السؤال: سئل شيخ الإسلام عن [المرشدة] كيف كان أصلها وتأليفها؟
فأجاب رحمه الله تعالى قائلا :
الحمد لله رب العالمين، أصل هذه: أنه وضعها أبوعبد الله محمد بن عبد الله بن التومرت، الذي تلقب بالمهدي، وكان قد ظهر في المغرب في أوائل المائة الخامسة من نحو مائتي سنة، وكان قد دخل إلى بلاد العراق، وتعلم طرفاً من العلم، وكان فيه طرف من الزهد والعبادة.
ولما رجع إلى المغرب صعد إلى جبال المغرب، إلى قوم من البربر وغيرهم جهال لا يعرفون من دين الإسلام إلا ما شاء الله، فعلمهم الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك من شرائع الإسلام، واستجاز أن يظهر لهم أنواعاً من المخاريق، ليدعوهم بها إلى الدين، فصار يجيء إلى المقابر يدفن بها أقواماً ويواطئهم على أن يكلموه إذا دعاهم، ويشهدوا له بما طلبه منهم، مثل أن يشهدوا له بأنه المهدي، الذي بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يواطئ اسمه اسمه، واسم أبيه اسم أبيه.
وأنه الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلا، كما ملئت جورا وظلماً، وأن من اتبعه أفلح، ومن خالفه خسر، ونحو ذلك من الكلام.
فإذا اعتقد أولئك البربر إن الموتى يكلمونه ويشهدون له بذلك، عظم اعتقادهم فيه وطاعتهم لأمره.
ثم إن أولئك المقبورين يهدم عليهم القبور ليموتوا، ولا يظهروا أمره، واعتقد أن دماء أولئك مباحة بدون هذا، وأنه يجوز له إظهار هذا الباطل ليقوم أولئك الجهال بنصره واتباعه، وقد ذكر عنه أهل المغرب وأهل المشرق الذين ذكروا أخباره من هذه الحكايات أنواعاً.
وهي مشهورة عند من يعرف حاله عنه.
ومن الحكايات التي يأثرونها عنه أنه واطأ رجلا على إظهار الجنون وكان ذلك عالماً يحفظ القرآن والحديث والفقه، فظهر بصورة الجنون والناس لا يعرفونه إلا مجنوناً. ثم أصبح ذات يوم وهو عاقل يقرأ القرآن والحديث والفقه، وزعم أنه علم ذلك في المنام، وعوفي مما كان به، وربما قيل: إنه ذكر لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه ذلك فصاروا يحسنون الظن بذلك الشخص، وأنه كان لهم يوم يسمونه يوم الفرقان، فرق فيه بين أهل الجنة وأهل النار بزعمه، فصار كل من علموا أنه من أوليائهم جعلوه من أهل الجنة، وعصموا دمه، ومن علموا أنه من أعدائهم جعلوه من أهل النار، فاستحلوا دمه، واستحل دماء ألوف مؤلفة من أهل المغرب المالكية، الذين كانوا من أهل الكتاب والسنة على مذهب مالك وأهل المدينة، يقرؤون القرآن والحديث: كالصحيحين، والموطأ وغير ذلك، والفقه على مذهب أهل المدينة، فزعم أنهم مشبهة مجسمة ولم يكونوا من أهل هذه المقالة، ولا يعرف عن أحد من أصحاب مالك إظهار القول بالتشبيه والتجسيم.
واستحل أيضاً أموالهم، وغير ذلك من المحرمات بهذا التأويل ونحوه، من جنس ما كانت تستحله الجهمية المعطلة كالفلاسفة والمعتزلة، وسائر نفاة الصفات من أهل السنة والجماعة لما امتحنوا الناس في [خلافة المأمون] وأظهروا القول بأن القرآن مخلوق، وأن الله لا يرى في الآخرة، و نفوا أن يكون لله علم، أو قدرة أو كلام أو مشيئة، أو شيء من الصفات القائمة بذاته.
وصار كل من وافقهم على هذا التعطيل عصموا دمه وماله، وولوه الولايات وأعطوه الرزق من بيت المال، وقبلوا شهادته وافتدوه من الأسر، ومن لم يوافقهم على أن القرآن مخلوق وما يتبع ذلك من بدعهم قتلوه، أو حبسوه أو ضربوه أو منعوه العطاء من بيت المال، ولم يولوه ولاية، ولم يقبلوا له شهادة، ولم يفدوه من الكفار.
يقولون: هذا مشبه، هذا مجسم، لقوله: إن الله يرى في الآخرة، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن الله استوى على العرش، ونحو ذلك.
فدامت هذه المحنة على المسلمين بضع عشرة سنة، في أواخر خلافة المأمون، وخلافة أخيه المعتصم، والواثق بن المعتصم، ثم إن الله تعالى كشف الغمة عن الأمة، في ولاية المتوكل على الله، الذي جعل الله عامة خلفاء بني العباس من ذريته دون ذرية الذين أقاموا المحنة لأهل السنة.
فأمر المتوكل برفع المحنة وإظهار الكتاب والسنة، وأن يروى ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، من الإثبات النافي للتعطيل.
وكان أولئك الجهمية المعطلة قد بلغ من تبديلهم للدين أنهم كانوا يكتبون على ستور الكعبة: (ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم) ولا يقولون: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، وأنهم كانوا يمتحنون الناس بقوله تعالى:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، فإذا قالوا :وهو السميع البصير أنكروا عليهم، ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فلا ينفون عن الله ما أثبته لنفسه، ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه، بل يعلمون أن الله ليس كمثله شيء.
لا في ذاته ولا في صفاته، ولافي أفعاله، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات، فصفاته لا تشبه الصفات.
والله تعالى بعث الرسل فوصفوه بإثبات مفصل، ونفي مجمل.
وأعداء الرسل الجهمية الفلاسفة ونحوهم وصفوه بنفي مفصل، وإثبات مجمل.
فإن الله سبحانه وتعالى أخبر في كتابه بأنه: بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه حي قيوم، وأنه عزيز حكيم، وأنه غفور رحيم، وأنه سميع بصير، وأنه يحب المتقين والمحسنين والصابرين، وأنه لا يحب الفساد، ولا يرضي لعباده الكفر، وأنه رضي عن المؤمنين ورضوا عنه، وأنه يغضب على الكفار ويلعنهم، وإنه إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه، وأنه كلم موسى تكليماً، وأن القرآن نزل به الروح الأمين من الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم........
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - الجزء الحادي عشر.
__________________
روى البخاري وغيره عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِىٍّ قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ فَقَالَ « اصْبِرُوا ، فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِى عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلاَّ الَّذِى بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ » . سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ - صلى الله عليه وسلم -.
|