وأما صبره عن المعصية فصبرُ اختيار ورضى ومحاربة للنفس
قال ابن القيم رحمه الله : سمعت شيخ الإسلام قدس الله روحه يقول : كان صبرُ يوسف عليه السلام عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها أكملَ من صبره على إلقاء إخوته له في الجُبّ وبيعِه وتفريقهم بينه وبين أبيه ، فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره ، لا كسبَ له فيها، ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر ، وأما صبره عن المعصية فصبرُ اختيار ورضى ومحاربة للنفس ، ولاسيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة ؛ فإنه كان شابا ، وداعيةُ الشباب إليها قوية ، وعزبا ليس له ما يعوضه ويرد شهوته ، وغريبا والغريب لا يستحيي في بلد غربته مما يستحيي منه من بين أصحابه ومعارفه وأهله ، ومملوكا والمملوكُ أيضا ليس وازعُه كوازع الحر ، والمرأة جميلة وذات منصب ، وهي سيدته وقد غاب الرقيب ، وهي الداعية له إلى نفسها ، والحريصة على ذلك أشد الحرص ، ومع ذلك توعّدته إن لم يفعل بالسجن والصَـغار . ومع هذه الدواعي كلها صبر اختيارا وإيثارا لما عند الله . وأين هذا من صبره في الجُب على ما ليس من كسبه ؟!
مدارج السالكين 156/2
__________________
روى البخاري وغيره عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِىٍّ قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ فَقَالَ « اصْبِرُوا ، فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِى عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلاَّ الَّذِى بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ » . سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ - صلى الله عليه وسلم -.
|