من الحكمة في تزوج الولود وتحريم اقتتال المسلمين مع بعضهم مكاثرة الأمم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
1- فقد حث الإسلام الرجال على الزواج، ومع كونه من الفطرة، ومن سنن الله الكونية في بقاء الجنس البشري، إلا أن له حِكماً وأعظمها تحصين الفرج عن الحرام، وتقوية أواصر المجتمع.
ومن المستحب أن يتزوج الرجل المرأة الودود الولود، والودود حسنة الخلق، المتوددة لزوجها، والولود أي كثيرة الولادة.
عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهيا شديدا، ويقول: "تزوجوا الودود الولود، إني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة". رواه الإمام أحمد وسعيد بن منصور والبزار وابن حبان وغيرهم وسنده حسن، وهو صحيح بشواهده.[إرواء الغليل: 1784]. وفي بعض ألفاظه: "مكاثر بكم الأمم يوم القيامة".
والباءة: الزواج، والتبتل: ترك الزواج لأجل الانقطاع للتعبد.
وأما الودود الولود فقال في عون المعبود(6/ 33-34) : "وقيد بهذين لأن الولود إذا لم تكن ودودا لم يرغب الزوج فيها، والودود إذا لم تكن ولودا لم يحصل المطلوب وهو تكثير الأمة بكثرة التوالد، ويعرف هذان الوصفان في الأبكار من أقاربهن إذ الغالب سراية طباع الأقارب بعضهن إلى بعض".
وفيه الحرص على تكثير النسل لا تحديده بغير ضرورة، وكذلك الحث على معالجة المرأة من مشاكل الولادة وضعف الإنجاب، وكذلك حث الرجل على العلاج إن وَجد به ضعفا عن الإنجاب.
فمن الحِكم من الزواج مكاثرة الأمم والأنبياء يوم القيامة.
2- وقد حرم الإسلام قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، فحرم قتل النفس المعصومة ظلما وعدوانا، وحرم اقتتال المسلمين لدنيا أو عصبية أو نزعة جاهلية، وتوعد القاتل والمقتول بالنار، وحرم قتال الفتنة الذي لا يعرف القاتل فيم قَتَل، ولا المقتول فيم قُتِل، ولا يتبين فيه وجه الحق.
ومن أسباب تحريم ذلك: أن بقاء المسلم حيا استمرار له في طاعة الله وعبادته، والله عز وجل ما خلقنا إلا لعبادته.
وكذلك من أسباب تحريم قتل النفس بغير حق تكثير الأمة، والرسول صلى الله عليه وسلم يكاثر بنا الأمم يوم القيامة.
عن الصنابح بن الأعسر رضي الله عنه قال: قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ألا إني فرطكم على الحوض , وإني مكاثر بكم الأمم؛ فلا تقتتلن بعدي".
رواه الحميدي، والإمام أحمد وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وغيرهم وسنده صحيح. [صحيح ابن ماجه:3944].
والفَرَط: السابق. أي: سأسبقكم إلى الحوض.
فحث على الزواج من الولود لتكثير الأمة، ونهى عن قتل النفس بغير حق لتكثير الأمة، فالقتل بغير حق يضعف الأمة وينقصها.
وأما ما شرع من جهاد المشركين والكفار، وجهاد الخوارج وقطاع الطريق والمحاربين، ومشروعية القصاص من قاتل العمد، وكذلك رجم الزاني المحصن، فكل ذلك لمصلحة تكثير الأمة.
فالكفار لا يزالون يقاتلون المسلمين حتى يرتدوا قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]، والردة تضعف المسلمين، وتقلل الأمة، ولذلك شرع قتل المرتد على يد السلطان لمنع الردة التي تضعف المسلمين وتقلل عددهم. قال صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" رواه البخاري.
وفيه رد على دعاة الديمقراطية والملاحدة الذين يشككون في حد الردة، ويزعمون أن ذلك من الحرية!!
والخوارج والمحاربون من أهدافهم وأفعالهم سفك الدماء وقتل المسلمين فهذا فيه تقليل للأمة، فبقتال الخوارج ومن يقتل المسلمين بغير حق أو يرهبهم يحصل الأمن والأمان، وتحفظ دماء المسلمين.
فما شرعه الإسلام من قتال وقتل بحق -ومن ذلك الحدود ومنها رجم الزاني المحصن- فللحفاظ على أمن وسلامة المجتمع ومقدراته، ولتهيئة المجتمع الإسلامي للتكثير والمكاثرة بالموحدين والعابدين لله عز وجل والمتمسكين بالإسلام، وتكون المكاثرة بوجه مشروع لا بفاحشة الزنا.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد
كتبه:
أسامة بن عطايا العتيبي
3/ 11/ 1437 هـ