء في تواضعهم وروايتهم عمّن هو أصغر منهم؛ حتّى جعلوا ذلك نوعًا من أنواع علوم الحديث؛ هو: (روايةُ الأكابر عن الأصاغر)، وقريبٌ منه: (رواية الآباء عن الأبناء)، وأمثلة هذين البابين لا تكاد تُحصَر.

أمّا المزّيّ وتلميذه ابنُ عبد الهادي؛ فإنّ بينهما في العمر تسعةٌ وأربعون عامًا أو خمسون عامًا؛ حيثُ وُلِدَ المزّيُّ في عام: 654، وَوُلِدَ ابنُ عبد الهــــــــــــادي عام: 705، أو: 704؛ ومع ذلك كان يَرُدّ التِّلميذُ الشّابّ على أستاذه الشّيخ الكبير في العلم والقَدر؛ فيقبَلُ الشّيخُ منه.

بل قال المزّيّ عن ابن عبد الهادي: ((ما التقيت به إلاّ استفدتُ منه))؛ فللّه درُّهم ما أشدّ تجرّدهم وإنصافهم وتواضعهم!.

7- ولقد نبغَ كثيرٌ من الأئمّة في صِغَرِهم؛ فكانوا هم المرجع في العلم والفتيا؛ كمَن سبق، وكمُعاذ بن جبلٍ-رضي الله عنه-الّذي قال فيه النّبيّ-صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم-: ((أعلمهم [أي: الأمّة] بالحلال والحرام معاذ))؛ رواه أحمد والتّرمذيّ وابنُ ماجه من حديث أنسٍ-رضي الله عنه-؛ فكان معاذٌ أعلمَ هذه الأمّة بالحلال والحرام؛ وقد مات وله من العمر ثلاثةٌ وثلاثون عامًا، أو ثمانيةٌ وثلاثون.

ولقد كان الكُهُوْلُ من الصّحابة يُقَدِّمونَ معاذًا ويرجعون إليه في الفقه والفُتيا؛ كما روى أحمد في "مسنده:36/383-384"، والطّبرانيّ في "معجمه: 20/167"، وابنُ أبي شيبة في "مصنّفه: 13/145"، وغيرُهم عن أبي مُسلمٍ الخولانيّ؛ قال: أتيت مسجد دمشق فإذا حلقةٌ فيها كُهُولٌ من أصحاب محمّدٍ-صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم-، وإذا شابٌّ فيهم، أكحل العين، برّاقُ الثّنايا؛ كلّما اختلفوا في شيءٍ ردّوه إلى الفتى. قال: قلت لجليسٍ لي: مَنْ هذا؟؛ قالوا: هذا معاذ بن جبل.

ومِمَّن نبغ صغيرًا: الشّافعيُّ-رحمه الله-؛ حيثُ نبغَ ودرّسَ وأفتى وهو ابنُ خمسة عشر عامًا.

قال ابنُ أبي حاتمٍ في "الجرح والتّعديل: 7/203-204"-ومن طريقه ابنُ عساكرَ في "تاريخ دمشق: 51/331"، وأبو نُعيمٍ في "الحلية: 9/98-99"-: ((أنا أبو عثمان الخوارزميّ فيما كتب إليّ؛ قال: سمعت محمّد بن الفضل البزّاز؛ قال: سمعت أبي يقول: حججت مع أحمد بن حنبل، ونزلنا في مكانٍ واحد؛ فلمّا صلّيتُ الصُّبح دُرْتُ المسجد؛ فجئت إلى مجلس سفيان بن عيينه، وكنت أدور مجلسًا مجلسًا طلبًا لأحمدَ بن حنبل؛ حتّى وجدت أحمد عند شابٍّ أعرابيٍّ وعلى رأسه جمّة؛ فزاحمته؛ حتّى قعدت عند أحمد بن حنبل؛ فقلت: يا أبا عبد الله تركتَ ابنَ عيينة عنده الزّهريّ وعمرو بن دينارٍ وزياد بن علاقة والتّابعون ما الله به عليم؟!؛ فقال لي: اسكت!؛ فإن فاتك حديثٌ بعلوٍّ تجده بنزولٍ ولا يضرّك في دينك ولا في عقلك، وإن فاتك عقْلُ هذا الفتى أخاف أن لا تجده إلى يوم القيامة، ما رأيت أحدًا أفقه في كتاب الله-عزّ وجلّ-من هذا الفتى القرشيّ؛ قلت: مَنْ هذا؟؛ قال: محمّد بن إدريس الشّافعيّ)).

ولقد استصغر إسحقُ بنُ راهُوْيَه الشّافعيَّ؛ فعاتبه الإمامُ أحمد-رحمهم الله-؛ كما في "الجرح والتّعديل: 7/202": ((قال أبو إسمعيل التّرمذيّ: سمعت إسحق بن راهُوْيَه يقول: كنّا بمكّة، والشّافعيّ بها، وأحمد بن حنبل بها؛ فقال لي أحمدُ بن حنبل: يا أبا يعقوب!؛ جالس هذا الرّجل-يعنى: الشّافعيّ-؛ قلت: ما أصنع به؟!؛ ســــــــــــنّه قريبٌ من سِنّنا!؛ أتْرُكُ ابنَ عُيَيْنة والمقري؟!؛ قال: ويحك!؛ إنّ ذاك لا يفوت وذا يفوت؛ فجالسته)).

ولقد ردّ الشّافعيُّ على فُحول العلماء-على صغر سنّه-، وناظرَ وصنّف وأفتى ودرّس؛ كمناظرته المشهورة لـمّا رحل إلى بغداد لشيخه محمّد بن الحسن الشّيبانيّ تلميذِ أبي حنيفةَ، وغير ذلك من المناظرات الّتي حشاها في كتبه.

و ممّن نبغَ وهو صغيرٌ: إبراهيمُ التّيميُّ؛ الّذي لم يبلُع الأربعين.

وعمر بنُ عبد العزيز؛ الّذي قُتِلَ-رحمه الله-في الأربعين من عمره.

وإمامُ العَرَبيّةِ سِيْبُوْيَه؛ الّذي مات-رحمه الله-وله اثنان وأربعون عامًا على أشهر الأقوال، وقيل: مات وله ستٌّ وثلاثون سنةً.

وابنُ الـمُقفّع الكاتب المشهور؛ الّذي مات-رحمه الله-لستّةٍ وثلاثين عامًا.

وبديعُ الزّمان الهمذانيّ؛ الّذي مات-رحمه الله-لأربعين عامًا.

والنّوويّ الّذي مات-رحمه الله-وله خمسةٌ وأربعون عامًا؛ صنّف فيها الكتب الكثيرة، وأفتى، وردّ، وناظر..

وأبو البركاتِ ابنُ تيميّة؛ الّذي نال لقب الإمامة في الدّين وهو ابنُ ستّة عشر عامًا.

والشّوكانيّ؛ الّذي أفتى وهو ابنُ عشرين عامًا.

والشّيخُ الإمام العلاّمةُ سليمانُ بن عبد الله ابن الشّيخ الإمام محمّد بن عبد الوهاب؛ وهو صاحب "الدّلائل في حُكم موالاة أهل الإشراك"، وغيرها من الكتب والرّدود العظيمة النّافعة؛ وقد قُتل-صبرًا-رحمه الله-وله ثلاثةٌ وثلاثون عامًا.

والشّيخُ النّابغةُ حافظُ بنُ أحمدَ الحكميّ؛ الّذي تُوفّيَ-رحمه الله-وله من العمر خمسةٌ وثلاثون عامًا.

ومن أهل زماننا الشّيخُ الفاضلُ عبدُ السّلام بنُ برجس؛ صاحب التّصانيف والرّدود العلميّة الماتعة؛ وقد مات-رحمه الله-وله ثمانيةٌ وثلاثون عامًا.

وغيرُهم كثيرٌ؛ يُغني ذِكْرُ مَنْ ذُكِرَ عن ذِكْرِهِم؛ فإنّ مُرادَنا التّمثيل لا الحصر، ولقد صُنِّفَ في هذا الباب كُتبٌ؛ منها: "العلماء الّذين لم يتجاوزوا سنّ الرّشد"، وغيره.

وهذا كُلُّه في نبوغ بعض الصِّغار في العلم؛ فأمّا مَن نبغَ في الرّئاسة، أو القيادة العسكريّة، أو غير ذلك؛ فأمثلته كثيرةٌ؛ كقيادة أسامةَ بنِ زيدٍ جيشَ الصّحابة-رضي الله عنه وعنهم-إلى الشّام، وفيهم كثيرٌ من كبار الصّحابة؛ وكان لأسامةَ-حينئذٍ-سبعة عشر عامًا.

ولقد استصغره بعضُ الصّحابة في هذا ( البعث)؛ ويُروى أنّ الأنصارَ طلبت من عمر أن يُبْلِغَ أبا بكرٍ-رضي الله عنهما-وأن يطلبَ منه: أن يولي أمرهم رجلاً أقدم سنًّا من أسامة!...؛ فوثب أبو بكرٍ-وكان جالسًا-؛ فأخذ بلحية عمر، وقال: ثكلتك أمّكّ وعدمتك يا ابن الخطاب!؛ استعمله رسول الله-صلّى الله عليه وسلّم-وتأمرني أن أنزعه؟!.

فخرج عمر إلى النّاس؛ فقالوا له: ما صنعت؟؛ فقال: امضوا ثكلتكم أمّهاتكم!؛ ما لقيت من سببكم اليوم من خليفة رسول الله-صلّى الله عليه وسلّم-.

ثمّ خرج أبو بكرٍ حتّى أتاهم؛ فأشخــــــصهم، وشيّعــــــهم وهــــــــــــو ماشٍ وأسامةُ راكـــبٌ وعبد الرّحمن بنُ عوفٍ يقود دابّة أبي بكر؛ فقال له أســـــــــامةُ: يا خلـــــــيفة رسول الله-صلّى الله عليه وسلّم-: لتركبنّ أو لأنزلنّ؛ فقال: والله لا تنزل، ووالله لا أركب، وما عليّ أن أغبّر قدميّ ساعةً في سبيل الله؟!...

ومثالٌ آخر: القائدُ الشّجاعُ البطلُ قُتيبةُ بنُ مُسلمٍ الباهليِّ..، وغيرُه، وغيرُه..

فالنُّبوغُ الـمُبكّرُ فضْلٌ من الله يُؤتيه من يشاءُ، والواجبُ على المُسلمين أن يفرحُوا بوجودِ مثلِ هذا فيهم، ولا يجوزُ لأحدٍ أن يحسدَ أخاه لذلك؛ فإنّ الحَسَد مِن كبائر الذّنوب!.

8- وقال (الـمُفلِحُ)-كما سمّاه شيخه شيخُ الإسلام-=ابنُ مُفلِحٍ الحنبليّ في "الآداب الشّرعيّة: 2/214": ((فصلٌ: في أخذ العلم عن أهله وإن كانوا صغار السّنّ:

قال الإمام أحمد: بلغني عن ابن عُيينة قال: الغُلامُ أُسْتَاذٌ إذا كان ثقة.

وقال عليّ بن المدينيّ: لأن أسأل أحمد بن حنبل عن مسألةٍ فيُفتيني أحبّ إليّ من أن أسأل أبا عاصمٍ وابن داود؛ إنّ العلم ليس بالسّنّ.

وروى الخلاّل من حديث عبد الرّزّاق؛ عن معمر؛ عن الزّهريّ؛ قال: قال عمر-رضي الله عنه-: ((إنّ العلم ليس عن حداثةِ السّنّ ولا قِدَمِه؛ ولكنّ الله-تعالى-يضعه حيث يشاء)).

وقال وكيعٌ: لا يكون الرّجل عالمًا حتّى يسمع ممّن هو أسنّ منه، ومَن هو مثله، ومَن هو دونه في السّنّ.

هذه طريقة الإمام أحمد على ما ذكره البيهقيّ في "مناقبه" وغيره.

وكان القُرّاء أصحاب مشورة عمر كهولاً كانوا أو شبّانًا، وكان وقّافا عند كتاب الله؛ رواه البخاريّ وغيره.

وفي "الصّحيحين" عن ابن عبّاسٍ-رضي الله عنهما-؛ قال: كُنتُ أُقْرِئُ رجالاً من المهاجرين؛ منهم: عبد الرّحمن بن عوف.

قال ابن الجوزيّ في "كشف المشكل": فيه تنبيهٌ على أخذ العلم من أهله وإن صغُرَت أسنانهم أو قلّت أقدارهم، وقد كان حكيم بن حزام يقرأ على معاذ بن جبل؛ فقيل له: تقرأ على هذا الغلام الخزرجيّ ؟!؛ قال: إنّما أهلَكَنا التّكبر)).

وقال ابنُ حجرٍ في "الفتح: 12/146"-في استنباط الفوائد من حديث ابن عبّاسٍ-رضي الله عنهما-الأخير: ((كنتُ أُقرِئُ رجالاً من المهاجرين...))-: ((في هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدّم: أخذ العلم عن أهله وإن صغرت سنّ المأخوذ عنه عن الآخذ، وكذا لو نقص قدره عن قدره...)).

9- وكان الأئمّة يُنكرون استصغار أهل العلم ولو كانت أسنانهم صغيرةً؛ كما قال القزوينيّ في "التّدوين لأخبار قزوين: 2/184": ((ويُروى أنّه قِيْلَ لأحمدَ بنِ حنبل: بالرّيّ شابٌّ يُقال له أبو زرعة؛ فغضب أحمد، وقال: ((يقول: شابّ!!!))؛ كالـمُنكِر عليه، ثمّ رفع يديه وجعل يدعو الله-تعالى-لأبي زرعة؛ يقول: ((اللّهمّ انصره على من بغى عليه، اللّهمّ ادفع عنه البلاء، اللّهمّ...، اللّهمّ ... ؛في دعاءٍ كثير)).

وكان الإمامُ أحمَدُ يُقَدِّمُ كلامَ هذا (الشّابّ!) على كلام بعض الشّيوخ الكبار؛ لأنّه كان يتكلّم بعلم..

وقال المزّيّ في "تهذيب الكمال: 2/219"، والّذهبيُّ في "تاريخ الإسلام: 16/76"-واللّفظُ له-: ((أبو إسحق التّميميّ الرّازيّ الحافظ الفرّاء، المعروف بالصّغير؛ وكان الإمام أحمد يُنكر هذا، ويقول: هو كبيرٌ في العلم والجلالة)).

وروى الخطيبُ في "الكفاية: 62" أنّ المروزيّ سأل أبا عبد الله-يعني: أحمد بن حنبل- عن سماع الصّغير؛ متى يصحّ؟؛ قال: إذا عَقِل.

وسُئِل عن إسحق بن إسماعيل [هو: الطّالقانيّ]؛ وقيل له: إنّهم يذكرون أنّه كان صغيرًا!؛ قال: قد يكون صغيرًا يضبط.

ولقد اجتمع بمـــــــكّةَ في الحجّ الأخير ناسٌ من المشايخ وطلبة العلم-وأنا معـــــــــــهم-في بيت شيخنا الإمام السّلفيّ الرّبيع بن هادي المدخليّ-حفظه الله-؛ فاستنكر بعضُ النّاس ما يقومُ به بعضُ الشّباب السّلفيّين الصّغار في السّنّ-مِنْ إخواننا مِنْ أهل الكويت-مِنْ رُدودٍ علميّةٍ على المخالفين؛ فاسْتَنْكَر شيخُنا-بشدّةٍ-استصغارَ هؤلاء الشّباب؛ وقال: هؤلاء ليسوا شبابًا!؛ هؤلاء شيوخ، هؤلاء شيوخ، هؤلاء شيوخ؛ يكرّرها.

10- وهب أنّ كبيرًا تكلّم بغير علمٍ فما فائدةُ كلامه؟!.

ولو تكلّم صغيرٌ بعلمٍ فما يضرّه صِغَرُ سنّه؟!.

فالعلمُ هو الأكبرُ، والأظهرُ، والأعلى، والأغلى، والأولى، والأحلى؛ لا السّنّ!، ولا المنصب!، ولا الشّهرة!!!.

ولا يزالُ علماؤنا يُقدِّمون الحقّ على أقوالِ الرّجال ولو كانوا كبارًا؛ كما كان ابنُ القيّم يقول في "مدارج السّالكين" في ردوده على شيخ الإسلام أبي إسماعيل الهرويّ: ((شيخُ الإسلام حبيبنا؛ ولكنّ الحقّ أحبّ إلينا)).

ويُنسبُ إلى غيرِ واحدٍ -حتّى صارَ مثلاً-: ((المرءُ بأصغريه=قلبِه ولسانِه))؛ وليس بحديث.

فليس العلم بالسّنّ أو بالشّهرةِ أو بالمنصب!؛ بل:

العـــــــــلمُ قـــــــالَ اللهُ قـــــــــال رســـوله === قال الصّحابةُ ليسَ خُلفٌ فيه
ما العلمُ نصبَكَ للخلافِ سفاهةً === بين الرّســـول وبين قــــــول فقيه
فمن أتى بالعلم فهو العالم الّذي يجبُ الأخذ منه..

قال البربهاريّ-رحمه الله-في "شرح السّنّة": ((ليس العلمُ بكثرة الرّواية والكتب؛ ولكنّ العالم من اتّبع الكتاب والسّنّة)).

11- واعلم-علّمني اللهُ وإيّاكَ-أنّ عدم قَبولِ الحقّ من الصّغير تكبّرٌ ذميمٌ؛ قال رسول الله-صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم- في حديث ابنِ مسعودٍ عند "مسلمٍ"، وأبي هريرة عند "أبي داود": ((الكِبْرُ: بطر الحـقّ، وغمط النّاس،))، وفي حديث ابن عمرٍو عند أحمدَ والبـخاريّ في "الأدب الـمُفرَد" وغيرهما: ((غمص النّاس))؛ أي: استصـــغارهم، واحتـقارهم، وازدراؤهم!.

وقال الشّوكانيّ في "أدب الطّلب ومنتهى الأرب: 90": ((وَمن الْآفَات المانِعَة عَن الرُّجُوع إِلَى الحقّ: أن يكون المتكلّم بِالحقِّ حدث السنّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى من يناظره، أَو قَلِيل العلم، أو الشُّهْرَة فِي النَّاس، وَالآخرُ بعكس ذَلِك؛ فَإِنَّهُ قد تحمله حميّة الجاهِلِيَّة والعصبيّة الشّيطانيّة على التَّمَسُّك بِالبَاطِلِ؛ أَنَفَةً من الرُّجُوع إِلَى قَول من هُوَ أَصْغَر مِنْهُ سنًّا، أَو أقلّ مِنْهُ علمًا، أَو أخْفى شُهْرةً؛ ظنًّا مِنْهُ أَنّ فِي ذَلِك عَلَيْهِ مَا يحطّ مِنْهُ وَينْقص مَا هُوَ فِيهِ!.

وَهَذَا الظَّن فَاسدٌ؛ فَإِنّ الحطّ وَالنَّقْص إِنَّمَا هُوَ فِي التّصميم على البَاطِل، والعلوَّ والشّرفَ فِي الرُّجُوع إِلَى الحقّ بيد مَنْ كَان،َ وعَلى أَيّ وَجهٍ حصل...)).

وقد يقع هذا الاستعلاء واستصغار النّاس من طُلاّب ذلك العالم الكبير، أو مِن مُحبّيه!؛ وهو كِبْرٌ مِن أيّ شخصٍ وقع!.

ولو رجعوا إلى الحقّ، وأخذوا به مِن أيّ طريقٍ جاء؛ لكان في ذلك العزّ والشّرف؛ فإنّ هذا هو سبيل العلم وأهله؛ كما روى الأصبهانيّ في "المحجّة: 2/535" أنّ عبد الله بن بريدة قال: ((مِن ضَنَائِنِ العلم الرّجوع إلى الحقّ)).

وقال ابن رجبٍ في "الفرق بين النّصيحة والتّعيير: 8": ((كان أئمّة السّلف الـمُجمَع على علمهم وفضلهم يقبلون الحقّ ممّن أورده عليهم وإن كان صغيرًا، ويوصون أصحابهم وأتباعهم بقبول الحقّ إذا ظهر في غير قولهم)).

12- وأمّا مَن قال: قد نهى السّلفُ عن أخذ العلم من الأصاغر؛ كعمرَ ، وابنِ مسعودٍ، وغيرهما؛ بل وردَ-مرفوعًا-أنّ ذلك من أشراط السّاعة؛ فأقول:

نعم!.

واختلف العلماءُ في معنى (الأصاغر)، وقال ابنُ قتيبةَ أنّهم أصاغرُ السّنّ!.

وهذا صحيحٌ إذا كانوا يتكلّمون بغير علمٍ؛ كما هو حـــــــــال غالب صغار السّنّ؛ فأمّا مَن تكلّمَ بعلمٍ-ولو كان صغيرًا-فكانوا يُعظّمونه، ولا يستصغرونه.

ولأجل هذا عرّف ابنُ الـمُبارك (الأصاغرَ)-كما في "شرح اعتقاد أهل السّنّة: 1/85" لللاّلكائيّ، وغيره-أنّهم: أهل البدع.

وفي "جامع بيان العلم وفضله: 1/312" لابن عبد البرّ؛ بإسناده إلى ابن الـمُبارك أنّه سُئِلَ عن (الأصاغر)؛ فقال: الّذين يقولون برأيهم؛ فأمّا صغيرٌ يروي عنه كبيرٌ فليس بصغير.

وقال إبراهيم الحربيُّ-فيما أخرجه اللاّلكائيّ في "شرح اعتقاد أهل السّنّة: 1/85"-: إنّ الصّغير إذا أخذ بقول رسول الله-صلّى الله عليه وسلّم-والصّحابةِ والتّابعين فهو كبير، والشّيخُ الكبيرُ إن أخذ بقول أبي حنيفةَ وترك السُّنَن فهو صغير.

ولأجلِ هذا كُنْتُ قُلتُ في قصيدتي "النّونيّة" من سنينَ طويلةٍ:

وأولو الحديث فهم أكابر إن تكن === شابت لحًى أو كنّ سوداواتِ
فمَن كتبَ أو درّسَ أو ردّ وناظرَ بعلمٍ وحلمٍ فلا معنى لاستصغاره؛ إلاّ أن يكون حَسَدًا!، أو كِبْرًا-كما سبق-.

13- وأمّا مَن لم يقبلْ مِن الـمُعاصِرِ ولو تكلّمَ بعلمٍ!؛ زاعمًا أنّه لا يأخُذُ إلاّ مِنْ مُتقدّمٍ؛ فهذا نقول له:

قد صَدَقَ مَنْ قال: ((الـمُعاصرةُ حِرمان))!.

وقال شاعرٌ:

قُلْ لِـمَن لا يرى الـمُعاصِرَ شيئًا === ويــــــــرى للأوائــــــــلِ التّقــــــديما
إنّ هذا القــــــديمَ كــــــانَ حــــــــديثًا === وسيغدو هذا الحديثُ قديما
وقال ابنُ قتيبةَ-رحمه الله-في "إصلاح غلط أبي عُبيدٍ": ((ولا نعلمه خصَّ بالعلم قومًا دون قوم، ولا وقفه على زمنٍ دون زمن؛ بل جعله مشتركًا مقسومًا بين عباده؛ يفتح للآخِر ما أغلقه عن الأوّل، ويُنبِّه المقلّ منه على ما أغفـــــــل عنه المكثر، ويُحييه بمتــــــأخّرٍ يتعقّب قول متقدّم، وتالٍ يعتبر على ماض)).

وقال أبو الفضل إسحق بن محمّدٍ العلثيّ-كما في ترجمته في "ذيل طبقات الحنابلة"-: ((ولو كان لا يُنْكِرُ مَنْ قَلَّ علمه على من كَثُر علمه؛ إذًا لتعطّل الأمر بالمعروف، وصِرنا كبني إسرائيل؛ حيث قال-تعالى-: ((كانوُا لاَ يَتَنَاهُوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ))؛ بل يُنكِرُ المفضول على الفاضل، والفاجرُ على الوليّ-على تقدير معرفة الوليّ-)).


وأخيرًا:

فقد بان المقصود، وتجلّت حقيقةُ المسألة؛ فهذا أوانُ رفع القلم.

واللهَ أسألُ أن يرزقنا الإخلاص والتّجرّد للعلم والحقّ، وأن يُعيذَنا من الكِبْرِ والحَسَد، وأن يجعلَ رقابَنا مطايا للحقّ، وأن يُثبّتنا على دينه.

واللهُ الـمُستعانُ.

والحمدُ للهِ ربّ العالمين.

وكتب:
خادمُ السّلفيّين
أبو عبد الرّحمن الأثريّ
معاذُ بنُ يُوسُفَ الشّمّري
-أعانه مولاه-
في: الأردن؛ إربد؛ 25-جمادى الأولى-1432هـ.

المصدر:
http://www.sahab.net/forums/index.php?showtopic=120426
__________________
ذكر ابن عبد الهادي في ذيله على ذيل ابن رجب على طبقات الحنابلة في ص 52: قال أخبرت عن القاضي علاء الدين ابن اللحام أنه قال: ذكرَ لنا مرة الشيخُ [ابن رجب] مسألة فأطنب فيها ، فعجبتُ من ذلك ، ومن إتقانه لها ، فوقعتْ بعد ذلك في محضر من أرباب المذاهب ، وغيرهم ؛ فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة ! فلما قام قلتُ له: أليس قد تكلمتَ فيها بذلك الكلام ؟! قال : إنما أتكلمُ بما أرجو ثوابه ، وقد خفتُ من الكلام في هذا المجلس .
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:57 PM.


powered by vbulletin